islamaumaroc

عظيم حقق العدل والسلام

  حمداتي ماء العينين

278 العدد


عندما تطل علينا ذكرى عيد العرش المجيد، ترجع الذاكرة بكبارنا، إلى تلك الأيام الخالدة، التي خاض فيها المغرب امتحانات صعبة، ومعقدة، فخرج منها ناجحا، بعد أن واجه تيارات عاتية، كادت تعصف بكيانه كدولة، وبعقيدته كجناح أساسي ومؤثر، للأمة الإسلامية، إلا انه تميز عبر التاريخ بتوهج إشعاعه الفكري والحضاري من خلال التمسك بقيم الإسلام، والدفاع عنه، ونشر تعاليمه، ليظل الإنسان الأمن والعدالة وسمو التفكير.
ولعل القارئ الكريم لا يحتاج إلى كثير من الحجج لتبرير أسباب استهداف المغرب أكثر من غيره في هذا الجناح من الأمة الإسلامية إذ بمجرد إلقاء نظرة ولو وجيزة على سجل مفاخر المغرب المسلم سيجد أن العطاء، والتطلع والحكمة، والنضال بشجاعة، كانت مصدر تخوف غير المسلمين من أن يعيد المغاربة للإسلام عن طريق الأحفاد ما سبق أن حققه الأجداد في الضفة الشمالية للبحر الأبيض عند تأسيسهم للمجتمع المسلم هناك، الذي أنجب دولة الأندلس، يضاف إلى ذلك زحف المجاهدين إلى الجنوب متوغلين في أدغال القارة السوداء لاقتلاع جذور الوثنية من مجتمعات برغم تأخرها، لم تلبث أن ارتفع بها الإسلام إلى مكانات حضارية لائقة. 
هذا باختصار عن الدور الخارجي، بينما صاحبه عطاء لا مثيل له داخليا تحت باكورته الأولى في أقدم جامعة في الدنيا من حيث تنظيم مناهج الدراسة، إضافة إلى وثبة حضارية عملاقة استقطبت كل العطاءات الإنسانية، فبامتزاج التراث المغربي بالفكر الإسلامي، تكون مجتمع عالي التفكير مرهف الحس، بعيد الإدراك، طموح التطلعات، صلب الإرادة.
وبهذه المميزات اصبح مستهدفا أكثر من غيره ممن في مستواه من الدول في إطار هذا الواقع المليء ببواعث الأمل، والتشبث بمبادئ التضحية صقلت التجارب وجدان هذا الشعب الذي ظل متميزا حتى في طريقة تقبله للإسلام، بمعنى أنه شعب بقي يرفض العنف، ويقتلع جذور تحكم الغيرة في أرضه، وينمي القدرات العالية في كل جيل من أجياله مما أكسبه القدرة الخلاقة على جمع شتاته واسترجاع كرامته في أوجز ظرف عندما تسلطت عليه أيدي الاستعمار لتوزعه أقاليم ممزقة، وشرائح شعبية لا تبخل الإدارة الاستعمارية ببث كل السموم التي تفرقها وتوهن من قوتها.
لقد وجد الشعب نفسه، مطوقا بهذا الواقع الأليم، وقد كاد يحجب عنه ما يمكن أن يلوح في أفق المستقبل من بارقة أمل مما أخذ يقتم سماء الأمة العربية، من تحكم الأيادي الأجنبية في مختلف أراضيها، واتخاذ الكبار لكل الوسائل الكفيلة بتنفيذ <وعد بلفور> فوق رقعة ما من الأراضي العربية، إلا أن الشعور بالإحباط، لم يدم طويلا، إذ أتى الفرج من حيث ظن المستعمر انه كبل المغاربة بقيود تسلطه، فقبل أن ينتهي أمر المقاومة في آخر جيب من الجيوب التي فتحها المغربة في الشمال والجنوب لمهاجمة المتسلطين، في هذه الفترة اختير ذلك الشاب المسلم الهادئ، عميق الفكر، دقيق الملاحظة، المتحلي بالصرامة في جلباب الحكمة، لينصب على عرش المغرب ملكا شرعيا، إنه محمد الخامس طيب الله ثراه الذي أصبحت تدين له جميع الجهات، والأشخاص والمنظمات بالولاء، وسرعان ما ترجم هذا الولاء الديني إلى محبة سياسية، لا ينتزعها من خلجات التفكير إلا الإعجاب، وذلك عندما ألقى جلالة محمد الخامس خطاب توليه للعرش عندما قال : <إن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا، لا من أجل تنمية سعادته وحدها ولكن لنكفل له أيضا الانتفاع من تطور فكري يكون متلائما مع احترام عقيدته، ويستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة>.
بهذه الكلمات رسم القائد العظيم خطة كفاح أمة، وبرنامج استقلال شعب عندما تولى عرش أسلافه المنعمين سنة 1927، فأسس بناء دولة عصرية تحتاج في أول ما تحتاج إليه إلى أجيال متعلمة قادرة على التفكير والتخطيط والتوجيه، وبهذا الإدراك رأى الملك الصالح المجاهد أن عليه أن يقدم النموذج من داخل أسرته بدأ بنفسه، وأعطى ولده البار أقصى برنامج للتحصيل يستطيع أن يتحمل جسامته والد على ولده، وما خيب الله أملا للوالد في مؤهلات الولد، إذ أصبح يستوعب شتى أنواع المعرفة بشكل خارق للعادة، سيكون منقذ المغرب بحسب التربية التي يوفرها له والده الملك المخلص الذي يدرك نوايا المستعمر، كما أصبح الأمير الشاب يقر عين الشعب المقهور، وتتلاحق المشاكل ويحبل المغرب بالثورات نتيجة عوامل نفسية تحفزهم إلى العمل من أجل الانعتاق، وأخرى خارجية استفزازية تأتي نتيجة حب الحكام الفرنسيين إلى تطبيق نفس الحكم المباشر المفروض في الجزائر وغيرها من المستعمرات، على هذا البلد الذي أذاقهم الأمرين في مواجهتهم طيلة الأجيال التي قضوها في محاولة السيطرة عليه، وهاهم آنذاك يتجرعون علقم مقاومته ويتوجسون كل خيفة من الجماعات التي وقعت منه تحت أيديهم.
وكلما امتدت بهم الأيام إلا واستحدثوا أساليب جديدة تصعب مهمة العرش، وتثقل كاهله أمام التحديات، التي أصبح شعبه، وهو الجيش الاحتياطي المعتمد عليه لمواجهة نتائجها، قد أصبح موزعا إلى مناطق نفوذ أخضعت لطبيعة أحكام مختلفة لتضعيف القوة، وتنشئة الوجدان من خلال معطيات متباينة لتمد بأفكار متشاكسة تجعل أصحابها لا ينظرون إلى مشاكل مستقبلهم بنظرة موحدة، إضافة إلى ما ينجم عنها من تباين في العادات والعيش، واللغة والتفكير، والتطلع، وعندما ظنت السلطات الحاكمة لأكبر جزء من المغرب الموزع أنها تمكنت من غرس هذه الرواسب بشكل يمكنها من الوصول إلى الهدف، بادرت عندها بإصدار الظهير البربري سنة 1930، ظنا منها أنها بواسطته ستحدث شرخة في جسم الأمة لا يمكن للعرش أن يتلافى عواقبها، أو يستدرك ما يمكن أن ينجم عن مقتضياتها من تفرقة تسهل على الفرنسيين تنصير طائفة من المغاربة لتجتث غيرها بوسائل أخرى، ومن ثم سيكون أصعب بلد في مسلسل مواجهة الاستعمار، أضعف واجهة ستقف في وجه مخطط ابتلاع الشمال الإفريقي، كبوابة تنزع الأشواك من طريق تكريس الحكم إلى الأبد في مختلف أقطار عرب إفريقيا.
هذا التمهيد انطلقنا إليه من مسلمات دخلت في التراث التاريخي الذي لا يمكن محوه من الوجود ولو بالغ الناس في تناسيه، ويجنب هذه المسلمات هناك أشياء أخرى لا يستطيع أي مكابر أو منكر نكرانها، ونعني بها أن شخصية محمد الخامس طيب الله ثراه كانت هي الطود الشامخ الذي فوت على المستعمر كل آماله، وأفشل كل تخطيطاته ابتداء من الظهير البربري وحتى استرجاع طرفاية، وتصفية مخلفات المؤامرات الاستعمارية على الشمال، وتأسي أو حكومة عصرية تعرفها البلاد، وما صاحب ذلك من تشييد المنشآت اللازمة لدولة تأخذ طريقها إلى البناء وإعطاء الاستقلال مفهومه المتوخى منه، عندما ضحى الملك بعرشه وأسرته، وأعطى نفسه للجيش المدجج بأحدث الأسلحة ليعبث بمقدسات ما أثار عليه حفيظة المغاربة شيئا أكثر من المس بها، فدخلوا معها في كفاح ظل يدفعهم غليه ذلك الأمل الباسم، والمجسد في رجوع جلالة الملك وأسرته، وانتهاء عهد الحماية، وما صاحبه من حجر فرض على شعب لا يعرف إلا الحرية، وما خيب محمد الخامس أملا، ولا أتى دون ظن، ولكن فوق ما طلب وأحسن مما أمل.
وإذا كان القضاء والقدر عاجل حياة محمد الخامس الملك الصالح المصلح فاختاره الله للقائه لينزله منزلة الشهداء والأولياء بجوار جده عليه الصلاة والسلام، والذي لاشك أنه أتاه وهو عليه راض، إذا كان ذلك أيضا من المسلمات التي تثبتها كل الدلائل، فإن انتقاله إلى الرفيق الأعلى في ذلك الوقت كان كارثة نزلت ببلد يضمد جراح التمزق، ويرمم خراب الأيادي الأجنبية، ويعمل لاسترداد ما اختزل منه ويمرن أبناءه على التكيف مع تسيير أنفسهم والتعامل مع غيرهم، باحترام جميع الآراء، وتعايش كل التيارات مما يجعل الانفجار سهل الوقوع، إذا لم تكن شخصية القائد هي الرمز الذي يئس معه كل تيار أو فرد، أو حزب مشاكله، ويثق به لتحقيق رغباته، ومن خلال هذا الواقع أيضا نجد أن العرش شكل حبه قاسما مشتركا لدى جميع المغاربة تنصهر في بوتقة الإخلاص له كل متناقضات شعبنا، فترجع غلينا عامل وحدة، وباعث حماس وحبل أمل يشد إلى المستقبل بمتين الثقة وعظيم الأمل. لكن في هذه المرة كان الذهول أقوى من الصبر وأصعب من التحمل، إذ لولا معرفتهم بولي العهد وخبرتهم بعمله لصالحهم لعصف بهم أثر المصيبة، ولنال من إجماعهم شغور عرش أعظم ملك عرفه تاريخ الكفاح الإنساني، في تلك الفترة التي لازال كل شيء ممكنا، فالأجنبي الحقود يتربص بنا الدوائر ويحبك لنا المؤامرات ليجعل من الاستقلال ومتطلبات البناء بداية حرب أهلية تعصف بكل قيمنا.
ومن هنا بدأ التاريخ المغربي يعرف تحولا مهما، كانت عظمة مرحلة الكفاح صعبة وشاقة، فإن وصف الرسول الأعظم عليه صلاة الله وسلامه لمرحلة البناء يكفي لمعرفة كنه صعوبتها وذلك عندما قال عليه السلام : <<رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر>.
والحقيقة أن جلالة الملك الحسن الثاني عندما اعتلى عرش أسلافه المنعمين وجد مغربا ضعيف الاقتصاد، قليل الإمكانيات مجزأ من حيث الوحدة تتجاذبه تيارات عاتية، أفرزتها تناقضات الساحة العربية، وخلفتها السياسة الاستعمارية، ويحاول الاستعمار أن يذكي نارها انطلاقا من الجزائر الثائرة بفضل دعم الشعب والعرش في المغرب، إضافة إلى ما أصبح يشكله المغرب من خطر على كل مصالح الاستعمار في القارة الإفريقية، وخلاصة القول إن الحسن الثاني الملك الشاب المثقف الشجاع الجريء المفكر والذي ظل مخططا لمراحل الكفاح بجنب والده المنعم، حتى تبوأ مركز الصدارة في إنجاز كل المكتسبات التي حققها عهد الاستقلال في ظل والده المرحوم، هذا الملك الذي يجسد آمال كل المغاربة، لم يجد المهمة سهلة، ولا الطريق مفروشا بالورود، بل عليه أن يبني الفكر، بوضع خطط التعليم الطموحة، ويضع اللبنات الأساسية لنهضة اقتصادية عملاقة تعطي للشعب أكثر من إمكانيات عائدات أرضه، في الوقت الذي ينتظر منه شعبه تمكينه من ديمقراطية تكفل تحمل المسؤولية في التسيير والتخطيط والبناء عن طريق مؤسسات عصرية، ينظمها دستور يماثل أو يفوق نظم أعرق الدول في الديمقراطية.
وقبل كل ذلك استرجاع الأرض واستكمال الوحدة، وتمكين المغرب من مكانة دولية تعيد إليه سابق مجده، وغابر عظمته.
وإننا نحن جميعا أبناء المغرب الذين أسعدهم الحظ بمواكبة هذه الظروف، ما منا إلا وكان يرى أن مواجهتها في آن واحد لا يخلو من مجازفة، إن لم يكن من المستحيل، وإذا كنا جميعا نفخر بعظمة القائد وموهبته، وقدرته، فإن الجل آنذاك كان يرى أن حل الأمور يتطلب ترتيبها على ساحة العمل، ليبدأ الأهم فالأهم، ومن هنا أصبحنا نحن أبناء الشعب المغربي نفاجأ كغيرنا من الأجانب على المغرب، بتحقيق الإنجاز تلو الإنجاز، من خلال خطة عمل متكاملة، الآمال والأهداف، تدرس في آن واحد، وتوضع جميعها في أولويات مسيرة الدولة، فأصبح المغرب يحرر الأرض، ويشيد الجامعات ويبني المصانع، ويحرث المساحات الشاسعة، ويقود المؤتمرات، ويخوض الحرب لصد المتسلطين، ويحقق الديمقراطية، ويركز العقيدة بنفس الخطى المتوازية، وكأنما كل واحد من هذه المكاسب هو الهدف الأول عند القائد الموجه، وهو الواجب المرتب على رأس لائحة الإنجاز عند المنفذين، ولا يستطيع المرء أن يمسك جميع عناصر المعادلة لتحقيق هذه الأهداف في مرحلة زمنية واحدة، ثم يخرج بنتيجة مركزة مبنية على تطبيق الإمكانيات على المنجزات، إلا ووجد أن اختلالا أساسيا حاصلا ولا مجالا لتعويضه إلا عن طريق عبقرية الملك الباني والمخطط والآمر بالتنفيذ، والمتتبع للنتائج.
إن جسامة هذه المنجزات لا يمكن أن نجد أعظم منها في عمل أي عظيم إلا ما كان من نقطة أخرى لابد من الإشارة غليها في الفكر الحسني إنها حب جلالة الملك للسلام وعمله من أجله، وكونه لا يعادي في الدنيا إلا ثلاثة : الفقر، والجهل، والمرض.
وإذا أردنا أن نقيم الدليل على ذلك لرأينا الأمثلة كثيرة يمتد بنا مسلسلها من عنفوان شباب هذا الملك العظيم إلى اليوم، ففي سنة 1963، ولم يمر على توليته سوى سنتين وشهور، تدهور الأمن بمنطقة المغرب العربي، فواجه الاعتداء بالشجاعة، والقوة ليبرهن للعالم عن قوته، وشجاعته وبسالة قواته المسلحة، وقدرتها على استرجاع حقوق المغرب في وحدة أراضيه، والحفاظ على أمته وسلامة كل أجزائه من أي اعتداء مهما كان مصدره وسببه، ولما انتصر الجيش بفضل حنكة القائد الأعلى وحسن تسييره وتوجيهه دعته طبيعته الثابتة إلى حب السلم فأوقف الحرب وترك الأمر للتفاوض وللاستجابة إلى رغبات الأصدقاء، تجاوبا مع تطلعات الأمة العربية إلى اليوم الذي تنمحي فيه الحدود، وتحل محلها الوحدة العربية الشاملة التي تجد جميع مقوماتها في المواطن والأرض والتاريخ واللغة، وتشابه المصالح والرغبة في العيش المشترك ومواجهة التكتلات الأخرى.
وتجلت أمام ملك السلام فكرة تمتيع شعبه بأول دستور عرفته الأمة المغربية عبر التاريخ، فتغلب حب الصفح والسلم على التناقضات التي أصبحت تعرفها ساحة الوطن، دون إغفال لمختلف الأيدي الأجنبية التي لم تنفك عن تغذيتها وتحريكها لفائدة زعزعة الأمن، أو إضعاف رباط الوحدة، ولكن ملك السلام، لم ينظر الأمر من زاوية تطبيق القواعد الزجرية على المخالفين، وجزاء السيئة بالسيئة، بل بالرحمة واللين والرفق والقوة والصرامة في الحق، استل من نفوس المغرر بهم غلطهم، وراجع للمتدردين صوابهم، وبسط لواء السلام، والأمن على شعبه.
وراهنت السلطات الإسبانية على مدينة إيفني، وأعلنت أنها على استعداد للدخول مع المغرب في حرب عليها وأثقلتها بمختلف الأسلحة، وأوصدت آذانها عن كل حوار، أو مفاوضة تهم المدينة المغربية السليبة وكاد ينفد صبرنا نحن المغاربة جميعا، وأصبح الرأي الراجح عندنا هو إشعال نار المقاومة من جديد لاسترداد إبفني والصحراء، وسبتة ومليلية من الجار، الذي لا يهمه إلا بقاء سيطرته على أرضنا من منطلق قوة، إذا كانت لا تزعجنا، فإن عواقب المواجهة ستكون قاسية على هذا الجناح من دول العالم، وبالسلم والعبقرية ونبذ استنزاف طاقة الإنسان إلا في البناء، استرجع جلالته مدينة إيفني، دون إراقة أية قطرة من دم المغربة والإسبانيين. 
وتعجرف الحكم الفرنكاوي وزمجر واستحدث كل الوسائل التي تمكنه من ابتلاع الصحراء إلى الأبد، وأحبك المؤامرات مع بعض الجهات على حساب المغرب كبلد مستقر، وعلى صحرائه كجزء منه، وطال الحوار، وتجلى صبر القائد العظيم أمام إلحاح شعبه وحماسه لخوض المعركة، مهما كان ثمنها غاليا حتى يسترد الحق الثابت المقدس، والذي لا يقبل التفويت، ولا النسيان ولا الترك ولا التنازل، وحتى يشهد الرأي العام الدولي على شرعية مطالب المغرب، أحال جلالته الملف على محكمة العدل الدولية، وما أن اطلعت على الحجج حتى اعلنت بأن الصحراء جزء لا يتجزأ من المغرب عن طريق البيعة التي ستتكلم نظريات القانون الدولي عنها لتثبت أنها هي أقوى عوامل وحدة الدولة آنذاك.
ورغم كل المعاكسات، والتهديدات، والتسللات العسكرية، فإن الملك الصالح المصلح صانع السلام ومحبه فضل جهود المغاربة إلى بناء الصحراء، بدل الزج بهم في حرب بين الأشقاء، لن يستفيد منها إلا أعداء المغرب العربي.
إننا عندما نتذكر الوضع الذي أصبحت عليه الحالة السياسية بالشمال الإفريقي آنذاك، لابد أن نحكم كغيرنا بأن الصحراء أصبحت، ميدانا إما لحرب سيخوضها المغرب مع عدة جهات، وأقل آثارها تحطيم مكتسبات هذا النجاح من الأمة العربية خلال أجيال قادمة إن لم يكن إلى قرون، أو إن لم تكن ميدانا لحرب، فإن استرجاعها أصبح يشبه المستحيل نظرا لتعقيدات المؤامرات، التي حكيت على حساب المغرب في شأنها، وأمام جهود الاستعمار وتحركات المغرر بهم، وطموحات الطامعين المغرورين، وحشد ترسانات من مختلف الأسلحة المتطورة، أمام كل هذا ابتكر جلالته معجزة تاريخية عجزت لحد الآن الأفكار والأقلام عن وصف مبلغ عظمتها، برغم أن الكل أشاد بأنها ضربت المثل الأعلى في التشبت بروح السلم والسلام وبعد التفكير والجرأة، والإيمان بالله والثقة بالشعب والصرامة في التطبيق، لبلوغ أبعد الأهداف دون إراقة لنقطة دم، ولكن من خلال أضخم تعبئة تنم عن إرادة شعب لا تقهر، وعندما فتحت الجارة أرضها لتسلل المعتدين نفد صبرنا نحن المغاربة هذه المرة أيضا وأصبحت بالنسبة إلينا الحرب هي الحل الذي سيجعل حدا لتسلط المعتدين، لكن تحكمت في جلالته روح السلم والإيمان، من منطلق القوة وأصر على أن الحل لن يكون حربا، ولكنه سيقع من خلال حرب العواطف، ونوازع النفس لتحل المحبة محل التباغض والسلم محل التقاتل والبناء محل التخريب، وتترك الأجيال نهضة متطورة خدمت الأرض والإنسان بدل التخريب والتقتيل. وإنما يشاهد اليوم من تطور إيجابي يميز علاقاتنا بالشقيقة الجزائر، هو خير دليل على عظمة جلالته.
وقبل الوصول إلى ساعة الحسم فتح العظيم الحوار مع كل جهات الخصم إدراكا منه بأن الحق لا تفوته المذاكرة، ولا يضيع مع الحوار، ولكنه يضيع بالسلبيات، والتخاذل وعدم معرفة الهدف، وصرف النظر عن الوسائل، فوضع بذلك القضية العربية في المسار الذي سيؤدي إلى بلوغ الهدف دون الكارثة وها نحن اليوم، وقد فتح الملك العظيم أبواب قصره حتى للمتمردين، من أبناء شعبه أصبحنا جميعا ندرك أن القائد الذي استرجع الصحراء بالسلم وبناها بالتفكير والتخطيط وحصنها بالحكمة والتبصر، سيستل فتيل التوتر من حدودها بعدم التفريط في الحق، وعدم السماح للمتهورين بإراقة دماء أبناء هذا الجناح من الأمة العربية التي يكفيها هموما، وآلاما ما تعانيه من مؤامرات لم يغب عنها كثير من الجهات القوية في العالم وإن كانت إهانتها وجهت للعرب غير إسرائيل.
وعن موضوع الصهيونية والعرب سيقف التاريخ طويلا مشيدا بجلالة الملك الحسن الثاني، الذي نظم أول مؤتمر إسلامي عقده قادة الدول الإسلامية سنة 1969 ولم تشهد الساحة الإسلامية مثله بعد عهد الرسول (صلع)، تم فيه اتخاذ كثير من الإجراءات لضمان سلامة القدس الشريف، وتعاقبت من بعده المؤتمرات الإسلامية والعربية في المملكة المغربية، التي أصبحت بفضل عبقرية جلالة الحسن الثاني مصدر إصدار القرارات البناءة، والملموسة والقابلة للتطبيق دوليا وعربيا، ليضمن عن طريقها الحق العربي مجسدا في قرارات مؤتمر فاس ومبلورا ومبلغا للعالم عن طريق لجنة القدس برئاسة جلالته، فطوق بذلك استحواذ الدعاية الإسرائيلية على مختلف جهات القرار الدولي، وفتح عيون العالم على الحق العربي في صورته الواقعية العادلة الباحثة عن السلم مع ضمان استرجاع الحق.
لقد أدركت الإنسانية اليوم أن جلالة الملك العظيم الحسن الثاني لا يريد استخدام مواهبه وتطبيق معارفه وبذل طاقاته العظيمة، إلا في تحقيق السلم في شتى ربوع العالم ضمن سياسة الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن حتى يرجع العدو وليا حميما، فلا مجال للحرب عند جلالة الحسن الثاني أيده الله ونصره إلا في مواجهة التأخر والفقر والجهل.
إن كل الذين تتبعوا إنجازاته وعطاءاته ملزمون بالوصول إلى هذه النتيجة التي توجها بمؤتمر مراكش لقيام اتحاد دول المغرب العربي، ثم المؤتمر العربي الاستثنائي بالدار البيضاء خلال السنة الفارطة وهما مؤتمران ترجما جهوده الإقليمية والدولية، حيث استل بواسطة الأول فتيل التوتر من شمال غرب إفريقيا بعد أن أوشك أن يقع في مأساة الحرب، ووضع الثاني مسار السلم في لبنان في مساره الصحيح بعد حرب لا تبقي ولا تذر.
                                                         **-**-**
بعد هذا الاستعراض الذي ترك كثيرا من أعمال جلالته السلمية، في أحلك ظروف التوتر والتي واجهها صاحب الجلالة بالهدوء والصبر والحكمة وحلها بسلام وقوة، على العالم أن يشرف جائزة نوبل للسلام بإعطائها لأعظم دعاة السلام جلالة الملك العبقري أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله وأيده وخلد في الصالحات ذكره.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here