islamaumaroc

أسلوب الدعوة ومعوقاتها.

  علي آيت علي

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

من المسلم به أن عالم اليوم في تغير مستمر بين آونة وأخرى، والدنيا من حولنا في تطور دائم بين لحظة ولحظة، والإنسان الخليفة يتنقل من مرحلة إلى مرحلة، وتبعا لذلك فإن الفكر البشري في نمو مطرد، ورقي من حال إلى حال، وما كان ثابتا من النظريات إلى عهد قريب جدا لم يعد اليوم في جله كذلك.
وبناء على هذه الاعتبارات، فإن أساليبنا ومناهجنا في الدعوة والحوار والمجادلة، لابد أن تكون في مستوى الواقع المعيش والعالم المتغير الذي لا تعرف عجلاته للتوقف معنى، ولا للعاجز فيه مكان، ولا يعني ضرورة كون هذه المناهج والأساليب تستجيب لمتطلبات العصر، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت متصفة بالشمولية والحداثة، بحيث تتناول مناحي مختلفة من الحياة وبروح العصر.
ومعلوم أن لكل مقام مقالا، فالأسلوب العلمي لا يثمر مع البسطاء من الفلاحين والعمال ومن على شاكلتهم، كما العبارات البسيطة والكلمات المعادة في كل محفل لا ينطبع بها الطابع الجامعي، ولا تكون ذات وقع في المثقف الخبير بالمذاهب الكلامية والفكرية في العالم، مخاطبة الناس بقدر عقولهم، هو العمل الأسلم، والمنهج الأقوم.
فالداعية الحق لا بد أن يكون في دعوته كالطبيب الماهر، يراعي ظروف من يحاور من حيث التكوين الفكري والمزاج النفسي، ومشاغله ومجالات نشاطه، فأساليب الخطاب لابد أن تتنوع تنوع الأفكار والمستويات العلمية والمعرفية، وتتعدد بتعدد مجالات القول والبيان. وهو المنهج الذي أرسى قواعده ومبادئه القرآن الكريم، ورسم طرقه ومسالكه لكل من تصدى لهذه المهمة الشريفة بدءا من الرسول الحبي (صلع) إلى كل من جاء بعده من الدعاة. وهو ما تبينه الآية الكريمة : << أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ّأعلم بالمهتدين >>.(1)
هذا هو سبيل الدعوة في شرع الله خالصا، لا تشوبه شائبة، ولا يلتمس الداعي من أحد جزاء ولا شكورا، بل يؤدي واجبه محتسبا. والدعوة بالحكمة تتضمن المعرفة الدقيقة بأحوال المخاطب وظروفه حتى تتضح معالم التعامل معه ويتحدد مجاله، والقدر الذي له قدرة على استيعابه كل مرة، بحيث لا يشق عليه بكثرة التكاليف قبل استعداد عقلي ونفسي لها. كما أن من مقتضيات الحكمة التنويع في الأسلوب حسب مقتضيات الحال.
أما الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن فقد قال عنها المرحوم سيد قطب : <<... وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية، فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
وبالجدل بالتي هي أحسن، فلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له ولا تقبيح حتى يطمئن إلى الداعي، ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها في سبيل الله لا في سبيل نصرته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر>>.(2)    
هكذا يبين القرآن أن على الداعية البلاغ والبيان، ولا ضرورة للحاجة الحوار، والأمر بعد ذلك إلى الله عز وجل، ونحن المسلمين ما تمسكنا بهذا النهج الرباني فسنكسب الرهان ضد الأعداء على اختلاف مشاربهم، وسنحوز قصب السبق لا محالة، إذ سر نجاح السلف الصالح في دفاعهم عن عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي نشر ألوية الإسلام خفاقة في كثير من أنحاء المعمور، إنما يكمن في التزامهم بمنهج القرآن وتطبيقه قولا وعملا وسلوكا.
ففي القرآن من الحيوية والاستمرار ما جعل الأعداء يتخوفون ممن الإسلام بالرغم مما أصاب أهله من جمود وركود عهودا طويلة، وإلى هذا أشار المفكر الألماني "شميتز" في كتابه المسمى "الإسلام قوة الغد العالمية" حيث قال : <<ويتضح أن قوة القرآن في جمع شمل المسلمين لم يصبها الوهن، ولم تنجح الأحداث التي مرت بالمسلمين في القرون الأخيرة في زعزعة ثقتهم به، كقوة روحية تستطيع أن تجمع التيارات المختلفة (...) إن الروح الإسلامية مازالت تسيطر على تفكير القادة وعواطفهم، وستظل كذلك مادامت هناك شعوب إسلامية ربطت مصيرها بتعاليم الإسلام، وأعتقد أن الرباط الجامع بين أجناسها المختلفة هو الإسلام".(3)
وما انهزم المسلمون إلا بسبب إعراضهم عن تعاليم السماء، وما ضعفوا وما استكانوا إلا يوم تخلفوا عن تحقيق الانسجام بين الدين والدنيا، سيما وعقيدتهم لم تقتصر على الشعائر التعبدية وحدها، وإنما هي شريعة ومنهاج دين ودنيا << وابتغ يما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك >>.(4)
فنحن حينما نستعرض أمامنا أشرطة حضارية إنسانية عبر عصور خلت من تاريخ البشر، فإننا سنجد لا محالة أن أمة القرآن، احتلت مركز قيادة العالم عشرة قرون أو تزيد، قيادة رشيدة حكيمة في الوقت الذي كانت متفيئة ظلال القرآن، ومستنيرة بهدي خاتم الرسل (صلع) ومتلبسة بمنهج السلف الصالح في التعامل مع الواقع الإنساني، ولكن حدث ما لم يكن في المحسوب، ولا يتصور أبدا في أمة كتابها القرآن حيث أصيب المسلمون بنكسة خطيرة أخرتهم عن مركز تلك القيادة الحكيمة، وجعلتهم على الهامش يوم ابتعدوا عن حضارة الإسلام بكل أبعادها وأعماقها، فتقدم تلامذتهم من الغرب، واعتلوا تلك المكانة التي انهزم أهلها، وقادوا العالم بحضارة مادية صرفة بدل الحضارة المستمدة من نور الوحي الرباني، فارتكس العالم الإسلامي، وأصيب برجفة قوية، وصوحت بقيمه رياح التغريب، فتربى في أحضان هذه الحضارة الملحدة أجيال إسلاميون عاقون لتاريخ أمتهم وأمجادها، متنكرون لمنابع أصالتهم وقوتهم، فسخروا ما توافر لهم من مؤهلات على مستوى العقل والقلم والمنبر لخدمة حضارة الغرب.
أما معارفهم عن حضارة دينهم فقد عدت ضحلة لاتسمن ولا تغني، وأصبح كل ما يقدم من قبل الغرب القوي محل إعجاب وتقدير، وما علموا أن تلك الحضارة في عصور من التاريخ قد اغتالت العقل العلمي في ريعان شبابه، وقضت على التسامح والسلم والتساكن بين أمم الأرض بعقوبة نافذة، وتسلطت على الشعوب المستضعفة واستبعدتها غلبة وقهرا.

بعض مقومات الصحوة الإسلامية :
وبخصوص معاناة اليقظة الإسلامية تجاه المجتمع العالمي فإنها معاناة جد قاسية، واجهها الأعداء بحرب ضروس جهز لها كل أسلحة الدمار، ووضع في طريقها ألغاما موقوتة تزلزل الأرض تحت أقدام الدعاة بين حين وآخر، وتعترض مسيرة الحركة المباركة للحيلولة دون اكتشاف العالم الإسلامي هويته وذاتيته من جديد.
ومع ذلك فالخطر الأكبر الذي يواجه صحوتنا لم يعد مع القوى الخارجية بقدر ما هو مع "البيت الإسلامي" إن صحت العبارة، لأن التيارات الوافدة على أرض الإسلام – وخاصة بعد الثورة الفرنسية – قد منيت بهزائم تاريخية ماحقة، إذا ما استثنينا الجانب الفكري الذي لا تزال وطأته قاسية على العالم الإسلامي.
ففي قطر عربي – مثلا – بالشرق الأوسط، ذكر السيد "جمال سلطان" أن أحد الأحزاب العلمانية "عندما رشح أفرادا منه لخوض الانتخابات البرلمانية وضع شعاره : "تطبيق الشريعة"!! إذن معركة
التدخل الإسلامي "....." بفعل توافد جماعات ن المفكرين والباحثين ممن يحملون تراثا شخصيا علمانيا أو قويا أو شيوعيا. توافدهم إلى الساحة الإسلامية واتجاههم إلى البحث ومخاطبة الجماهير تحت شعار الإسلام".(5)
ومن هذه النماذج شخصيات من العالم الفكر تزعم في كتاباتها أن هناك أكثر من إسلام! وأنه ليس للإسلام نواة صلبة تستعصي على معاول الهدم، وتحفظ له الوحدة، وتصونه من الفرقة"(6)، والأدهى والأمر كون بعض هؤلاء زعم عدم وجود نص شرعي لقيام دولة إسلامية، مدعيا بأن الحكم بما أنزل الله لم يخاطب به المسلمين،وإنما الطالب بذلك اليهود والنصارى.(7)
وهذا يمثل أخطر محنة ابتلي بها الفكر الإسلامي اليوم، والمتمثلة في انعدام الفهم الشمولي للإسلام الجامع بين الدين والدنيا، إذ هما متكاملان متلازمان في شريعة الإسلام، فهو لم يوجه أتباعه  إلى العبادة التي تشغلهم عن الحياة الدنيا وما فيها من حركة ونشاط، وإنما هو نظام كامل عادل سعى في إصلاح أمور الدنيا والدين، وأعطى لكل جانب ما هو جدير به من أهمية وتقدير، يقول الشاعر الفيلسوف المرحوم الدكتور محمد إقبال : " فليس في الإسلام ..........................(8) وهذه الحقيقة عن طبيعة الإسلام أصبحت من الوضوح لدى المسلمين بحيث لا تحتاج لإقامة برهان لكونها حقيقة تاريخية عايشها المسلمون عقيدة وسلوكا عبر عصور وأجيال، بل غدا حتى بعض المستشرقين المنصفين عموما – رغم عبدهم عن بيئة الإسلام الطاهرة – يؤمنون بهذه الحقيقة الساطعة، وينافسون أبناء هذا الدين في تأكيدها، ومن هؤلاء "لويس كرديه" الذي صرح باقتناع وإعجاب، وعن فهم وإدراك قائلا : "بأن الإسلام دين، وبأنه أيضا في تعاليمه الأساسية جماعة تحدد باسم الدين لكل عضو فيها ولجميع أعضائها على السواء شروط الحياة وقواعدها، فالحياة العائلية والاجتماعية والسياسية والدينية المحضة والمصلحة العاجلة في هذه الدنيا والنعيم المقيم لكل مؤمن بالحياة الآخرة، كل ذلك مرسوم في وحدة كلية كبرى يهيمن عليها الإسلام وينفخ من روحه...".(9)
فكيف لمفكر مسلم كالدكتور محمد خلف الله يزعم أن المسلمين غير مطالبين بالحكم بما أنزل الله، وأن الإسلام قاصر على الرابطة بين العبد وربه، ولا صلة له بما يجري على هذه الأرض << أفحكم الجاهلية يبغون >>.(10)
وقد ذكر الأستاذ جميل سلطان "أن الحوار الديني قد تلوث بفعل دخول نفر من الماكرين والكتاب والباحثين إلى ساحة الفكر الإسلامي دونما ارتكاز على قواعد أخلاقية وقيم علمية تحكم نزاهة الحوار وطهارته"(11) ثم استعرض نماذج من ذلك، فكان مما ورد في عرضه "في أوائل الثمانينات حدث أن قامت إحدى المجلات الثقافية الكويتية ذات الطابع العلماني بتنظيم ملف شهري، كل جل المشاركين فيه ممن يحملون عداوة تقليدية للفكر الإسلامي والصحوة الإسلامية، وبعضهم من التيار "الانقلابي" الوافد إلى الساحة الإسلامية".(12)
وهكذا تتأكد لدينا حقيقة مرة، وهي كون العالم الإسلامي قد أفلح في التخلص من الغزو العسكري، ولكنه لم يستطع حتى الآن أن يتحرر كلية من الغزو الفكري والحضاري الذي له من قوة التأثير ما جعل العديد من المسلمين ينسى انتماءه وتراثه وحضارته، ويحيا حياة فاتنة بكل وافد غربي! فنشأت في ظل هذا الإرث الاستعماري الثقيل أجيال من أبناء أمة القرآن، بعضهم لا يعني بأمر الدين وما يجري حوله من صراعات مريرة، ودسائس ماكرة، بل لديهم قناعات بصحة ما تنشره أبواق العلمانية من كون التقدم العلمي عند غير المسلمين، إنما يرجع إلى التحرر من القيم الدينية، وهو زعم الغرض منه الإغراء بالتخلي عن الإسلام جملة وتفصيلا.
أما البعض الآخر منهم فهو يتعاطف مع دين الآباء والأجداد بحكم الوراثة لا عن قناعة وفهم ووعي وإدراك.
ولئن خسر معركة فإن الإسلام قوة لا تقهر، وله في نفوس الأعداء رهبة ومهابة وخوف من عودته إلى مركز الريادة، فهذا أحد أقطاب الفكر الغربي، وهو "شميتز" الألماني يؤلف كتابا بعنوان "الإسلام قوة الغد العالمية" كان مما جاء فيه : أن الأمة الإسلامية ستعود إلى سابق مجدها إذا هي أحسنت صنعا، واستفادت من حالة التراجع والتقهقر والجفاء التي أصابت الحضارة الغربية، وإذا هي أحسنت استثمار مصادر قوتها وإمكاناتها المتاحة، فإن المسلمين سيعودون من جديد حاملي لواء الحضارة والتجديد ومشاعل النور للبشرية، معيدين بذلك مسيرتهم الأولى حين سادوا العالم، وسيعيد التاريخ نفسه مبتدئا من الشرق الإسلامي عودا على بدء من المنطقة التي قامت فيها القوة الإسلامية العالمية في الصدر الأول للإسلام. وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية، وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والعمل على الإفادة منها، وستقلب موازين القوى، لأنها (أي قوة الإسلام) قائمة على أسس لا تتوفر في غيرها من تيارات القوى العالمية.(13)
ويحذر هذا المفكر العالم العربي من الصحوة الإسلامية فيقول : "إن انتفاضة العالم الإسلامي هي صوت نذير لأوربا، وهتاف يجوب آفاقها، تدعو إلى التجمع والتساند الأوربي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو ويزيل النوم من عينيه". 13 مكرر
هذه نظرة تقويمية من الغرب لليقظة الإسلامية التي أقل ما يقال عنها أن المسلمين يعيشون الآن إرهاصاتها، وسيرون غدا – بإذن الله – نتائجها المشرقة، عطاءاتها الخيرة، لا للمسلمين وحدهم، ولكن للعالم أجمع.
* ومن العوائق كذلك كون الأنظمة السياسية غير الديمقراطية هي المسؤولة عن انتعاش التطرف لدى بعض الحركات الإسلامية، هذا التطرف المخالف للدين الوسط ولروحه هو الذي حال دون اكتساح تيار العمل الإسلامي مختلف المجالات بوسطيته "وحرصه على السلفية والتجديد، وبموازنته بين الثوابت والمتغيرات، وباعتداله بين التجميد والتمييع وبفهمه الشمولي للإسلام".(14)
فالإسلام – كما يقول الدكتور القرضاوي : "ليس كما يصوره العلمانيون تراثيا ولا ماضيا، بل هو ماض وحاضر ومستقبل، وإن كان بعض الإسلاميين يخطئون في فهم الإسلام على أنه تجاهل لمشكلات اليوم وتطلعات الغد والأحكام القطعية، فالثوابت التي لا مجال للكلام فيها هي العقائد والعبادات والقيم الأخلاقية العليا كالإخلاص والصدق والأمانة وتجنب أمهات الرذائل، وبعبارة أوجز : فالإسلام ثبات على الأهداف والأصول الكلية، ومرونة في الوسائل والفروع... ثبات على القيم الدينية والأخلاقية، ومرونة في الشؤون الدنيوية والعلمية".(15)
* ومن العوائق أيضا إعراض جل الشباب المسلم عن القراءة الجادة والمفيدة في هذا الحقل لأسباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها تفصيلا، ولعل من أهم الأسباب كون المحصول المعرفي عندهم ضعيفا مما أفقدهم ملكة القراءة والميل إليها، وحتى من يقرأ منهم – وهم قلة – فإنما يقرأ ما يرضي غروره ونزواته، ويحقق له متعا رخيصة، كالقصص الماجنة والروايات البوليسية وأخبار السينما والفيديو والرياضة، مما جعل الصلة بينه وبين تراثه الفكري الإسلامي ضعيفة واهية.
وتدارك الموقف تقع مسؤوليته على الآباء ورجال التعليم وعلى الوزارات المعنية في العالم الإسلامي من تعليم وثقافة وأوقاف، لإزالة هذا العائق عن مسيرة اليقظة الإسلامية المباركة.
وأول ما يتوقف عليه الشباب المسلم، هو درس دينه وحضارته على مستوى الكتاب والسنة دراسة واعية متأنية، والتعرف على مناهج البحث والدرس عند السلف الصالح من هذه الأمة الخيرة، فإذا استطعنا غرس القيم الروحية في أفئدة وعقول ناشئتنا، فإن هذه المثل وهذه القيم ستكون حصانة لهم ووقاية لهم من كل الفتن، وتنمي فيهم وتقوي روح الاعتزاز بالانتساب إلى الإسلام الذي ارتضاه الله لنا دينا.
* ومن العوائق كون الأمية متنامية بشكل لافت في عالمنا الإسلامي مما أوجد واقعا مؤلما يتحتم معه أن نمد يد العون إلى كل مسلم أينما كان لمحو الأمية ومحاربة الجهل، وهي مهمة صعبة وثقيلة تتوقف على تخطيط ومال ومواكبة وإخلاص.
ومن العوائق كذلك عمل المبشرين داخل أوساط إسلامية جاهلة فقيرة وقد قرأنا في وسائـل الإعـلام – كمثال – أن المنصرين بأندونيسيا المسلمة بدأوا في تطبيق أسلوب ماكر لجذب المسلمين إلى باطلهم، وهذا الأسلوب يتمثل في بناء الكنائس على نمط الهندسة المعمارية الإسلامية في بناء المساجد، وكذلك طباعة الأناجيل على هيأة المصاحف.
وتجدر الإشارة إلى أن المنظمات التنصيرية في هذا البلد تمتلك إمكانات هائلة لخدمة أغراض التبشير، ومن هذه الإمكانات محطات إذاعية ومطارات خاصة وطائرات وسفن تربط بين جزر أندونيسيا ومستشفيات وملاجئ خيرية... كل ذلك من أجل تمسيح هذا البلد المسلم، ويقدر بعض المراقبين لهذه الحركة عدد الذين تم تنصيرهم في هذا البلد المسلم، ويقدر بعض المراقبين لهذه الحركة عدد الذين تم تنصيرهم في هذا البلد حتى الآن بما لا يقل عن عشرين مليون شخص، وقد خطط المبشرون لتنصير خمسين في المائة من سكان هذا البلد بحلول القرن الواحد والعشرين الميلادي، وقل مثل ذلك في العديد من دول إفريقيا...
وهذا ما يجعلنا نقول : إن كانت هناك صحوة إسلامية رائدة، فلابد من الاعتراف بوجود ردة في بعض مناطق العالم لأسباب أهمها : الجهل والفقر والمرض، وغياب الدعاة الأكفاء عن الساحة، وضعف المرصود المادي لنشر الإسلام بين الأمم.
* ومن العوائق ردة في استعمال بعض المصطلحات الإسلامية الخالصة في غير مضامينها الدينية، ولا فيما توحي به من أهداف نبيلة ومقاصد حسنة ومثل عليا، ولاشك أن وراء هذا المسلك الخطير خبراء ماسونيين لضرب الإسلام في الصميم، فكم من منظمات تجنت على الأبرياء وسفكت دماءهم وروعت أمنهم باسم الجهاد الإسلامي، والإسلام منها براء...
* ومن هذه العوائق ندرة الدعاة الأكفاء القدوة المؤمنة المخلصة، إذ الكثير ممن يرددون في مختلف المحافل أن الإسلام شريعة ومنهاج، أو انه دين ودولة، وكونه نظاما شاملا للحياة بأسرها "هؤلاء نجدهم في الممارسة العملية وفي الاختيار الحقيقي للمواقف والقناعات وقد سحبوا نصف كلامهم، وعادوا إلى صيغة القسم بين ما هو لله وبين ما هو لقيصر".(16) 
ومن المسلم به، أن القدوة الأخلاقية والسلوكية للداعية، - بعد علم ودراية بميدان اختصاصه – هي التي تجعل لعمله فعالية في غرس الإيمان والتدين والاستقامة والإخلاص في قلوب المخاطبين وعقولهم، وترتفع درجة الوعي الديني على المستوى الفردي والجماعي، ويجد الورع تعبيره بامتلاء المساجد والتعامل اليومي والإقبال على الكتب الدينية، وتظهر حركات إصلاحية تنهج طرقا ذات مضامين إسلامية، وعندها يتعرف المسلم إلى المهمة التي خلق من أجلها، والتي لخصها الفيلسوف الشاعر المسلم محمد إقبال حيث قـال :
"إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم واليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه سوى مقام الإمامة والقيادة، ومقام الإرشاد والتوجيه، ومقام الآمر والناهي وليس مقام التقليد والإتباع، وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة، لم يكن له أن يستسلم ويخضع، ويضع أوزاره، ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله، ويظل في صراع معه وعراك، حتى يقضي الله في أمره (...) فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".(17)
وبعد،
فلنجاح هذه الصحوة لابد من النص على شيئين أساسيين :
أولهما : التأكيد على الذاتية الإسلامية في كل مواقفنا وقراراتنا وسلوكياتنا وتصرفاتنا، سواء داخل إطار تاريخنا الإسلامي أو خارجه، حتى نبقى أمة خيرة فاعلة في التاريخ الحضاري الإنساني حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ثانيهما : التأكيد على استقلالة متميزة لهذه الصحوة وإبعادها عن التسييس لطرف أو لآخر، واتخاذها مطية لأغراض خاصة، بذلك نستطيع أن نعود إلى مكاننا الحضاري والثقافي والقيادي تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلع).
وأخيرا أقول : إن الحوار المباشر بين المجتمع بكل فئاته وبين رجالات الفكر الدعاة هو أقوم سبيل وأهدى طريق للحفاظ على سلامة الجبهة الإسلامية، ويقظتها آمنة مطمئنة، وسد المنافذ والثغرات أمام المتربصين بهذا الوليد، وأرجو – مخلصا – للجامعة الصيفية التي أمر أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني رعاه الله أن تقام ببلادنا تحت رعايته المولوية الكريمة كل عام – أرجو لها مزيدا من التوفيق والنجاح في خدمة الإسلام حتى تكون عند حسن ظن أمير المؤمنين نصره الله.

(1)  النحل 125.
(2)   في ظلال القرآن 4/2202. ط 1 – دار الشروق 1982.
(3)  عن مجلة الوعي الإسلامي، مقال للأستاذ محمود قظام تحت عنوان "الصحوة الإسلامية إلى أين؟" ص : 36، 37 عدد 242/1405 هـ.
(4)  القصص : 77.
(5)  جمال سلطان، أزمة الحوار الديني ص : 8. ط 1 دار الصفا – 1990.
(6)  صاحب هذه الأطروحة الغربية،ذ. فؤاد زكريا في مقال شارك به في الندوة التي عقدت في الأردن بتاريخ 14-16/3/87.
(7)    موضوع : " الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي " أنظر جريدة "المسلمون" عدد 286 في 27/7/90.
7  صاحب هذا الزعم د. محمد أحمد خلف الله في الندوة نفسها. المصدر نفسه.
(8)  د. محمد إقبال – تجديد الفكر الديني ص : 77. أنظر العروة الوثقى ص : 52.
(9)  د. صبحي الصالح، النظم الإسلامية، ص : 56،57. ط 2-1968.
(10)  المائدة، 50.
(11)  أزمة الفكر الديني ص : 16 – ط 1.
(12)  نفسه ص : 18.
(13)  عن مجلة الوعي الإسلامي، العدد المتقدم ص : 13 (242/1405 هـ).
(14)  د. القرضاوي في عرضه المقدم في الندوة المعقودة في الأردن عام 1987.
(15)     نقلا عن جريدة "المسلمون" عدد 282 ص : 11- المحرم – 1411 هـ.
(15)   المصدر نفسه.
(16)  مجلة العربي، مقال للبحاثة هويدي بعنوان "هذا الفصل الظالم بين حقوق الله وحقوق الناس" ص : 37 ع 196/1983.
(17)  تجديد الفكر الديني.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here