islamaumaroc

انطباعات التلميذ الابتدائي عام 1944 مساهمة ثانوية مولاي يوسف في الكفاح الوطني وعناية محمد الخامس بشبيبتها.

  أحمد مصطفى عاشور

278 العدد

إذا كانت المدارس الحرة قد لعبت دورا هاما في الميدانين التربوي والوطني، وتعرضت لكثير من الأتعاب والمحن، فإن ثانوية مولاي يوسف بالعاصمة كمثيلتها الإدريسية بفاس، قد ساهمت مساهمة فعالة في التوعية والنضال الوطني، وأنجبت رجالات وشخصيات، فرضت وجودها، وقدمت خدمات... وذلك بفضل رعاية محمد الخامس، رحمه الله للحركة العلمية، وبعمل المربين المخلصين أيضا، الذين كانوا في ظروف عسيرة يجدون لإنقاذ الناشئين من الجهل والغواية، وإعداد شبان متعلمين واعين، ولا شك أن معهدنا اليوسفي قد أسس في عهد السلطان المقدس مولاي يوسف بن الحسن الأول رحمهما الله، وكان الآباء الأولون، يسجلون به أبناءهم، رغم تقدم سنهم قليلا إذ لم تكن هناك مقاييس للتسجيل، بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فالمغاربة كانوا، على ما يظهر مضطرين لإبقاء أبنائهم في الكتاتيب القرآنية إلى أن يشيبوا، أو توجيههم إما إلى حلقات الدروس العلمية بالمساجد، وإلى المدارس الحكومية، التابعة لإدارة التعليم العمومي، التي كانت تعد على رؤوس الأصابع، وقد كان جل أولياء التلاميذ يعتقدونها بؤرة لإفساد الأخلاق، وتلقين الكفر والزيغ والإلحاد، وأثناء الحرب العالمية الثانية، غادر كثير من المعلمين الفرنسيين المدارس المغربية، ليلتحقوا بجبهة القتال، ضد النازيين، دفاعا عن وطنهم، الذي سقط بسهولة، أمام الزحف الألماني مع أنهم بصفتهم أوروبيين، كانوا متكافئين في أغلبية الميادين. أما في الشجاعة والإقدام، فقد كان الله وما يزال أعلم بذلك... فاضطرت إدارة التعليم إلى تعويض الذكور المجندين بالنساء والأوانس الفرنسيات، ريثما تضع الحرب أوزارها، مما تسبب إذ ذاك في تدهور سير المؤسسات التعليمية القليلة العدد، وانخفاض مردودية نتائجها وبعد انتصار الحلفاء، وكان للجنود المغاربة دور كبير في ذلك، عاد الفرنسيون، الذين سلموا بأعجوبة من الموت، إلى مدارسهم، ليقصوا لتلاميذهم الصبيان صورا من مصائب قومهم، ووحشية أعدائهم الجرمانيين، أولئك الذين قالوا عنهم، إنهم لم يرحموا الأطفال والمرضى، ولم يحترموا العجزة والنساء، وكان المتعلمون الصغار، يصغون إلى معلميهم، فيتأثرون، وبعد رجوعهم إلى منازلهم، يحكون بدورهم ما تلقوه من أخبار عن أهوال الحرب وويلاتها وكان الأذكياء بالابتدائي، كعبد اللطيف عاشور – رحمه الله – وعبد الكريم الجزولي، وعبد الفتاح الرجراجي يناقشون مدرسيهم الأجانب في الموضوعات التي تتعلق بالوطن والاستعمار، ويشعرونهم، غير مباشرة بأن الاحتلال الذي تسبب للفرنسيين بالأمس القريب في أنواع من الفظائع، هو نفسه الذي يعاني منه المغاربة في قعر ديارهم وكان الناجون من نيران المدافع يندهشون لأفكار هؤلاء الصبيان المشاغبين، ويتضايقون أحيانا من صراحتهم وتجرئهم، وخروجهم عن الموضوع، وتعديهم الحدود، ونطاق المعقول، ولقد كان لعبد اللطيف عاشور، وعبد الكريم الجزولي، وعبد الفتاح الرجراجي، أشباه وأمثال في بعض الأقسام من ابتدائية مولاي يوسف وثانويتها، يحملون أفكار الرجال، وتجارب الشيوخ، وغير المؤمنين الصادقين، وكان من البلادة ألا يتحرك هؤلاء الناشئون في محيطهم، ولا يشخصوا تلقائيا أدوارهم، ذلك أنهم، رغم صغر سنهم، تلاميذ ينسبون إلى أوساط وأسر، لها وزنها وثقلها والصغار، وقبل كل شيء هم سر آبائهم، كما يقولون، وصور طبق الأصل لذويهم، فالمرحوم عبد اللطيف بن الحاج عبد الحميد عاشور، هو ابن فقيه، عرف رحمه الله، بالخيارة والاستقامة، وكان ينتسب إلى طريقة << الشيخ سيدي فتح الله بناني >> الصوفية، التي كانت ترفض الاتصال والتعامل مع الاستعمار، على حساب المصلحة العليا للبلاد – كما أشار إلى ذلك الأستاذ محمد الرشيد ملين، شفاه الله، في الجزء الثاني من نضال ملك ص : 147 – وعبد الكريم الجزولي أشرف على تربيته أخوه الأكبر شارع الرباط، الأستاذ سيدي محمد الجزولي، الذي شرفه الله بأن يكون من الموقعين على وثيقة 11 يناير 1944. كما كان كاف لعبد الفتاح الرجراجي، أن يبرهن على أنه شقيق الأستاذ الفقيه سيدي محمد الرجراجي، الذي تخرج على يديه عدد لا يستهان به من المثقفين، وذلك بفضل منهجه التربوي الموفق الناجح، الأمر الذي جعله يلتحق بالمدرسة المولوية، التابعة للقصر الملكي، لمتابعة رسالته النبيلة، لخدمة أشبال محمد الخامس، قدس الله روحه، وإعدادهم – حسب توجيهات والدهم العاهل المصلح – للقيام بواجبهم في الحياة الدنيا، وعلى رأسهم، ولي العهد إذ ذاك، جلالة الملك الحسن الثاني، وصنوه الأمير، مولاي عبد الله – رحمه الله – مع نخبة من أبناء الشعب النجباء، وهذا وبعد مغادرة الفقيه الرجراجي للمعهد اليوسفي، قدر لثلة من زملاء له مثقفين، أن يعينوا به، ويسيروا في نفس خطته الواضحة، واتجاهه الرضين، ويعملوا بإخلاصه وصدقه، وهؤلاء المربون هو الأستاذ النابغة سيدي عبد الكريم القلوس، رحمه الله، وزميله، الأستاذ السيد عبد الموجود الإيلالي، أحد تلامذة المحدث سيدي المدني بن الحسني، رضي الله عنه، والفقيه سيدي محمد العروسي – المدعو بالجبلي -  والأستاذ المقدام السيد الهاشمي بناني المدير العام للمنظمة العربية، هؤلاء، درسوا بالقسم البيداغوجي، الذي كان مقره بثانوية مولاي يوسف، وكانوا من أوائل متخرجيه، يضاف إليهم فقهاء محترمون، قاموا بواجبهم خير مقام، وهم السادة، محمد فرج، وعبد العزيز لحلو، رحمهما الله، والسيد محمد بنسعيد السلوي، وكلهم كانوا أكفاء وأمناء، ومثالا يقتدى بهم في التربية والتبليغ والسلوك والأخلاق وكان محمد الخامس يتصل بالمربين والأساتذة الذين عرفوا كثيرا باستقامتهم، وجاهروا بوطنيتهم وكانت اتصالاته الكريمة، تستغرق بعض الدقائق، ولكنها كانت تحمل في طياتها فوائد وإيجابيات، ولقد عرف الأستاذان عبد الكريم وعبد الموجود نوعا من هذه الاتصالات المحمدية، التي كان لها مغزى وأهداف، لصالح التعليم والمتعلمين والمعلمين على السواء. كما كان العاهل المغربي طيب الله ثراه، يمر أحيانا في الصباح الباكر، بباب المعهد، مشيا على الأقدام، فيهتف لـه من يكتشف مروره، ويتعرف على وجهه الصبوح. وكان أكثر ديناميكية ونشاطا وتحركا في الميادين التي كان يراها تعود بالخير والنفع، وتساعد على التحرر والخلاص، وتعمل لصالح الوطن والمواطنين. ولم يكن يخشى عيون الاستعمار وطابوره الخامس، وبيادقه المبثوثة في كل مكان، وعملاءه المختفين خلف ألقاب جوفاء، وأجسامها الضخمة، ووجوهها النحسة، تلك التي لم تكن مجهولة لدى قائد عظيم، وحرر واع، وملك مؤمن، كمحمد الخامس، الذي كان ينظر بنور الله، ويتكل عليه في أعماله ونضالاته، لإنقاذ المعذبين في الأرض، كان إذا قال فعل، وإذا خطط نفذ وإذا حوصر شعبه، أوجد له بتوفيق من الله، منفذا ومخرجا، وكأنه كان يقول للاستعماريين وعملائهم، أنتم تعملون بطريقتكم لتجهيل الشعب وتنويم الشباب وإفساده، وأنتم فاشلون مسبقا في أدواركم الشيطانية، ومحاولاتكم اليائسة. وأنا بفضل الله،  موفق في حركاتي واتصالاتي بأفراد شعبي، الملتفت حول عرشي المنيف، وسهري على إعداد ناشئة مملكتي، فليعمل كل واحد من مجانينكم ما يريد... فربمنا الأحد الصمد، أعلم بمن هو أهدى سبيلا، والبقاء للأصلح. والخزي والزوال للفساد والمكر.
كان تلاميذ معهد مولاي يوسف يحظون، صباح يوم الثامن عشر نونبر، من كل سنة، بالحضور إلى القصر الملكي، للاستماع إلى خطاب العرش، ومساءه يشاركون في الحفلات الشعبية التي يقيمها وطنيو عدوتي الرباط وسلا، فتلقى فيها الخطب الرنانة، والقصائد الطنانة، ويردد خلالها الشباب، الأناشيد الحماسية، والشعارات الوطنية، فإذا يمموا في اليوم الثالث مدرستهم، وحضروا دروسهم، شعروا بارتفاع في معنويتهم، واعتزاز بمغربيتهم، واستحضروا ما استفادوه من خطاب العرش، وزودوا به من إيضاحات ومعلومات، كانوا يستخدمونها عند الحاجة والضرورة، إذا مسوا في شرفهم، أو سمعوا لغوا في حق مقدسات بلادهم.
وبالإضافة إلى أن سيدي عبد الكريم الفلوس، كان يبث عبر دروسه، حب الوطن والإخلاص للدين، والوفاء لعرش محمد الخامس، والتضحية بكل نفيس من أجل هذه المبادئ المقدسة، والشعارات الوطنية التي توحد القلوب، وتجمع الشمل، وتعزز الصفوف، ويأتي بأمثلة ملموسة من تاريخ المسلمين والبلدان الحرة التي ناضلت وحررت أوطانها من الأمبريالية والاحتلال. وكان السيد عبد الموجود في حصصه يتأثر إذا قارن بين ماضي المغرب المجيد وحاضره المتدهور، إثر سقوطه في الحضيض، على يد خونة ومرتزقين، ومتآمرين استعماريين، ويدعو طلابه إلى الإقبال على الجد والاجتهاد والتحصيل، للتحرر من الجهل والخرافات، لتصل البلاد إلى مصاف الدول الراقية المتطورة، أما الفقيه العروسي، فكان إذا أتم عمله، تحدث عن أخطار الاستعمار الفرنسي الإسباني. ويركز على مساوئ المقيم العام الفرنسي م.بيور، وتصرفاته الخرقاء اتجاه الشعب المغربي، ويؤكد لسامعيه أن الوجود الأجنبي، على وشك لفظ أنفاسه الأخيرة بأرض المغرب. ويثني الثناء العطر على قيادة محمد الخامس الرشيدة لتحرير المغرب كما كان تلاميذ السيد الهاشمي بناني يحبونه  ويوقرونه ويثقون في أقواله ونصائحه، وذلك لوطنيته وإخلاصه لمهنته حفظه الله.
وباختصار فقد كان هؤلاء المربون، يلتقون حول العمل الجدي، والإخلاص للإسلام والوطن والعرش، عن طريق تربية تلاميذهم، حسب إرشادات محمد الخامس الذي كان يوصي بإعداد الجيل الصاعد إعدادا يتفق وطموحات الشعب الكبيرة وآماله العريضة، ومتمنياته الغالية، في التخلص من الجهالة والخيانة اللتين هما مصدر انحطاط الشعوب وتأخرها وانهزامها، حتى إذا طالب الوطنيون باسترجاع عهد الحرية  مجموعة من أساتذة كوليج مولاي يوسف بالرباط في بداية الثلاثينات، وتضم الأساتذة من أعلى اليمين :
عبد العزيز لحلو، وعبد القادر الخلادي، وابن يعقوب،، والطيب الصديقي، وعبد الرزاق البرنوصي،والسيد بن عبد النبي، ومحمد افرج (اللوز) وعمر بدري....
والاستقلال، بالاتفاق مع عاهل المغرب، كما هو معلوم ومخطط، انتهز مربونا المذكورون آنفا، الفرصة التاريخية السعيدة، فأسهبوا في الحديث عن أحقاب المغرب الماضية، وما لعبه فيها من أدوار حاسمة، أبطال عظماء وملوك أماجد، وكان قصد هؤلاء المعلمين من ذلك، تذكير رجال المستقبل بعظمة وطنهم، وبوعي محمد الخامس كملك مصلح كان ينسجم مع شعبه في نضالاته ضد المستعمرين، ويقاسمه آلامه ومعاناته، ويؤيد مطالبه العادلة، وحقوقه في الحياة الحرة الكريمة، وفي الانعتاق نهائيا من حكم دخيل استبدادي، مبني على القمع والجور والظلم واختلاس أرزاق العباد وخيرات البلاد، وإهانة الإنسان الذي كره الله في الأرض أيما تكريم.
ويحل اليوم التاسع والعشرين من يناير 1944 بويلاته وأخطاره، كما خطط له أبالسة الإقامة العامة ومهندسو < الشؤون السياسية الأهلية > وتمناه الخونة المرتدون، ولم تكد شمس الصباح ترسل أشعتها الفضية على الوجود حتى اختطف الاستعماريون السفاكون الزعيم الأستاذ المجاهد الحاج احمد بلا فريج، وكاهيته، المناضل الشعبي، الأستاذ محمد اليزيدي، وزميليهما في الكفاح، الأخويين الشقيقين المخلصين سيدي إدريس وسيدي المختار رودياس. فانتشر النبأ في العاصمة كالصاعقة، وذهل الناس من جراء الفعلة الشنعاء، والهجمة الحرقاء. وكنت تقرأ في أعين المارين، وأنت تقطع الطريق، سمة الاستنكار والغضب وتترقب على الأقل، صدور احتجاج من طرف السكان والجماهير الوطنية ضد هذا التصرف البوليسي الوضيع، وعلى الأكثر، حدوث مظاهرة عارمة تعرب عن الاستياء والسخط على ساسة فرنسا، الذين تنكروا للعهود والمواثيق، ورفضوا تسليم السلطة الشرعية إلى ملك البلاد، محمد الخامس رضوان الله عليه، وذاك ما حصل بالفعل بعد سويعات، فبمجرد ولوج تلاميذ معهد مولاي يوسف أقسامهم، وشروعهم في أداء واجباتهم وإجراء تمارينهم، حمل الصدى لأسماعهم، هتافات المتظاهرين المتجهين إلى القصر الملكي العامر، ملجأ المضطهدين والمظلومين وحامي الشعب من طغيان الحكام الجائرين، وكان من المنتظر أن يعلق المعلمون الوطنيون على الحدث الخطير لأنهم كانوا، كما رأينا، يقومون بواجبهم خير قيام، ويزنون كلامهم، ولا يحرضون على إثارة الشغب والفوضى، كما كان بعض المعلمين الفرنسيين ظرفاء ولبقين مع تلاميذهم < كمدام سينيزي> و <م. لوكارني> ومن كان يشابههما في سلوكهما، وفي جو هذا الصباح المكفهر، دق الجرس معلنا بذلك عن انتهاء حصص الدروس، وعند خروج التلاميذ من الأقسام مع معلميهم، فوجئوا بتواجد المدير <م. روكس> بالساحة، فأمر مساعديه بجمع الأطفال، ففعلوا... ثم بعد ذلك أوقف بجانبه في لطف السيد عبد الكريم الفلوس، وعبد الموجود الإلالي، وأطلق العنان لصوته الجهوري مخاطبا الصغار باللهجة الدارجة المغربية ونصحهم بالذهاب إلى دورهم، وعدم اشتغالهم بما لا يعنيهم، وبالرجوع بعد الغداء إلى مدرستهم، دون بطء أو تأخر ولم يزد شيئا على ذلك فلم يعقب عليه أحد... إلا أن التلاميذ الخارجين، بعد تخطيهم عتبة المؤسسة، أسرعوا تلقائيا، فرادى وزرافات، نحو القصر الملكي، دون أن يسوقهم وكان بعض الجواسيس الفرنسيين والمغاربة الأشقياء، واقفين بباب السفراء، فلم يتدخلوا، ولم يمنعوا مارا، ولا اعتدوا على أحد، وكان شغلهم الشاغل كما هو معروف، يهدف إلى التعرف على وجوه المشاركين، ليقتنصوهم، بعد هدوء الزوبعة، وبعد وصول صغارنا الخارجيين في أمن وسلام إلى دار المخزن، التحق بهم التلاميذ الداخليون، وكان الأستاذ رحمه الله محمد المدور المجاهد محمولا على الأكتاف، يرتجل كلمة حماسية، انتقد فيها سياسة المستعمرين وتصرفاتهم، ولوحظ أن موظفي المكاتب قد وقفوا بأبوابها صامتين، ينظرون دون أن ينضموا إلى الجماهير الغفيرة، وحالما فرغ الأستاذ من ارتجاله، امتلأ الجو بالضجيج، فبلغ للذين كانوا بعيدين عن قلب المعركة، أن الفقيه المعمري فاه بكلام غير متزن في حق الأستاذ أحمد بلا فريج، مما دفع ببعض الساخطين أن يعاملوه معاملة سيئة، في وقت كان عليه أن يتجنب كل ما من شأنه أن يزيد في الطين بلة، ويعرضه إلى ما لا تحمد عقباه. ولكنه رحمه الله، ذهب ضحية مؤامرة خسيسة، دبرها ضده دون شك، سياسيون استعماريون خساس، كانوا يحقدون عليه لتفانيه في خدمة محمد الخامس، ورغم ذلك، صمد الشيخ أمام الإعصار، وأعرب عن تعلقه ومحبته واستقامته. في هذا الوقت، حاول الأستاذ محمد الرشيد ملين في كلمة ارتجلها، أن يدعو إلى الهدوء ومعالجة الأمور بحكمة، ولكن محاولته ذهبت أدراج الرياح، إذ كان غضب الناس وسخطهم على المختطفين الاستعماريين أقوى من كل دعوة.(1)
ولم يهدأ الهيجان إلا بعد أن أحضر < بونيفاس> وأنفه راغم، الأستاذ اليزيدي مرتديا جلبابه الصوفية، وحينا مثل أمام العاهل المغربي، وتلقى من جلالته فحوى الإجراء الذي اتخذه للدفاع عن الأستاذ الحاج أحمد بلا فريج المتهم من طرف الفرنسيين، انتقاما لهم منه على دوره الكبير في المطالبة باسترجاع عهد الحرية والاستقلال، وتوا أبلغ اليزيدي نص القرار الملكي إلى علم المتجمهرين، وطلب منهم، حسب جلالة الملك الحفاظ على النظام وضبط الأعصاب فقوبلت المبادرة الملكية والالتفاتة المحمدية بهتافات عظيمة، ثم غادر الجميع ساحة القصر في ارتياح وتفاؤل. وعند وصولهم إلى باب المدينة، بدأت عناصر الشغب وعملاء الاستعمار المقدسون، يقومون بدورهم لتعريض المسالمين إلى نيران بنادق الجنود السينيغاليين الذين أزهقوا بعض الأرواح، وكان من بين الضحايا، شقيق صديقنا المقرئ السيد عبد المجيد احساين، الطفل الصديق احساين رحمه الله فكان على المغاربة العزل، أن يدافعوا عن أنفسهم وإخوانهم، برميهم أعداء الله بحجارات وحصى دقيقة وصغيرة كان لها بعض الأهداف والآثار...
هذا وبعد انتفاضة سكان الرباط التاريخية الموفقة، التي ساهم فيها تلاميذ ثانوية مولاي يوسف بطورها الابتدائي والثانوي تضامنا مع الشعب، الملتف حول قائد البلاد، لاسترجاع حريته الغالية، أوقفت مديرية التعليم العمومي الدراسة بمولاي يوسف إلى أجل غير مسمى، نظرا لتعرض مديرها <روكس> إلى ضرر يؤسف له، أثناء خروج الداخليين، والتحاقهم بزملائهم الخارجيين، في القصر الملكي، فنظم بعض المعلمين والأساتذة بعض الدروس، وتطوعوا لإلقائها في المنازل، فكان <السيد الجيلالي مدون>رحمه الله، يستقبل ببيته وفود المتعلمين، ويتفضل عليهم بدرسين في الفرنسية والحساب، وكان سيدي عبد الكريم الفلوس، نور الله قبره، هو الآخر يلقي في مادته درسا بمنزل قاضي الرباط والوزير الراحل محمد الرندة بشارع الجزاء، وكان السيد عبد الموجود الإلالي يساهم بدروس في النحو والنصوص الأدبية بالمدرسة الرحمانية، كما كان الأستاذ محمد الرشيد ملين، لطف الله به، يقدم عروضا في تاريخ الأدب، في نفس المدرسة، وكان العلامة سيدي محمد بلمهدي العلوي يعززها بحصتين في النصوص والبلاغة وبذلك لم يترك هؤلاء المربون الملتزمون أبناء شعبهم يتسكعون في الطرقات، لكن بعد مرور أسابيع أذنت الإدارة لثانوية مولاي يوسف بفتح أبوابها للتلاميذ ففوجئ هؤلاء، في اليوم الأول أولا : بمرور كاهية المدير <م. ماني> عبر الأقسام الابتدائية – وكان إنسانا هادئا وظريفا – وحيث الصغار على الاشتغال بدروسهم، وترك السياسة للرجال ذوي اللحي، وثانيا : بتغيب سيدي عبد الكريم الفلوس وزميله السيد عبد الموجود الإلالي، وإعفائهما من وظائفهما، كما حدث ذلك في إدارات أخرى لموظفين وطنيين، فاضطر الأول إلى متابعة مهمته التربوية في المدارس الحرة، واستغنى نهائيا رحمه الله عن العمل بابتدائية مولاي يوسف، أما الثاني فقد أتيحت له الفرصة ليصبح مدريا للمدرسة الرحمانية الحرة، وبعد رجوع المياه إلى مجاريها عاد إلى وظيفه الرسمي.
وبالنسبة لتلاميذ الابتدائي، فقد ألقي القبض على فريق منهم، وحوكموا في المحاكم، الباشوية التقليدية محاكمة صورية وسجنوا ظلما وعدوانا، وفريق ثان حرمتهم الإدارة الاستعمارية من متابعة دراستهم، ليقظتهم ووعيهم وارتباط ذويهم بخدمة وطنهم، وإخلاصهم لملك بلادهم، كان في طليعتهم عبد الكريم الجزولي الذي أرسل إلى فرنسا من طرف أسرته، لمتابعة دراسته، وعبد الفتاح الرجراجي الذي استطاع هو الآخر أن يبرهن على ذكائه ويعود إلى معهد مولاي يوسف – رغم أنف الاستعمار – ليشارك في مباراة الدخول إلى القسم البيداغوجي، ويتخرج منه، بل ويدرس به كعنصر هام وأستاذ أصبح يحسب له حسابه في ميدان التربية والتعليم.

(1)  راجع في الموضوع الجزء الأول من <نضال ملك> للأستاذ الرشيد ملين
   وأيضا <صفحة من صفحات الماضي للكتلة> للأستاذ عبد الله الجراري رحمه الله.ص 38

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here