islamaumaroc

ارتسامات تاريخية حول المولى إسماعيل من خلال "رحلة الوزير في افتكاك الأسير

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

278 العدد

إن الإطلاع على الرحلات السفارية أو غيرها يساعد في كثير من الأحيان على الاستفادة من المشاهدات المدونة، والتأمل في التعليقات المسجلة. وعلى البحث عن أسباب التعرض لبعض الموضوعات وإهمال بعضها أو الاكتفاء بالإشارة إليها دون أي تعليق أو تحليل.
وقد عد المؤرخون هذه الرحلات من مصادرهم التي يرجعون إليها في تدوين أخبارهم لما لها من الشفوية في وصف الأحداث أو لما فيها من الاستطرادات العفوية التي تعين الباحث على الربط بينها وبين استنتاجاته التي يصل إليها.
ومن البديهي أن مؤرخي الدولة العلوية الشريفة قد استخدموا هذه الرحلات في أبحاثهم واستنطقوا استنطاق الخبراء فكانت بسبب ذلك من أهم المصادر التي اعتمدوا عليها سواء بالنسبة إلى الرحلات التي كانت في بداية انطلاق الدولة أو في الرحلات التي كانت بعد ازدهارها.
ولم تكن الفائدة منها مقتصرة على الجوانب السياسية ولكنها أفادت في الدراسات الاجتماعية والأدبية والجغرافية فاعتبرت بسبب ذلك زادا ثقافيا ينهل منه كل حسب اختصاصه وحسب رغبته.
ومن أهم الرحلات التي دونت على عهد المولى إسماعيل رحمه الله الرحلة الموسومة برحلة الوزير في افتكاك الأسير للكاتب محمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني المدعو حمو المتوفى عام تسعة عشر وألف بمدينة فاس وهي الرحلة التي قام بها إلى الأندلس بأمر من المولى إسماعيل وقد نشرها الفريد البستاني عام 1940 بعد أن استخلصها من مخطوطات عدة وكتب عليها حواشي وتعليقات ووضع لها الجداول والفهارس والتراجم في اللغتين العربية والإسبانية.
وما زالت هاته الرحلة لحد الآن قابلة للدراسة وممهدة للتعريف بحياة المولى إسماعيل وبمواقفه البطولية إزاء التحرير الوطني الشامل وإزاء العمل من أجل تثبيت الشخصية المغربية في الإطار الدولي.
كان كاتبها من أقدر الناس بيانا ومن أحسنهم أسلوبا. وهو في رحلته هاته كان يمزج اللغة العربية أحيانا بمفردات إسبانية حفظا على مصطلحها الشائع آنذاك. ذلك المصطلح الذي كان يدل بدقة على المقصود من العبارة حتى لا يفهم منها غيرها وقد كان المولى إسماعيل يقدره ويقربه إليه ويهيئه للمهمات الكبار. ولا أدل على ذلك من اختياره ليكون سفيرا في رحلته هاته إلى إسبانيا عام 1102 موافق 1690 م 1691 وفي اختياره ليكون له فيما بعد سفيرا إلى الدولة العثمانية في شهر شوال من سنة 1103 ه موافق يوليه 1692 م ومن الطبيعي أن هذا الاختيار لم يقع عليه من المولى إسماعيل إلا لما كان يعهده فيه من سداد الرأي ومن القدرة على المناظرة وحسن التخلص من المزالق وقد وصفه الشريف مولى عبد الرحمن ابن زيدان في كتابها لإتحاف ج 4 ص 61 بأنه فقيه علامة متقن كاتب بارع يكتب كما يراد منه وأنه انتهت إليه رياسة صنعة الترسيل ولم يعزز في عصره بمثيل.
وقد سبق لي أن وجهت عنايتي لدراسة هاته الرحلة فنشرت بحثا حولها بمجلة دعوة الحق الغراء عام 1969 بالعدد الرابع من السنة الثالثة عشرة بينت فيه بعض ما يتعلق بها في المجال الفكري والأدبي وأشرت فيه إشارات خفية إلى مجهود المولى إسماعيل في تحرير البلاد والعمل على وحدتها ورأيت من المفيد اليوم أن أتعرض في هذه الندوة المباركة إلى هذه الرحلة من جديد وأن أوجه عنايتي للمجال التاريخي المتعلق بالمولى إسماعيل وما أذكره اليوم أعتبره امتدادا لما قدمته من قبل في البحث السابق.
ومن المعلوم أن من يتعرض لهذه الرحلة ملزم بذكر أسبابها والإفصاح عن ملابساتها وبواعثها فالمولى إسماعيل بعد أن عمل على استتباب الأمن الداخلي بالبلاد وعلى القضاء على الثوار الذين كادوا أن يفتنوه عن الوحدة المغربية وجه عنايته لتحرير الثغور من الاحتلال الأجنبي وتلك خطة لم يحد عنها المولى إسماعيل لأنها داخلة في الميثاق الأول لتأسيس هاته الدولة الهادف إلى العمل من أجل إزالة التمزق الذي أصيب به المغرب بسبب كثرة ولاياته التي كان بعضها يحارب البعض الآخر وبسبب تقلص أطرافه التي تقع في قبضة بعض الدول الأوربية كطنجة والمهدية والعرائش وأصيلة وسبتة وجزيرة بادس وقد عمل من المجاهدين في عهد السعديين على إرجاع هذه الثغور وغيرها إلى الوطن الأم فوقفوا أحيانا إلا أنهم لم يستطيعوا أن يحرروا كل ما كان بقبضة البرتغاليين والإسبانيين والإنجليز فورث المولى إسماعيل عبء هذه المهمة الشاقة التي مازالت بعض ذيولها قائمة إلى الآن خصوصا منها ما كن ناتجا عن ضعف السعديين في أخريات ملكهم وعما تولد عن ذلك من محاولات فردية أو إقليمية لم تكن قادرة على توحيد البلاد وعلى حماية الحدود وطرد الأعداء وذلك ما أهاب بالدولة العلوية أن تحققه وما جعلها تتحمل الصعاب من أجله.
إن المولى إسماعيل عاش في حقبة كان المغاربة فيها يلبسون أحذية سوداء حزنا على ضياع مدينة العرائش في عهد الاضطراب الذي كان بالمغرب بين أبناء أحمد المنصور السعدي فقد تطاول أحدهم وهو المامون المعروف بالشيخ على الحق الوطني ودفعه الطيش إلى الاستنجاد بإسبانيا من أجل التغلب على أخيه زيدان ووعدهم إذا نصروه أن يمنح لهم مدينة العرائش. وفعلا فقد نفذت المؤامرة بتعاون مع قائده المدعو بالكرني الذي وجد من أهل العرائش بدمائهم الطاهرة الزكية. ولما رأى المغاربة أن أرض العرائش وطئتها مداسات الأعداء وأن أبناء المنصور لــم يستطيعوا حماية البلاد. توجه بعضهم إلى أبي عبد الله العياشي لينقذهم من ذلتهم وكاد الأمر أن يستتب له لولا وجود معارضة داخلية أدت في الأخير إلى مقتله على يد الدلائيين الذين هم بدورهم كانوا يتطلعون إلى حكم البلاد.
وهنا جاء دور القيادة التي انطلقت من سجلماسة على يد أبناء الشريف العلوي حيث تولى الحكم أولا المولى محمد بن الشريف الذي بويع عام خمسين وألف واستطاع أن يحرر درعة من قبضة أبي حسون السملالي الذي كان يحكم بلاد سوس وما جاورها ولم يكن باستطاعته أن يتغلب على جميع من كان بالمغرب من زعماء الزوايا وزعماء الأقاليم الذين كانوا يتطلعون إلى الحكم وبدأ في مسالمة بعضهم الشيء الذي دفع أخاه المولى الرشيد إلى الغضب وإلى منازعته والبيعة لنفسه لأنه لم يكن يرغب في أن تكون الدولة العلوية دولة إقليم من أقاليم المغرب بل أراد أن تكون الدولة محققة للوحدة التي كان يأملها والده رحمه الله. وشاءت الأقدار أن يقدم أخوه المولى محمد لمحاربته فيسقط الأخ صريعا برصاصة قبل بداية المعركة. وهنا رأى الجيش ومن والاه بأن الخير للمغرب ألا يزاد في اضطرابه فبايعوا المولى الرشيد وتمت له البيعة من أنصاره وأنصار المولى محمد وذلك سنة 1075 هـ وهنا قرر مواصلة القضاء على الدويلات الجهوية فتغلب على الدلائيين وانضاف ما كان بيدهم إلى حكمه.
وبعد وفاته عام 1082 هـ تولى المولى إسماعيل حكم البلاد فاستمر في نفس الخطة الهادفة إلى إقرار الأمن الداخلي والقضاء على الفتن ليجد السبيل بعد ذلك إلى تحرير المحارس والثغور.
وتذكر المولى إسماعيل الفاجعة التي كان المغرب قد أصيب بها أثناء احتلال العرائش وأراد أن يعيد نشوة الانتصار إلى المغاربة بإرجاع هاته المدينة إلى أصلها عساهم بذلك أن يخلعوا تلك الأحذية السوداء إلى الأبد، ورأى أن المناسبة قد واتته ليرجع الأمور إلى نصابها بعد أن تمكن من القضاء على كثير من أعدائه الداخليين، وبعد أن أعد الجيش إعدادا صالحا، وتوجه هذا الجيش إلى مدينة العرائش وحاصرها حصارا طويلا. وأخيرا استطاع أن ينسف سورها فلم يجد الإسبانيون  سبيلا إلى الفرار إلى الحصون الموجودة بها ولكنهم استسلموا أخيرا استسلاما اعتبره الجانب المغربي ناتجا عن العجز وعدم القدرة على الاستمرار الحربي وبذلك يعتبر استسلامهم غير داخل في التنازلات الإرادية الصلحية التي يعفى المحاربون بسببها من الأسر وبهذا الرأي أفتى الفقهاء المغاربة الذين رأوا أن جميع النصارى الذين كانونا بالعرائش يعتبرون أسرى لا يمكن إطلاق سراحهم إلا بفداء وأما الإسبانيون فإنهم كانوا يقولون بأن هؤلاء النصارى لم يستسلموا إلا بعد أن واعدهم الجيش المغربي بالأمان وقد كان قاضي مكناسة السيد أبو عبد الله محمد المعروف بأبي مدين السوسي من الفقهاء الذين ألفوا في هذا الموضوع كتابا سماه "السهم الرائش في حكم غنيمة العرائش" وبين فيه أن استرجاع الأرض كان بعد حرب ومواجهة وأن النصارى لم يستسلموا استسلام المهادنين ولكنهم استسلموا بعد أن عجزوا عن المواجهة فالأرض سقطت عنوة ولم تسقط صلحا واتمد المولى إسماعيل على فتوى الفقهاء في رسالة وجهها إلى كارلوص الثاني ملك إسبانيا وهي الرسالة التي حملها محمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني أثناء رحلته هاته وتذكر الرسالة أن الإسبانيين يزعمون أنهم يملكون تلك المدينة بمقتضى معاهدة بينهم وبين المامون الشيخ السعدي مع أن الحقيقة حسب ما يذكره الفقهاء تثبت أن تلك المعاهدة غير سليمة نظرا لعدم التكافؤ بين القوتين ذلك أن الملك السعدي وقع عليها تحت الضغط والإكراه ولم يشر الغساني في رحلته إلى جميع مضمون هاته الرسالة وإنما تحدث منها على أمرين :
 الأمر الأول المطالبة بإعادة الكتب الإسلامية الموجودة بإسبانيا إلى المغرب.
 الأمر الثاني تحرير الأسرى المسلمين الموجودين بإسبانيا سواء كانوا مغاربة أو غير مغاربة.
وذكر الغساني أن عدد الأسرى المطلوب فكاكهم يبلغ الخمسمائة وأن عدد الكتب المطلوب إرجاعها خمسة آلاف ولم يشر إلى أسباب تحديد ما طلب لأن ذلك كان ضمن الرسالة المكتوبة التي حملها وقد أطلعنا عليه بعد نشر هذه الرسالة من قبل بعض الباحثين ذلك أن الإسبانيين كانوا قد طالبوا المولى إسماعيل بفك مائة نصراني من أيرة مدينة العرائش وكان قد وعدهم بقول رغبتهم إلا أنه بعدما اطلع على فتوى الفقهاء أرسل سفيره هذا وهو يحمل هذه الرسالة التي بين فيها أن وعده بالسراح ما زال قائما إلا أن عنصر الفتوى جعله يطلب تعويض خمسين منهم بخمسمائة أسير مسلم والخمسين الأخرى بخمسة آلاف كتاب ولعل من الفائدة العامة إعادة نشر هذه الرسالة نقلا عن الدكتور عبد الله العمراني الذي أوردها في كتابه حول مولاي إسماعيل بن الشريف صفحة 179 فقد جاء فيهاما يأتي :(2)            
بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
من عبد الله إسماعيل المتوكل على الله المفوض أمره إلى الله أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العالمين الشريف الحسني أيده الله أمين.
(الطابع الشريف)
إلى عظيم الروم، وملك أقاليم إسبانية وبلاد الهند والمتولي أمورها والمتصرف في أقطارها دون كارلوص. السلام على من اتبع الهدى أما بعد،
فقد بلغنا كتابكم صحبة خديمكم دون مانويل بيردلون وخديمكم دون أبيل مسيح (علق الدكتور العمراني على هذين الاسمين وكتبهما بالحروف اللاتينية أما الأول فقال عنه الاسم الصحيح هو مانويل فييرا دي لوكو Manuel vieira Lugo واما الثاني فهو Dou Abel Messia وهو الكتاب الذي وجهتم لنا جوابا عن كتابنا الذي ذاصدرناه لكم ووصلكم صحبة الفرايلي قبل هذا.
وبعد أن قراناه وفهمنا لفظه ومعناه وألقى إلينا خديمكم دون أبيل مسيح ما في خاطركم، وماطلبتموه منا من فك هذه المائة من النصارى الذين وقع الكلام فيهم قبل هذا، رددنا إليكم جواب كتابكم، ووجهناه مع خديم دارنا العلية بالله، كاتبنا ومتولي الأقرب من بساطنا السيد محمد بن عبد الوهاب الوزير ولولا مزيتكم عندنا ومعرفتنا بمنصبكم ما سمحنا بفراق كاتبنا عن بساطنا لمهمات أمورنا.
وإذنا لخديمنا الأكبر الأعز الأشهر أبي الحسن علي بن عبد الله أن يبعث معه رجلا من أصحابه، فوجه خديمنا عبد السلام بن أحمد جسوس معاشرا له ومرافقا. وعند الكاتب المذكور قضية دخول جند الإسلام المظفر بالله على نصارى العرائش. وفي علمه وعلى باله كل ما كان في ذلك من الكلام والأسباب، وكيفية الخبر في ذلك فثقوا به وتعرفوا منه. فإنه حفظه ورعاه من أوله إلى آخره لملازمته لبساطنا العلي بالله في سائر أوقاته.
ونحن بلا شك كنا أعطينا القول لهذه المائة من النصارى بالصراح، ولكن وقع من النصارى ما اختل منهم من الأسباب ما يوجب عدم الوفاء لهم بذلك، فمنهم من كان ينادي بلفظ "مينا على رؤوسهم" ومنهم من لم يرض بخروجهم على ذلك، لذلك القول، وكاد يفتك بمن داخل إليهم من خدامنا فارا بنفسه حتى أدرك وقتل على الموج.
وحاجنا مع هذا كله كبار ملتنا، وعلماء شريعتنا وأئمة ديننا، بأن قالوا لنا : إن المسلمين كانوا أشرفوا على الغنيمة ساعتئذ، ووقع الغلب والظفر، ولم يبق للنصارى إلا الموت بالسيف أو بالغرق، فلا وجه لسراحهم في الشريعة راسا، وكنا في هذه المدة نتراد الكلام مع هؤلاء العلماء حفظهم الله وقالوا لنا هؤلاء المائة يكونون أسارى ويسترقون من كل وجه. كيف وقد أخذوا العرائش من أول وهلة بلا موجب، بل أضغطوا الشيخ ابن السلطان الذهبي، وقبضوا عليه حتى أنفقوا عليه أموالا عديدة، ومسكوا أولاده بسببها حتى أعطاهم العرائش على ضغط منه، وعلى غير تأويل حقيقي في ذلك. وذكرونا في مسألة غدر أسلافهم بأهل غرناطة وغيرهم بما يزيد على الأربعين ألفا بعد تعدي الشروط على ستين شرطا، ولم يفوا بواحد منها... إلى غير ذلك من الغدر والمكر بأهل غرناطة وغيرهم من أهل الأندلس في كل بلد وقرية، فألفيناهم ما تكلموا إلا بالحق، وبقينا في حيرة من أجل هذه المسألة من وجهين :
 الأول : لا نقدر أن نخالف شريعتنا التي هي أساس ديننا.
 والوجه الثاني : ذلك القول الذي سمعه في تلك المائة أحببنا الوفاء به، وأنفت نفوسنا أن يسمع عنا الناس قلنا كلمة ولا نوفي بها، ولولا معارضة العلماء لنا بهذا الاحتجاج القوي، لكنا سرحنا هذه المائة من الفرايلي وأصحابه الذين أتوكم قبل هذا مسرحين. فلأجل هذا أبصرنا كلام علمائنا في هذه النازلة بد منه، ولا محيد عنه، وأحببنا أن يسمع الناس أنا وفينا في قولنا، ولم يلزم فيه حرج ولا معارضة، ولا كثرة اعتراض، ولم يلزم فيه من حجة الشرع إثم. فأردناكم تعلمون لنا وجه خلاص هذه المائة بالوجه الذي عملناه لكم، وأعطيناكم فسحة فيه، و إلا فالمائة المذكورة أرقاء أساري من جملة إخوانهم، وذلك أن تعطونا في الخمسين نصرانيا من هذه المائة، خمسة آلاف كتاب، مائة كتاب عن كل نصراني، من كتب الإسلام الصحيحة المختارة المثقفة في خزائنهم بإشبيلية وقرطبة وغرناطة، وما ولاها من مدن وقرى، حسبما يختارها خديمنا المذكور من المصاحف وغيرها. وتعطون خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى. عشرة أساري لكل نصراني. وإن لم توجد الكتب التي هي مرادنا، فاجعلوا عوضها من أساري المسلمين وأعطوهم لنا من الأساري الذين في الأغربة وغيرهم. وقبلنا منكم في العدد المذكور الرجل والمرأة والصبي الصغير أو الكبير، والشيخ المسن، من إيالتنا وغيرها، إذ ما لنا قصد إلا في الأجر والثواب في فكاك أسرى المسلمين كيفما كانوا ومن أي بلد كانوا. وإلا فالاعتناء الكلي إنما يكون بأهل الدواوين من الجند أو العلماء حملة الشريعة، وعامة المسلمين إنما نقصد بفكاكهم وجه الله تعالى. فإن أنتم سارعتم لهذه المسألة فما عملكم إلا الخير في أرواحكم، وفي إخوانكم، وإن ثقل عليكم هذا الأمر ولم تقدروا عليه فأرجعوا خديمنا الكاتب الذي وجهناه إليكم في أمان الله كما أتاكم والمائة من النصارى نصيرهم من جملة الأساري إخوانهم يخدمون مثلهم. وإذا نحن أبصرنا منكم المصارعة لأغراضنا، والجد في ابتغاء مرضاتنا، وأنجزتم بأرواحكم في هذه المسألة، فلا ترون منا إلا ما يعجبكم، وحتى باقي نصاراكم الذين هم عندنا من أصحاب العرائش وغيرها من غير هذه المائة نعمل لكم الكلام في سراحهم بما يرضينا فيهم عندكم أن عملتم الواجب الذي لنا عليكم، وتعرفتم الصواب الذي تعين عليكم كما ذكرتم في كتابكم.
وبرجوع خديمنا حامله بما ذكرناه في هذه المسألة، تتلقاه هذه المائة نصراني بسبتة ويكون ملتقى الجميع فيها، ولا عندنا معكم في هذا إلا الجد الصحيح، والعمل الصريح بحول الله تعالى.
وكتب لسادس عشر ذي الحجة الحرام خاتم عام واحد ومائة وألف (1690.9.20).
ولم تكن الاستجابة لهذه الرسالة بالأمر الهين على ملك إسبانيا فهي كما يلاحظ تحتوي على نقط أساسية تدعو الإسبانيين إلى التفكير الجدي فيها وإلى البحث عن حلولها وهي تمزج اللين بالقوة والترغيب بالترهيب والإغراء بالتهديد وأهم هذه النقط تتلخص فيما يلي :
أولا : في مشروعية التحكم في مصير هؤلاء النصارى بجعلهم أرقاء نظرا لكونهم غلبوا في الحرب وأخذت منهم العرائش عنوة زيادة على أن هذه المدينة إنما استرجعها أهلها  بعد أن كانت قد غصبت منهم غصبا.             
 ثانيا : مسألة المعارضة وما يتطلبه من مشاورات بين الإسبانيين أنفسهم فهذا الملك المغربي يطلب عوض كأسير نصراني عشرة من أسرى المسلمين ويبرر ذلك بأنه لم يشترط في الأسرى المسلمين أي شرط فهو يقبلهم صغارا وكبارا وذكورا وإناثا كانوا من أيالته أو غير أيالته لأنه لا يرجو من سراحهم إلا وجه الله تعالى.
ثالثا : مسألة إرجاع الكتب الإسلامية إلى المغرب وفق الرغبة التي تتلاءم مع مصالح المسلمين، وهذه القضية تتطلب مراجعة القوانين الداخلية للإسبان فيما يتعلق بالأوقاف المخصصة لكنائسهم وأديرتهم وهل لهم الحق في إخراج ما بها ولو كان أصل تملكه لم يكن عن طواعية من أهله كما وقع بالنسبة إلى الخزانة الزيدانية التي استولى عليها القراصنة الإسبانيون واستبدوا بها ولم يعيدوها لأصحابها.
رابعا : مشكلة تدخل المولى إسماعيل في المطالبة بفك الأسرى الذين لا ينتمون إلى أيالته ويقصد لهم الأسرى المحتجزين من الجزائر أو من الدولة العثمانية وهم بهذا المقترح صاروا يفكرون في تطلع المولى إسماعيل إلى تحرير المسلمين كيفما كانت أراضيهم وصاروا يخشون على أنفسهم من أن يقوى المولى إسماعيل على التحكم في الثغور المغربية كلها وان يعمل على تحرير بعض الثغور التي هي في قبضة النصارى ولو لم تحت مملكته بل خشوا أن تكون هذه البادرة سبيلا إلى ربط علاقات طيبة مع ولاة الجزائر وهم لا يريدون أن يفسحوا الطريق أمام تحسين هذه العلاقة التي يرون أنها إذا وقعت كانت خطرا على الإسبانيين وعلى من جاورهم من دول أوربا.
ورغم ما تضعه هذه الرسالة من صعوبات أمام الإسبانيين وما تخلقه من مشاكل لهم فإن الغساني يقول حينما قدم رسالة إلى كارلوص ما يأتي : (ص57).
وحين انفصلنا عنه يوم ملاقاتنا معه وناولناه الكتاب السلطاني دفعه إلى النصراني الحلبي المترجم ليترجمه ويعجمه فلما عجم الكتاب ورأى ما فيه وما أشار به عليه أمير المؤمنين أيده الله من إعطاء خمسة آلاف كتاب وخمسمائة أسير ثقلت عليه الوطأة العلوية ولم يدر كيف يتلقى هذه الإشارة وعرف أنها عزمة من الملك نصره الله ولم يمكنه إلا الاضطراب لما أشرب فيقلبه وقلب أهل ديوانه من صيت هذه الأمامة العلوية وعلو همتها أبقاه الله بمنه ووقعت المشورة منه في ذلك مع أهل ديوانه فرأوا أن الإجابة إلى ما دعاهم إليه المولى إسماعيل والامتثال لأمره المطاع أعزه الله تعالى أولى لهم وأوفق.
وقد أبان الغساني بعد ذلك عن تعدد الجلسات والاستشارات وأنهم في الأخير رضوا بأن يؤدوا ألف أسير لأنه تعذر عليهم تمكين المغرب من الكتب المطلوبة بدعوى أنها كانت قد أحرقت ولم يجد الوفد المغربي حرجا في قبول ذلك لأن الرسالة المولوية كانت قد أباحت لهم أن يقبلوا تعويض الكتب إذ تعذر دفعها على الإسبانيين بأساري آخرين.
ولم يحدد الغساني في رحلته تاريخ تسلم المغاربة لهؤلاء الأسرى لأن ذلك ربما وقع بعد كتابة نص الرحلة لأنني أظن أن هذه الرحلات كانت توضع بمثابة تقرير مفصل يقدم للملك إثر رجوع السفير من عمله ويباح إطلاع الجمهور عليه ويكون مع الرحلة تقري سري آخر خاص بالملك عل أساسه تبنى نتائج المفاوضات والمشاورات إلا أننا يمكن أن نطلع على ذلك عن طريق وثائق أخرى أثبتها المؤرخون ونجد الإشارة إلى هذه الجزئية في كتاب التاريخ الدبلوماسي للمغرب للدكتور عبد الهادي التازي فقد جاء في الجزء التاسع منه صفحة 112 أن هؤلاء الأسرى أرجعوا إلى المغرب في شهر شتنبر من سنة 1691 ميلادية أي بعد رجوع الغساني من رحلته بنحو أربعة أشهر.
وإذا كان من الطبيعي أن يتحدث الغساني عن محتوى الرسالة التي حملها إلى ملك إسبانيا فإنه كان من الطبيعي أيضا أن يشير إلى بعض الأحداث التي لها ارتباط بالمجال السياسي العام.
 ومن أهم هذه الأحداث تعرضه للحرب التي كانت قائمة بين ألمانيا وحلفائها من الإطاليين والإسبانيين وبعض الدول المجاورة للأتراك من جهة وبين الدولة العثمانية من جهة أخرى وقد حاول أن يفسر الأسباب التي دعت إلى إيجاد هذا الحلف وعدم انسياق بعض الدول النصرانية إليه وهنا ذكر أن فرنسا لم تنضم إليه نظرا لما من المصالح التجارية في بلاد الترك وأشار إلى أن موقف فرنسا هذا مضافا إلى أسباب سياسية أخرى أدى إلى وقوع حرب بينها وبين هؤلاء الحفاء لكن هذه الحرب وإن عظمت فهي لم تصل إلى حد يجعل الفرنسيين يساعدون الأتراك على رد العدوان الألماني ذلك لأن الفرنسيين أنفسهم رغم مالهم من تسهيلات تجارية في أرض الترك لم يكونوا مسالمين لهم إلى حد كبير. فقد كانوا من حين لآخر يتسببون في بعض المصاعب للدولة العثمانية إلا أن هذه المصاعب لم تصل إلى المقاطعة والتنافر ولهذا قال الغساني بعد الإشارة إلى الحرب القائمة بين فرنسا وبين الإمبراطور الألماني ما يأتي (78).
" وبسبب محاربة الفرنسيين للإمبراطور حسبما تقدم في ذكر الأسباب المثيرة لها ينسبون له المعونة لملك الترك قواه الله ويزعمون أنه يمده بما يحتاجه من الأمور الحربية مثل المدافع وغيرها. وبسبب مقام الباثدور للفرنسيين ببلاد إسطنبول يزعمون أنه يمده والصحيح هو أن أهل فرنسا أهل أسباب وتجارة وجل تجارتهم إنما هي في الناحية الإسطنبولية ولأهل الأسباب والتجارة عند طاغية الفرنسيين – دمره الله – منزلة ومكانا إذ كانوا هذه السنين أهل ديوانه وجل بطانته، فكان يساعدهم فيما يؤول إلى منفعتهم من الأسباب والتجارة التي يعود نفعها عليه ويحصل له بسببها من الأموال ما يحصل بخلاف غيره من الأجناس مثل هذا الجنس الإسبنيولي فإن التاجر عندهم لا يعد شيئا.
وقد ذكر بعد ذلك أن القوة العثمانية قد انتصرت في بعض معاركها وذك خبرا استفاده من الجريدة المهتمة بذكر أخبار الدول فقال : (79) " والذي ورد هذه الساعة من الأخبار أن ملك الترك أيده الله أنه جمع جموعا كثيرة وأنه لا يثني العنان بحول الله وقوته دون مدينة باينا التي هي قاعدة ألمانية ومحط سريره ولقد أخرجوا في أخبارهم التي يكتبونها عل عوائدهم ي هذا الشهر أن وزير السلطان سليمان برز بمحلته وبها مائة ألف مقاتل وخمسة وعشرون ألف مقاتل وأن جيش التتار قام في ميعاد حملة الترك بثمانين ألف مقاتل وقد صادف وصولهم الموضع المعتاد لمحلة القبطان من خدام الانبرادور مخيما بموضع من المواضع ومعه ستة آلاف مقاتل فحارب التتار محلة القبطان المذكور فأسروا من قومه أربعة آلاف شخص وقتلوا عدة ولم يفلت من الباقين إلا النزر الذي لا يعد لقتلته.
ولاعتداد النصارى بمحاربة الأتراك وافتخارهم بذلك فإن دولهم كانت تمنح امتيازات للمحاربين ذكر منها المؤلف ما لاحظه في إسبانيا التي كانت تمنح لقبا تشريفيا لكل إسباني أدلى بشهادة من قيادة الجيش الألماني تثبت أنه شارك في الحرب ضد تركيا ولا يخفى ما لهذا الامتياز من منافع سواء ممن لم تكن لهم ألقاب سابقة أو ممن أرادوا أن يحملوا ألقابا أشرف مما كانوا يحملونه وهم بواسطة هاته الألقاب قد يستفيدون في الإرث وفي الزواج وفي كسب الرزق وتلك كلها تدعو الاسبانيين إلى الوصول إلى هذه الشهادة من الجيش الألماني بأي وسيلة كانت.
والمؤلف في عرضه هذا كما لاحظنا كان يجل الأتراك ويصفهم بأحسن الصفات ويدعو لملكهم بالنصر والظفر في حين نراه حينما يذكر أعداءهم ليميزهم بأحسن الألقاب ويدعو عليهم بالخزي والهزيمة والدمار. ولا أظن أن كاتبا محترما عند المولى إسماعيل يسمح لقلمه أن يكتب شيئا غير متلائم مع رغبات ملكه الهمام. والظاهر أن موقفه هذا كان من أسباب اختياره ليكون ضمن الوفد الذي أرسله المولى إسماعيل عام 1103 لدراسة الأوضاع الطارئة الناتجة  عن الخلاف المغربي التركي حول الحدود الشرقية للمملكة المغربية.
ومن النصوص الموجودة داخل الرحلة الممجدة للعثمانيين والمستبشرة بانتصاراتهم ما ذكره أثناء مغادرة مدينة قالص وهو قوله (9) " وبينما نحن في تهيئة الرحيل إذ دخل علينا قسيس من قسوس النصارى تربى في قسطنطينية وأخبرنا بالفتح الذي من بالله به على جيش المسلمين وان السلطان سليمان أمده الله تعالى بمعونته استخلص مدينة (بير الأغراض) وعمالتها وما حولها وهو معتن بما هد من حيطانها، ومشتغل بما خرب من أسوارها، وقد جعل بها من العملة لإصلاحها وخدمة البنيان اثني عشر ألفا واستبشرنا إذ ذاك بما خول الله تعالى من نصر المسلمين وكان النصارى يرون له بفتحه تلك المدينة واسترجاعها قوة وبدا يذكرونه أحسن الذكر ".
ولعل هذا الذكر الحسن الذي أشار إليه إنما كان من بعض النصارى مجاملة للوفد المغربي ليس غير، وإلا فإننا لاحظنا من قبل أن الإسبانيين كانوا يتفاخرون بمحاربة العثمانيين، ويتسابقون إلى الجيش الألماني ليكونوا ضمن المحاربين ولينالوا بذلك الجاه والشرف.     
ولعل هذا الذكر الحسن الذي أشار إليه إنما كان من بعض النصارى مجاملة للوفد المغربي ليس غير، وإلا فإننا لاحظنا من قبل أن الاسبانيين كانوا يتفاخرون بمحاربة العثمانيين، ويتسابقون إلى الجيش الألماني ليكونوا ضمن المحاربين ولينالوا بذلك الجاه والشرف.
ومن المعلوم أن السلطان سليمان الذي ذكر الغساني خير انتصاره هو سليمان الثاني بن إبراهيم الذي بويع في شهر نونبر عام 1687 ميلادية وكانت أيامه الأولى أيام اضطراب بسبب تسلط الانكثارية على تسيير الحكم لكنه استطاع تأديبهم والتغلب عليهم خصوصا بعد أن عقدت الدولة مجلسا للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ السلطة وكانت نتيجة هذا الاجتماع أو ولي صدارة الوزارة مصطفى باشا الكوبرلي الذي يستعمله لإنقاذ البلاد وقد وصفه شكيب أرسلان رحمه الله في الملحق الذي علق في تاريخ ابن خلدون فقال عنه (ص 258) : " إنه قام بالأمور خير قيام وبدأ بإصلاح السلطنة من الداخل وملأ الخزائن بالأموال واستأصل الرشوة، وأخذ على أيدي الظالمين، وسن قوانين عادلة للخراج، وكان جانب من موارد السلطنة تحول إلى الأوقاف فاسترجعها وقال إن الجهاد أولى بها ثم بعد أن ملأ خزانة السلطنة بالأموال اللازمة نشر فرمانا يقول فيه : إن الله يأمر المؤمنين بالجهاد إلى آخر رمق من حياتهم وأنه يجب على المسلمين أن ينفروا خفاف وثقالا. فثارت الحمية في رؤوس المسلمين ونفروا عن كل صوب وفي الوقت نفسه عامل النصارى بمزيد الرفق وأطلق حرية التجارة.
ومن المعلوم في تاريخ الدبلوماسية المغربية أن السلطان المولى إسماعيل قد هنأ السلطان سليمان بجلوسه على عرش الدولة العثمانية وأن هذا الأخير قد تمنى دوام التواصل المغربي التركي لما في ذلك من المصلحة العامة، ولعل هذا التواصل المرغوب فيه كان من أسباب المواقف السلمية والأخوية التي كان يبديها الغساني في رحلته كما ذكر اسم سليمان  هذا أو ذكر جيشه في مقاومة الحلف الألماني وغيره.
وعلى كل حال فإن رحلة الغساني كانت نموذجا من نماذج التقريرات السياسية العامة لأن الذين كانوا يدونون مثل هذه الرحلات لم يكونوا يدونونها لأنفسهم وإنما كانوا يضعونها أمام الذين أرسلوهم لتدرس وينتفع بها في المصالح العامة بالإضافة إلى التقريرات السرية الخاصة التي سبقت الإشارة إليها من قبل.
وشيء آخر أرى من الضروري الإشارة إليه وأنا أتحدث عن هذه الرحلة من الجانب التاريخي المتعلق بالمولى إسماعيل فهي تبدي ملامح القوة في نفس مؤلفها الممثل للكرامة المغربية والمعبر عن الآمال المغربية في كون المولى إسماعيل هو المنقذ المنتظر لهذه البلاد من الذل والصغار وهو الأمل المرجو لتحرير شواطئ المغرب وثغوره وإبعاد شبح الاستعمار عنه بل إنه مرجو إلى أكبر من ذلك فهو الذي يمكنه أن يجعل الأندلس مرة أخرى دار إسلام ومقر إيمان ويتجلى ذلك مثل في أن المؤلف حينما دخل مدينة شنل وأعجب بجمالها وأنشد يذكر بعض الأشعار التي قيلت فيها قال (ص 16)
وقد أنشدت حين أبصرت هذه المدينة وجميل منظرها متمثلا ببيت من الحريريي وضمنته بيتين آخرين:
آليـت إذا نظـرت عينــي محـاسـنـهــا
  إن لا نظيــر لـهــا فــي مـطـلـق الـصـور
وهذان بيتا التضمين تدليلا :
فاللــه ينقــذهــا حتــى يــدان بـهـا
  ديـن المهيـمـن محــروســا مــن الـكـــدر
بكــف محتســب للأجــر مـنــتــدب
  للـــه منتـســب لأفــضــــل الـبــشــر
 وهو بذلك يعبر عن إحساس وطني عام كان يتجلى عند المجاهدين الذين كانوا مرابطين لتحرير الثغور المغربية استعدادا لنشر الإسلام من جديد فيما وراء الحدود ولهذا قال أحد الشعراء المغاربة وهو محمد بن عبد الواحد البوعناني :
أيــا مــولاي قــم وانـهــض وشـمـر
   لأنــدلــس فـأنـت لــهــا الأمــيــر  
 ولعلنا بهذا العرض نكون قد حددنا قيمة هذه الرحلة في المجال التاريخي سواء بالنسبة إلى ذكر أسبابها المباشرة الناتجة عن تبادل الأسرى بين إسبانيا والمغرب بعد حرب العرائش وتحريرها من يد الإسبان أو بالنسبة إلى ما استنتجناه منها من كون المغرب كان يتحمس لانتصار العثمانيين ضد الحلف الألماني ومن كون المغاربة كانوا يرون في المولى إسماعيل المنقذ العملي لبلادهم من التمزق والانحلال وأنه قادر بمهمته أن يتجاوز الحدود ليعيد الوجود الإسلامي ببلاد الأندلس ذاتها.
 وقبل أن أنهي عرضي هذا أريد أن أنبه إلى أن مؤلف هذه الرحلة يدعى محمد بن عبد الوهاب الوزير باعتباره أن لفظة الوزير اسم عائلي لا باعتبار أنها سمة وظيفية طارئة وهذا ما يؤخذ من طلب الرسالة التي حملها بنفسه إلى كارلوص الثاني وما يفهم من ترجمته عند ابن زيدان في كتاب الإتحاف وما يوجد في وصفه عند محمد الفاسي في البحث الذي كتبه حول الرحلات السفارية المغربية بمجلة المناهل العدد السادس من السنة الأولى عام 1962 فقد قال عنه إنه أحد كتاب الخزن الإسماعيلي وانه من عائلة مجيدة أندلسية نزح سلفها إلى فاس وتعرف بأبناء الوزير.
 هذا وإني قد غفلت عن هذه الحيثية أثناء تعليقي على هذه الرحلة في البحث الذي أشرت في أول عرضي هذا أنني نشرته بمجلة دعوة الحق عام 1969 فقد لقبته آنذاك بالوزير على أساس أنه لقب وظيفي لا على أساس أنه اسم عائلي ومازال بعض الباحثين لحد الآن يلقبونه بالوزير وظيفة مع أنهم أقرب إلى معرفة هذه الإشارة من غيرهم نظرا لخبرتهم وكفاءتهم وقد جرنا – على ما أظن – إلى هذا الخطأ الوصف الذي وصفه به ألفريد البستاني ناشر الرحلة فقد عنه إنه محمد بن عبد الوهاب الغساني وزير مولاي إسماعيل وسفيره إلى كارلوص الثاني ملك إسبانيا عام 1102 هـ 1690-1691 م والظاهر أنه لم يكن أنه قد اطلع عليها لوصفه بالكاتب لا بالوزير وهنا أنهي عرضي هذا مؤملا أن تتاح الفرصة لي ولغيري من الباحثين في أن نجدد النظر في هذه الرحلة عسانا بذلك أن نستنتج منها ما يمكن أن يضاف إلى ما وصلنا إليه والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(1)  هذا البحث هو المداخلة التي قدمتها في مركز الدراسات والبحوث العلوية، جامعة مولاي علي الشريف الخريفية (الدورة اّلأولى) التي أقامتها وزارة الثقافة ما بين 7-14 دجنبر 1989.
(2)  يوجد نصها أيضا كاملا في الجزء ص 63 من الإتحاف لابن زيدان وتوجد صورة من أصلها في كتاب التاريخ الدبلوماسي للمغرب للدكتور عبد الهادي التازي ج 1 ص 222.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here