islamaumaroc

وضعية الفرد والجماعة في الأمة الإسلامية

  توفيق محمد شاهين

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990


فـي هـذا البحـث :

* يحفظ الإسلام للفرد كيانه واعتباره في الأمة الإسلامية، بحيث لا تذوب شخصيته في الجماعة، ولا تطغى على وجوده، ولا يشذ هو عنها، ولا تنمو عنده كلمة "أنا" ويتعالى ويتجبر بروح الفردية الطاغية وإنما يتحرك بروح الجماعة في داخلها بحرية وإرادة واختيار، فعلاقة الفرد بالجماعة في أمة الإسلام تدور في هذا الإطار.
* وتوجيه الإسلام إيجابي، للفرد وأمته، والرئاسة فيه تكليف وأمانة، والأمر شورى، والحقوق قضاء.
* وينمي الإسلام جانب المشاعر والأحاسيس في أمته، ليكون دفعها ذاتيا ثابتا، لا من عوامل خارجية تتذبذب بما تمليه المصلحة الوقتية، أو هوى النفس.
* والفرد وجماعته في الإسلام : إيجابيون... عاملون متعلمون، وفاهمون لما تتطلبه حياتهم من عزة وكرامة وكفاية، ورفاهية.
* وعناية الإسلام بالجانب الروحي عظيمة، لبقاء التماسك والالتحام في الأمة الإسلامية.
* وأمر المسلمين جميع بأخوة الإيمان، التي هي أرفع وأسمى من أخوة النسب.
* وتجسيد الأمة الإسلامية في صنيع النبي (صلع) بعد الهجرة إلى المدينة.
* ونداء إلى المسلمين بضرورة قيام وحدة دولتهم في عصرنا الراهن.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

مركز الفرد ومكانته في الأمة الإسلامية :
يحرص الإسلام – كل الحرص – على تنشئة الإنسان على الإيمان بالله تعالى، لأن الإيمان بالله عهد يعطيه الإنسان لله سبحانه، في أن يعيش لنفسه وغيره، ويقر راضيا من قلبه بأن له حقوقا، وعليه واجبات ك حقوق يبذلها من نفسه لمعاشريه وجماعته العامة، وواجبات لمن يشاركهم الحياة، في أخوة ورضاء ومحبة وعطف وإيثار.
والإنسان بطبيعته أناني، لو ترك وشأنه لود كل شيء في الوجود له وحده، ولو زاد عن حاجته وانتفاعه : فلو كان له واد من مال لتمنى وديانا أخرى، ولا يملأ عينيه إلا التراب، كما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه من مظاهر تحكم الفردية في سلوك الإنسان وسعيه وتصرفه : إذا لم يلتزم بما يراه الإسلام مقيدا له وموجها في التصرف والسلوك لما فيه خيره وخير الإنسانية معه، حينما تسيطر عليه الأنانية وحب الذات.
وتدخل الإسلام في هذا الصدد إنما هو لسعادة الإنسان، وإبعاد القلق والخوف والحزن والبغضاء والمشاحنة... فيما بينه وبين نفسه، وبينه وبين جماعته بالتالي، فيعيش في دائرة الإنسانية السمحة الواسعة المعطاء، ويتخلص ويتجنب دائرة الفردية الضيقة، والأنانية الطاغية وحينئذ يكون بمأمن من الزلل والانزواء.
يقول الله تعالى : << إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا >> المعارج 19-21.
فالإسلام يؤمن بالفرد كحقيقة موجودة وليس ترسا في آلة، ويشجع نشاطه وحريته، ولكنه لا يؤمن بالفردية وجنوحها نحو المخاطر والأنانية والطمع والخوف والحزن.

ع
ـلاقـة المسلـم بأمتـه :
الجماعة الإسلامية هي الأفراد جميعا، فهي مستمدة من وجود الأفراد كحقائق قائمة موجودة لها كيانها واعتبارها، أو بتعبير آخر هي الأفراد بعينهم وأشخاصهم، بدون إلغاء لوجوده، بل بالاحتفاظ بكيانه المستقل، ووحدة قائمة بنفسها، وإن كان عضوا فيها، يعطيها وتعطيه، وينفعها وتنفعه، في دائرة الحقوق والواجبات، يتمتع بالإرادة الحرة، وحرية التملك والتصرف، ولحياته واستقلاله حرمة، ويدور في فلك جماعته في اتساق وتعاون وحرية وكرامة، تنفع ولا تضر وتصون ولا تبدد، وتجمع ولا تفرق.
ووقتئذ تصبح الجماعة الإسلامية وحدة تتفاعل مع غيرها ونفسها، وتأخذ وتعطي، لها استقلال مقيد، وحرية مقيدة، وتتمثل القيود هنا في الفواصل التي هي بين الحلال والحرام و "الحلال بين والحرام بين..." إذ الحلال يمثل النفع العام أو الخاص للجماعة أو الفرد، والحرام ما يمثل الضرر الفردي أو الجماعي، وواجب الولاية العامة حينئذ : أن ترد الفرد إلى دائرة النفع، وأن تحول بينه وبين الإضرار بالآخرين على نحو من شأنه أن يحبب ولا ينفر.
يقول الله تعالى : << يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا >> النساء/59.
* فالعلاقة في الإسلام بين الفرد والجماعة إيجابية ومحددة، وللفرد حريته واستقلاله الذاتي كوحدة قائمة بنفسها وذاتها، ولكن صلته بغيره في مجتمعه تملي عليه مراعاة حق الآخرين معه في الوجود والحياة.
والجماعة في نظر الإسلام ليست متعالية ولا مستبدة ولا مطلقة التصرف، فواجب الجميع طاعة الله ورسوله، وفقا لما جاءت به رسالة الإسلام وحين يثار نزاع أو اختلاف، فلا استبداد ولا سلطة علميا لا تناقش للجماعة أو الحاكم... وإنما هناك احتكام إلى رسالة الإسلام، ممثلة في قرآنها، وسنة النبي (صلع).

توجيه الإسلام إيجابي للفرد والجماعة في الأمة الواحدة :
للإنسان إيجابية، والإسلام يوجهها فقط نحو خير الفرد والجماعة، فهو كالمنظم لها، وراسم الطريق، وكيفية الإدراك، والحث على العمل يقول تعالى : << إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا >> الإسراء/9.
فالإسلام دافع وموجه فقط إلى مباشرة أمور الحياة، ومواجهة أحداثها، والعمل لصالح الفرد والجماعة.
ونؤكد بالتالي حرص الإسلام على الاحتفاظ بشخصية الفرد في الجماعة، فلا يفنى أحدهما في الآخر، ولا يطغى أحدهما على الآخر.
وفي إيجابية في التوجيه، والسعي في سبيل الحياة بالعمل الذي هو في نفس الوقت سعي في سبيل الله... نجد دفعه قويا وواضحا، لرفاهية الفرد والمجموع.
كان النبي (صلع) جالسا يوما مع صحابته، فنظروا إلى شاب ذي جلدة وقوة، وقد بكر يسعى، فقال الصحابة : ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله؟ فقال النبي (صلع) : "لا تقولوا هذا، فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة، ويغنيها عن الناس، فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله".
ويقول الرسول (صلع) : "من طلب الدنيا حلالا تعففا عن المسألة، وسعيا على  عياله، وتعطفا على جاره، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر".
فالإسلام أشعر الإنسان بقيمة العمل نتيجة للإيجابية، ووجهه بالتالي نحو الحلال، وكل عمل لا يؤذي الغير، وكذلك وجهه إلى مجال العمل في الدنيا، يقول الله سبحانه : << وجعلنا لكم فيها معايش >> الحجر/21، << فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه >> الملك/15، << فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون >> الجمعة/10.      
........................................والفكر واسع في الإسلام، والعمل ضرورة، والفكر ضريبة.
وبهذا تظهر الملامح العامة لتكافل الجماعة الإسلامية، وعزتها وسيادتها حين تتكافل في البناء والاستقرار، وتتكافل في المحافظة على البقاء، وتتكافل في الولاء والإخلاص فيه، وعدم الخداع أو الطمع أو الإيذاء بعد توطيد الصلات بين الأفراد والجماعة، وإدراك معنى حمل المسؤولية، والجد في السعي للحياة الشريفة، والإيمان بأداء الواجب أولا، قبل المطالبة بالحقوق، للشعور بالمسؤولية والتبعية من الفرد اتجاه جماعته، ولتبادله نفس الفعل والشعور.

توحيد المشاعر للأمة الإسلامية ضمان للاستمرارية عن حب :
 أيقظ الإسلام الروح المشترك بين الإنسانية كلها، لتتعارف، وتترابط وتتعاون على ما فيه خيرها، حتى يتمكن معنى الشعور بحقوق الفرد والجماعة والأمة في نفوس الجميع، فيتحقق جمال الحق، ومظهر العدل ودفء الأمن، نبل العطف والود والمحبة في المجتمع، فيسعد، ويسعد، حين يعم ذلك الحاكم والمحكوم، ويكون التوجيه السديد والرأي الرشيد، وحفظ الحقوق والحرمات بالعدل والمساواة، في حكم صالح، نزاهة في النفوس من القلوب، قبل تدخل القانون.
ومن العجيب أن ينادي القرآن الكريم الأمة نادى جماعة المؤمنين بقوله : << يا أيها الذين آمنوا >> حوالي الثمانين مرة، وفي هذا إشعار بأن الإسلام إنما هو دين الإنسانية كلها : << قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا >> الأعراف/158.
وأرشد القرآن الكريم إلى أن الفوارق بين الناس في : الذكورة والأنوثة والشعوب والقبائل، إنما هي للتعارف والترابط، يقول سبحانه : << يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا >> الحجرات/12.
إذن، من سنن الأمة الكونية والطبيعية في قوتها واستمراريتها في ميدان الحضارة تبادل الشعور بين الأفراد وحكامها، حتى يتعمق الشعور بالجماعة والأمة، والدفع الذاتي لأداء واجبها، وفي نفس الحاكم لرعاية الحقوق والحاجيات، ولا تكون الجماعة طاغية مهيمنة، ولا يكون الفرد أنانيا كما أسلفنا.
ومتى كان القائمون بالتوجيه أمثلة تقتدى، ومسلك الحاكم نزيها في جميع جوانب الحياة والأحياء. فإن الأمة تسير بالتالي على منهج طبيعي لرفاهية الحياة ورقيها، وقوة الأمة وتفوقها.
يقول الله سبحانه : << هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم >> الأنفال/23 وإذا ضعف الشعور... كثر الشر والاعتداء والخديعة واللامبالاة والاعتداء على الحقوق والحرمات، وكل سلوك غير إنساني ولا رشيد.
والإسلام أرفع في دائرة الشعور بين الفرد والجماعة المؤمنة به، لأنها التقت على الحب لله تعالى والإيمان به، ونشر رسالة الإسلام، والسير على مقتضاها، لما فيه خيري الدنيا والآخرة، ومن هنا قصد الإسلام أن يكون الفرد قويا والجماعة المسلمة قوية، حتى يسيطر عقلها على مطالبها وتعيش عزيزة مهابة كريمة على نفسها وعلى غيرها، بعيدة كل البعد عن الأنانية، والفردية، والانعزالية.
وحين تبنى الأمة عن طريق تقوية الشعور والروح العامة الخيرة بين الأفراد والمواطنين، تكون على طريق الإسهام المستقيم في عبادة الله وحده والمعاملة الحسنة فيما بينهم وأن يحبوا لغيرهم ما يحبون لأنفسهم، وتتسامى العلاقات حتى تصل درجة الإيثار، كما يحكي الله سبحانه عن إيثار الأنصار للمهاجرين على أنفسهم والترحيب بهم، وسعة صدورهم – قبل دورهم – لهم. قال تعالى : << والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون >> الحشر/9.

الأمة الإسلامية إيجابية عاملة ناهضة :
وحد الإسلام جماعته على هدف عظيم ونبيل، حتى يدوم الاتحاد والألف والإيلاف، مادام الهدف جليلا وساميا، وهذا الهدف هو : الإيمان بالله وحده، وإخلاص العبادة له، والالتزام بأوامره والانتهاء عما نهى عنه، ليكون الله قبلته في كل شيء... فالسبيل إلى الله تعالى إيمان به وبرسوله، وعمل بالرسالة وجهاد في سبيلها.
فالإيمان له سبحانه وحده احترام لإنسانية الإنسان، من امتهانها حين تعبد مخلوقا غيره. والعمل بشعائره أساس لعمران الحياة وإسهام في الحضارة الإنسانية، والتسامي عن رغبات النفس الأمارة بالسوء، والتعالي فوق إغراء المال وفتنة الدنيا، وما ترجمت العبادة لله سبحانه إلى سلوك بان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا لوجود الانسجام وتوافره بين اللبنات، وفيه توازن وانسجام بين صفوفه ورسالة الإسلام، فيترجم التوازن إلى إيثار لا أثرة معهن وانسجام لما أمر به ونهى عنه في الفعل والترك، ولا يتأتى ذلك إلا بمجاهدة النفس، ويقينها بأن الآخرين المشاركين معها حق في الحياة، للوجود المشترك واختفاء الأثرة والأنانية، فتصبح اللبنات مشذبة مستوية مستقيمة لا عوج فيها، فيكون الالتحام قويا وأبقى، حين تضم لبنة إلى أخرى، فتتحقق العزة والقوة والجمال.
يقول الله تعالى : << واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا >> النساء/30.
ويقول تعالى : << يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين >> البقرة/190.
ويقـول سبحانـه << كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله >> آل عمران/115.

الجانب الروحي أثره في بقاء الأمة الإسلامية وتماسكها :
الإيمان بالله تعالى، وتصديق رسوله (صلع) هو الذي يربط بين الجماعة الإسلامية، ويجعل ولاءهم لبعضهم البعض... حتى تبقى جماعتها قوية وشخصيتها متميزة. فالعامل النفسي والروحي هو حجر الزاوية في حياة الإنسان وجماعته، والتلاشي والتفاني والضعف إنما هو حين يضمحل أو يتلاشى هذا العامل. والولاء في الإسلام شعور روحي قائم على التعطف والتآلف والإخلاص فيهما، ويتبعه الحب والإيثار والبعد عما من شأنه أن يؤذي أو يسيء أو يضر أو يفسد أو ينفر...إلخ.
يقول الله سبحانه : << لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير >> آل عمران/28.
فالقرآن الكريم ينهى نهيا قاطعا عن موالاة غير المؤمنين، وأن من يفعل ذلك إنما هو ليس من عداد المسلمين المؤمنين بالله تعالى، ويقوي ذلك بتحذير المؤمنين من غضب الله ومخالفة أمره في ختام الآية الكريمة.
ومعنى هذا أن الإسلام حريص كل الحرص على بقاء تماسك الجماعة الإسلامية، لتبقى قوية، بدفع ذاتي وشعور نابع من الوجدان، لتصبح لها شخصيتها القوية، ومميزاتها الخاصة كخير أمة أخرجت للناس.

أمـة الإيـمـان :
يقول الله تعالى : << يا أيها الذين آمنوا تقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون، واعتصموا بحل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون >> آل عمران/102-103.
يقول ابن مسعود – رضي الله عنه – تقوى الله : أن يطاع فلا يعصى وان يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر به، رواه الحاكم مرفوعا عن عبد الله. وقال صحيح على شرط الشيخين.
و << حق تقاته >> أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
و << حبل الله >> عهده تعالى وكتابه.
وأمرهم سبحانه بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد ورد صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (صلع) قال : " إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا : يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وان تناصحوا من ولاه الله وأمركم... ويسخط لكم ثلاثا:  قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
وقوله تعالى : << واذكروا نعمة الله عليكم >> إلخ، تذكير بنعمة الله عليكم بالأخوة والوحدة، بعد أن كانوا ي الجاهلية أعداء، ومتفرقين متخاذلين، ملك عليهم أمرهم فأذهلهم، قال سبحانه : << هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت قلوبهم ولكن الله ألف بينهم >> الأنفال/23.
ويقول الله تعالى : << إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون >> الأنبياء/92، ويقول سبحانه : << وإنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلم ترحمون >> الحجرات/15 وفي الحديث الشريف : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" وفي الصحيح : "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه" وفي الصحيح أيضا " إذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك : آمين ولك بمثله".
نحن معشر المسلمين أمة ربط الله تعالى بين قلوبها، وجمعها على كلمة التقوى، ورحمنا بالإسلام الذي أكمله وارتضاه لنا دينا.
وفي هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة نرى :
أن الله تعالى يأمرنا بالاعتصام بعهد الله وكتابه، وإننا أصبحنا إخوانا بنعمته حين تآلفت قلوبنا بعد نفرة في الجاهلية، وإننا يجب أن نذكر هذه النعمة الجليلة، وان القوة والعزة والرفاهية إنما هي حين نحقق أننا أمة واحدة.
وأن علينا لزوم الجماعة، والسمع والطاعة فيما أمر الله تعالى، ومناصحة أولي الأمر والاستماع إليهم، ورد الأمر كله إلى كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وأن الأمة الإسلامية قوية في اجتماعها، تتألف قلوبها ومشاعرها نحو طاعة الله وحدهن وعمل الخير والتعاون عليه وحده.
وبالأمة الواحدة تكون العزة لله ولرسوله والمؤمنين، وبالأخوة تكون المحبة والمودة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شُذ في النار.
ولنذكر دائما : أن إلهنا واحد، وكتابنا واحد، ورسالتنا واحدة... وقبلتنا واحدة، وكرامتنا واحدة، ويجب أن تكون امتنا وأخوتنا امتدادا دائما لصنيع نبينا محمد بن عبد الله (صلع)، حين آخى بين المسلمين في المدينة المنورة، فانطلق الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ينشر نور الله، ويحافظ على الطيبات، ويحمي الحريات، ويوجه الإنسانية الوجهة الصحيحة، ويسهم في الحياة والحضارة إضافات نافعة وبناءة، ويرسي قواعد الحق والخير والجمال، ويحطم الطواغيت، والفراعين والشرور والأصنام، ويجعل السيادة للخير، والعزة لله ورسوله والمؤمنين.
تجسيد الدولة الإسلامية نظرية وتطبيقا في دولة الهجرة    
المسلمون أصحاب عقيدة هي الإيمان بالله تعالى وحده، وشريعة تنظم الأمور لحياتهم ومعادهم، ويحقون الحق، ويزهقون الباطل ولو كره الكافرون.
ومن أجل هذه الأهداف هاجر المسلمون الأولون من مكة المكرمة فرارا بدينهم من أذى الكفار ابتغاء نصرة دينهم واستبقاء حياتهم للذود عنهن والعيش في سبيله، والجهاد من أجله.
ولنفس الهدف استقبلهم الأنصار في المدينة المنورة عن طيب خاطر ونعامة عين، لتكون كلمة الله هي العليا، وتكون كلمة الذين كفروا هي السفلى.
ولأول وهلة وضع النبي (صلع) الدعائم الثابتة لبناء الدولة الإسلامية، ذات الأمة الواحدة، لنصرة رسالته، وعزة المسلمين وكرامتهم، وكان الإخاء الخالص، والإيثار الكريم، والاتجاه المشترك نحو الهدف السامي لإعلاء كلمة الله تعالى :
- فربط المسلمين بخالقهم حين بنى المسجد، ليكون مقر القيادة والعبادة.
- وآخى بين جماعة المسلمين، لتذوب عصبية الجاهلية، وتسقط عوامل الفرقة الظالمة بسبب الجاه والنسب، أو المال أو اللون أو الجنس.
فأصبحت الأخوة رباطا وثيقا وفعالا بدفع إيجابي، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا. وعلى قدر ما احتفى الأنصار بلقاء المهاجرين وأخوتهم وتخلصوا من نوازع الأنانية والشح والصغار... حتى عرضوا عليهم – عن طيب خاطر – مشاركتهم أموالهم وديارهم على قدر هذا الاحتفاء وحسن اللقاء على قدر ما كان المهاجرون في سامق الذرى عفة واستغناء، وسمو نفس. فعرضوا أن يشاركوهم العمل في مزارعهم، ومتاجرهم، ليكون لهم حق في الذي يحصلون عليه من أجر كريم بعمل شريف.
وقد وعى تاريخنا : أن سعد بن الربيع عرض على عبد الرحمن بن عوف – بعد المؤاخاة – أن يشاطره ماله، وأن يطلق إحدى زوجتيه – التي تروق لابن عوف – لتزوجها بعد انقضاء عدتها. فدعا له ابن عوف بخير، وسأله أن يدله على السوق، ليزاحم التجار بمهارته في التجارة فلم يمض إ قليل حتى استغنى بنفسه وفاضت أمواله، حتى أصبح في وقت لاحق أغنى من بيت مال المسلمين، فأنفقه في سبيل الله عن كرم نفس وإيمان بالله ورسوله.
ولم يشأ الرسول (صلع) أن يستأثر على أمته بشيء في هذا الإخاء، فآخى أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – على أصح الروايات – فقال في حديثه : "لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذته – يعني أبا بكر – خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل" رواه البخاري. وأصبح بهذا الإخاء حق التوارث للمتآخين، قبل أن يكون للقرابة حتى نزل قول الله تعالى : << وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله >> الأنفال/75، فكان التوارث بعد ذلك لذوي الأرحام، وليس للمتآخين.
وروى البخاري عن ابن عباس، في معنى قوله تعالى : << ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون، والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم >> النساء/33، قال : كان المهاجرون – لما قدموا المدينة – يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى بها النبي (صلع) بينهم، فلما نزلت << ولكل جعلنا موالي >> نسخت ثم قال << والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم >> من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له.
ومعنى ما سبق أن الإخاء أصبح عقيدة نافذة  وشرعة محترمة لا حبرا على ورق، ولضمان السلام والأمن، وحسن الجوار، والتآلف والتعاون عقد النبي (صلع) مع غير المسلمين معاهدة سلام وعدم اعتداء، حتى يشيع السلام، ويختفي العدوان والإثم، فكانت معاهدة (الند للند) لنصرة المظلوم، وحماية الجار، ورعاية الحقوق، وحماية المدينة.
ويؤكد التاريخ أن المسلمين حفظوا المعاهدة ونفذوها : روحا ولفظا، ولكن خانتها جماعة اليهود في المدينة، حين واتتهم الفرصة بالدس والوقيعة.

نـداء إلـى المسلميـن :
المسلمون اليوم بحاجة إلى : تكوين أمة واحدة، قوامها : كتاب الله تعالى، وسنة رسوله (صلع).
قد أعزهم الله بالإسلام، وبقيت دولتهم قوية الجانب في الشكل والموضوع أكثر من ألف عام، وحين تناوبتهم الخطوب السود تفرقوا أيدي سبأن وذهبوا شذر مذر، وطمع فيهم من لا يدافع عن نفسه، ونمت فيهم روح التدابر، وتناوشتهم العداوات، وأثرت فيهم الوقيعة فتحاربوا وتحزبوا، وتبعوا أعداء الله وأعدائهم، ووادوهم ووالوهم، وما والوا كتاب الله تعالى.
وليس هناك أمل في الإنقاذ إلا بالأمة الواحدة على هدي من القرآن والسنة.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here