islamaumaroc

مغرب الايمان والعمل والبناء [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

تختص بعض شهور العام بما كرمها الله به من مكرمة إسلامية، وخصها به من مزية دينية، تجعل لها مكانة خاصة في الإسلام، وتبقى غرة مشرقة في جبينها، ومعلمة بارزة على تتابع الأيام والأزمان.
ومن بين تلك الشهور شهر ربيع الأول، الذي يخلد فيه المغرب والعالم الإسلامي ذكرى مولد سيد الكائنات ومنقذ البشرية من الظلمات، وداعيها إلى دين الله القويم، وهاديها إلى الصراط المستقيم.
إنه مولد محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، مولد جليل بجلال صاحبه وقدره عند الله، جدير بكل ابتهاج وتعظيم، واحتفاء وتكريم، إنه مولد رسول الإسلام، ودينه الحق، وشريعته السمحة، رسول البر والخير وهداية الإنسانية، وإنقاذها من مسالك الضلالة ومهاوي الجهالة، والانحرافات الاجتماعية والأخلاقية، وتوجيهها نحو الجادة والاستقامة، مصداقا لقول الله تعالى في سورة الجمعة :
<< هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين >>.
كان مولد محمد بن عبد الله وما صاحبه من إرهاصات وظواهر خارقة للعادة، إيذانا وتبشيرا بما سبق في علم الله وأزله أنه النبي الذي بشرت به الكتب الإلهية السابقة، وأكمل الله به الشرائع والديانات، وختم به النبوة والرسالات، وأخذ العهد والميثاق على الأنبياء والمرسلين السابقين أن يؤمنوا به ويصدقوا برسالته، فقال تعالى : << اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا >>.
وقال سبحانه : << وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاء رسول الله مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه، قال : آقررتم وأخذتم على ذلكم إصري (أي عهدي) قالوا أقررنا فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين... >>.
وقال سبحانه : << ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين وكان الله بكل شيء عليما >>.
إنه مولد الرسول الذي جمع الله له من الفضائل والمكارم، والمحامد والمحاسن ما تفرق في غيره من الأنبياء والأتقياء، فكان أصدق الناس حديثا وأوفاهم عهدا، وأرعاهم أمانة، وأكثرهم عفوا وصفحا، وحياء وصبرا، وشجاعة وتسامحا، وألطفهم معاشرة وتعاملا، وأحسنهم خلقا وخلقا، تكونت بما جاء به من دين وأخلاق أمة مؤمنة متدينة، ودولة اجتماعية متمدنة، تقول على الإيمان بالله وتوحيده والخضوع له، وعلى الحق والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والتعاون على البر والتقوى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي والفوضى، وتتبوأ بذلك مكانتها التي جعلها الله فيها حين وصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، فكان المولد النبوي و>كرته العظيمة في شهر ربيع الأول من كل عام، مولد من اصطفاه الله وبعثه إلى الناس كافة، وأرسله إلى العالمين رحمة، وجعله لأمته القدوة الحسنة عندما قال سبحانه : << وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين >> وقال جل علاه << وإنك لعلى خلق عظيم >> وقال عز من قائل << يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاها ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا >>.
وما أروع قول الإمام البوصيري، في هذا المقام :
  ليلـة المولـد الـذي كــان                    للديـن سـرور بيومـه و ازدهـاء
  وتوالت بشرى الهواتف أن قد              ولـد المصطفـى وحـق الهـنـاء
                                           * * *
  ورأينـا آياتـه  فـاهتدينـا                    وإذا الحـق جـاء زال الـمــراء
ويظل المولد النبوي، وبعثته المحمدية، ورسالته الإسلامية، ومعجزته القرآنية شعلة متوهجة من الإيمان، مضيئة في قلوب وبصائر المؤمنين والمؤمنات على مر العصور وتعاقب الأجيال، تبقى تلك الشعلة الدينية وهدايتها الإيمانية مبعث الوعي الديني وصحوته الإسلامية، القائمة على الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، والتمسك بدينه وشريعته، تبقى نبراسا ينير الطريق للمسلم في مسالك هذه الحياة المتشعبة، ويهتدي فيما يجب عليه من حقوق الله وحقوق العباد، ويحفظ له توازنه بين مطالب الحياة ومطالب الروح، حتى لا تجذبه الحياة المادية بمغرياتها، وتجمح في مطالبها، ورغباتها، وتسلبه الشعور بأصالته الدينية ومقوماتها الوطنية والحضارية.
ومن هذا المنطلق الإسلامي السليم، الثابت في نفس كل مسلم ومسلمة، المتأصل والراسخ في كل فرد من أفراد الأمة المغربية، وبمبادرة كريمة، وتوجيه سام من أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني حفظه الله، وأدام له النصر والتمكين، نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية في أواخر غشت المنصرم الندوة الأولى للجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية، واستدعت لحضورها شخصيات بارزة في مجال العالم الإسلامي والدعوة الإسلامية ورجال الفكر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وغيره، وكانت مناسبة طيبة تم فيها تدارس موضوع الصحوة الإسلامية، واقعها وآفاقها، وألقيت في ذلك كلمات وبحوث، وتمت مناقشات ومداخلات، كانت متجاوبة مع ما يملأ قلوب الأمة الإسلامية، ويعمر قلوب قادتها المخلصين، من إيمان بالله وعبادته وطاعته، وشعور بالمسؤولية الدينية والدنيوية، ورغبة صادقة وسعي حثيث، في العمل على كل ما من شانه أن يحقق صلاح الأمة المسلمة وإصلاح مجتمعاتها، وينهض بها على أساس من ذلك الإيمان والشعور، والإدراك السليم، والوعي المتبصر العميق بمختلف الظروف والأحوال والملابسات التي يعيشها المسلمون في كل مكان، وبضرورة العمل على صيانة المسلم في خضم هذه الحياة من الذوبان في الحضارة المادية بكل ما لها وما عليها، والأخذ بيده فيما يجعله متمسكا بالوسطية الإسلامية التي هي من مميزات وخصائص ديننا الإسلامي الحنيف، والتي تحول دون وقوع المسلم في الإفراط أو التفريط، أو التقصير أو التشديد، ملا بقول الله تعالى << وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا >>.
ولعل ما تضمنه هذا العدد من هذه المجلة من ملف أشغال الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية، وما ألقي في الجلستين الافتتاحية والختامية من كلمات في الموضوع، وما سيطبع بحول الله من كتاب خاص وجامع لأشغال هذه الجامعة في كلماتها وبحوثها ومناقشاتها، سيبرز تلك الحقيقة الناصعة التي يصونها المغرب ويحافظ عليها ملكا وحكومة وشعبا، إنها حقيقة الاعتصام والتمسك بالإيمان، والتشبث والتعلق بالإسلام والحفاظ على مبادئه وأخلاقه، وشريعته وأحكامه في ظل القيادة المؤمنة الصالحة، للعرش العلوي المجيد، وفي شخص واسطة عقده، وعاهله المفدى أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وأدام نصره وعلاه، اقتناعا بأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، من الاعتصام بالإيمان، والعمل الصالح البناء.
ومن حسن المناسبة أن يتزامن صدور هذا العدد مع شهر نونبر، وهو شهر يتميز بالنسب للمغرب والمغاربة بذكرى حدثين عظيمين وأمرين بارزين هامين في حياة الأمة المغربية وتاريخها المعاصر، هما ذكرى انطلاق المسيرة الخضراء، وذكرى عيد الاستقلال.
ففي اليوم السادس من شهر نونبر من كل سنة، ومنذ سنة 1975، يعيش المغرب باعتزاز وافتخار، عيدا وطنيا مجيدا يتمثل في ذلك الحدث الكبير الهام الذي أعلن فيه صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله عن انطلاقة المسيرة الخضراء نحو الصحراء المغربية المسترجعة، بعدما أعلن جلالته في خطابه الملكي السامي يوم 16 أكتوبر من نفس السنة عن تنظيمها بروح سلمية مسالمة، تلك المسيرة القرآنية المظفرة التي كان شعارها الإسلام والسلام بما يردده المشاركون من شعار كلمة : الله أكبر، وبما يحملون في أيديهم من أجزاء القرآن الكريم، والرايات المغربية، والتي استمدت جوهرها وروحها السلمية من السيرة النبوية في مسيرة وصلح الحديبية، تلك المسيرة التي انطلقت من الإيمان بالله والتوكل عليه، ومن اليقين والقناعة بالحق، والعمل الحازم على تثبيت المشروعية، وتفويت الفرصة على من يريدون المساس بالمغرب والنيل من وحدته الترابية، وقامت ضمن ما قامت عليه على ما يجمع بين العرش العلوي المجيد والسكان الأصلاء في الصحراء المغربية، وأبنائها الأوفياء البررة من العلاقة الشرعية بين الراعي والرعية، القائمة في الإسلام على روابط الولاء والبيعة، وهي علاقة وروابط أقرتها وأيدتها وأكدتها محكمة العدل الدولية، فكانت المسيرة الخضراء فتحا مبينا، ونصرا عزيزا للمغرب والمغاربة قاطبة، تمكن بها بلدنا العزيز من استرجاع صحرائه المغربية، وظلت ذلك الحدث الهام البارز في القرن العشرين، الذي أدهش العالم وبهره، وجعله ينظر إلى المغرب بمنظار الإعجاب والتقدير، والذي يرجع الفضل الكبير في إبداعه وتنظيمه إلى رائد الأمة الملهم وقائدها الموفق، الحارس الأمين لهذا البلد الكريم على مصالح الدنيا والدين، أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وكيف لا، وقديما قال المتنبي :
  على قدر أهل العزم تأتي العزائـم                 وتأتي علـى قـدر الكـرام المكـارم    
  وتعظم في عين الصغير  صغارها                 وتصغـر في عين العظيـم العظائـم
وهاهي خمس سنوات مرت على هذا الحدث التاريخي العظيم، ولا تزيده الأعوام والسنون إلا رسوخا وثباتا، وتقديرا وإعجابا، ولا يزداد معه المغرب إلا عزا وصمودا، ولا يزداد معها سكان الصحراء المغربية وأبناؤها الأوفياء البررة إلا ولاء وتعلقا بالعرش العلوي المجيد، وتشبثا بمغربيتهم، وانتمائهم لمغربهم العزيز، واستمروا على الولاء والبيعة والوفاء بالعهد والطاعة، ولا تزداد معها صحراؤنا إلا نموا وحركة في كل ميدان، و إلا استقرارا واطمئنانا، وتقدما وازدهارا في كل مجال، في ظل عاهلها المفدى جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله. << ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز >>.
وفي يوم 18 نونبر من كل سنة، ومنذ 1955 يخلد المغرب باعتزاز وابتهاج عيدا وطنيا مجيدا، ويعيش ذكرى من أعز وأعظم ذكرياته الوطنية، إنها ذكرى عيد الاستقلال، الذي يذكر الاحتفال به بتاريخ الجهاد الطويل، والنضال المستميت، الذي قاده ضد الاستعمار جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، وبمعيته ورفقته ولي عهد آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، ومن ورائه شعبه المؤمن الوفي بكل فئاته وشرائحه، بكل ممكناته المادية والمعنوية، جهاد ونضال استمر سنوات، وقوي في الثلاثينات، واشتد في الأربعينات، وبلغ أوجه في الخمسينات، حين ضحى بعرشه وأسرته، وتحمل النفي والغربة عن وطنه، وظل صامدا مقاوما بما أتاه الله من إيمان ويقين وصبر وثبات، وثقه في وعد الله ونصره الحق على الباطل، حق العيش في الحرية والكرامة، وهي أعز ما يملك المسلم بعد الإيمان بالله.
إنها ذكرى مجيدة يفخر بها المغرب والمغاربة، ويستعيدون من خلال الاحتفال بها كل سنة ما قدمه العرش العلوي المجيد، ومازال يقدمه لهذا البلد من أجل الحياة الكريمة في الهناء والرخاء والعيش الرغيد، وما بذله سلفهم الصالح من آبائهم وأجدادهم، وقدموه من تضحيات بالغالي والنفيس في ظل التفافهم حول العرش العلوي العتيد، وفي سبيل أن يعيش أبناؤهم وأحفادهم أحرارا كرماء، والمغرب حرا كريما، إنه مغرب الإيمان والعزم على العمل البناء، والحزم الجاد الذي يجعل المغرب بلد الأعياد الوطنية والذكريات المجيدة وبلد التحديات والمعجزات، في ظل عاهلها المفدى أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني أدام له النصر والتمكين.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here