islamaumaroc

الديبلوماسية المغربية اختيار للأصالة والوحدة.

  زين العابدين الكتاني

278 العدد

إن المناسبات الوطنية تدعونا، بل توجب على كل مواطن أن يأخذ لحظة تدبر وتقييم لخطوات الاختيار في بلادنا الذي يبني ويتحدى في صمت سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، خصوصا عندما أصبح هذا الاختيار شعار العهد الحسني الذي يتحدى في خطوته بالواقع والتعق، وهدفه بالحرية والوضوح، وفي رسالته بمواجهة الاستعمارين القديم والجديد من اجل الخلاص والوحدة وفي عمقه التمركز على تفتيت التيارات المتباينة في مختلف الأفكار والإديولوجيات التي تواجهنا بشتى العوامل للوصول إلى تقرير مصرينا الحاسم، والخلاص منها ومن تأثيراتها لنعطي لاختياراتنا مفهومها الحقيقي، ولاستقلالنا مفهومه الواضح... وهذا – التدبير – كما أرى – ينطلق من الوضوح والصدق في تركيب العلمية الحسابية والمقارنة الزمنية، وإخلاص القصد ولو من أجل المعارضة، أو الملاحظة البناءة مادامت امتنا قد اختارت التوازن، وكسب الرهان في عالم يعيه مواطنوها على المواجهات الداخلية والخارجية، وتؤكد في كل معركة أنها تنطلق من اختيارها المضبوط... المتواصلة الخطوات مما أصبح محط اهتمام الدولة التي تؤمن بالحرية، أو التي لم تجد سبيلا إلى تركيز اختياراتها المنطلقة من نظام الحزب الواحد، أو تبعيتها لأنظمة تخاف من الحرية، والمنطلق السليم، ولو لفت ذلك بشعارات وأساليب لا تخفى تبعيتها أو مصدر انطلاقها.
وفي هذه المناسبة الوطنية سأتناول بصفة عامة الاختيار الدبلوماسي المغربي من نفس المنطلق، حيث سنلمس بوضوح وجلاء أن الخصائص التي تلعب دورها المستمر منذ قيام الكيان المغربي، وتركيز اختياره الديبلوماسي الذي ميز هذه الدبلوماسية بأسس تجعلها دائما تزداد تبلورا وتفتحا، محافظة على اختيارها الأصيل، مباهية بعمق أصالة هذا الاختيار، وقدرته المنسجمة مع تطور العصور والأجيال، هي التي تتحكم في هذه الأسس، بل وتعطيها طابع أصالتها باستمرار انطلاقا من عوامل طبيعية، هي نفسها أساس الاختيار وعمقه، الذي حافظ على هذا التوازن وقدرته عبر جميع التطورات والمراحل التي تقلب فيها المغرب، وأعلن بوضوح عن قدرة تحديه لشراسة المواجهة والتحالف المعاكس، حيث نجد أن هذه الخصائص ترتكز على المعطيات التالية :
أولا : كون المغرب الأقصى يوجد بين بحرين عظيمين، هما المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ثم وقوعه في مركز جعله نقطة التقاء بالنسبة للقارتين الأوربية والإفريقية بالإضافة إلى وجوده في نقطة من أبرز نقط تفرض عليه باعتبار إفريقيته صلة وصل في العالم المحيط به.
ثانيا : وهو أيضا كبلاد غنية خصوصا في أحواض أنهاره التي تغطي كل جهاتها وسهولها الواسعة الممتدة فيما بين المحيط وجبال الأطلس، بالإضافة إلى أنها بلاد غنية بتربية المواشي، وبمواردها الأولية، وطاقات أبنائها الخلاقة في مختلف الجهات والقطاعات.
ثالثا : وما يمتاز به المغرب من جمال يتجلى في تنوع مناظره الطبيعية الساحرة، والآثار المعبرة عن تاريخ عريق مجيد، إلى المناخ المعتدل والهواء الرطب، والغابات الفاتنة وتنوع المصطافات الجبلية والساحلية في طول البلاد وعرضها بما فيها الجهات الصحراوية.
رابعا : طابع الاستقرار والتعقل الذي يطبع المواطن المغربي من حيث هو، وتأثير هذا الاستقرار والتعقل والانضباط والصمود على طابع الحياة العامة مما يمز البلاد المغربية في مختلف عصورها بميزة الشخصية المتزنة التي تحبب المغرب لضيوفه، وتبعث الرعب في نفوس الذين يضمرون له شرا، أو يفكرون فيه بسوء أو أطماع...
ولذلك فإن الاختيار الاستقلالي المغربي المرتكز في المجال الديبلوماسي على عدم التبعية، وعدم الانحياز، منذ تأسست الدولة المغربية لم يقم على اختيار عفوي... أو اختيار وقتي انتقالي، ولكنه ارتكز على اختيار ظل دائما يتسم وباستمرار بالحيوية والإيجابية والحرص على التأثير في مجريات الأمور، تعبيرا عن شخصيته المميزة، وتأكيدا لها، وتدعيما لكيانه الدولي من جهة، ومحافظة على استقلاله وسيادته من جهة ثانية.
ولقد ظل هذا الاختيار دائما هو اختيار المغرب بالرغم من التطورات والانقلابات التي شهدها وعاشتها وحدته في مختلف أطوارها إلى أن تعرض في نهاية القرن التاسع عشر إلى تنافس الدول الاستعمارية فوقع سنة 1912 في يد الاستعمار بعد تقسيم وحدته بين الدول المتنافسة وبعد معارك استمرت زمنا طويلا.
لكن، هل انتهت العلائق الخارجية بين المغرب والمحيط الإسلامي، بل والمحيط العالمي العام؟ وهل تغيرت وحدة البلاد بهذا التقسيم؟ ثم هل أقبرت الدول المغربية بنفوذها الخارجي ودبلوماسيتها المستقلة القوية الممتازة؟ أو عرف المغرب كيف يحافظ على ذلك ولو بعد أن تعثر قليلا؟ إن المعركة ... معركته الكبرى هي التي تستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة :
لقد أصيب المغرب بالاستعمار الدولي، وأصبح في تلك الظروف الدقيقة دولة بدون قانون-  كما قيل – ومن هنا تيسر لدول التنافس الدولي وهي : ألمانيا وإيطاليا وأنجلترا وفرنسا وإسبانيا، أن تسيطر على المغرب وتقتسمه، وأن تسكت الصوت الحر ولو قليلا، بعد أن وزعته وأصبح ينقسم إلى مناطق وجيوب استطاع في أقل من نصف قرن أن يخلص أكثرها، ولا زال يواصل هذه المعارك التي يتابعها العالم بكل تقدير...
لكن المغرب لم يسكت كما شاءت تلك الدول، ولن يسكت أبدا، بل عرف كيف يحافظ على مركزه الخارجي سواء في المحيط الإسلامي أو الدولي، وقد انكشف بوضوح وجلاء هذا الحفاظ إثر حوادث غشت 1953 التي اعتدى فيها على مركز السيادة المغربية فكانت خير مثال لنا على بقاء تلك العلائق قائمة ومركزة، والتي عادت إلى مجراها الطبيعي الأصلي إثر إعلان استقلال الأجزاء المحررة... فكان على الدبلوماسية المغربية الفتية أن تواجه :
- تركيز علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية مع مختلف دول العالم.
- وأن تصفي عددا من المشاكل المعلقة بين المغرب وفرنسا وبين المغرب وإسبانيا على الخصوص، والبقية في الطريق...
- وأن تحتل مكانها في المجال الدولي.
- وأن عمل على إجلاء الجيوش الأجنبية المرابطة به.
- وتصفية القواعد العسكرية.
- واستكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية بأسلوب متميز.
  هذا التوفيق بين مقوماته الأساسية وصالحه، وبين مقتضيات السياسة العالمية وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والمنظمات التي شارك في تأسيسها أو عمل داخلها بكل وضوح...
وأن يتخذ موقفا من الحرب التحررية في القطر الجزائري الشقيق، فكان مركزا للانطلاق، وقاعدة التحدي للاستعمار التي يشير إليها عدد غير محدود من الوثائق...
ولقد امتاز أسلوب محمد الخامس (رضي الله عنه) للانطلاق بالدبلوماسية المغربية بعدة صور دبلوماسية رائدة تميزت بعدد من اللقاءات التي لعبت فيها الدبلوماسية المحمدية أروع صور يحتفظ بها تاريخنا المعاصر، وتأخذ هذه الصور كنموذج اللقاءات الخالدة في تاريخ دبلوماسية محمد الخامس التي كان لها أكبر الأثر في خلق الدبلوماسية الحديثة وهي :
أولا : لقاء أنفا المنعقد بالدار البيضاء سنة 1943.
ثانيا : وكانت الرحلة الملكية إلى فرنسا عملا دبلوماسيا ممتازا في تاريخ المغرب، وضع به جلالة الملك قضية البلاد على بساط البحث ومناقشتها من الدوائر الفرنسية المسؤولة... وكانت محادثات ومناورات، وكان أخذ ورد، وتبادل وثائق وإخراج القضية المغربية من إطارها الضيق إلى إطار أوسع، وأعم وأشمل.
ولن نتخطى عهد محمد الخامس الذي ركز نشاطه الخارجي لبعث الدبلوماسية المغربية، وإعادة تأسيسها، وإفراغها في الاختيار الذي يصل الحاضر بالماضي والمستقبل، طبقا لما سجلته المعركة الكبرى وظروفها مما أكد استمرار الثورة، وحقيقة جذورها، فطبع عهده بطابع هو طابع الديبلوماسية المحمدية سنة 1956 حتى 1959.
لكن محمد الخامس الذي بعث المغرب الجديد كان يعلم أن بعث الديبلوماسية المغربية الجديدة وحده لا يكفي، ولهذا فلم يفارق جلالته الحياة سنة 1961 إلا بعد أن ركز خطوط مستقبل ديبلوماسيته في الخطوط التي ارتكزت عليها من بعيد.
وهذا التخطيط قد يظهر وكأنه نتيجة لظروف عفوية في عمومه، ولكن إذا كنا نعلم أن خطوط هذه الديبلوماسية قد ركزت في مظهرين واضحين وعميقين هما :
أ- الرحلة التي قام بها جلالته لدول الشرق العربي (في مارس 1960) وخرج منها بنتائج هي أروع مثال يمكن أن ترتكز عليه قدرة هذه الديبلوماسية الفتية، حيث عاد جلالته وبيده ست بلاغات رسمية مع رؤساء الدول العربية التي زارها تستهدف إلى أن وحدة المغرب جزء لا يتجزأ...
وهذه الظاهرة قد ركزت حقيقة المفهوم الديبلوماسية الحقيقي الذي يركز الوجود الوطني في شموليته ووضوحه.   
ب- ويهضم العالم الخطوة الأولى لأنها تحمل أشياء تؤكد هذه الديبلوماسية، وتساير الخطوط الجديدة في النسج عند محمد الخامس فيشعر بأن الأسلوب الذي خطه المغرب ما بين 1956 أصبح يرتكز على بعث أسلوب آخر، أسلوب يعيش مثلا على الأحداث المقبلة التي يطل عليها المغرب فيدعو جلالته إلى :

ميلاد الدبلوماسية الإفريقية المتحررة.
ج-  <مؤتمر الدول الإفريقية المتحررة > لأن المستقبل كان يؤكد أن إفريقية على أبواب دخول حياة جديدة كقارة متحررة تنشد التخلص والانطلاق...
وفي نفس هذا التخطيط انعقد مؤتمر الدار البيضاء ليحدد – محمد الخامس رضي الله عنه -  للعالم أجمع وضوح الأهداف الحقيقة للمغرب الإفريقي ويبرز ذلك في النقط التسعة التي استهدفها الخطاب الافتتاحي للمؤتمر حيث قال : << لقد كان بودنا أن يكون نطاق هذا المؤتمر أوسع فتشترك جميع الدول الإفريقية، لأن الحركة الإفريقية واحدة، ومصيرها، ومطامع شعوبها وأهدافها مشتركة بينهما جميعا >>.
ويقول بعد ذلك واضحا ومحددا للديبلوماسية المغربية الإفريقية خطوطها العريضة مؤكدا ضرورة :
1- القضاء على النظام الاستعماري وذلك بتحرير الأجزاء التي لا تزال مستعمرة بإفريقية تحريرا حقيقيا.
2- القضاء على العنصرية بجميع مظاهرها ونظمها.
3- محاربة الاستعمار الجديد في جميع أشكاله ومختلف ألوانه، وفضح أساليبه التضليلية الجديدة.
4- دعم استقلال الأقطار الإفريقية المتحررة والدفاع عنها.
5- تشييد الوحدة الإفريقية.
6- إقرار سياسة عدم التبعية بالأقطار الإفريقية.
7- إنهاء كل احتلال عسكري لإفريقية، ومنع استعمالها ميدانا للتجارب الذرية.
8- معارضة كل تدخل أجنبي في الشؤون الإفريقية.
9- العمل على تثبيت دعائم السلم العالمي...>>.
                                             **-**-**
ولا تلتزم الديبلوماسية المغربية في عهد محمد الخامس رحمه الله أسلوبا معينا بذاته، ولكن هذه الديبلوماسية التزمت أسلوبا خاصا، وتفكيرا مستقلا يرتكز على بعث ديبلوماسية المغرب الجديد محافظة على نفس الاختيار، ونفس الاتجاه للانطلاق والبناء.
وبالرغم من أن المغرب الجديد ابتدأ هذه الديبلوماسية وهو مؤمن أن هذه الديبلوماسية تحتاج منذ اللحظات الأولى إلى :
- خلق الظروف الديبلوماسية.
- بعث الديبلوماسية.
- تحديد الفكر الديبلوماسي وتهيئ أطره.
- البحث عن آفاق الديبلوماسية المغربية الجديدة طبقا للاختيار المغربي، فإن هذا ما تؤكده المواقف التي وقفها المغرب منذ 2 مارس 1956 في المجال الديبلوماسي بعيدا عن كل تأثير وقتي أو نهاية خاصة.

آفاق العهد الحسني

وإذا كانت وفاة محمد الخامس المفاجئة سنة 1961 اقترنت بانتهاء فترة جديدة بالنسبة للديبلوماسية المغربية، وهو انعقاد مؤتمر الدار البيضاء الإفريقي باعتباره أول لقاء بين إفريقية والدول العربية، فإن هذه الفترة تعتبر الظرف الواضح لرسم معالم الديبلوماسية المغربية في المغرب الجديد، وهو ما يعني في وضوح أن المغرب قد قطع خطوات خاصة، وأن نتائج هذا المؤتمر خدمت الديبلوماسية الجديدة في العمق وفتحت لها نوافذ على عالم اليوم...
والواقع أن الأحداث الدولية تطورت بسرعة... فانعقد مؤتمر دول عدم الانحياز في بلغراد سنة 1961 ولكن ليلتقي في هذا المؤتمر المغرب الديبلوماسي بفرصة جديدة هي انعقاد المؤتمر بيوغسلافيا بحضور المغرب، فيفتح المغرب آفاقا جديدة في المجال الديبلوماسي المغربي ويحدد مفهومه بوضوح مؤكدا : << ... أن حيادنا لا يعني الانعزال أو اللامبالاة بالنسبة لجزء من البشرية، بل هو على العكس من ذلك يعني قبول كل ما هو عادل، وحق في نطاق الفكر البشري>> وأنه حياد نشيط وحي، لا يستهدف سوى :
1- إنقاذ القيم الإنسانية.
2- وإقرار السلام.
3- والتقدير بين الجنس البشري، كما أوضح ذلك رئيس الوفد المغربي جلالة الحسن الثاني في المؤتمر بمنتهى الوضوح والإيمان.
ومن هنا كان المؤتمر الجديد بادرة مهمة سجلت للديبلوماسية الخطوط العامة التي اختارها المغرب وهو يؤسس هذه الديبلوماسية ويؤكد هذا الرأي أن جلالة الحسن الثاني عندما حضر المؤتمر، وترأس بعض جلساته، وتحدث باسم بلاده وأوضح كثيرا من ديبلوماسيته المتحررة، من خلال هذه الخطوط :
الخط الأول : التزم المغرب لوح الديبلوماسية المغربية المتزنة التي لا تتأثر بالأحداث العابرة، وبظروف الانتقال التي تسيطر على ديبلوماسية كثير من الدول النامية وغيرها ممن يتأثرون بالتطور المعاكس وبالتيارات الوقتية...
وإذا تذكرنا حوادث الحدود المغربية الجزائرية، وتذكرنا التدخلات الأجنبية بالنسبة للوضع والظروف اللتين كان يوجد فيها المغرب، والموقف الذي التزمه وهو يقف للدفاع المجرد، استطعنا أن نوضح ماذا تقصد بالتزام روح الديبلوماسية المغربية المتزنة التي لا تتأثر لمجرد الأحداث العابرة.
الخط الثاني : الأسلوب المتحرر الخاص في الاتصال المباشر مع كل الذين دفعتنا ظروفنا الدولية إلى الاتصال بهم بطريقة أو بأخرى.    
وهكذا نكون قد التزمنا اختيارنا الديبلوماسي في إطار مضبوط، لو أن عودة ديبلوماسية المغرب قد اتخذت منذ أول وهلة موقفا واضحا يناصر الشعوب المغلوبة، ويؤيد حقها في تقرير مصيرها بنفسها، ويستنكر كل وسائل العنف والقمع المسلح المتخذة ضدها بأي أسلوب كان في الوقت الذي أصبح فيه الخلاف على أشده بين المعسكرين الشرقي والغربي، والحرب الباردة تملأ جو العالم بالتوتر، والإيديولوجيات المتناحرة التي تتنازع السيطرة على العالم، ويتحكم في دول عالمه الثالث البؤس بكل مظاهره، والتخلف بكل أشكاله ومؤثراته.
وهذا الوضوح هو ما يشير إليه بالخصوص كل من الزيارتين اللتين قام بهما جلالة الملك الحسن الثاني إلى أمريكا سنة 1966 ثم إلى روسيا سنة 1969 وعبرت للعالم في جلاء أن المغرب منذ أن تسلم مقاليد شؤونه الخارجية جدد لنفسه في ميدان العلاقات الدولية سواء على الصعيد الدولي، أو على صعيد منظمات سياسية محدودة في أهدافها مخططة في وسائلها مستهدفة في طرق عملها...
وإذا أردنا أن نجمل القول بالنسبة للديبلوماسية الحسنية فإننا نجد أن المغرب قد سلك طريقا، والتزم مبادئ واضحة تتلخص في الأسس التالية :
- احترام المواثيق والتعهدات الدولية.
- والحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
- والتعاون معها في غير تبعية أو انحياز.
- ومناصرة الشعوب المطالبة بحقها في الحرية والاستقلال.
- وإدانة الميز العنصري بجميع ألوانه.
- والنفور من العنف والنزاع المسلح في حل المشاكل التي تقوم بين دولة وأخرى.
- والنزوع إلى التفاوض والوسائل السلمية.
- والمطالبة بجعل حد للتسلح والتجارب النووية.
- وتحمل نصيب من أعباء الرسالة العربية والإسلامية والإفريقية طبقا لما يفرضه الواجب وضرورة الاختيار.
                                                **-**-**
وهكذا ففي الوقت الذي يعمل فيه المغرب لبلورة الأسلوب الديبلوماسي وهو يحافظ في نفس الوقت على سلوك الطريق المرسوم الذي يلتزم به كما قال جلالة الملك الحسن الثاني : << المبادئ التي جعلها والدنا المنعم أساسا للتعاون مع باقي دول العالم>> حيث نجد ذلك واضحا في الخطوات التي قطعها المغرب لبلورة أسلوبه الديبلوماسي الحسني في عالم التكتلات والإيديولوجيات المنتمية على دولنا النامية، ودولنا العربية والإسلامية، وقد خرج المغرب من معارك متعددة معززا ومنتصرا، وقد طبع طريقه أسلوب مغربي واضح سواء بالنسبة للعاملين في نطاق ركب هذه المعسكرات بأسلوبه الخاص الصرف الذي سيظل مؤكدا أن الديبلوماسية الحديثة محددة في أهدافها ووسائلها وطرق عملها... ولا ننسى ونحن نحاول أن نقترب من تحديد آفاق أسلوبنا الرائد أن نؤكد أن ديبلوماسيتنا الفتية تواجه في طريقها عاملين أساسيين ينطلقان من واقع الاختيار الواضح وهما :
العامل الأول : محاولة تركيز أسلوب الديبلوماسية المغربية على المستوى القاري وغيره.
العامل الثاني : تحقيق الوحدة الترابية للمملكة المغربية في حدودها الحق بأسلوب خاص محافظا على أسلوبه الدولي المتميز بسلوكه القار في الاختيار.
وبعد فإذا كنا نرى أن التزام هذا الأسلوب يبدو بالنسبة للبعض وكأنه أسلوب محافظ، فإنه وكما أكدت التجربة والظروف أنه أسلوب سيخرج بنا من مرحلة النمو دون أن يؤثر على اختيارنا الأصيلة ونسلك عن طريقه مراحل أخرى، وذلك ما يظهر واضحا في الهدفين التاليين :
 الهدف الأول : تركيز وحدة الصحراء المغربية المسترجعة بباقي أجزاء المملكة سواء على الصعيدين الداخلي والخارجي في إطار تحقيق وحدة الحق.
 الهدف الثاني : : عندما اضطر المغرب إلى توضيح موقف ديبلوماسي يتصل بعدم الانحياز بعد الانتصار الذي حققته الوحدة الزييرية بمساعدة المغرب أوضح صاحب الجلالة أنه عندما دعت الضرورة الدولية إلى ذلك يرى :
<< هناك مجال آخر هو مجال السياسة الخارجية، فالمغرب معروف أنه لا يزال متشبثا بمبدئه بعدم الانحياز>> ولكن علينا أن نفسر ماذا يعني عدم الانحياز؟
عدم الانحياز يعني أن الإنسان المغربي في سياسته الخارجية عليه أن لا يركب طريق الفضول، فكل مشكل من المشاكل التي لا تهمه لا جغرافيا ولا عقائديا يبقى بمعزول، ولا ينحاز إلى جانب بدون جانب نظرا لصداقة أو نظرا لجوار.
ولكن إذا أصبح المشكل مشكل معتقدات أو مشكل مبادئ، فالمغرب متشبث بها وملتزم بها، أصبح غير منحاز، بل عليه أن ينحاز، وهذا ما دفعنا – مثلا أخيرا – إلى أن نخوض غمار الحرب في زايير، ففي زايير مثلا انحزنا لصديقتنا زايير لسشباب متعددة :
- لأنها دولة معترف بها.
- لأنها طلبت منا المعونة.
- لأنها لو كانت على خلاف مع دولة صديقة لحاولنا التدخل السلمي مع دولة صديقة، ولكن هذه الدولة الصديقة الشقيقة وجدت في خلاف مع دولة تضمر لنا العداء، بل صرحت بمواقفها ضد مصالحنا في الصحراء، بل اعترفت قضائيا وحلما بما اعترفت به، وأصبح من الواجب على المغرب أن لا يسكت ولاسيما أن تلك الدولة التي هاجمت زايير أرادت أن تدخل على قارتنا مذاهب لا يقول بها المسلمون، ولا يقول بها العرب، ونحن دولة إسلامية ولا يمكننا إذن أن لا نغير المنكر في قارتنا بجانب صديقتنا إذا كان ذلك ممكنا>.
                                                      **-**-**
وبعد فإن هذا التوضيح لا يعتبر هو الأول من نوعهن ولكن هو التوضيح الثاني، وهذا من أبرز معالم أصالة الاختيار المغربي الأصيل، وأكبر شاهد على عمق هذا الاختيار أيضا وسلامة أهدافه ومقاصده، هو إسناد رئاسة لجنة تحرير القدس إلى المغرب، والأدلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، والتي أدلى بها زعماء الأمة العربية والإسلامية وغيرهم. والمنطلق الذي تسير فيه هذه اللجنة برئاسة المغرب يبدو وكأنه يحاول أن يضع الديبلوماسية الإسلامية بكل إمكانياتها على الساحة حتى لا يبقى الإسلام فقط محطا للهجوم المتحالف، ومسكا للاستعمار الجديد الذي خلق محطات جديدة للانطلاق، ولكن الأهداف الديبلوماسية الجديدة للعالم الإسلامي تشير إلى كثير من المؤشرات التي تعلن عن الميلاد الجديد... وذلك ما نتابع ميلاده بكل حرص وإيمان بعون الله، ونحن ننتهي من إقامة الهياكل الأساسية لقيام اتحاد المغرب العربي مما سيبرز بعون الله وتوفيقه انطلاق ديبلوماسية الاتحاد الذي جاء نتيجة التعقل وعدم الانحياز، والتزام مبادئ الديبلوماسية الحقة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here