islamaumaroc

أول إضراب مدرسي بالمغرب سنة 1920.

  محمد الفاسي

278 العدد

أحدث الفرنسيون بفاس أول مدرسة ثانوية أطلقوا عليها اسم المولى إدريس، وذلك حوالي 1914 وأدخلوا لهذه الثانوية التلاميذ الذين درسوا في مدرسة ابتدائية كانت أسستها بعثة فرنسية قبل الحماية وجعلتها بدار واقعة في درب الهكار ثم التلاميذ الذين درسوا بالمدارس الابتدائية الأخرى القليلة التي أسست بعد ذلك.
وجعلوا ثانوية مولاي إدريس بدار الوزير السابق "المنبهي" وكان كل أمل تلاميذ مدرسة زنقة الرطل التي كنت بها أن يطلعوا لدار المنبهي.
وفي أكتوبر سنة 1919 طلعت بدار المنبهي ولكن عوض أن أدخل للسنة الأولى من الثانوي أدخلونا لقسم أحدث تلك السنة وأسموه الطبقة المتهيئة بين الابتدائية والثانوي وجعلوها في ثانوية مولاي إدريس التي تم بناؤها في آخر تلك السنة ودشنوها في ينار 1920 وكنا فيها ثلاثين تلميذا أما السنة الرابعة فهي أعلى ما وصل إليه عدد الطبقات التي وصلت بعد سنتين إلى ست يحصل فيها التلميذ على شهادة دبلوم الدراسات الثانوية الإسلامية.
وفي ريع 1920 وقع حادث هو الذي أريد أن أؤرخ له في هذا المقال وهو : أن أستاذ التاريخ بها وهو يسمى "بيسون" الذي صار بعد ذلك مديرا لثانوية أزرو وكان من أخبث المستعمرين وكانت له يد طولى في قضية فصل البرابرة عن باقي المغاربة وعن الإسلام مما يعرف في التاريخ بالظهير البربري، أقول كان هذا الشخص يدرس تاريخ الإسلام وكان من بين تلاميذ السنة الأولى تلميذ يسمى حمزة ونسيت اسم عائلته، فعندما كان الأستاذ يلقي درسه سمع منه كلاما بمس النبي صلى الله عليه وسلم أو ظهر له أنه مس بالنبي عليه السلام فما كان منه إلا أن قام من مقعده وتوجه نحو الأستاذ ولطمه لطمة شديدة على وجهه فقامت قيامة الأستاذ وطلب من المدير أن يعاقب التلميذ عقابا شديدا. وكان القائم بأعمال الإدارة بالنيابة شيخنا الأستاذ عبد الرحمان بوري رحمه الله وكان من الفرنسيين الذين أسلموا وحسن إسلامهم وكان يلبس اللباس المغربي وكان محبوبا عن جميع التلاميذ، وكان مؤهلا لأن يصبح مديرا فحاول تهدئة الأستاذ ولكن هذا الأخير ألح في أن يلقى القبض على التلميذ حمزة ويقدم للباشا ابن البغدادي فاضطر المدير أن يوجهه مع مقدم الحومة والعسة إلى دار أبي علي مقر الباشوية فأمر الباشا بسجنه بحبس المدينة القديمة بأعلى حومة القطانين.
وكان تلاميذ السنة الرابعة هم عبد الكبير بن عبد الحفيظ الفاسي، وعمران بن عبد الجليل، وابن أعرج السليماني رحمهم الله ومحمد بردلة. ولكن ابن الأعرج كان وظف ببلدية فاس فلم يشارك في الأحداث التي أقصها، فاتفق الثلاثة على القيام بإضراب شامل. ولما خرجنا للاستراحة أوعزوا إلينا قائلين : عند الرجوع إلى الأقسام اخرجوا من النوافذ – وكانت تفضي إلى شارع أبي الجنود – وتوجهوا إلى المدرسة البوعنانية فامتثل الجمع الأمر وذهبنا إلى المدرسة المذكورة ولما تم جمعنا خطب فينا الحاج عمر بن عبد الجليل وكان حج مع والده صغيرا وقال : إننا نأتي للمدرسة للتعلم لا لسماع الذم في ديننا، وفي نبينا عليه السلام، ولا لأن يزج بنا في السجون، وعليه فيجب أن نقوم بإضراب شامل إلى أن يطلق سراح رفيقنا. وطلب منا أن نخرج من ديارنا في الصباح الموالي بعد أخذ كتبنا ودفاترنا كأننا ذاهبون إلى المدرسة ونتوجه إلى ملعب الكرة بباب الساكمة ولا نخبر عائلاتنا حتى لا يمنعونا من الإضراب وكلفوا ثلاثة من التلاميذ الصغار وكنت احدهم بالذهاب إلى المدرسة والنظر من ثقب سورها الخارجي إلى ساحة الاستراحة هل فيها أحد من تلاميذ ففعلنا ورأينا ثلاثة منهم صغارا يلعبون في الساحة المذكورة فأخبرنا قادة الإضراب بذلك.
وفي الغد صباحا قصدنا ملعب الكرة ولا أزال أتذكر أن التلاميذ الكبار كانونا يلعبون الكرة قبل أن يتم الجمع فصادفتني رمية الكرة بكيفية شديدة في رأسي أوقعتني ساقطا على الأرض، ثم وقمت وانتظم الجمع فقام خطيبا فينا سيدي عبد الكبير الفاسي وألقى خطابا حماسيا كرر فيه التنديد بالعمل الشنيع الذي تعرض له رفيقنا حمزة بسبب مخالفة أو سوء يعاقب عليه عادة بالطرق التربوية لا كما يعاقب به المجرمون، ثم طلب منا أن نستمر في الإضراب وأن نجتمع في اليوم الموالي بباب المحروق المسمى في كتب التاريخ "بباب الشريعة" وأن نعمل مثل اليوم الأول من التحايل في الخروج من منازلنا بكيفية طبيعية.
وكان زعماء الإضراب المذكورون قد بدأت الإدارة الفرنسية المخابرة معهم لحل الإضراب وكانوا مصرين على إطلاق سرح التلميذ حمزة.
وفي اليوم الثالث توجهنا إلى باب المحروق، وأخبرنا رفقاءنا الكبار أنهم انتصروا وتقرر إطلاق سراح حمزة وطلبوا منا أن نقصد جميعا "سجن القطانين" لإخراجه والتوجه به إلى المدرسة ففعلنا وسررنا في تجمع كبير مخترقين الشوارع الفاصلة بين باب المحروق وباب القطانين. ولما وصلنا إلى السجن أخرجوا لنا التلميذ حمزة فحمله التلاميذ الكبار على أعناقهم كبطل مقدام واتجهنا نحو باب أبي الجنود ونحن ننشد بصوت عال وحماس هذا البيت :
اللــه ينصــرنـا مـادام رائـدنــا
  حــب الإسـلام، وحــب العـلـم والـوطـنـي
ولما وصلنا للمدرسة وجدنا مديرنا الأستاذ عبد الرحمان بوري رحمه الله في انتظارنا.
وهكذا نجح هذا الإضراب المدرسي الأول من نوعه في عهد الحماية بنجاح، ولكن الإدارة الفرنسية اشترطت لإطلاق سراحه أن يطرد من المدرسة وقد علمنا بعد ذلك أنه اشتغل في صناعة رابحة ولم أعلم عنه شيئا بعد ذلك.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here