islamaumaroc

توثيق حديث "السلطان ظل الله في الأرض" -3-

  محمد الأزرق

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

من المعلوم أنه ورد بالجامع الصغير سبعة أحاديث، ستة منها مصدرة ب"السلطان ظل الله في الأرض" الحديث... وفي أحدها "ظل الرحمن" وهي كلها موحدة المضمون والهدف، وإن اختلفت ألفاظها، وتفاوتت زيادة ونقصا.
والمعني هنا، هو حديث أبي هريرة الذي ذكره في الجامع الصغير برواية ابن النجار عن شيخه عبد الله ابن المبارك البغدادي، رامز له بالحسن.
والكلام على هذا الحديث، ينبغي التعرض له بالنظر لوصفه بالحسن متنا وسندا. ويؤخر السند لطول الكلام فيه، ذلك أنه بعدما رمز له بالحسن، قيده شارحه العزيزي بأنه حسن لغيره، وكذلك الزرقاني في المقاصد الحسنة. أما الشارح المناوي فإنه لم يتعقب رمز بذلك.
فبالنظر للمتم، فإن ممن تعرض له المفسر العجلوني – تـ 1162 – في كشف الخفاء(1) معلقا بقوله : رواه ابن النجار عن أبي هريرة، ورواه البيهقي والحاكم عن ابن عمر رفعه لفظ "... يأوي إليه كل مظلوم... إلى أديل العدو" وقد ورد الحديث بألفاظ أخر. منها ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق باللفظ المتقدم، وهو "السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض" الحديث. ثم زاد قائلا : قال النجم : وجمع السيوطي في ذلك جزءان وأقول : وكذلك السخاوي جمعها في جزء وسماه : رفع الشكوك في مفاخر الملوك.
وبالنظر للسند ، فقد نقل الأستاذ عبد العزيز ابن الصديق ما قاله الحافظ ابن النجار – 643 – في شيخه المذكور عندما ترجم له بذيل تاريخ بغداد - 2/105-106- من أنه ذكر ما يدل على جرح شيخه وأنه غير ثقة، واشتغل بما لا يليق بأهل الدين. قال: وكان سيء الطريقة في شهادته، يشهد بالزور بحطام يسير يتناوله، ولم يكن محمود الطريقة في الحديث ولا مأمونا. ثم يقول الأستاذ ابن الصديق من عنده: وهذا جرح قادح لا يجوز لمن قيل فيه رواية حديثه كما هو معلوم، ثم استدل بما نقل عن ابن حجر في لسان الميزان -4/111- من كلام ابن النجار هذا في شيخه المذكور، ولم يتعقبه، مما يدل على أن الرجل لا تحل الرواية عنه ولا العمل بحديثه، ثم يزيد قائلا من عنده: ولا أستبعد أن يكون الحديث من وضعه وصنعه وعمل يده، وضعه ليتقرب إلى حاكم وقته لنيل غرضه المادي، كما يدل على ذلك ما ذكره ابن النجار من أحواله كدفعه المال لينال وظيفة الشهادة عند قاضي القضاة، وشهادته بالزور بحطام يسير يتناوله، وحديثه هذا فيه نفس التزلف لأجل الدنيا. (انتهى).
ويقال عليه تمهيدا: إن مما تقتضيه الأمانة العلمية – ولاسيما عند تمحيص رواية الحديث سندا ومتنا – ألا يتسرع الباحث في طريق بحثه عن درجة الحديث للتعرف على صحته أو حسنه أو ضعفه، أو أنه خارج عن نطاقه بالمرة، حيث يثبت وصفه بما تقتضيه معايير النقد الحديثي، ومسايرة قواعد اصطلاحه التي قعدها أيمة الحديث وأعلام السنة في سائر أطوارها، مستفرغين وسعهم في تنقيتها مما وضعه الوضاعون ونسبوه إليها وهي منه براء، وكذبوا على النبي (صلع) وافتروا عليه معتمدين ذلك، وإن تبوؤوا بذلك مقعدهم من النار. كما ورد في صحيح السنة، وذلك بدافع أحد الأسباب المعلومة.
وسلوكا مع هذه الجادة يقال: إن نص لسان الميزان الحافظ ابن حجر -852- وهي من الزوائد على....، هو ما يأتي :
عبد الله بن المبارك بن إبراهيم بن المختار بن السيبي سمع ابن السطي ومن بعده. قال ابن النجار : وطلب واجتهد مع قلة فهم، ثم ترك ذلك وزهد فيه وباع أصوله، ثم سمع ورجع إلى سماع الحديث في علو سنه، وبذل ما له حتى قبل ابن الدامغاني عبد الله بن الحسين القاضي شهادته. وكان سيء الطريقة في الحديث، توفي سنة 619.
فها هو الحافظ يتجنب في اللسان ما قذف به ابن النجار شيخه من شهادة الزور، وما تحامل به عليه من كونه غير ثقة ولا مامون، وذلك بعد قرنين. مما يشعر بأن عدم تعقيبه كان لتوقفه في هذا الشيخ المختلف فيه لا لتسليمه كما سيتضح بعد الإمعان فيما قيل.
ومنه ما قال فيه الحافظ المنذري، وناهيك به، فهو الذي مما قيال فيه تلميذه الشريف عز الدين الحافظ : عديم النظر في علم الحديث على اختلاف فنونه، وقد كان معاصرا للجارح والمجروح حيث توفى سنة 656- نقول : قد قال فيه هذا الحافظ في كتاب التكلمة له – المجلد 3، م 5، ص 80- الشيخ الجل أبو القاسم عبد الله بن الشيخ أبي محمد المبارك بن إبراهيم ابن مختار بن تغلب البغدادي الأزجي الدقاق العدل المعروف بابن السيبي، توفي ببغداد ودفن من الغد بباب حرب. 
سمع من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد وعبد الله بن منصور ابن الموصلى إلخ. وسمع الكثير من صباه وبنفسه وقرأ على الشيوخ وكتب بخطه وحدث، ولنا – يقول الحافظ المنذي – إجازة كتب بها إلينا من بغداد.
فإذا قرانا بين ما قاله فيه هذا الحافظ – وهو العالم بصحيح الحديث وسقيمه، ومعلوله وطرفه، وبين ما قاله ابن النجار، تبين لنا تحامله عليه وتهجمه. وقد تأكد ذلك بعد البحث فيما تيسر من كتب التراجم، حيث ألفي أن ابن النجار انفرد بما بالغ به في تجريح شيخه إلى حد قذفه بشهادة الزور، والاشتغال بما لا يليق بأهل الدين. الأمر الذي يعتبر معه هذا الشيخ مختلفا فيه، كما سيأتي مزيد بيان له. وهذا ما ننصف به الشيخ، ما دمنا لم نقف في غير ذيله على ما بالغ به في جانبه، مما يجعله غير مقبول الرواية.
ومما قيل في هذا الشيخ، ما ذكره ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة – 2/551 – عند تعليقه على حديث "اتقوا الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم" وتعرضه لرجال سنده، ومن بينهم عبيد الله بن المبارك المعني، وذلك برواية عمر بن حفص السدوسي عنه بطريق التحدث، من أن سائر رواته ثقات إلخ.
فالمستخلص مما تقدم، أن المطعون فيه من قبل ابن النجار، وهو مختلف فيه، حيث أن البعض ضعفه والبعض وثقه،. وعليه فإنه بمقتضى ذلك يعتبر مضعفا لا ضعيفا، فضلا عن كونه واضحا للحديث.
ولا يقال : إن التجريح يرجح على التعديل عند التعارض مرعاة للاحتياط، لأن هذا وإن كان مقررا في الاصطلاح، إلا أنه ليس على إطلاقه بل مقيد بما يأتي :
1) عدم رواية الحديث من طريق غير الطريق الذي وجد فيه المضعف، و إلا فالطرق يقوي بعضها بعضا، وحديث أبي هريرة المعني هو من هذا القبيل.
2) إن الجرح إذا كان بما هو فظيع، فلابد فيه من الإثبات، والأستاذ ابن الصديق مما ركز عليه نقلا عن الحافظ ابن النجار، أن شيخه بذل مالا لنيل موافقة القاضي الدامغاني على تلقيه الشهادة، بل كان يرتكب ما هو أفظع من ذلك، حيث كان يشهد الزور بقليل من المال، وهذه تهمة عظيمة لا يكفي فيها مجرد الادعاء، بل تحتاج إلى إثبات، و إلا فيمكن أن تكون إشاعة قام بترويجها من بينه وبين الشيخ المذكور عداوة،إذ لو لم يكن لهذا الاحتمال وجود، لما اختلفوا فيه ولاتفقوا على تجريحه، ولم يبق محل لتعديل من عدله، ومعلوم ما يحدث المعاصرة في مجال التعديل والتجريح حتى قيل عنها : المعاصرة حجاب، وما يسببه دافع التعصب والمنافرة في مضمارهما.
وكشاهد على هذا، ما نجد أيمة هذا الشأن قد صرحوا به، كما بكتاب الرفع والتكميل للشيخ محمد عبد الحي اللكنوي الهندي – ص 200 – من أن كلمات المعاصر في حق المعاصر غير مقبولة، وهو كما أشرنا إليه – يقول المؤلف المذكور – مقيد بما إذا كانت بغير برهان وحجة، وكانت مبنية على التعصب والمنافرة، فإن لم يكن هذا ولا هذا، فهي مقبولة بلا شبهة هـ.
وكمثال له، طعن الإمام النسائي في أحد الأيمة الأعلام، أحمد بن صالح المصري بأنه غير ثقة، ولا مامون مع أنه الطود الشامخ، وناهيك بمن كان مع جبل السنة أحمد بن حنبل كفرسي رهان. وأحد الأربعة الذين قال فيهم الحافظ ابن وارة : إنهم أركان الدين. كما نقل السبكي بطبقات الشافعية عندما ترجم لأحمد بن صالح المذكور.
ومما ينبغي أن يستدرك على المعترض، أنه لم يهتم بما يهم الباحث في سند الحديث، وهو الطريق الذي روي منه. ذلك أن حديث أبا هريرة الذي رواه ابن النجار عن ابن المبارك المعني، هو من طريق أبي محمد بن يوسف عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب -264- الذي ألفي - أي هذا الأخير – بعد البحث في ترجمته أنه تكلم فيه بما يعتبر معه مختلفا فيه كذلك، فقد قال عند الخزرجي في الخلاصة – ص 8 : وثقه محمد بن عبد الله بن الحكم وعبد الملك بن شعيب، وقال ابن يونس : لا تقوم به حجة، والألباني بعدما ذكر فيه كلاما كثيرا، وأن الذهبي أورده، في الضعفاء، وأنه نقل عن ابن عدي قوله فيه : رأيت شيوخ مصر مجتمعين على ضعفه، حدث بما لا أصل له... إلخ. ساق قول الحافظ فيه وهو : صدوق تغير بآخره.
ومعلوم من الاصطلاح، أن من تغير تقبل الرواية عنه بالنسبة لما قبل التغير ولا تقبل بعده. ثم إنه على إصابته بالتغير – في نقل الألباني عن الحافظ بن حجر، يحمل قول ابن يونس فيه – كما تقدم – لا تقوم به حجة.
وعليه فيصطلح عنه – على التحقيق – بالمضعف لا بالضعيف كما كانت نتيجة البحث عن ابن المبارك.
وانظر، ما السر في كون المعترض اقتصر على ابن المبارك البغدادي، ولم يلتفت لأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، الذي روى ابن النجار حديث أبي هريرة عن شيخه عن طريق أبي محمد بن يوسف عنه، وإن كان مجتمعين في اختلاف أيمة النقد فيهما.
وأخيرا ينجلي لنا شديد اهتمام أيمة الحديث بدرجته، والذي من نتائجه بالنسبة لحديث أبي هريرة أنه – بعدما رمز له الجلال السيوطي بالحسن – قيده بثاني قسميه، وهو الحسن لمغيره كل من علي بن أحمد العزيزي من علماء الحديث بمصر – تـ 1070 – وأبي عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني المعروف بالتحقيق، وبأنه آخر المحدثين بمصر – تـ 1122 -، كما يتضح لنا اتخاذهم – رحمهم الله – كامل الحيطة عند نقل الرجال حتى يكون ذلك بروح الإخلاص ودون تسرع ولا مجازفة، فضلا عن الانسياق للهوى، واتخاذ ذلك ذريعة إشباع نهم نفسي قد يكون أحيانا بدافع الانتقام، وأخرى بوازع التعصب الأعمى. 
هدانا الله بمنه وكرمه – إلى سواء السبيل، وفتح بصائرنا حتى نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، ووفقنا – جلا وعلا – جميعا لما يحبه ويرضاه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

(1)  ج : 1/456- ط : دار إحياء التراث العربي – بيروت.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here