islamaumaroc

عيد الشباب وذكريات تلاحم العرش والشعب

  أحمد معنينو

279 العدد

في يوم 9 يوليوز 1929 زفت للشعب المغربي بشرى ميلاد ولي العهد الأمير مولاي الحسن، حيث عمت البشرى الشعب المغربي بأجمعه بمولود صاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، في هذا اليوم الذي سطع فيه اسم مولاي الحسن الثاني تفاءل الوطنيون الأحرار في المغرب، ينتظرون العزة والكرامة والاستقلال والحرية، والتقدم والازدهار والوحدة الترابية في عهد الحسن الثاني أيده الله. وهكذا نجد الملك محمدا الخامس يحتضن ابنه وفلذة كبده ووارث سره وولي عهده منذ ازدياده لا يفارقه إلا لماما. إذا ما تتبعنا عناية صاحب الجلالة بمولده السعيد نشاهده والبشرى والابتسامة لا تفارقان جلالته، نشاهد مجلسه الدائم يزدهر وتعبق منه رائحة طيبة وآثار مستقبله ويحتضنه باستمرار. وسهر على تربيته وتكوينه علميا ودينيا وخلقيا وجسمانيا.
وفي سنة 1933 والأمير الجليل يبلغ السن الخامسة تشرفنا نحن جمعية المحافظة على القرآن الكريم من سلا والرباط بالتشرف والحضور للقصر الملكي بدعوة كريمة من جلالته بواسطة باشا سلا والرباط، نحضر القصر دون أن نتعرف القصد من الدعوة، نستقبل باحترام وإكبار، وندخل وعلى رأس جماعة سلا الفقيه العدل الحاج محمد بن علي عواد، وعلى جمعية الرباط الفقيه العدل السيد بلغازي، نعم أدخلنا لدويرة تزدهر داخل القصر الملكي تؤذن بالحدث الجلل. ذلك أن عزم ملك البلاد قرر دخول ولي العهد (للكتاب القرآني) واختار للقيام بهذه التربية الإسلامية، حفاظا على عرش المغرب المسلم، العلامة الصالح أحد أركان علماء كلية القرويين بفاس الفقيه سيدي محمد أقصبي رحمه الله.
أمرنا بالجلوس في حلقة لتلاوة كتاب الله. ووجدني الحال جالسا جوار الفقيه العابد الذاكر حاجب صاحب الجلالة سيدي الحسن بن يعيش وبيده الطفل المبارك الميمون مولاي الحسن. شرعنا نحن في تلاوة آيات كتاب الله ومولانا الملك محمد الخامس يجلس على كرسي قبالتنا يسمع إلينا تارة ويقرأ معنا أخرى، ودموعه تتساقط والطيب يعبق وملائكة الرحمان تحيط بنا، مصداقا للحديث الشريف الوارد في هذا الموضوع، قوله صلى الله عليه وسلم كما ورد : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله..." إلى آخر الحديث. نعم وكأني أنظر الساعة الرجل الصالح الحسن بن يعيش، وأستمع نجواه منذ جلوسي بجانبه في الحلقة حوالي الثامنة مساء إلى حوالي الثانية عشرة، والذكر الذي يتلذذ به ويلهج به، الدعاء الذي يصدر منه ويداه الكريمتان تمران على جسد الطفل المذكور : اللهم اجعله من حماة القرآن، من المحافظين على القرآن من العاملين بالقرآن، من المغرمين بالقرآن إلى آخره، يفتر لحظة واحدة، ولا تصدر أية كلمة عدا هذا الدعاء الكريم : إلى أن ختمت الحفلة بسلام. وترنمنا بالأناشيد الوطنية، والزغاريد القومية بين يدي صاحب الجلالة، وهو مسرور ومبتهج، يجأر إلى الله المرة تلو الأخرى أي يهيئ الله لولده ووارث سره جميع أنواع الهداية والرشاد والتوفيق لأقرب طريق. أكرمنا وعظمنا وصافحنا جلالته، وطلب منا صالح الدعوات لخلفه وثمرة غرسه. تمر هذه الحادثة التي أستحضرها الآن وسجلتها تخليدا للتربية الحسنية التي تَكَوَّن طبقها صاحب الجلالة الحسن الثاني المحتفى اليوم بذكرى ولادته وتسمية ذلك اليوم "عيد الشباب" وتمر الأيام بسرعة ويبلغنا استدعاء بالحضور لحفلات التبريك بالعيد السعيد باسم الشباب. ويقع الاختيار على شابين يرأسان جمعيتين: الأولى جمعية المحافظة على القرآن، أبو بكر القادري، والثانية النادي الأدبي بسلا وعلى رأسه عبد الكريم بوعلو، ويحضران صباح العيد بالمشور السعيد، ويندهش سعادة الباشا من حضور الشابين على خلاف العادة، ويتساءل من الذي استدعاهم؟ ويأتي دور مدينة سلا، وينادي رئيس المشور (الباشا سلا نعم سيدي) فيدخل الباشا والأعيان ويتأخر الشابان. وعقب قراءة الفاتحة يُؤذن الباشا بالخروج، ثم ينادي رئيس المشور (شباب سلا نعم سيدي) فيدخل الشابان ويتأخر معهم سعادة الباشا، يذهبان توا إلى مصافحة جلالة الملك والسلام عليه على خلاف ما اعتاده الباشا والأعيان، وبعد هنيهة يقف الأول ويلقي كلمة التبريك باسم المحافظين على القرآن بسلا، ويدعو الله بالتوفيق والسداد، يجلس ويقوم الثاني بالتحية والإكبار والتهنئة باسم النادي الأدبي للجلالة الشريفة، حينئذ يتململ صاحب الجلالة على كرسيه ويتزحزح على مقعده ويخاطب الشابين، ويحي فيهما روح التضحية وحب الوطنية وصدق المحبة للبلاد وللعرش، ثم يخاطب الباشا الأديب الحاج محمد الصبيحي قائلا: أيها الباشا، أوصيك بالشباب خيرا، الشباب أهل لكل فضل وخير، وعليك أن تبر بهم وتساعدهم، إلى آخر وصيته، يسلم الجميع ويخرجون وجمهور المهنئين من مختلف جهات المغرب يتساءلون عن هذا الحدث الجلل، الذي ظهر في هذا اليوم، جلالة الملك يقدر الشباب ويردد خطابا حافلا بالمكرمات، ويوصي بالشباب خيرا، كل هذه العناية برزت من محمد الخامس في هذا اليوم السعيد.
بلغ الخبر السار لشباب جمعية المحافظة على القرآن بالرباط وسمع بكل ما جرى من احترام وتقدير وشفوق لشباب سلا، فيتحرك على بركة الله، وعلى رأس هذه الجماعة الرجل الوطني الصادق خليل بناني، وأسجل الخير لأهله، فالسيد المذكور وبجانبه الوطني الشهم محمد كراكشو، هذان الرجلان المؤمنان الصديقان تعرفا على مصحف كريم مخطوط بخط جميل، في ملك شخصية محترمة بالرباط فيتخذان إجراءا مدهشا ويهيئان جماعة من العلماء والأعيان ويقصدان بيت صاحب المصحف فيستقبلهم أحسن استقبال، وبعد جلوسهم معه تقدموا إليه بطلب منحهم هذا المصحف الكريم ليقدموه هدية لمحمد الخامس تيمنا أن تعود بركة القرآن على ولي عهده مولاي الحسن، فبادر السيد صاحب البيت وقدم المصحف الكريم هدية، وكله بشر وانشراح. أخذوا المصحف واستعملوا له غشاء فاخرا، وذهبوا لزيارة باشا الرباط الحاج عبد الرحمان بركاش ليتوسط لهم بدوره لدى الديوان الملكي بالإذن بالزيارة لجلالة الملك محمد الخامس وتقديم الهدية العظيمة.
وما كان من الباشا إلا الاستجابة، قدم الطلب وأجيب بالرضا والقبول، واغتنمها شباب الرباط : جمعية المحافظة على القرآن، وحرر عريضة ممتعة شرح فيها العوائق التي أصبحت تقف في وجه الكتاتيب القرآنية في البلاد، وبالأخص البربرية، وسجلوا كل ما يحاك من حيل ومكر لإبعاد شباب المغرب البربري عن الديانة الإسلامية والابتعاد به عن العمود الفقري للدين الحنيف وهو القرآن الكريم، ويعين الاستقبال قبل صلاة الجمعة ويقترب وقت الصلاة، ويحضر الوفد: جمعية المحافظة على القرآن بالرباط برئاسة الفقيه الصالح الناسك إمام المسجد الأعظم السيد بلغازي، يستقبلهم صاحب الجلالة بالبشر والترحاب، ويأذن جلالته لمولاي الحسن بالحضور ليستقبل الهدية العظيمة بيده، الهدية التي لا توازيها هدية (مصحف كريم) مع رسالة. يبتهج جلالة الملك محمد الخامس من الزوار والهدية، ويجيب جلالته بالعمل بكامل الاهتمام للقضية الإسلامية الكبرى، قضية الاعتناء بالكتاتيب القرآنية ودفع الشر عن أصحابها والوقوف في وجه كل من يعتدي عليها، وتمت الزيارة بسلام.
ثم يأتي دور هام ثالث من هذا الشكل والنوع، ذلك أن الجمعية الرياضية الرباطية السلاوية المؤسسة بالرباط انبثق عنها فريق الكشاف المغربي تحت إشراف الوطني الأستاذ أحمد بن غبريط ورئيس الفرقة، والأستاذ السيتل العيساوي، وتتشرف هذه الفرقة بطلب إلى جلالة الملك ممد الخامس ليأذن لولي عهده مولاي الحسن برئاسة هذه الجمعية الكشفية والإنعام عليها باسم صاحب السمو (الكشفية الحسنية)، فيقبل صاحب الجلالة الفكرة ويرتضيها، ويجيب بالقبول. وساعة استقباله وحضوره من فرنسا من زيارة رسمية يتكون فريق الكشفية ويأخذ باقة زهرية بيده ويخرج إلى مكان الاستقبال دون علم ولا دراية لباشا الرباط وسلا والحكومة بكل ما لديها من أعوان وأنصار، وعلم عندها أيضا. الأمر بين الشباب وصاحب الجلالة، يحضر الكشاف بزيه الرسمي ويبلغ عدد الأفراد نحو 20 شخصا، ويلتف حوله شباب العدوتين: سلا والرباط بباب زعير، يقف الكشاف أمام العلم المغربي الزاهي، والباقة الزاهية العطرة بين يديه لتقدم لولي العهد بين يدي صاحب الجلالة، لكن المراقبة والجواسيس اندهشوا جميعا من هذه المغامرة، من هذا الاتصال بالشعب والعرش ويبحثون ويتساءلون كيف وأين وو؟ ولا يجدون جوابا، اتخذوا التدليس شعارهم، فحبكوا مؤامرة سريعة، ووجهوا رسولا بسيارة في غيبة عن جلالة الملك في طريقه، وأعطيت الأوامر لسائق سيارة صاحب السمو أن يبادر ويلتحق بالقصر حالا، فيستجيب السائق ويسرع بالدخول دون أن يشعر جلالة الملك بالمؤامرة، ويحيط البوليس السري والجهوي فيحاصر الكشافة وحولهم من مكان الاستقبال الرسمي، ويحضر جلالة الملك ويتقدم باشا الرباط والأعيان ثم باشا سلا والأعيان وينتهي العرض بالتهنئة والسلام، وفي هذه الدقيقة الفاصلة ينطلق صوت شباب العدوتين وكأنه الرعد القاصف "يحيى جلالة الملك، يحيى ولي العهد" وللتاريخ أسجل أن هذه الكلمة وهذه التحية تعد الأولى من نوعها، في استقبال صاحب الجلالة فيضطرب البوليس والحكام والأتباع ويندهش الكل، ويلتفت صاحب الجلالة متسائلا عن ولي العهد ليستقبل الباقة الزهرية، التي شهدها جلالته بيد الكشاف، فيخبر جلالته بأن سمو ولي العهد سبق للقصر، ويتفطن جلالته لهذه المناورة المكشوفة يمر جلالته بسلام، ونأخذ نحن الشباب طريقنا محيطين بفرقة الكشفية، بالباقة الزهرية، والعلم المغربي، في شبه مظاهرة صامتة إلى مركز الكشاف بحي بوقرون 4 زنقة الزيتونة، وعند بلوغنا للمقر، خطب أحد الشبان يطالب الحاضرين بالتبرع ولو بالبسيط لشراء (إطار من الزجاج) توضع فيه الباقة احتجاجا على تسلط المستعمرين وعملهم البشيع للتفرقة بين الشعب والعرش.
اشتري الإطار ووضعت فيه الباقة سجينة، وبلغ الخبر لجلالة الملك، فأكد لمرسوله أنه بإذن الله سيقوم بتلبية رغبات جمعية الكشافة في مهرجان عظيم فليطيبوا نفسا وليقروا عينا، وجاءت مناسبة إقامة حفل ديني بمناسبة تدشين التجديد (لمسجد السنة)، حيث وقف في جمع المؤمنين بعد أن كانت دبرت ضده مؤامرات تؤذن بالقضاء عليه رغم أنف الخصوم، بلغ الخبر لشباب العدوتين، والاستدعاء لفريق الكشاف ليحضر الكل لصلاة الجمعة بمسجد السنة، الصلاة التي سيرأسها جلالة الملك، كأني بالسيد الشيخ المسن (الصالح بناني) الشيخ المؤمن بالله الصادق بمحبة الله ينظم هذا المسجد ويقوم على فرشه بالزرابي والطيب ومنتهى التنظيف. ويحضر جلالة الملك محمد الخامس في روعة منظره بالموسيقى والأعلام والجيش والمخزنية والهيئات الرسمية، ويدخل من الباب العادي وسط جمهور الشعب، ويقوم العلامة الشاعر الناثر الوطني الخطير جوهري الصوت سيدي الحاج محمد اليمني الناصري، ويفتتح القراءة بقول الله العظيم "باسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا" إلى آخر الآية.
ويرتفع صوت المسلمين حامدين شاكرين الله على ما إليه هدى، ووقف يؤدي الصلاة ويخرج للباب ويؤذن لنا نحن الشباب ألا نتحرك حتى نخرج عن باب التواركة (باب السفراء) حيث أذن لنا، فارتفعت أصوات الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، وحمي الوطيس، وحللنا نحن الشباب محل الحرس الملكي. أحطنا بفرس صاحب الجلالة في هيام وحرية وبكاء وفرح وزغردة وأناشيد وأغاريد عرس وطني أقامه جلالة الملك هذه الساعة المباركة. سرنا طريقنا حتى بلغنا القصر وأذن لنا بالدخول، وما هي إلا دقيقة يغيب فيها جلالته، وها هو قد أزال لباس (البروتوكول) وحمل بين يديه الولد البار الأمير مولاي الحسن والعبرات تتساقط من عينيه الكريمتين، والزفرات تتوالى، والدعوات إلى الله بحياة صاحب الجلالة وولي عهده. اختتمت الحفلة بصالح الدعوات لسيدنا المنصور بالله بالتوفيق والرشاد ولولي عهده بالحفظ والتأييد والنهج السديد.
هذه بعض المعارك المتوالية للعرش المفدى والوطنيين من جهة، والمستعمرين وأذنابهم من أخرى.
ومن المناسب أن أسجل في هذه المناسبة الطيبة للتاريخ كيفية تكوين الجمعية الرياضية الرباطية السلاوية. اعترفت حكومة الحماية لأول مرة بأول (جمعية رياضية إسلامية رباطية سلاوية) بالعدوتين تحت رئاسة الأستاذ أحمد غبريط، وتتركب الهيئة الإدارية من السادات السيتل العيساوي، عبد الجليل القباج مدير ومؤسس جريدة العلم، مسعود الشيكر مدير ديوان صاحب الجلالة، ووزير الداخلية سابقا، رشيد بنحساين، محمد الراشد ملين مؤسس حزب الأحرار ووزير عدة وزارات، الطيب بالحاج أحمد القباج، الحاج الصديق الأزرق، احمد عثمان بن عبد الله الحاج، محمد بن الكناوي، وغيرهم كثير من سلا، الشاب المكي السدراتي، الأستاذ الصديق عواد، السيد أحمد عبد الله الحسوني.
اجتمعت هذه الجمعية على عدة ألعاب رياضية (ألعاب القوى) (كرة السلة) (كرة القدم) (التربية الرياضية)، وكانت هناك بادرة جديدة: تكوين فريق الكشفية. لقد كانت فرقة خاصة بالفرنسيين بليسي كورو، ثانوية كورو، وبجانب هذا الليسي كانت توجد دار الأمين الوجيه الغيور الحاج أحمد برق الليل، وكان يحضر إليها ابن أخيه الوطني الحاج محمد بلقاسم برق الليل. وبمعيته أبناء عمومته مصطفى ومحمد، وكلهم تلاميذ بهذه الثانوية المذكورة ومعهم جماعة مثقفة في القمة: الدكتور الجبلي العيدوني، أحمد المعطي بوهلال، محمد بالمختار بالمسعود. هؤلاء الأفراد وكلهم من تلامذة الليسي هم الأساس لتأسيس الفرقة الكشفية تحت إطار الجمعية الرياضية السلاوية الرياضية. منهم انتظمت الصفوف.
هذه الذكريات أسجلها بمناسبة الاحتفال بعيد الشباب الذي أنشأه جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله، وسجله في حدث هام هو وولده ولي عهده جلالة الحسن الثاني ملك المغرب وموحد التراب ومؤسس الملكية الدستورية.
وبمناسبة هذه الذكرى العزيزة نرفع لجلالة الملك المفدى التهاني والتبريك مقرونة بالأماني، داعين الله أن يمن على جلالته بالحفظ والرعاية والتوفيق والرفاه، وأن يحفظه لشعبه ويوفقه لصالح البلاد والعباد، ويحفظه في ولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد وشقيقه المولى الرشيد وجميع الأسرة الشريفة إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here