islamaumaroc

الكلمة الملكية السامية التي القاها مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الحسن الثاني بمناسبة استقبال جلالته للسادة العلماء المشاركين في اشغال الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية.

  الحسن الثاني

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

استقبل مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني – نصره الله وأيده، والذي كان محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد – زوال يوم الثلاثاء 13 صفر الخير 1411 هـ موافق 4 شتنبر 1990 بالقصر الملكي بالصخيرات، السادة العلماء المغاربة والضيوف الذين وفدوا من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في أشغال الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية التي انعقدت بولاية الدار البيضاء الكبرى.
وقد تشرفت لجنة من السادة العلماء، بتقديم تقرير عن أشغال الجامعة إلى جلالة الملك، رعاه الله.
وبعد ذلك، ألقى – حفظه الله – الكلمة الملكية السامية التالية :
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وآله وصحبه.
حضرات السادة والسيدات،
لم يبق لي الكثير لأقوله، بعدما استمعت وقرأت تدخلاتكم المتبوعة والمشفوعة بنقاشكم.
وقد سررت ولله الحمد، كما سر كافة المسلمين هنا ببلدكم، وخارج المغرب، بالحماس الذي تطرقتم به إلى المواضيع المختلفة والعميقة التي كانت محور لقائكم.
إن هذا العمل، له أهمية كبيرة، لا تنحصر في حجمه وحجم مواضيعه، بل تخترق الأجواء والبحار والقارات، لتوصل كلامكم ودراساتكم إلى إخوانكم في الدين وفي الله كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
نعم، كما أن لكل بشر حينما يدخل معمعة، وكما أن لكل داخل دهشة، فلكل جماعة كذلك دهشة، ولاسيما والإسلام، وما هو حول الإسلام، وما هو كائن في العمود الفقري للإسلام، هذه كلها مواضيع تكاد تكون مواضيع نارية، لا يمتلكها ولا يأخذ بنواصيها لا من كان من الذين قال فيهم الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام : << قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم >>.
أريد أن أنطلق في هذه الكلمة الوجيزة جدا من آية وحديث : الآية وهي قوله سبحانه وتعالى : << إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون >> والحديث الذي يقول فيه النبي (صلع) : " تركتم على المحجة البيضاء كتاب الله وسنتي، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنا إلا ضال ".
إذن، نرى من خلال هذه الآية، ومن خلال هذا الحديث، أن لا خوف على الإسلام من الله سبحانه وتعالى، بل يجب أن نخاف على الإسلام من المسلمين أنفسهم. لماذا؟ أولا : لأنه مع الأسف، في العصور التي نعيشها، أصبح هناك فرق زمني وفرق مادي بين البيت والمدرسة، الشيء الذي لم يكن في المجتمعات القديمة، وحتى في المجتمع الذي تربيت فيه، كنا نفتح أعيننا في الصباح، ونرى أهلنا يصلون الصبح، بعد ذلك نذهب للكتاب، نحفظ دون أن نفهم، ولكن نحفظ، وبعد ذلك نغير اللباس، ونترك قلم القصب لنأخذ القلم العصري، لنتلقى الدراسات في شتى المواضيع وبشتى اللغات. وهكذا، كان الأستاذ والمربي متفقان دون أن يتفقا، متفقان على أن الإسلام قبل كل شيء خلق وسلوك، والإسلام هو أولا "الدين المعاملة"، والإيمان هو أن تعبد الله كما تراه، والتقوى وهو من الخوف، أن تخاف ربك معنى أن تتساءل كل يوم عما فعلت، وأن تسائل وتحاسب ضميرك. وهناك بعض المسلمين مع الأسف الذين وإن كانوا علماء، لم يعطهم الله سبحانه وتعال حكمة التربية. فالعلم شيء، والتربية شيء. ولا أدل على هذا من قول النبي (صلع) : "الدين يسر، ولن يشاد أحدكم هذا الدين إلا غلبه" فمن العلماء والأساتذة والموجهين الذين يريدون أن يطبقوا على أبنائهم وطلبتهم وتلامذتهم جميع المعلومات التي يعرفونها عن الصلاة، وعن أركان الصلاة، وعن الصيام، وعن أركان الصيام، وعن العبادات التي قبل كل شيء يجب أن تكون غريزة سامية فينا. تلك العبادات التي تثقل على كاهل بعض الشباب، وكلنا كنا شبابا. فمن منا منذ بلوغه لم يصل، وقطع وصلى، ثم قطع وصلى، ثم قطع إلى أن هداه الله سبحانه وتعالى أن يأتي الأركان الخمس للصلاة كل يوم. وهذا الاستقرار في العبادات، يجب أن يكون مدعوما بمرونة في التلقين، بتفهيم الطالب والتلميذ، ولاسيما أننا إما لنا أولاد وبنات يدرسون في الخارج، وإما لنا جاليات بأكملها تعمل في الخارج في دول غير إسلامية. فإذا لم يلقنوا منذ صغرهم الثوابت والرواسخ، وإذا نحن أثقلنا دماغهم بمثل : قالت نملة أيها النمل ادخلوا مساكنكم. قال النحاة : هل النملة ذكر أم النملة بمعنى جنس النمل؟
هذه مسألة طيبة، وهذا دليل على أن فقهاءنا أخذوا يدرسون كل شيء، حتى وصلت بهم الدراسة أن يدرسوا ما قالته النملة.
ولكن، هل من حقنا ومن واجبنا أن نثقل كاهل وأذهان الطلبة والتلاميذ، وحتى أولئك الذين يقرؤون تفسير القرآن، البلاغة بهذا؟
فلهذا أقول : أخاف على الإسلام م المسلمين. أما الله سبحانه وتعالى، فهو حافظ كتابه. والرسول (صلع) محصن سنته. إلا أن المسلمين مع الأسف أصبحوا غير كفاة للتربية.
فعلينا إذن حضرات السادة والسيدات، في الجامعة الصيفية، للسنة المقبلة إن شاء الله نهيئ المواضيع حول كيف يكون الشاب المسلم والشابة المسلمة؟
كيف يمكن للمعلم والمربي، أن يملأ دماغ الذكر والأنثى دون إتخام؟ كيف يجعلهم قادرين على امتلاك الملكة؟ تلك المكلة التي هي غريزة، أما تريك في دماغك الضوء الأخضر، أو الضوء الأحمر، إن لم يكن الضوء الأصفر الذي يعني التشكك. وآنذاك، اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
فخوفي كل الخوف، هو على الذين سيخلفوننا، ما هي نوعية الإسلام الذي سيعتنقونه ويدافعون عنه وسيكتبون عنه وسيلقنونه أبناءهم وأبناء أبنائهم؟ فلي اليقين، أنكم كلكم كأساتذة وكآباء، محتارون أمام هذا السؤال.
قال النبي (صلع) " إنما بعثت لأكمل مكارم الأخلاق ".
فإذا كان الإنسان مخلقا بأخلاق النبي (صلع) الذي قال فيه الله : << وإنك لعلى خلق عظيم >>. لي اليقين، أن بهذه المرآة المتوالية، يرى المسلم نفسه في النبي (صلع) بكل تواضع. ويرى السدة النبوية كصنيعة لله سبحانه وتعالى، خلقا وخلقا. إذا نحن سرنا تدريجيا في التربية وفي التلقين. لي اليقين أننا سنصبح  مطمئنين على هذا الدين، الذي يريد البعض أن يظهره دينا محجرا ينحصر في التوحيد، وفي الفقه. والحالة هذه، أن الإسلام والحمد لله، أوسع بكثير، إلى حد أننا سمعنا أساتذة محترمين عظام يقولون : الفقه ينقل ولا يتعقل. كيف ذلك؟ إذا كان هناك شيء يقبل التطور، بل يتطلب الاجتهاد والمرونة، فهو الفقه، ونراهم يقولون : والتوحيد يتعقل ولا ينقل، وهنا يجب أن يحدد الفقيه الذي يتعاطى للدروس وللمواد الدينية، دون الحديث عن البلاغة والآداب والتاريخ والعروض وغيرها. فبالنسبة لنا ولكم، ليس هذا هو الدين الذي يجب أن نسميه الإسلام. فالإسلام دين اجتهاد، والإسلام دين رموز، فمثلا حينما نكون مرضى، أو على سفر، أو على جنابة ولا نجد الماء، فيجب علينا التيمم. والتيمم : هو مسح الوجه واليدين أي المرفقين. فهل هذا التيمم هو الذي سيغسلنا من العرق، أو مما وقع من مضاجعة زوجاتنا؟ هل هو الغسل الذي سنغسل به ذاتنا من رأسها إلى رجلها؟ كلا. هذا مجرد رمز، إذا جاء وقت الصلاة، وحام لقاء المسلم مع ربه، ومناجاة المسلم لربه، ولم يجد ماء، فليتطهر رمزيا، حتى يستدبر ما كان عليه، ويستقبل مناجاة الله فالقرآن الدين وكله رموز.
بالطبع، يجب علينا أن نتتبع شيئا ما، ونتحلى بشيء ما من الصرامة، حتى لا نترك المتلاعبين يتلاعبون، ولكن يجب علينا دائما أن نرجع إلى دافع المشرع وأسباب التشريع، سواء كانت أسبابا ظرفية فقط، أو كانت أسبابا قارة في جميع الأزمان، وفي جميع المناخات، وفي جميع صور الحياة.
وبهذه المناسبة، أريد أن أذكر لكم حضرات السادة والسيدات، موضوعا طالما اشتاقت نفسي إلى أن أطرحه بكل وضوح، وبكل أخوة، وبكل إيمان. وهو لماذا لم نعمل في هذه السنة إلى السنة المقبلة إن شاء الله في شهر غشت، على التفكير في التقريب بين السنة والشيعة؟ لماذا والحالة هذه تساكنا نحن السنيين والشيعيين ثلاثة عشر قرنا؟ ولماذا ابتداء منتصف هذا القرن أصبح الشيعة والسنة يتطاحنان ولا يتعارفان؟ فإذا انبثق من جامعتكم الصيفية هذه حوار محكم لطيف مقنع، متسم بالتساكن والتسامح، سواء من هنا أو من هناك، لي اليقين أن كثيرا من مخاوفنا على الإسلام من الإسلام، سينمحي نهائيا.
وثانيا : سنكون بهذا قد امتثلنا لأمر الله سبحانه وتعالى في كتابه حينما يقول : << ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم >>.
ففكروا معي حضرات السادة والسيدات في الموضوع التربوي بكيفية عامة في تقريب الإسلام الحقيقي من المسلمين، في إعطاء فلذات أكبادنا درعا من الإيمان، ليحصنوا أنفسهم في حياتهم، هذه الحياة التي جعلت المسلم لا يعيش بالضرورة في مجتمع إسلامي، والمسلمين الذين يعيشون في مجتمعات غير إسلامية لا يثبتهم على دينهم، ولا يجعلهم مكرمين لدى المجتمع غير الإسلامي الذين يعيشون فيه، إلا سيرتهم الأخلاقية والمذهبية، تلك الأخلاق التي هي العمود الفقري، والروح الحقيقية للديانة الإسلامية التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يختم بها دياناته.
وأخيرا عندي نصيحة، حاولوا رعاكم الله ووفقكم، وكثر من أمثالكم، أن تتفتحوا على اللغات الأجنبية، لتتمكنوا أكثر من المقارنات الفلسفية والقانونية بين الديانات. ولي اليقين أن من قرأ منكم الإنجيل والتوراة، كما وقع لي عندما كنت في المنفى، ولم أكن ألقى ما أشغل به نفسي خلال سنتين ونصف من المنفى، فقرات الإنجيل والتوراة. أولا، قراءة الإنجيل والتوراة جعلتني مسلما أكثر مما كنت عليه،ولكن قراءة الإنجيل والتوراة كذلك قربت بيني وبين إخواني في الله اليهود والنصارى، إذن عليكم أن تتعلموا لغة أجنبية، وذلك تبعا للحديث النبوي الشريف الذي لم يكن صريحا، ولكن يستفاد ذلك منه ضمنيا عندما يقول النبي (صلع) : "اطلبوا العلم ولو في الصين" بمعنى : أنه إذا ذهبتم إلى الصين، ستدرسون العلم باللغة الصينية وليس باللغة العربية. وقبل أن تصلوا الصين لتتقنوا العلم باللغة الصينية، ستمرون على الهند وعلى التبت. إذن فليست الأجواء الفكرية ولا الجغرافية وحدها التي يجب أن تكتسح من لدن المسلم، بل التعرف على أنشطة فكرية أخرى، وعلى مناخ اجتماعي آخر، وأخيرا على لغة أو لغات أخرى.
إن مقداري الضئيل والمتواضع من العلم، لا يسمح لي أبدا، بان أزيد ولو كلمة واحدة في خطابي هذا، لأنني ربما تجاوزت حدود التواضع، وأريد أن أجازيكم الجزاء الجزيل، على ما قمتم به وعلى ما ستكتبون، حينما ترجعون إلى أوطانكم عن هذه المبادرة التي عرفت بعضكم عن بعض، وشدت أواصر الأخوة الإسلامية بينكم.
وأملي ان نلتقي السنة المقبلة، ولدينا موضوعان اثنان :
أولا :
مناهج التربية الإسلامية المبشرة غير المنفرة، تلك التي تطبع الصبي والصبية، منذ أن يبدأ في فهم بعض المسائل.
وثانيا :
مجالا وإشارات، لربط الحوار بين علماء السنة وعلماء الشيعة،حتى يرجع هذا الدين، دين الأخوة كما هو، وحتى نتعايش مع إخواننا الشيعة، كما تعايشنا معهم مدة ألف وثلاثمائة سنة. فالذي جعلنا نتعايش معهم ألفا وثلاثمائة سنة، سيجعلنا قادرين على أن نلتقي من جديد، وأن نخلق الصحوة العميقة الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف.
أعاننا الله جميع وجعلنا عند حسن ظن الجميع، وجعلكم وإيانا في مستوى المسؤوليات الدينية والروحية الملقاة على عاتقنا جميعا.
والسلام عليكم ورحمة الله.


 

 

 

 

                             

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here