islamaumaroc

أدب العرش بين المناسبة الالتزام.

  محمد العثماني

278 العدد

لا يمكن للباحث في الأدب أن يتحدث عن نزعة جديدة فيه دون أن يذكر ما سبقها وما لحقها من النزاعات الأخرى، بهدف التفسير بالمقابلة بين الأضداد، ومحاولة توضيح مصطلح آخر، وبالخص إذا كان هناك تداخل واشتراك في الخصائص ودوائر الحدود.
الالتزام في الأدب مثلا هل هو منفصل عن الكلاسيكية التي عمرت قرونا، ثم لحقتها الرومانسية التي عرفت في أوربا أول ما عرفت منذ أوائل القرن التاسع عشر، ثم انتقلت إلى الشرق العربي مع بداية القرن العشرين.
فإذا كان عمود الكلاسيكية معروفا حدده النقاد الأقدمون كابن قتيبة في كتابه ( الشعر والشعراء) وأبي هلال العسكري "صاحب الصناعتين"، وعبد القادر الجرجاني صاحب (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة)، وضياء الدين بن الأثير في كتابه (المثل السائر)، وإن لم يتفقوا كلهم على تعريف جامع مضبوط لذلك العمود لكون التطور الشكلي يلحقه في كل عصر، تبعا لاختلاف أنماط السلوك ومستجدات الحياة، ولكنهم اتفقوا على الأصول والثوابت فذكروا من بينها :
التزام مقدمة في مطلع القصيدة قبل التخلص إلى غرض الشاعر الرئيسي، وهو إما غزل ونسيب، أو ذكريات أثارتها الأطلال وديار الأحبة، أو شكوى الزمان المشتت بين الأحباب، وما إلى ذلك مما يلائم البيئة والحياة، وهي تختلف باختلاف الظروف والحالات النفسية للشاعر.
- الجزالة اللفظية بحيث يكون الأسلوب يتسم بالطبيعة والبساطة وفصاحة الكلمة وتأثير جرسها، ودلالتها على المعنى العالي.
- إجادة التشبيه وأساليب المجاز.
- التزام القوافي وعدم تنافرها واضطرابها في موضعها.
- حسن التخلص لذكر المخاطب مع حسن الاستهلال.
- مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهو أصل البلاغة في جميع اللغات.
هذه بعض ملامح عمود الشعر العربي القديم، ثم جدده أعلام البيان في العصر العباسي كما هو معروف، حينما بلغ الشعر العربي قمة بيانه مع أبي تمام وابن الرومي والبحتري والمتنبي والمعري وآخرين، كل حسب طريقته في الأداء والإبداع.
                                                **-**-**
وفي هذا العصر جاء ما يسمى بالمدرسة الرومانسية، وهي نزعة يراد بها التحرر من قيود الثوابت التي جعلوها العمود الشعر القديم، ولم أذكر ما سبق إلا لمحاولة تفسير هذه النزعة الجديدة، والذي يقودنا بدوره إلى فهم (الالتزام) من حيث مدلوله الاصطلاحي وكونه قديما أو حديثا.
كان المعيار التقليدي لتقدير قيمة النص الأدبي يعتمد بصفة إجمالية على أمرين هما : الجمال الفني حسبما سبقت مواصفاته في العمود التقليدي، ثم ما تواضع عليه المجتمع من صفات نبيلة وأنماط السلوك العام.
ثم جاءت المدرسة الرومانسية (الإبداعية) فغيرت في معيار الجمال الفني، وأضافت عنصرا جديدا جعلته أساسا في ميزان النقد وتقيم الخطاب الشعري، وهو تفهم الشاهر للحياة جيدا، وجعلها منبعا لشعوره ووجدانه، فيعبر عن ذاته من خلال تجاربه ومعاناته، وينقل أعمق خلجاته النفسية، وأدق تفاصيل الحياة إلى الناس شعرا يصور الحياة ويكشف نفس صاحبه إزاءها في ذات الوقت.
ليس هذا كل التعريف للنزعة الرومنطيقية، فهناك عشرات التعريفات قد يجمعها أو يلخصها هذا القول : تشريح النفس على ما هي عليه من آمال وآلام، وشرح الحياة بما فيها من تناقضات ومباذل ومنغصات ومن ثم قالوا – وهم يعنون تفسيرها = (الأدب نقد للحياة).
وقال بعضهم : ("هي مصنع الأحلام" لأن النفس الرومنطيقية تخلق لها عالما تحقق فيه الرغائب وتستمتع بسعادة مثلى).
وقال شاعر رومنطيقي وهو فريديريك الألماني :
(الشعر نقل للنفس أو للعالم الداخلي بكليته، حتى الألفاظ تثبت ذلك، لأنها فيض من العالم الداخلي للنفس).
وقال آخر : (الأدب الرومانسي هو خلاصة تجربة خلية تدور حول محور الذات الحالمة حين تلجأ إلى الهروب من قسوة واقع خارجي يصبح احتماله أكثر من أن يطاق).
وقال آخر : (الأدب تعبير عن الحياة، ولكن ليس تعبيرا عن أي حياة).
اريد بكل ما سبق تقريب مفهوم المصطلح إلى الأذهان، ولست أحاول تحديده بدقة لخروجه عن دائرة الممكن، ولأن ما يتعلق بالعواطف والوجدان لا يحدد بتعريف واحد، كما هو الشأن فيما يتعلق بالعلم وكل ما له قواعد من نتاج العقل الخالص.
لذلك قال بول فاليري : (لن أحدد معنى هذه الكلمة "الرومنطيقية" وكل من يحاول هذا التحديد يجب أن يكون قد فقد الشعور بالدقة).
                                                **-**-**
وهنا أتساءل = هل هذه النزعة التي يسمونها الرومانسية غير موجودة في شعر الأقدمين؟ أو هل نجدها في كل عصر؟
بالنظر إلى أخص خصائص هذه المدرسة، وهو استيعاب الحياة في أعماقها ووضعها على مشرحة النقد – نستطيع أن نقول إن المعري والمتنبي من أكبر الرومنطيقيين، وكلاهما خبر الحياة وعاركها واستوعب تجاربها، وكلاهما نقد الحياة عن فلسفة وتجربة، فأبو الطيب يقول مثلا :
ومن عـرف الحيـاة معـرفتـي بـهــا
  وبالـنـاس روى رمـحـه غـيـر راحـم
وأبو العلاء يقول :
عرفـت سجـأيـا الدهـر أمـا شـروره
  فـنـقـد، وأمـا خـيـره فـــوعــود
ويقول :
فقـد عشـت حتـى ملنـي وملـلـتـه
  زمـانـي، ونـاجتنـي عـيـون التجـارب
ومن بحث في شعرهما يعثر على رومنطيقية حسب المواصفات التي ذكروها، وقل مثل ذلك في غيرهما كأبي نواس في خمرياته، والشريف الرضي في مثل قوله :
وتلفتـت عينـي، فمـذ خفـيـــت
عـنـي الطـلــول تـلفـت الـقـلـب
فإذا طوينا العصور نسمع أحمد شوقي الذي يعده الرومنطيقيون المراهقون اتباعيا لا إبداعيا يقول :
يـا جارة الـوادي طـربت وعادنـي
  مـا يشبـه الأحــلام مـن ذكـــراك
وهـو يعني من وراء هذه الكلمات موقعا جغرافيا في لبنان، ثم وصل إلى قمة الأحلام المجنحة في قوله :
وتطلعـت لـغـة الكـلام وخاطبـت
  عينــي فـي لغـة الهــوى عيـنـاك
ثم حلق حتى خرج من دائرة الزمان فقال :
لا أمـس من عمـر الزمان ولا غـد
  جمـع الـزمـان فكـان يـوم رضــاك
سقت هذا لأنهم يقولون : عن الرومانسية الحالمة لم يعرفها الشعر العربي إلا في أوائل هذا القرون على يد خليل مطران وخليل جبران، وأعضاء الرابطة القلمية، وجماعة أبولو، إنهم صدقوا إذا كانونا يعنون إغراق شعرهم في الرومانسية حتى مله الناس ونسوه لأن الرتابة مملة في كل شيء، فلو كانت الحياة على إيقاع واحد لانتحر أكثر الناس.
من أجل ذلك غابت دواوين الرومانسيين العرب كونها حافلة بالعجيب من جمال الفن وخصب الخيال، وبقي دونها في الساحة دواوين أحمد شوقي وحافظ ومحمود غنيم، وكذلك محمود طه بالرغم من كونه رومنطيقيا، ولكنه متوازن، وأبو القاسم الشابي، لأن رومانسيته نضالية صارع بها المحتل الغاصب، فكان شعره نشيد المسحوقين.
نعم لاتخلو الرمنطيقية من النظر إلى الحياة والموت من خلال فلسفتهما كما هو الشأن لدى القدماء سواء بسواء، يقول خليل مطران في قصيدة (الأسد الباكي) :
يمـر بـي الإخـوان فـي خطـراتهـم
  أولئـك عـوادي وليســو بجـلاســي
ويقول فوزي معلوف من أعضاء الرابطة القلمية :  
تصيبـك من هـذا الوجـود مصـائبـه
  وداء تقـاسيـه ومــوت تجـانـبــه
وقد قال أبو الطيب المتنبي في القرن العاشر أقوى من هذا...
كفـى بك داء أن ترى المـوت شافيــا
  وحسـب المنـأيـا أن يكـن أمـانـيـا
فأيهما أحق بالرومانسية في هذا الباب؟
                                                      **-**-**
حاولت أن أفسر هذا (الغول) الغامض تفسيرا مدرسيا لأمهد لموضوع حديثنا (مصطلح الالتزام)، وأعتقد أني بهذا القصد في صميم الموضوع، وإن كنت بعيدا عنه في الظاهر، لأن هذا المصطلح يوجد مع كل مدارس الأدب تقريبا، والتي كاد العد يخطئها، بدءا من الواقعية المادية، والوجودية سوى الفلسفة القديمة، أو الإبداعية المشار إليها فيما سبق.
وما هو الالتزام؟ وهل هو مصطلح جديد مدلوله قديم؟ أو هو حديث بمفهومه؟
أما السؤال الأول فإن الكلمة تعطينا جوابه في مدلولها، وهو اتخاذ موقف في الحياة، أو موقف خاص في قضية أو قضايا.
وعلى هذا فكل شاعر له اهتماماته، وهي تختلف من حيث الأهمية، فهناك من يلتزم بنقد الفساد ومحاولة إزالته، وهناك من يهتم بمصارعة الظلم والدفاع عن المعذبين، وهناك من ينظر إلى الحياة والناس شموليا فيتدخل في قضايا المجتمع عامة.
ومن ثم قال بعض النقاد : "الالتزام في الأدب يتحدد بمدى ارتباط الأديب بقضايا الناس في مجتمعهم، وما يتقدم به من حلول لهذه القضايا، أو بمجرد التنبيه إليها".
وقد كان مجتمع الجاهلية قبل الإسلام يحافظ على قيم اجتماعية رفيعة، كالجود وإكرام الضيف ونجدة الصارخ والدفاع عن القبيلة وحرماتها، والتحلي بصفات النبل والشجاعة وما إلى ذلك... فكان شعراء الجاهلية ملتزمين بهذه الأعراف الأخلاقية في أكثر شعرهم، إلى جانب إرسالهم المثل والحكم وجوامع الكلام التي تدعم تلك الأهداف.
ويوجد مثل ذلك في أدب جميع العصور، فليس هناك شاعر حق لم تغلب على فنه قضية أو قضايا، وفيما بين ذلك يتناول أغراضا جانبية من غزل أو مدح أو رثاء أو عتاب أو نقد تجريحي، وهو ما يسمى بالهجاء. 
فلما جاء الإسلام أخذ الالتزام مسارا واضحا، فكان الشعر الإسلامي وكان شعراؤه، ينافحون عنه بالكلمة، إلى جانب الدعوة بالحكمة والجدل العقلي.
ثم جاءت الأحزاب فيما بعد ذلك، فكان لكل حزب شعراؤه يعلنون مبادئه ويقررون حجته وينشرونها في الناس، فللأمويين شعراء، وللعلويين والعباسيين كذلك.
وفي عصر النهضة، سواء في الغرب أو الشرق، نبغ شعراء التزموا بقضايا مجتمعهم و أوطانهم، فراج الشعر الاجتماعي و الوطني أو النضالي.
فالالتزام إذن قديم بمدلوله، جديد بمصطلحه، و هو إحدى القيم الأدبية في جميع المدارس الشعرية، و لكن الذي يعيبه أمران :
1) أن يكون قفصا للفنان، فلا يخرج منه إلى الفضاء الواسع، بمعنى أن يجتر موضوعا واحدا في جميع الظروف، فيسقط أسلوبه في التكرار و الاجترار، و يصاب قارئه بالملل و الإحباط، و قد قيل في تعريف الأدب في النقد الحديث كما سبق, "هو التعبير عن الحياة و لكن ليس تعبيرا عن أي حياة" و هذا التعريف يضع الالتزام في حدوده الضيقة على هامش المعار يف الفنية، كما عبرت أديبة عصرية في قولها :
(ليس من الممكن أبدا أن نحدد  لفنان مثقف واع ماذا يخرج من آثار الفن، و لا أن ترسم له المواصفات).
2) أن يكون مستلبا، بمعنى أن يسخر الشاعر فنه للدعوة إلى قيم أجنبية لا صلة لها بمجتمعه و لا بأصالته و تراثه، فكثير من شعرائنا سقطوا في اليسارية و الواقعية الاشتراكية المادية، فوجدوا المستفيد يفرش لهم المسار بالريحان، و يرفع لهم لافتة الإشهار بالمجان.
قرأت يوما في جريدة يسارية ما يلي :
يقول محمود درويش في مفكرته:  
(بانتمائي إلى الحزب الشيوعي تحددت معالم طريقي,
 و ازدادت رؤيتي وضوحا,
 إن النظام الاشتراكي يفهم و يراعي نزعات الفنانين إلى الكمال).
فقلت في نفسي : إلى هنا وصل الفن و الالتزام ؟ إلى هنا وصل الجمال الفني ؟ هل هذا صحيح ؟ ثم استدركت فقلت على هامش هذا الخلط الهستيري : 
ولكن (سخاروف) وهو العالم الواعي لم يقل، بل تنبه لفساد المذهب المادي الإلحادي فسخط عليه الحكم الشيوعي السابق، بالرغم من كونه عالما روسيا مخترعا لأفتك سلاح، ولفائدة ذلك الحكم، لم يقل إنه يراعي الفن ولا حتى العلم... بل قال العكس.
ومثل هذا، ذلك الالتزام الاستلابي الذي دأب عليه الطاهر بن جلون حتى حصل على جائزة "كونكور" كمكافأة له على نشر غسيل المجتمع المغربي، وجعل بعض المقدسات الإسلامية مستهدفة لعبثه واستهزائه، رامزا لها بـ : (ليلة القدر) أو الليلة المقدسة، ومع ذلك طبلنا له وزمرنا تبعا للأجانب الذين يسرهم أن ينجم مارق من غيرهم يغير على قيم الإسلام، ويقول فيها ما لا يتجرأ عقلاؤهم على قوله، لأنه يخل بمروءة الإنسان الواعي المثقف.
لماذا لم يبدع قصة أروع في ليلة الميلاد، وما يقع فيها من مباذل وفجور واختلاط حيواني في الدقائق التي تطفأ فيها الأضواء... ليرى هل يكافئونه أو يكفونه عن الثرثرة؟
إن الالتزام المنحرف يشوه الفن الجميل، ويزيده قبحا ورداءة إذا كان مسفا رديئا في ذاته، كما هو الشأن في أكثر ما ينشر ويذاع في إطار الواقعية المادية والرمزية، ونزعة ما فوق الواقع، واللامعقول واللامفهوم.
فكل التزام يجب أن يكون له معيار أخلاقي حتى يضيف إلى الفن الجميل قيمة وجمالا، وإلا كان فنا يترك أثره السيئ في المجتمع، فالشعر الماجن الرائع يقبل فنا ولا يقبل التزاما، فهو كرسم الجسد العاري الفاتن يسرق الأبصار، ويدعو إلى المجون والاستهتار.  
                                                **-**-**
إلى هنا نطرح السؤال عن موضوعنا :
أين نضع أدب الشعر؟ وما هو موقعه في خريطة المذاهب النقدية؟
كان يوم 18 نونبر من كل سنة في أيام جلالة محمد الخامس موعدا لمباراة الأقلام المبدعة في تسجيل مواقف الرمز الحامي لسيادة المغرب ووحدته، وفي محاولة إلغاء النشاز في إيقاع التاريخ، وهو وجود المحتل الأجنبي، فقد كان العرش مربط الآمال، ومعقد مطامح الشعب في الخروج من الإسار الذي وضعته فيه الظروف الاستثنائية في التاريخ.
كانت ذكرى ذلك اليوم مناسبة لشعر وطني ملتزم، يشحذ العزائم وينمي روح المقاومة النفسية أولا، وينشر الوعي في الشعب بقضيته الكبرى، شعر يطبعه الإخلاص والتلاحم بين الشعب والملك، والتوافق والجهاد بهد إعادة التاريخ إلى مجراه الطبيعي.
لم يكن شعرنا الوطني شعر الاستجداء والاستخذاء، بل هو نابع من ضمير الشعب، ومترجم لإرادته في مسايرة الشعوب المتحررة، ويؤكد للجاحدين انتماءنا وهويتنا وحضارتنا المتأصلة، وقد بذل الاحتلال جهدت لتغيير (بوصلتنا) التاريخية فوجد أمامه سدودا من ركام التراث والمقومات الحضارية، وضروب الفنون التي تعبئ الشعب حماسا واستعدادا لرفض الاستيلاب وتخطيطات الأجنبي، فأثرت الخطبة والقصيدة والأغنية ما لم تؤثر المسدسات والقذائف، لأن هذه نتائج فقط نشأت عن تعبئة نفسية قام بها الفن والشعر الوطني الراصد لمناسبات أعياد العرش وغيرها، لينطلق في إذكاء الروح الوطنية والنضالية بالكلمة الصادقة تنفجر كالصاعقة في أوساط الاحتلال، ولمنه يعجز عن إسكات المسلحين بها لأنهم يأوون إلى ركن شديد في ظل العرش.
فالشعر الذي قيل في العرش شعر ملتزم بالقضايا الوطنية، وبتحميس الشعب للتضحية في سبيلها، وكذلك الشعر الذي قيل في أيام نضاله، وشارك فيها جلالة محمد الخامس وولي عهدك آنذاك جلالة الحسن الثاني حفظه الله.
إن الذين يرفضون أدب المناسبات على وجه الإطلاق ليسوا موفقين، لأن كل شيء له ظروفه ومناسباته، فالطيور لا تغرد إلا في الصباح وفي الأجواء الصاحية، والنحلة لا تنشط إلا في فصل الربيع، والرسام لا يتناول ريشته إلا إذا صادف منظرا جميلا، وكذلك الشاعر لا يقول إلا تحت ظروف خاصة هي المناسبات التي تدفعه إلى القول وتضغطه لينفجر، وليس من العيب في شيء أن تجد نبيلا يعمل لخير المجتمع فتستوحي منه قولا جميلا تكسوه حلة الفن ليخلده جزاء له على موقفه الشجاع.
لذلك يرى المبدعون العرش حارسا للمجد والحضارة في هذه الديار، فجعلوا ذكرى الجالس عليه مناسبة للإبداع وإثراء الفن الأدبي الذي يهذب الوجدان ويرقي الذوق وينمي الشعور بلذة الحياة.
قرأت يوما في صحيفة يومية استجوابا مع الشاعر السوري المعروف محمد الماغوط فسأله الصحفي : ماذا تقول عن شعر المناسبات؟
فأجابه : لا أعترف بهذا النوع من الشعر، ولم أكتب رثاء حتى في زوجتي الشاعرة سنية صالح التي توفيت منذ أربعة أعوام.
فإذا كان يمقت شعر المناسبات على وجه الإطلاق حتى رثاء أحب الناس إليه ماذا يعني ذلك؟
فلو طرحنا شعر المناسبات من دواوين الشعراء منذ القرون لما بقي في أيدينا شيء نقول إنه تراثنا.
إن رثاء حبيب أو نبيل ليس شعر مناسبة بالمفهوم المتعارف، إنه شعر الحدث، والأحداث الضاغطة هي التي تفجر البيان، وتحل عقدة اللسان، وكذلك المناسبات التي تحمل أجمل الذكريات وأجلها تستنزل منها روائع الفن الخالدة.
من أجل ذلك فإن مناسبة ذكرى العرش من أغزر منابع الإبداع، وأخصب مصادر الإلهام الفني، وبالأخص إذا كان المبدع دارسا لتاريخ المغرب وحضارته وأمجاده، فيجد مادة غزيرة يستلهمها روائع خالدة إذا ملك الأدوات الكافية، فشوقي لم يقتلع لقب أمير الشعراء إلا لكونه جعل التاريخ مصدر فنه وإلهامه، وهو مجال لا يجارى فيه سابقا ولاحقا.
إذن كان حظ المبدع المغربي كبيرا لأنه يجد بين يديه تاريخا وحضارة، أضفت على الدنيا جمالا ونضارة، ويجد رجالا صنعوا ذلك التاريخ، وحموا هذه الحضارة في حجم محمد الخامس المجاهد، وفي حجم الحسن الثاني العظيم.

                                          اعتذار... وشكر
وصلتنا والمجلة ماثلة للطبع وفي لمساتها الأخيرة عدة مقالات ودراسات وقصائد بمناسبة عيد العرش المجيد قصد إدراجها في هذا العدد الخاص...
ونظرا لوفرة المواد ووصول الدراسات والأبحاث متأخرة، ونظرا لحرصنا الشديد في أن يصدر العدد في وقته المناسب، فإننا نعتذر لحضرات الأساتيذ المحترمين بعدم إدراج أبحاثهم في هذا العدد، آملين إن شاء الله أن ندرج ما وصلنا في الأعداد المقبلة بإذن الله ومرة أخرى معذرة وشكرا.
     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here