islamaumaroc

من المصحف العثماني إلى المصحف الحسني.

  عبد القادر العافية

278 العدد

قداسة المصحف الشريف تمكنت من قلوب المسلمين منذ نزول أول آية من القرآن الكريم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، وظهر ذلك في عناية المسلمين بالصحف الشريف عناية بالغة الدقة، ممنهجة، سايرت نزول الوحي إلى آية منه، وتمثلت هذه العناية منذ البداية في حرص النبي(صلع) على كتابة الوحي وفق منهجية اتبعها (صلع)، والتزم بها.
فكتابة القرآن الكريم من أول آية في مجتمع أمي لا يهتم بالقراءة والكتابة كانت عملية هادفة، وممنهجة، فالقرآن كتب في الصحف، والعظام وعسب النخل(1) واللخاف...(2) يقرأه الصحابة رضوان الله عليهم، ويلقنه بعضهم لبعض، فالمسلمون بدار الأرقم عملوا بتوجيه النبي ? على كتابة ما ينزل من الوحي قصد الرجوع إليه. تفتحت قلوبهم لدعوة الإسلام، ونقلت كتب السيرة أخبارا مفيدة في هذا الموضوع(3)  ومن ذلك قصة إسلام عمر بن الخطاب (ض) حيث كان خباب بن الإرث يقرأ القرآن عند أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعد بن زيد بن نفيل، ففاجأهم عمر بسبب وشاية أحد المشركين فوجد عندهم صحيفة مكتوب فيها : <<طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى>(4) فأخفت فاطمة الصحيفة، وكان عمر قد سمع القراءة قبل دخوله... إلى آخر القصة التي يستفاد منها أن القرآن الكريم كان يكتب في الصحف وغيرها.
وكان للنبي (صلع) كتبه للوحي بمكة أولا،وبالمدينة بعد ذلك، يذكر الرواة أن عددهم وصل في بعض الأحيان إلى أربعين كاتبا، في مقدمتهم الخلفاء الراشدون : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أبي بن كعب وزيد بن ثابت... وغيرهم.(5)
وشجع النبي (صلع) أصحابه على كتابة القرآن حتى إنه قال : <<من كتب عني غير القرآن فليمحه>>(6) ومعنى هذا أن العناية بالمصحف بدأت في عهد الرسول (صلع) حيث رتبت الآيات داخل الصور، ورتبت الصور بعضها مع بعض(7)  ثم بعد وفاته (صلع) تمثلت هذه العناية في حرص الصحابة على صيانة القرآن من الضياع، وفي حفظه وجمعه والعناية به، وفي تلاوته، والتنافس في استيعابه واستظهاره... وهذا مما حدا بعمر بن الخطاب (ض) أن يطلب من أبي بكر الخليفة الأول لرسول (صلع) أن يجمع القرآن في الصحف، وأن ينقله مما كان مكتوبا فيه من العظام، واللخاف، والعسب... ومن الصدور، ليصبح في صحف يسهل الرجوع إليها عند الحاجة.(8) وبعد الجمع الأول للقرآن الكريم على عهد أبي بكر (ض) من أهم مظاهر العناية بالمصحف الشريف، وعن هذا العمل يقول ابن كثير :
<< فكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر (ض) من أكبر المصالح الدينية، وأعظمها في حفظ كتاب الله في الصحف ليلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله (صلع)، ثم كانت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، وكانت عند أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.(9)
وعمل أبي بكر (ض) في جمع المصحف كان ذا نتائج هامة منها : إثبات النص القرآني بصيغته النهائية التي تمت في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام قبيل وفاة الرسول (صلع).
ومنه : توثيق النص المكتوب بعرضه على المحفوظ في صدور عدد أكبر من الصحافة، وبذلك أصبح المسلمون يتوفرون على نص قرآني مكتوب ومحرر يقابلون عليه.
ثم بعد هذا يأتي المظهر الثالث من العناية بالمصحف الشريف، وذلك أن سيدنا عثمان (ض) عندما أخبر وهو أمير المؤمنين باختلاف الناس في القرآن، أرسل إلى أم المؤمنين حفصة (ض) أن أرسلي إلينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان بن عفان (ض) فأمر زيد بن ثابت، وعيد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.(10)
يقول ابن كثير معلقا على عمل أمير المؤمنين عثمان بن عفان (ض) <إن الشيخين - أبا بكر وعمر – سباه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء، وهو – أي عثمان – جمع الناس على قراءة واحدة ليلا يختلفوا في القرآن ووافقه على ذلك جمع من الصحابة، وما ورد عن عبد الله بن مسعود سببه أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، ثم رجع إلى الوفاق، وأمر عثمان بحرق ماعدا المصحف الإمام، وقال علي بن أبي طالب (ض) لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا>.(11)
يقول ابن كثير : وبذلك اتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي : على أن صيانة المصحف من مصالح الدين. وقال رسول الله (صلع) : << عليكم بسنتي وبسة الخلفاء الراشدين من بعدي >>(12) وبعث عثمان بالمصاحف إلى الأمصار : مكة والبصر والكوفة والشام واليمن والبحرين وترك عند أهل المدينة مصحفا.(13)
وما قام به عثمان (ض) وافق عليه الصحابة، ولم ينكره أحد منهم، وعند ابن أبي داود في كتاب المصاحف : << ياب رضى عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك >>.(14)
وعثمان رضي الله عنه احتاط في هذا الجمع غاية الاحتياط واتبع فيه منهجا دقيقا حيث جمع ما كان عند الناس من المصاحف وأجزائها ثم قال : <<من أكتب من الناس؟ قالوا : كاتب رسول الله (صلع) زيد بن ثابت، قال : فأي الناس أعرب؟ قالوا : سعيد بن العاص، قال عثمان : فيمل سعيد وليكتب زيد، واستحسن أصحاب الرسول هذا العمل>>.(15)
وذكر ابن العربي في كتابة <العواصم من القواصم> وهو يتحدث عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان (ض) : <<وأما جمع القرآن فتلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى، وإن كان وجدها كاملة لكنه أظهرها، ورد الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها، وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه، حسبما بيناه في كتب القرآن وغيرها>>.(16)
والملاحظ أن الصحابة الذين انتدبهم عثمان لكتابة المصحف اتبعوا منهجية دقيقة، فكانوا لا يكتبون فيها إلا ما تحققوا أنه قرآن، وعلموا أنه قد استقر في العرضة الأخيرة، وما أيقنوا صحته عن النبي (صلع) وتركوا ما سوى ذلك.
                                                         **-**-**
واقتضت هذه المنهجية أن تكتب المصاحف بكيفية تساعد على قراءة القرآن الكريم بالأحرف السبعة(17) وجعلوها خالية من النقط والشكل تحقيقا لهذه الغاية، فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه، أما الكلمات التي لا تدل على أكثر من قراءة عند خلوها من النقط والشكل مع أنها واردة بقراءة أخرى فإنهم كانوا يرسمونها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على قراءة أخرى، كقراءة <وصى> و <أوصى> في قوله تعالى : <<وأوصى بها إبراهيم بنيه، ويعقوب  يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون>.(18) فإنها كتبت في بعض المصاحف <ووصى> وفي بعضها <وأوصى> وهما قراءتان مشهورتان، بالتضعيف والهمز. ومثال الكلمة التي تكتب بصورة واحدة وتقرأ بوجوه متعددة قوله تعالى : < إن هذان لساحران >(19) رسمت في المصحف < إن هذن لسحرن > بالمحذوف بعد الهاء والذال والسين والراء. بلا نقط ولا شمل، ولا تشديد ولا تخفيف في نوني <إن> و <هذان> ومن غير ألف، ولا ياء بعد الذال من <هذان> فالرسم في هذا المثال صالح لأن يقرأ بوجوه أربعة وهي واردة كلها بأسانيد صحيحة :
1) قراءة نافع ومن معه بتشديد نون <إن> وتخفيف نون <هذان> بالألف.
2) قراءة ابن كثير ، وحده يخفف نون <إن> ويشدد نون <هذان>.
3) قراءة حفص يخفف النون في <إن> و<هذان> بالألف.
4) قراءة أبي عمرو بتشديد <إن> وبالياء وتخفيف نون <هذين>.
ومن مزايا هذا الرسم كذلك إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة، وذلك نحو قطع كلمة <أم> في قوله تعالى < أم يكون عليهم وكيلا > ووصلها في قوله تعالى < أمن يمشي سويا على صراط مستقيم >20 بالإدغام فقطع <أم> الأولى في الكتابة للدلالة على أنها <أم> المنقطعة التي بمعنى بل، ووصل <أم> الثانية لدلالة على أنها ليس مثلها.
للدلالة على معنى خفي دقيق كزيادة الياء في <بأييد> في قوله تعالى < والسماء بنيناها بأييد، وإنا لموسوعون >(21) إشارة إلى عظمة قوة الله تعالى التي بنى بها السماء وأنها لا تشبهها قوة، فزيادة المبنى للدلالة على زيادة المعنى.
فالرسم في المصحف العثماني لم يكن اعتباطيا، بل كان وفق منهج دقيق، وهذا ما حمل بعض أئمة الإسلام على القول بمنع مخالفة الرسم الذي كتب به القرآن الكريم.(22)
                                                -**-**-**
ومن مظاهر العناية بالمصحف الشريف ما قامت به الأمة الإسلامية عبر القرون والأجيال من حفاوة وتعظيم لشأن المصحف، وما التزمه المسلمون من آداب نحو كتاب ربهم، فتنافسوا في نسخه، واقتناء المكتوب منه بأجود الخطوط وأبدعها، وعملوا على تجويد وإتقان كتابته ابتداء من الصدر الأول إلى يومنا هذا فرسم المصحف الذي كان في البداية خاليا من النقط والشكل... اعتمادا على السليقة والفطرة العربية السليمة احتاج بعد دخول الأمم المختلفة في الإسلام إلى ضبطه وإحاطة كلماته بمزيد من العناية حتى تسهل القراءة، وتتميز حروف الكلمات بشكلها الواضح فيسهل النطق بها، وتعرف الفروق بينهما... فكان السبيل إلى ذلك : الإعجام والشكل قصد المزيد من الضبط وإتقان القراءة... كل هذا جاء عناية بالمصحف الشريف، واهتماما بأمره.
وقد سبقت الإشارة إلى أن المصحف العثماني لم يكن منقوطا ولا مشكول لتبقى الكلمة محتملة لأن تقرأ بوجوه القراءات التي صحت روايتها.
ويختلف المؤرخون هل كان الإعجام معروفا قبل الإسلام أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه كان معروفا، وتركه الصحابة عمدا للأسباب السالفة، وذهب البعض الآخر إلى أنه لم يكن معروفا، ومهما يكن من أمر فإن إعجام المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، إذ رأى أن البلاد الإسلامية قد اتسعت، واختلط العرب بالعجم، وكادت العجمة تمس سلامة اللغة، حيث بدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يظهر جليا بين الناس، وشق على الكثير منهم أن يهتدوا للتمييز بين حروف المصحف وكلماته، وهي غير معجمة ولا مشكولة.
وبطبيعة الحال كانت تصل أصداء هذه الصعوبات إلى الخليفة ففكر في إنقاذ الناس من هذا الحرج الذي يجدونه في قراءة المصحف، وعلى أرجح الروايات أنه أمر عامله على الكوفه الحجاج بن يوسف الثقفي، وندب الحجاج طاعة للخليفة رجلين جليلين لمعالجة هذا المشكل وهما : نصر بن عامر اليثي (ت: 89 هـ) ويحيى بن يعمر العدواتي (ت : 120 هـ) وكلاهما كفء، له بصر وإلمام بهذا الأمر، إذ جمعا بين العلم والصلاح والتقوى والورع، والخبرة بأصول اللغة، ووجوه قراءة القرآن، وهما معا تتلمذا على يد أبي الأسود الدولي(23) فقاما بعجم المصحف ونقط جميع حروفه المتشابهة، والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث، وشاع عملهما بين الناس وبذلك سهلت قراءة المصحف الكريم.
في هذه الفترة بالذات بدأ شكل المصحف، ولم يكن العرب يعرفونه قبل هذا لصفاء سليقتهم وذلاقة ألسنتهم.
وتذكر الروايات أن أبا الأسود الدولي سمع قارئا يقـرأ < واعلموا أن الله برئ من المشركين ورسوله > بجر اللام في رسوله، فأفزع هذا اللحن الشنيع، وقال : عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم ذهب إلى زياد بن أبيه والي البصرة وقال له : قد أجبتك لما سألت، وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله، فتباطأ في الجواب حتى صادف هذه الحادثة، وهنا عمل على أن يجتهد في إيجاد علامات تقي القارئ من اللحن فأداه اجتهاده إلى جعل علامات الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة أسفله، وجعل علامة الضم نقطة بين أجزاء الحرف وجعل علامة السكون نقطتين.
ثم بعد ذلك استبدل الشكل الأول الذي هو النقط بشكل جديد، وهو المعروف حاليا، لأن نقط الأعجام، ونقط الشكل كانت تحدث ارتباكا للقارئ.
وذكر ابن أبي داود في كتاب المصاحف : (باب نقط المصاحف) قال : حدثنا عبد الله حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي، حدثنا أحمد بن نصر بن مالك، حدثنا الحسين بن الوليد عن هارون بن موسى قال : << أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر>>(24) - السالف الذكر- ثم أتى بمجموعة من الروايات عن بعض التابعين الذين كرهوا نقط المصاحف، وعقب بعدها بروايات أخرى عن بعض التابعين كالحسن البصري وابن سيرين وغيرهما من الذين قالوا : إنه لا بأس بنقط المصاحف، ثم ذكر بعد ذلك كيف تنقط المصاحف.
والمقصود في كلامه بالنقط : الشكل، وذلك واضح من الأمثلة التي أوردها.(25)
                                                   **-**-**
تجزئة القرآن :
كانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة، كما كانت مجردة من النقط والشكل، ولما امتد الزمان بالناس جزءوا المصحف عدة تجزيئات تسهيلا على القارئ، وينقل ابن أبي داود في كتابه المصاحف : أن تجزئة القرآن في التلاوة كانت معروفة منذ العهد النبوي، ونقل بعض الأحاديث الدالة على ذلك.(26)
ويذكر أنه في عهد التابعين عرفت : الأثلاث، والأرباع، والأخماس، والأسباع، والأعشار...،(27) ووضعت في المصاحف علامات تدل على التجزئة، فمنهم من قسم القرآن إلى ثلاثين قسما، وأطلق على كل قسم منها اسم <الجزء> حتى أصبح الجزء عند إطلاقه ينصرف إلى جزء من ثلاثين، وجرى على ذلك أصحاب الربعات(28) إذ كتبوا كل جزء في نسخة مستقلة، وفي الغالب تكون هذه الأجزاء بين يدي صغار التلاميذ، وقسموا أحيانا الجزء إلى قسمين، وسموا كل جزء حزبا كما هو الحال عندنا في المغرب، وقسموا الحزب إلى ثمانية أجزاء كل جزء يسمى الثمن، ومنهم من وضع كلمة <خمس> عند نهاية كل خمس آيات من السورة، وكلمة عشر عند نهاية كل عشر آيات، فإذا انقضت خمس أخرى بعد العشر أعادوا كلمة خمس فإذا صارت هذه الخمس عشرا أعادوا كلمة عشر، وهكذا إلى آخر السورة.
وبعضهم يكتب موضع الأخماس رأس الخاء بدلا من كلمة <خمس> وموضع الأعشار رأس العين بدلا من كلمة عشر.
ووضعت للآيات أرقام داخل السور، وكتبت فواتح السور كعنوان ينوه فيه باسم السورة وما فيها من الآيات المكية أو المدنية.
والغرض من هذا كله التسهيل والتيسير لتسهل القراءة على القارئ، ولذا رأى كثير من العلماء أنه مادام الغرض هو تيسير القراءة فلا بأس من ذلك.(29) 
وكل هذه التحسينات والتسهيلات تدخل في باب العناية بالمصحف الشريف الذي تضاعفت حوله عناية المسلمين عبر العصور والأزمان، فمنذ عهد السلف الأول ألح العلماء على تحسين كتابة المصحف والعناية بخطه ورسمه، وفي هذا المجال نقل ابن أبي داود في كتاب المصاحف ما رواه بسنده عن أبي حكيمة العبدي قال : كنت أكتب المصاحف بالكوفة فيمر علينا علي (ض) فيقوم فينظر، فيعجبه خطنا، ويقول : <هكذا نوروا ما نور الله> وأتى بعدة طرق لهذا الخبر، واستمرت هذه العناية في كتابة المصاحف وتجويدها وتحسينها إلى أن تفننت كل جهة من جهات العالم الإسلامي في ذلك، وبلغ فن كتابة المصاحف شأوا بعيدا، وتباهى الأمراء والخلفاء، والملوك في اقتناء أحس النسخ وأجودها.
                                                      **-**-**
وفي الغرب الإسلامي تفنن الناس في كتابة المصاحف والعناية بها، فكتبت بالذهب، والمسك والعنبر الممزوج بماء الورد والزعفران، وحليت المصاحف بالذهب، والجواهر النفيسة والدرر اليتيمة... بل تنافس عليه القوم من علماء، وملوك، وأمراء، وكبار الخطاطين المهرة في كتابة المصاحف بأجمل الخطوط وأتقنها... ومن ذلك المصاحف التي كتبها السلطان أبو الحسن المريني بخطه الجميل وبعثها هدية للحرم الشريف.
وفي هذا المجال ينقل المؤرخون مجموعة من الروايات تثبت أن المغاربة كانت لهم عناية فائقة بكتابة المصحف الشريف، واشتهر في هذا الميدان مجموعة من الخطاطين والمزوقين والمسفرين... ذكر مجموعة منهم أستاذنا العلامة الباحث سيدي محمد المنوني حفظه الله، في بحثه القيم عن تاريخ المصحف الشريف.(30)   
والحقيقة أنه منذ دخول الإسلام إلى المغرب والمصحف محل رفعة وشأن، وله كبير مقام واحترام في نفوس الناس الذين توارثوا هذا التقدير والتبجيل خلفا عن سف.
إذ كان الفاتح المسلم أثناء فتوحه ونشره للإسلام يقدم المصحف بين يديه، ويجعل منه منار هداية، ومحور تخاطب، ومن مصاحف الفاتحين التي تحدث عنها المؤرخون مصحف الفاتح الأول عقبة بن نافع الفهري (ض) حيث ظل مصحف هذا الفاتح المجاهد معروفا يتوارثه الأمراء والملوك.(31)
وعن هذا المصحف يقول الناصري في الاستقصا :(32) << وهو من ذخائر الخلفاء... ولم يزل المصحف العقباني متداولا بين الملوك السعديين إلى أن انقرضت دولتهم، وجاءت الدولة العلوية الشريفة فانتقل المصحف المذكور إليها وتداولته ملوكها إلى أن جاء السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل بن الشريف رحمه الله، فبعث هدية سنية مع ركب الحاج للحرم النبوي، وبعث في جملتها المصحف المذكور...>(33)
ويذكر المؤرخون أن عمر بن عبد العزيز بعث بمجموعة من القراء للمغرب كان لهم دور كبير في نشر المصحف، وتعليم الناس القرآن الكريم ومبادئ الدين الحنيف...
وظل المصحف بالغرب الإسلامي محل عناية وإشادة... وتنافس أهل هذه البلاد في حفظ القرآن وتجويد قراءته، والتبحر في علومه، فنبغ من بينهم علماء كبار أصبحوا روادا في علم القراءات ورسم القرآن الكريم 
دعوة الحق، س 31، ع 278، مارس 1990  ص 148
وضبطه، مثل الداني والشاطبي وابن البري والهبطي وابن غازي، وغيرهم... حتى أصبح أهل المغرب من أكثر الشعوب الإسلامية عناية بالمصحفة الشريف واستظهاره، والتمكن من علومه، بل جعل المغاربة القرآن وردا من أورادهم، وشعارا من شعار مساجدهم، وأصبحت قراءة الحزب في المساجد من الوظائف الأساسية والضرورية، بحيث لا يتصور مسجد وهو لا يقوم بهذه الوظيفة التي هي : قراءة الحرزب صباحا ومساء، وحتى المساجد التي أنشأها العمال والتجار المغاربة في أوربا وغيرها سارت على نفس المنوال.
وقبل ظهور الطباعة كانت خزائن المساجد والزوايا تتوفر على مجموعة من المصاحف أوقفها المحسنون للقراءة فيها، ولا يكاد مسجد جامع بالمغرب يخلو من خزانة للمصاحف، واهتمت مختلف الطبقات المغربية بالمصحف الشريف، وألزمت أولادها بحفظ القرآن الكريم، إلى درجة أنه في بعض الجهات من المغرب كان يندر جدا وجود فرد واحد لا يستظهر القرآن.(34)
وقد لاحظ ابن خلدون في القرن الثامن الهجري تعلق المغاربة بحفظ القرآن الكريم، وصرفهم جل أوقاتهم في استظهاره وتجويده، وإتقان رسمه، والتوسع في معرفة علومه... وانتقدهم لشدة مبالغتهم في ذلك.
فلا يكاد بيت في المغرب يخلو من المصحف الشريف يقرأ فيه أهل البيت كلما سمح لهم الوقت بذلك، وكثير منهم يلزمون أنفسهم بالقراءة في المصحف ليلة الجمعة ويومها، أو في غير ذلك من الأيام.

حفاوة أهل المغرب بالمصحف العثماني.

تحدث ابن صاحب الصلاة في كتاب تاريخ <المن بالإمامة>(35) وعبد الواحد المراكشي في المعجب،(36) مرزوق في المسند الصحيح الحسن،(37) والتنسي في نظم الدرر والعقبان،(38) واحمد المقري في نفح الطيب،(39) والناصري في الاستقصا(40) وغيرهم. عن المصحف العثماني الذي وصل إلى المغرب من الأندلس على عهد الخليفة الموحدي عبد مومن بن علي.
وعن هذا الموضوع يقول ابن مرزوق وهو يتحدث عن سيرة أبي الحسن المريني في سفره، يقول : <<...ركب وقرعت الطبول، وتقدم بين يديه علمه المنصور، والمصحف الكريم العثماني وما معه من المساند... ثم يقول : < وعلى ذكر هذا المصحف المكرم، نذكر نبذا عن أخباره، وإن كان قد أكثر الكلام فيه غير واحد من أئمتنا، وذكروا تواريخ تختص به، اختصرناها فنقول : < هذا المصحف الكريم هو مصحف عثمان بن عفان بإطباق أهل الأندلس حسبما ذكره ابن عبد الملك – أب ابن بشكوال...
وملخص ما ذكره ابن مرزوق أن المصحف العثماني كان بقرطبة يقرأ الإمام فيه صباح كل يوم بعد صلاة الصبح، ثم أخرج عن قرطبة ليلة السبت الحادية عشرة من شوال من سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، وذلك في أيام أبي محمد عبد المومن الموحدي.
وعن هذا يقول ابن حبوس الشاعر المغربي، من قصيدة يمدح بها عبد المومن :
يـشــكـر الـمــصــحــف إكـبــــابـكــــم                         
          إذ أوجـــــــــــده الـــفـــقــــــــد 
أذكـــرتــم الأيــــــام مــا أغـــفـلــــت
          مــن ســره إذا قــــــدم الـــعــهــــــد 
مـصـحــف ذي الــنـــوريــن عــثـــمــان
          مــا كـــان لـكـم عــن صـونـــه بــــــد 
مــا اخـتــار شـيـئـا مــؤنـســا غـيـــــره
          حـيـن أتــى واقــتــرب الــــــوعــــــد 
أوســعــتــم الـدنـيـا أطــراحــا ومــــــا
           كـــان لــكــــم إلا بـــــه وجـــــــد
ويقول من قصيدة أخرى :
ومـصـحـف عـثـمـان بـن عـفـــان أهـمـلـت
     مـلــوك الـــورى مــن حـقـــه كـــل لازم
فأشـفـقـت مـن جـلال الـجـمـيـع بـشــأنـــه
     وقـبـلـتـه صـــونا لــه بــر عــــالـــم
فـأصـبـح ذي الـنــوريـن كـاسـم ولــيــــه
     وخــيــر لـه فــي بـدئـــه والـخـــواتــم
فـلـيــت أبــا عـمــرو يـعـايـن شــكـلــه
     فـيـشـكـر أفـعـال الـحـفــي الـمــكـــارم(41)
وينقل ابن مرزوق عن ابن بشكوال أنه قال : << أكثر شعراء دولة أبي محمد عبد المومن وبنيه بعده في هذا المعنى وتواطأت أقوالهم... فان بشكوال يؤكد أن المصحف العثماني أكثر شعراء دولة الموحدين الحديث عنه، وأشادوا به، وبالخلفاء الذين أولوه من العناية والاهتمام الشيء الكثير، إذ جعلوا منه معلمة حضارية، ورمزا مقدسا يجلونه، ويعلون من شأنه، ويبركون بالقراءة فيه في حلهم وترحالهم.
يقول ابن مرزوق ملخصا أقوال الذين سبقوه : << هذا أحد المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان (ض) إلى الأمصار : مكة والبصرة والكوفة والشام... إلى أن يقول : واعتنى به عبد المومن بن علي، ولم يزل الموحدون يحملونه في أسفارهم متبركين به إلى أن نهب بعد مقتل إدريس بن منصور سنة 645 هـ.
ولم يزل في خزانة ملوك تلمسان إلى أن فتحها السلطان أبو الحسن المريني سنة 737 هـ. فظفر به، وحصل عنده إلى أن أصيب في وقعة طريف، وحصل في بلاد برتقال، وأعمل الحيلة في استخلاصه، ووصل إلى فاس سنة 745 هـ على أحد تجار أزمور واستمر بقاؤه والمنة لله.(42)
ويقول الشيخ أحمد المقري عن المصحف العثماني : << واعتنى به ملوك الموحدين غاية الاعتناء كما ذكره ابن رشيد في رحلته ، ومما قاله : أنشدني الشيخ الخطيب أبو محمد بن برطلة من لفظه، وكتبته من خطه، قال : أنشدني الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم عبد الرحمن ابن كاتب الخلافة أبي عبد الله بن عياش لأبيه رحمه الله تعالى  مما نظمه، وقد أمر أمير المؤمنين المنصور بتحليته :
ونـفـلـتــه مــن كــل مـلــك ذخـيـــرة
   كــأنـهــم كـانـوا بـرســم مـكـاسـبـــه  
فـإن ورث الأمــلاك شــرقــا وغــربــــا
    فـكـم قـد أخـلـوا جـاهـليـن بـواجـبـه 
وكـيـف يـفـوت الـنـصـر جـيـشـا جعلتــه
    أمـام قـنـاه فـي الـوغـى وقـواضـبــه
وألـبـسـتـه الـيـاقـوت والـدر حـــلــيـة
    وغـيـرك قـد رواه مـن دم صـاحـبـــه(43)
وندرك من خلال الحديث عن العناية بالمصحف العثماني أن ملوك الموحدين تنافسوا في العناية به وأنفقوا في سبيل ذلك مبالغ كبيرة من المال، وأظهر الفنانون بدائع فنونهم في صنع دفتيه وأغشيته، ومحمله، حيث أبدل عبد المومن بن علي كسوته التي كانت من جلد بسفر من ألواح مصفحة بصحائف الذهب والفضة، وأدخل فيها من ألوان الزجاج الرومي ما لم يعهد له مثيل، ونظم على صفحتيه وجوانبه لآلي نفيسة فيها فاخر الياقوت، ونفيس الدر وعظيم الزمرد... ولم يزل بنوه من بعده يتأنقون في زيادة جليل الجوهر وفاخر الأحجار على ما كان محملا به، حتى استوعبوا دفتيه بذلك بما لا قيمة له ولا نظير، ثم كسا عبد المومن هذا السفر بصوان لطيف من السندس الأخضر ذي حلية عظيمة خفيفة لا تفارقه، وصنع له محمل غريب الصنعة، بديع الشكل مغشى كله بضروب من الترصيع، وفنون من النقش البديع في قطع من الآبنوس والخشب الرفيع، محاط بصنعة قد أجريت على صفائح من الذهب، وصنع للمحمل كرسي يوضع عليه عند الانتقال، مرصع مثل ترصيعه، وصنع لذلك كله تابوت يحتوي عليه مكعب الشكل سام في الطول، حسن المنظر مغشى بالذهب مرصع بالياقوت، وقد أدخل في تركيب كل من التابوت والكرسي المحمل صناعات ميكانيكية ينفتح بها باب التابوت تلقائيا، وكذلك خروج الكرسي وعودة المحمل وانسداد الباب كل ذلك يكون تلقائيا بلمس مفتاح صغير، وللتابوت هودج يحمل فيه، هو عبارة عن قبة حريرية حمراء... وكل ذلك متقن الصنعة يبهر الناظر، ويأخذ بالألباب(44)
والمصحف العثماني ظل عند الموحدين محاطا ببالغ العناية، يحملونه في حروبهم وأسفارهم في أبهة عظيمة تبركا به، ثم كان عند سلاطين بني مرين، وذكر الناصري في الاستقصا أنه غرق في جملة ما كان مع أبي الحسن المريني عند عودته من تونس سنة 750 هـ.
وعن ذلك يقول الأستاذ المنوني : << ووهم الناصري فذكر أنه غرق في نكسة الأسطول المريني عام (750/1349) والواقع أنه بقي على قيد الوجود إلى أواخر أيام أبي عنان وما بعدها حسب شهادة شاهد عيان، وأبو إسحاق النميري في فيض العباب الذي يذكر أنه : تقدم بين يديه قبتان الأولى فيها مصحف الخليفة عثمان بن عفان الذي هو أعظم ذخائر المغرب، وأشرف ما استقر بقصره المعجب المغرب...
ثم يقول الأستاذ المنوني : ويؤخذ من المسند الصحيح الحسن أن وجود هذه الذخيرة استمر حتى أيام أبي فراس عبد العزيز المريني الول (767-774 هـ) وهاهو ابن خلدون يؤكد استمرار هذا الأثر زمن تأليف العبر، ويقول في صدد الحديثعنه : وهو لهذا العهد في خزائن بني مرين، وهو آخر من تحدث عنه وبعده انقطع الخبر...
والحقيقة أن سكوت المؤرخين عن ذكر المصحف العثماني منذ هذه الحقبة يعد شيئا غريبا، وبخاصة وقد علمنا المكانة الكبيرة التي كان يحتلها هذا المصحف من قلوب الملوك والعلماء، وعليه القوم، وسائر الناس... ونتمنى أن تكشف الأيام عن مصير هذه التحفة النادرة التي اعتز بها المغاربة أيما اعتزاز.
وقد سبقت الإشارة إلى مصحف عقبة بن نافع الفهري،وما كان له م مكانة سامية عند المغاربة، وإلى عناية الدول المتعاقبة على حكم المغرب بالمصحف الشريف كتابة وصيانة وحفظا، وتقديسا حسبما تثبته الوثائق والسجلات، وتفصح عنه الحوالات والوقفيات، وما هو مكتوب على صفحات ما احتفظ به الزمن من نوادر المصاحف والمخطوطات...

عناية الدولة العلوية بالمصحف الشريف :
 
وفي مجال العناية بالمصحف الشريف نجد أن الشرفاء ملوك الدولة العلوية المجيدة كانوا من أحرص الناس على صيانة المصحف الشريف والعناية به، وجعله كأنفس هدية تقدم لأمراء المسلمين وقاداتهم وللأماكن المقدسة ولمكتبات المساجد والجوامع... وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد ما ذكره الناصري في الاستقصا حيث يقول :
وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين ومائة وألف سافر الركب المغربي إلى الحرمين الشريفين فبعث مع أمير المؤمنين المولى عبد الله رحمه الله هدية نفيسة فيها ثلاثة وعشرون مصحفا بين كبير وصغير، محلاة بالذهب مرصعة بالدر والياقوت، ومن جملتها المصحف الكبير العقباني الذي كان الملوك يتوارثونه بعد المصحف العثماني الذي كان بني أمية بالأندلس... وبعث السلطان رحمه الله معه ألفين وسبعمائة حصالة من الياقوت المختلف الألوان للحجرة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وتقبل الله من السلطان عمله وأجزل ثوابه آمين.
ومصاحف ملوك وأمراء الدولة العلوية الشريفة تعتبر من أنفس ما كتبه الخطاطون، وتنافس فيه الفنانون، وبعض هذه المصاحف ما يزال موجودا يشهد بمبلغ العناية التي أنجزت بها تلك المصاحف، ومنها مصحف الأمير المولى علي بن السلطان المولى إسماعيل رحمه الله، كتب هذا المصحف سنة : 1142 هـ. ويوجد حاليا بدار الكتب بالقاهرة، ويعتبر من أنفس ذخائرها، وهو محلى ومنقوش بالذهب ومزخرف بالألوان البهية.
ونماذج المصاحف والربعات الفريدة النادرة في العصر العلوي المجيد موجودة في الخزانات المغربية وغيرها، وهي تدل دلالة واضحة على ما أولاه ملوك وأمراء هذه الدولة من مزيد العناية بالمصحف الشريف منذ عهد المولى رشيد إلى عهد ملكنا المفدى جلالة الحسن الثاني حفظه الله ونصره، فمن مبرات جلالته في هذا الميدان أمره السامي بطبع المصحف الحسني في أبهى حلة وأجود خط بقراءة ورش عن نافع، من طريق أبي يعقوب الأزرق التي هي قراءة المغاربة منذ أربعة عشر قرنا، والتي قال عنها السيوطي في <حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة> راويا عن أبي فضل الخزاعي قوله : أدركت أهل مصر والمغرب على قراءة أبي يعقوب الأزرقي، وورش لا يعرفون غيرهما.
ورواية ورش من هذا الطريق قرأ بها المغاربة والأندلسيون، والشعوب الإسلامية بشمال إفريقيا والصحراء المغربية إلى حوض النيجر والسنغال.
ويفهم من كلام السيوطي في حسن المحاضرة أن مصر التي تسود فيها الآن رواية حفص عن عاصم كانت إلى نهاية القرن الثالث الهجري لا تعرف غير رواية ورش عن نافع بطريق أبي يعقوب الأزرق.
                                                         **-**-**
والمصحف الحسني في طبعته الحالية يعتبر من الأعمال الجليلة ذات الثواب الجزيل عند الله تعالى، لأنه يعزز ويصون ما حافظ عليه أسلافنا في قراءة القرآن الكريم برواية ورش وهي قراءة مدنية قرأ بها إمام قراء المدينة المنورة نافع بن عبد الرحمن المدني ( ت: 169 هـ) ومما يزيد في قيمة هذا العمل الجليل هو أن رواية ورش عن نافع أصبحت مهجورة في كثير من البلاد الإسلامية ومن ضمنها موطنها الأصلي : المدينة ومصر!!
فالمصحف الحسني الذي يؤكد محافظة المغاربة على القراءة كان لطبعه ونشره كثر من مغزى، فمن ذلك مثلا أن قراءة ورش عن نافع إمام قراء المدينة والذي هو في نفس الوقت أحد شيوخ الإمام مالك بن أنس يؤكد هوية المغاربة المدنية، وهم بذلك يجمعون بين المذهبين المدنيين في القراءة والفقه وهذا له بعده ومغزاه.
ومن ذلك أن طبع المصحف الحسني بهذه القراءة يعد حفاظا على تراث إسلامي أصيل، ومن أهم سمات الأصالة في البلاد المغربية وبخاصة إذا عرفنا أن قراءة ورش لا تكاد تسمع في غير هذه البلاد.
وإلى ذلك فإن قراء ورش  عن نافع تمثل دعامة من دعائم أصالة المغرب في العلوم القرآنية حيث يختص قراء هذه البلاد بإتقانها وإجادة القراءة بها... إلى غير ذلك من الأهداف، والأبعاد التي توخاها طبع المصحف الحسني الشريف.
أما ما لوحظ من كون هذا المصحف لم يلتزم العد المدني للآيات داخل السور، فلعل الهدف من ذلك هو توحيد العد، وبخاصة في زماننا هذا الذي طبعت فيه المصاحف بقراءات وروايات مختلفة، والناس ينقلون عنها جميعا في أبحاثهم وكتبهم، فمن التيسير عليهم أن يكون العد واحدا.
ومما يكن من أمر فالعبرة بالحفاظ على الرواية والطريقة، وهذا ما التزم به المصحف الحسني الشريف بكل دقة وعناية، وضبط وإتقان.
وبهذا العمل الجليل أهدى ملكنا الهمام حفظه الله ورعاه للعالم الإسلامي درة ثمينة وتحفة رائعة... وقدم له جلالته بنفسه تقديما رائعا جاء فيه : <<نهدي إليك أيها المسلم الكريم حيث ما كنت في مشارق الأرض ومغاربها هذا المصحف الشريف راجين من الله جلت قدرته أن يجعله بين يديك نورا ويهديك إلى أقوم السبل في دنياك، وأوضح المسالك في آخرتك، وشفاء لنفسك، وطهرا لقلبك، وقوة يشتد بها عزمك، وتتمتن بها إرادتك، ويعلو بفضلها شأنك بين الناس ومقامك بين الأنام وتحتل بها أعلى الدرجات وتبلغ بها أسنى ما تتوق إليه نفسك من مقاصد وغايات، وأملنا أيها المسلم الكريم أن يثيب الحق سبحانه وتعالى عملنا هذا أجزل الثواب، ويلهمك كما رتلت هذا الكتاب ترتيلا، وتلوته تدبيرا وإحتسابا بالدعاء لنا بالهداية والتوفيق، والتأييد والتسديد في ما نحن مطلعون به من مهام، ومطوقون به من مسؤوليات عظام، وما نقوم به دفاعا عن حوزة الملة والدين لصالح شعبنا، وإعلاء كلمة أمتنا...>>.  
بهذه العبارات الصادقة المخلصة قدم جلالته المصحف الحسني الشريف، وقد استجاب الله دعوات المؤمنين، وقراء المصحف الحسني الكريم، فسدد الخطى، ووفق وهدى، وأيد ونصر، وما يزال يوالي نعمه، ويسبغ فضائله... إنه نعم المولى ونعم النصير.
فعناية الأمة المغربية بالمصحف الشريف عناية مستمرة عبر الأزمان والأجيال وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(1)  عسب النخل بضمتين مفرده عسيب جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها ويجمع على أعسبة وعسوب أيضا.
(2)  اللخاف جمع لخافة : حجرة رقيقة محددة... أنظر فيهما لسان العرب.
(3)  أنظر سيرة ابن هشام : 1 : 294 ط : دار الجيل بيروت 1975.
(4)  سورة طه، الآية الأولى.
(5)  فضائل القرآن لابن كثير بملحق ج : 7 من تفسيره : ص 451 ط : دار الفكر.
(6)  كتاب المصاحف لابن أبي داود : ط : 1 دار الكتب العلمية بيروت 1985.
(7)  في ترتيب الصور ذكره السيوطي في الإتقان ج : 1 النوع : 18 والراجح أن ترتيب الآيات والسور عمل توقيفي.
(8)  البرهان في علوم القرآن للزوكشي : 1 : 133 : ط : 1 دار الفكر بيروت.
(9)  فضائل القرآن مرجع سابق : 442 وما بعدها.
(10)  فضائل القرآن لابن كثير مرجع سابق.
(11)  المراجع نفسه.
(12)  سنن أبي داود عن العرباض بن سارية.
(13)  عدد المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الأمصار فيه خلاف بين الرواة أنظر : كتاب المصاحف، لابن أبي دود 43، والإتقان للسيوطي : 1 : 62.
(14)  ابن كثير : 7 : 446 مرجع سابق.
(15)  المصر 446 نفسه.
(16)  العواصم من القواصم لابن العربي المعافري الفصلة التي نشرها وحققها محب الدين الخطيب ص : 66.
(17) ما ذكره الشيخ محمد الحجوي الثعالبي في كتابه الفكر السامي : 1 : ص : 30-31.
من أن سيدنا عثمان (ض) جمع الناس على لغة واحدة، وهي لغة قريش غير صحيح لأن عثمان (ض) نقل مصحف أبي بكر ووزع نسخة على الأمصار بعد زيادة في التوثق، والمصاحف العثمانية تناقلها القراء، وفيها لغة قريش وغيرها من القبائل... وبذلك لم تبطل الأحرف السبعة.  
(18)  سورة البقرة 132.
(19)  سورة طه 63.
20  سورة الملك 22.
(21)  سورة الداريات 47.
(22)  أنظر ما كتبه الزرقاني بمناهل العرفان عن هذا الموضوع ج 1/380...
(23)  اسمه ظالم بن عمرو الدولي الكتاني واضع علم النحو تابعي فقيه شاعر فارس أمير، (ت: 69 هـ) روى عن علي ابن أبي طالب وابن عباس.
(24)  كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 150.
(25)  نفس المصدر.
(26)  نفس المصدر 131.
(27)  نفس المصدر 132.
(28)  الربعة بفتح الراء جونة العطار، وهي سليلة مستديرة مغشاة بالجلد يحفظ فيها العطار الطيب، وفي الحديث : < فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار، أما الربعة فهي بمعنى صندوق فيه أجزاء المصحف، وهي مولدة من اصطلاح أهل بغداد، وتطلق على مجموع النسخ الجامعة للقرآن كله، تابع العروص : 5/343.
(29)  أنظر مناهل العرفان للزرقاني : 1 :403.
(30)  البحث منشور بمجلة دعوة الحق العدد 4 السنة يوليوز 1981.
(31)  الدكتورة هند شلبي تشك في بقاء مصحف عقبة، وأوردت أدلة على ذلك، أنظر كتابها : القراءات بإفريقية من الفتح إلى منتصف القرن الخامس الهجري> ص : 52-53
(32)  الاستقصا ج : 2 : 114-116 ط : دار الكتاب.
(33)  أكد الأستاذ البحاثة سيدي محمد المنوني حفظه الله أن نسبة المصحف إلى عقبة نسبة صحيحة وأنه كتب له من طرف التابعين بالقيروان الأولى سنة : 47 هـ، جاء هذا التأكيد في البحث القيم الذي قدمه الأستاذ المنوني في الندوة الوطنية للسيرة النبوية، التي نظمتها جمعية أبي رقراق : 12-13-14 ربيع الثاني 1408 موافق 4-5-6-12-87 وطلب بإلحاح من الجمعية أن تعمل على استيراد هذه الذخيرة عن طريق مصورة – برسم المغرب من المصحف العثماني – حسب تعبيره. أنظر البحث المشار إليه وهو بعنوان : مصحف عقبة بن نافع.
(34)  ذكرت في بحث لي عن الكتاب القرآني بشفشاون على عهد الحسن الأول، أن عددا من النساء كن يستظهرن القرآن كله عن ظهر قلب ويقمن بتعليمه، وتدريس ما يتعلق برسمه وضبطه، وإلى عهد متأخر كان بقرة عمارة عدد من النساء يحفظن القرآن الكريم ويتقن رسمه وتوجد إحدى السيدات يقال لها السي فطيمو يرجع إليها في الحفظ والرسم، وتعجز الطلبة.
(35)  تاريخ المن بالإمامة لابن صاحب الصلاة بتحقيق د. عبد الهادي التارزي ط : دار الأندلس : 439.
(36)  المعجب لعبد الواحد المراكشي بتعليق محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي ط : دار الكتاب بالبيضاء ص 366.
(37)  المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن ط : الجزائر : 1981 بتحقيق د. ماريا خيسون بغيرا، ص : 456-464.
(38)  الدر والعقبان في دولة آل زيان لمحمد بن عبد الله التنسي (ت : 899 هـ).
(39)  نفح الطيب لأحمد المقري ج : 1 : 605-615 ط : دار صادر تحقيق إحسان عباس.
(40)  ج : 2 : 112-116، ومحمد المنوني دعوة الحق يليوز : 1981.
(41)  المسند الصحيح الحسن ص : 457-458.
(42)  المصدر نفسه : 461 بتصرف قليل، ويذكر أن افتكاكه كان بآلاف من الذهب حيث ورد عليه وهو بفاس سنة 745 هـ ولم يتغير فيه شق إلا أن أغشيته قد سلبت ودفتاه قد مزق عليها من الوشي...
(43)  نفح الطيب : ج 1 / ص 607.
(44)  عن هذه الأوصاف أنظر : تاريخ المسن بالإمامة لابن صاحب الصلاة بتحقيق ع.الهادي التازي ط : دار الأندلس لبنان 439، والمعجب لعبد الواحد المراكشي بتعليق محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي ط : دار الكتاب بالبيضاء ص 366 والذيل والتكملة، ونفح الطيب 1، 605-615  والاستقصا للناصري 2، 112-116 ومحمد المنوني : دعوة الحق يليوز 1981 م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here