islamaumaroc

قصائد العرشيات في شعر الملحون

  البصكري البصكري

278 العدد

تعد ذكرى الاحتفال بعيد العرش المجيد، تعبيرا صادقا على مدى الحب والوفاء والإخلاص لرائد الأمة وموحد ترابها الوطني، جلالة الملك الحسن الثاني، وليس من المغالاة القول، بان للعرش في المغرب حبا دفينا وعميقا في نفوس المغاربة جميعا، منذ أن كان التأسيس الأول لهذا العرش على يد المولى إدريس الأول، حين بايعه المغاربة بتلقائية عاملة، انبثقت عن رضى واختيار وحب لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين أسس المولى إدريس العرش المغربي، أراد ان يجعله قائما على التقوى والصلاح والهداية، ليظل عرشا يحمل أماني وتطلعات المسلمين، وليكون أيضا رمزا لقوتهم وصمودهم في وجه أولئك الذين يسول لهم أنفسهم النيل من الإسلام والمسلمين.
وهكذا كان تأسيس العرش المغربي قائما على الحق والعدل والوفاء، وهذا ما ضمن استمرارية المغرب طيلة أربعة عشرة قرنا، عرف من خلالها الكثير من الاضطرابات، ولكنه بقي صامدا متحديا مناضلا، ساعيا لتحقيق الأمجاد، ومن هذا اكتسب المغرب قوته الراسخة، ذلك أن المغاربة منذ أن وعوا الحياة السياسية، واهتدوا إلى نظام لكيانهم، اقتنعوا بلا شك أن الملكية الدستورية هي الأقوم والأصلح والأبقى، ومعنى ذلك أنهم أدركوا فعلا أن النظام الملكي هو الملائم لطبيعتهم ومزاجهم، والموافق لمناخهم الاجتماعي والحضاري، وهذا ما يفسر تعلق المغاربة بالعرش تعلقا روحيا ووجدانيا وفكريا، فطالما عبر الشعب المغربي عن مدى إخلاصه والتحامه بالعرش العلوي المجيد، لأن فكرة الاحتفال بالعرش والجالس عليه، هي في الواقع تعود إلى الشعب الذي أراد من خلال ذلك أن يعبر عن التحام العرش بالشعب لمكافحة الاستعمار، ولصيانة الوحدة الترابية، ولتحقيق آمال الأمة لبناء مغرب عربي مسلم عتيد.
فالاحتفال إذن بالعرش، هو احتفال الشعب المغربي بمبادئه وأخلاقه ومقدساته وملامحه، ومعطيات تاريخه، مؤكدا ومظهرا للعالم إرادته الراسخة في التشبث بالحكم القائم على بينة واختيار. وفي ظل هذه الأمور كلها، تكاثرت صور التضحية ونكران الذات خدمة للعرش، وبرا بقدسيته الرابطة التي تجمع بين الملك والشعب، ووفاء بالعهد المتبادل، واستمساكا بالعروة الوثقى التي لا تنفصم.
فليس من الغريب إذن أن يتبارى الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة في الإعراب عن مشاعر الفرحة والحبور بهذا الحدث التاريخي الكبير الذي يشكل مناسبة عظيمة عبر من خلالها أدباء الأمة وعلماؤها عن مدى تعلقهم برمز وحدتهم، وقائد مسيرتهم نحو مدارج الرقي والازدهار، فكلما حلت هذه المناسبة إلا وتحركت مواهب الشعراء والكتاب، وأذكت قرائحهم إلى إبداع القصائد والكلمات، يصورون من خلالها كفاح الشعب المغربي مع إبداء مشاعرهم الوطنية الصادقة، وغيرتهم على بلادهم، إلى جانب حبهم وتفانيهم في خدمة العرش والجالس عليه.
وليس غريبا أن تكثر القصائد في هذا المجال، بين معربة وملحونة، مما شكل أدبا قويا مشحونا بالمفاهيم الوطنية المعبرة عن أدق خلجات الأمة وأحاسيسها.
وهكذا يكاد يشكل أدب العرشيات بابا واسعا من أبواب تاريخنا الأدبي المعاصر. وتجدر الإشارة إلى أن أدب عيد العرش ليس من أدب المناسبات التي تمليه الرغبة أو الرهبة – كما يمكن أن يعتقد البعض – ولا هو كذلك كأدب مدحي تقليدي، "لأن المدح عندما يصدر عن شعور صادق ممزوج بالروح الوطنية والقومية والدينية، لا يكون مدحا بالمفهوم التقليدي، وإنما هو اعتزاز بالوطن والقومية والدين، ومهما بالغ الأديب في التمجيد، فإنه يظل بعيد عن المدح التقليدي، إذا كان هذا الممجد متفانيا في خدمة شعبه وأمته... إنه فيض من الشعور الوطني الصادق، يصدر عن النبل والكرامة، وليس من المحاباة أو المجاملة" (1).
ومن هنا تعد بواعث ودوافع شعر العرشيات صادقة وقوية، تعكسها حرارة عاطفة الشعراء، كما تعكسها العبارات والأساليب التي يتوسلون بها، فلا غرو إذن أن يحتل أدب عيد العرش مكانة مرموقة بين آدابنا الوطنية الحديثة، إذن هو تعبير عن طموح امة وانبعاث شعب ووفاء عرش، ومن تم اكتسب هذا الأدب مشروعيته وأهميته، وإذا كان شعراء الفصيح قد أبانوا عن إبداع متميز رصين، وهم يخلدون في قصائدهم ذكرى عيد العرش، مظهرين اعتزازهم بملوكهم وتمجيدهم لمنجزاتهم وأعمالهم، متنافسين في ذلك، فإن شعراء الملحون، ساروا هم أيضا جنبا إلى جنب مع هؤلاء، وهو يخلدون بدورهم هذه الذكرى الجليلة بكل عفوية وتلقائية. فليس هناك بين شاعر الفصحى في حلبة الأدب العربي، وبين شيوخ الملحون في حلبة الأدب الشعبي، فلقد تغنى كثير من شعراء الملحون بأمجاد وطنهم الخالدة، ومزجوا ذلك بصدق عواطفهم الجياشة، وهم من خلال ذلك كله، يسعون إلى إبراز التلاحم المكين بين القاعدة والقمة، بحكم الرباط القوي المتين الذي يجمع بين الطرفين.
إن الشعر الملحون كجزء رصين من أدبنا المغربي، لم يفتأ أن عبر بصدق عن العرش والجالس عليه، فلقي بذلك قبولا كبيرا لدى الناس، إذ أن أغلب قصائد العرشيات في الشعر الملحون تلحن وتغنى.(2)         
وكما سبق الذكر، فإن قصائد الملحون الوطنية ليست وليدة المناسبات فقط، وإنما هي امتداد تاريخي متواصل، يبدو فيها شاعر الملحون مواطنا مناضلا وملتزما بقضايا بلاده.
فمنذ أن تأسس العهد العلوي على يد أول ملك بويع بيعة عامة، وهو المولى الرشيد، وشاعر الملحون يشيد بما حققه ملوك دولته من منجزات ومشاريع عظيمة، تجلت في الرسالة الإسلامية التي تحملها المولى الرشيد، وهو يشهد تآمر أعداء الإسلام على المغرب، وما شاهده هذا الوطن إبان حكم المولى إسماعيل الذي جعل منه أقوى دولة إسلامية، وقضى على جميع المناوئين في الداخل والخارج، ووطد الأمن والاستقرار، وكون جيشا عرمرما يحمي الحمى ويقهر مطامع العداء، ثم ما حققه سيدي محمد بن عبد الله في عهده، بعد المنازعات التي كادت أن تعصف بالبلاد، فاسترد للعرش هيبته، واعتنى بالثغور المغربية، وتمكن من توحيد المغرب وتحصين شواطئه. يقول التهامي المدغري في قصيدته المشهورة  "النحلة" :
ونوجد السلطان في امقامو والكلمة نافدا اعلى وصفانو
واحرار
فاقصور التشياد والقصر
   ما بين أبطال حرب هجما ودسارا
شوفي يا شاما الظريفا ناس الحرار أولاد لمشرف نعم
   المختار
وهل النسب العالي القدر
   يتعطاوا لحقوق نعم الصبار
ربي يحفظهم من امكايد من هو مكار كابر اعلى الخدع
   نكار
ويقول عبد القادر العلمي في قصيدته : قامت لعلام :
مـن بــعـد الـســـلام
لـربـاب الـدولـة العظمـا
اصحابيـن الذكـر ولاسـمـا
ســـاداتــي لـكـــرام
مـنزلـهـم في جنـة النعيـم
لكن المغاربة ملكا وشعبا، تصدوا بحزم لذلك كله، فأبانوا عن مقاومة قل نظيرها. وهذا الالتحام بين العرش والشعب قمين بخلق دولة قوية تبني مستقبلها بإيمان وطموح، فالأيام العصيبة التي عرفها تاريخ النضال الوطني في المغرب، أثبتت للاستعمار ولأعادء العرش مدى عمق ولاء الطبقة الشعبية، ومدى تفاني الشعب المغربي بأكمله، ومحبته الخالصة، وتضحيته بكل نفيس من أجل بقاء العرش واستمراره... يقول الشاعر مولاي اسماعيل سلسولي :
 هادوا ملوك صايلين فالمملكـة الزاهـر نقـدوا لعبـاد
  داروا هـمـة وفــأيــــدا
 هاني باختصار كنمجد العظما اللولين الملـوك افـداد  
  اهـل الـسّـنـة الـعـابــدا
   أمثال الحسـن الأول يرضاهـا
 عرش ديما على اجواد راكب ويجول فالمدن أفين ماراد
  ينـزل بجـيـوش قـاصـدا
  احدود المغرب فالصحرا تلقاها
 المولى يوسف اترك لنا فارس ما يلو مثيل بطل الجهاد
  وأسـس الجيـوش واجــدا
  للتضحيات ها الصحف اقراها
ولعل هذه الأبيات الشعرية غنية بالإشارات التاريخية للمغرب. وفعلا، ففي سنة 1220 هـ، بويع المولى الحسن الأول في ظروف محفوفة بالمخاطر، مما جعله بقضي معظم أوقاته في فرسه لمقاتلة الثائرين، وكان المغرب في هذه الفترة يصطدم نفسا بمدنية أوربا وأطماعها التوسعية، وأحقادها الصليبية الموروثة، فجمع وحدة المغرب بعد تفككها، وأعاد القبائل الثائرة إلى الطاعة والامتثال. وفي عهده توجهت البعثات العلمية إلى أوربا لتنهل من العلم والمعرفة، والدراسة والتخصص. وحين توفي، أصيب المغرب بعدة نكسات، وتدهورت حالته السياسية والعسكرية والمالية، وحلت الحماية بمآسيها وأحزانها. وفي أوائل الحماية تولى جلالة المغفور له محمد الخامس الحكم في البلاد، وكان ملكا شابا، عريقا في عروبته وإسلامه، سليلا في شرفه وانتسابه.
وهكذا يبدو للدارس أو الباحث، حين يواصل البحث في أدب العرشيات في الشعر الملحون، فإنه لابد أن يجد مادة دسمة في الموضوع. فشاعر الملحون منذ أن آلى على نفسه الدفاع عن قضايا وطنه، وهو ما فتئ يعبر بصدق عن محبة العرش المغربي والجالسين عليه. ولربما وجد الباحث نصوصا شعرية نظمت قبل العهد العلوي، ولكن لم يتح لها التداول فضلا عن الانتشار، وهذه حقيقة تكيف التراث الشعبي عموما عندنا في المغرب.(3) 
والمتصفح لبعض قصائد الملحون قبل الآن، يجد إشارات متعددة لبعض أسماء الملوك العلويين، إذ لا تخلو فترة من تاريخ المغرب، من إنتاج أدبي شعبي يتناول أدب العرشيات، فمنذ عهد الجيلالي امتيرد، وشعراء الملحون يظهرون ولاءهم وإخلاصهم للعرش العلوي.
وإجماع شعراء الملحون على محبة ملوكهم، والتفاني في إظهار ولائهم، هو في الحقيقة محبة وولاء لآل البيت، وتمجيد وتقدير لشأنهم. فهم نجوم يستضاء بها، ومحبتهم من محبة الله،(4) وهو مفتاح لكل خير، وهم أهل الرتبة العالية، وكهف المحتاج، وعون المتضرع التائب، إلى غير ذلك من الصفات التي لا حصر لها عند شارع الملحون وهو يمدح آل البيت في تعداد تلك الصفات زلفى يتقرب بها إلى الرسول الأكرم، محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول أحد الشعراء :
أنــتــم مـفـتــاح كــل خـيـر 
    وانـتـم نـاس الفـوز والمراتـب لمعــالـي
   وانتـم هـل التعظيـم والرضـا والسعـد ولقبـال 
وانـتـم كـهـف المحتـاج الضـعـيـف
    المـتضـر الايـلـــو انصيـر ولا والـــي
   وانتـم الرقيـا ولعـلاج وانتـم طـب الـعـلال
وانتـم كنـز المحتـاج أو لغنى والربـح للي منهـو اضعيـف مثلــــــي
    وابــحالـي وانـتـم عـز اللغريــب
لا حـــــــد عـــلــيــــــه ايـــــســـــال
    وانـتـمـا غــوت الله انـــــضــــام
بكـم علـى المضيـوم تتفـجـا كـل اهـوالـي
وأنــتــم الــمــن اســـتـــغـــــــــــــاث
غــوث  فــي كـل اريـا واسـهـــــال
   وانتـم عار الكل مـن استجربكم فـوق التـرى
أو فـــالــــبــحـــر الــعـــــــــالــــي
    من ينـده بكـم لغنـا اعليـه الوحـد يـسهــال
وهذا شيخ أشياخ الملحون بآسفي الطالب بنسعيد، يصف السلطان المولى عبد الحفيظ بأنه بدر وضاء، تجلى نوره في مشارق الأرض ومغاربها، وفضائلها على شعبه، نعمة جاد بها عليه المولى سبحانه وتعالى، يقول الشاعر :
يـبـدر بضيــاه اتجـلا بنـوار وقـاس
أفـشرقـهــا وغربهـا وبحـورها ومقـديـس
بك جاد المولى بفضايـل اعلـى النـاس
بك اسعد مغربنـا من بعد كان فنحايـس
بـك نارت شمـس العليـا أشرقـت فـي فـاس
ويقول في قصيدة أخرى منوها ومشيدا بالمولى عبد الحفيظ :
لله الحمـد والشكــر نعــم الحفــاظ
جـاد اعـليـنـا بالبـدر وارتــاح الخـوض
أبـي السعـود والسعـادا بحـر فـاض
مـن بحـر المصطفى الزكي قـرت للحـوض
افـدا الأمـا اجميـع والمولـى حفـاظ
إجـازيـه الـكـريـم بالنـصـر المحفـوظ
واجعـل الديـن بـه يا رب محفـوظ
به هـدن يا مولانـا الطـول والعرض
مـن اسـرار ارحمتـك الوسـع لعريضـا
له ألـف القلـوب اتجـى ليه تحضض
بالنصـر والطـعـى توفيقهـا وارضــا
بـر وبحـر له اتخـر يا من احفـظ
ديـن محمـد بالسلطـان ولـد الرضــا
ابن الفضل مولاي الحسن نور لمحيض
أرضـات بـوه أجد وبامر الغني تحفظـو
صيلت الشرفىوالملوك هل التحضيـض
    صـيلـت العلمـا افلعلـوم خـوضــو
يـا المولـى نتصـر مـولاي احفيـظ
    يـا الحـي الدايـم عبدك أنت تحفظـو...
                                        **-**-**-**-**
يبدو من خلال هذه النماذج الشعرية، شدة ارتباط الشعر الملحون بالقضايا الوطنية التي يعيش لها شعب يريد الاحتفاظ بمقوماته النفيسة، وذخيرته الروحية، وطابعه الأصيل.(5) فالصراع الذي ظل محتدما بين العرش والاستعمار، قد ساعد على خلق جو موبوء، غاظ المستعمر واقض مضجعه، وأقلق راحته، فانبرى شعراء الملحون يعبرون عن آلام الشعب من جراء ممارسات الغطرسة الاستعمارية، ويدعون إلى النضال. وقد واكب هؤلاء الشعراء كل الأحداث وقاموا بدور التسجيل والتصحيح للحقائق التي قام الاستعمار بتزييفها ومحوها، فصوروا في شعرهم حبهم لوطنهم، وتعلقهم بملوكهم، وتغنوا بغد أفضل تسوده الحرية ويتاح فيه للمغاربة أن يتفتحوا على الخير والسلام.
يقول محمد الرباطي :
حيـن ايتـوك البـدر عـل السلطـان ويبـان
   سلطانـا بيـن السلطـان روح لوطـان
بـه الوقـت ادعـا وحـان يـا إنـســـان
   لنا ادنـا اهـلا وسهـلا مرحبـا بمجيـه
    جميع السرور تكمل به وتطرب بـه
ونـرنـه فـي اقـصـايـد ونـفـخـر بـه
   فـي اوطـانـا وانـقـول أسعـدي بـه
سعـد الحـال حـان السـرور واحـتـفــال
   نـادى الفـال بولي العهـد خاص احتفـال
وهكذا لم يتوان شاعر الملحون في فضح الاستعمار والتنديد به، وقد أدرك المستعمر حقيقة ما كان يفعل، فراح يكيل له كل الضربات، ويصادر شعره. وعلى الرغم من ذلك، استمر شاعر الملحون في غظهار تفانيه في حبه لوطنه وملوكه. يقول الشاعر محمد الرباط :
مـا خانـوا سـلطـان ولا انسـاو اوطـان
   خـدمـوا أكـافـحـوا لــفـطــان
  المجد للوطان، والتاريخ ايسجلوا عل الحيطان
نعم، لقد استطاع شاعر الملحون أن يرسم المعالم التي تبرز المناضل المغربي الذي كتب تاريخ بلاده بدمائه الزكية، وببطولته المستميتة، وهي لا شك بطولة مغربية أصيلة لا تعرف البوار ولا الهوان. ويصور شاعر فاس الشعبي الفلوس هذه البطولة قائلا :
هـو من اغـرس فالوطـن غـرس امحكـم
بـحكمـتـو الحـاكـم الحكيـم اللـنعـدم
هـو المـهتـم بالـوطـن واعـزم واقـدم
وارمـى روحته لا اخشـى قـول اللــوام
هـو مـن وقـف للعـدا فالخلـق اعظـم
هـو روح لمغاربـة مـن غيـر اعــلام
هـو الشجيـع الزمـان البحـر الطــام
  هـو السيـف الصقـل أفشاعـت اللطـام
وفي هذا الصدد، نجد الدكتور عباس الجراري- وهو يتحدث عن شعور العرشيات – يبرز ما يقوم به هذا الشعر من دور طلائعي وبطولي : "إنه شعر وطني بكل البعد الذي يعطيه الوصف، وفي الإطار الذي كان مطروحا لمفهوم الوطنية".(6)
فلا غرو أن يزخر الشعر الملحون الوطني بهذه الصور الرائقة النبيلة. وفي نفس هذا السياق، يشيد شاعر مراكش محمد بن عمر بمجمل الخصائص والمميزات الحسنة التي كان يتمتع بها جلالة الملك محمد الخامس، وكلها مزايا تفيض بمشاعر الحب والإخلاص العميق والوفاء الراسخ. يقول الشاعر :
هـــذا الــمــلــك اللـــــه ودو
واعطــاه نــور فـالـفـكـر امـتـوقـد
لــطـريـق اللــه اللــه رشــــدو
  واحـيـا بـه جـمـع الأمــة رشـــــاد
مــا يـنـقـص ابـعــد عـــــدو
  سـبـحـان مـن انـشـا سـيـدي مـحـمـد
هذا الملك الله حببو لجميع الأمة ساكنا قلب افآدو
  كيف اسكن حبو اقلوبها واضحى امتأيد
هذا الملك، اعليه بنفوس اسخاو هل الشعب أمادوا
  ألبات الدعوى السيدنا والأمر اتنفد
هذا الملك الله وفقو لصلاح الماما اتخالف ميعادو
  تفيديه بالأرواح ولبدان اتهيبوا والجسد
هذا الملك اثناه ما ينحصى يبقى طول الزمان فالدهر اعدادو
  يتلى من جيل الجيل فالعصر دايم متعدد
هذا الملك اعلا أوشاع ذكرو فالسند وهند تابت حق اشهادو
  عوضوا ما فات افجيلنا وليه العلم اشهيد
دام الله ايام سيدنا فالعز ولهنا اتدوم صولت تمهادو
  من صان الما وشعبها لعدا عنو رد
وحين حصل المغرب على استقلاله وحريته، استمر شاعر الملحون في التغني بمحبته وولائه للعرش، فواصل مسيرته نحو الإخلاص لوطنه، وأبدع في شعره صورا لطيفة، خاصة في المناسبات الوطنية، وهذا الأسلوب الأدبي كان سببا في إبراز الكثير من القضايا الوطنية، مخبرا عنها أو مذكرا بما تحقق من منجزات ومشاريع اجتماعية واقتصادية، فأصبحت قصيدة المناسبة وعاء يصب فيه الشاعر أحاسيسه ومشاعره اتجاه وطنه، يقول أحد الشعراء :
نـادانـا بالكـلمـا اوجـد
وصفـات قلـوب مـا ابقـى احكـد
فيـه تبـت مـا وعـــد
  أوبهـا اشـهـد كـل شــاهــد
طيـر صـاح أو غــرد
  مـــداح ابتغـريـد وفـــارد
أو بالكلمـا فعلـو اشهـد
  باقـي شعبنـا افنـكـدو نـاكـد
صـال أو بصولتـو شـد
  أو عـلـى لعـدا قلـب نـاهـد
شر اللئيـم، سـاح أو هد
  أو بالكوزا، ما بقـى حـدد واعد
فهذه التضحية التي انبثقت من مبدأ أخلاقي أصيل، وجدت بالضرورة من الشعب، ما زاد من تعلقه أكثر فأكثر بهذا المبدأ، بغية الدفاع عن العرش والجالس عليه، وفاء بالعهد المتبادل.
وحين اعتلى صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني عرش أسلافه، كان حقا خير خلف لخير سلف، فهو ملك متسلح بالعلم والإدراك العميق لعظمة وقوة الدين الإسلامي الحنيف، وحضارته الأصيلة. ومن هنا حمل جلالته مشعل الإسلام، وانطلق يشيد به وينشر فضائله ومحاسنه بين أفراد شعبه وخارج وطنه، فكانت كل خطواته حسنات إيجابية وموفقة، مما خلق مغربا جديدا، مغرب التعاون والسلام، والصداقة، وملتقى الحضارات، وصلة وصل بين أوربا وإفريقيا، كل ذلك نتيجة ما لصاحب الجلالة من عبقرية نادرة، وحكمة سديدة، وروح إنسانية، وسياسة قويمة، وأخلاق فاضلة، مما جعل المجتمع العربي والإسلامي يعلق عليه تحقيق آماله في توحيد الصف إلى أن يصل إلى مدارج المجد وساحة العز والكمال.
يقول شاعر الملحون عبد المالك اليوبي :
احبيـب شعبنـا فلسفـي قـد الحسـان
لو جيـت فالقلـوب اتقلـب معـلـوم
  اتصيـب فيهـا حـق متموم
سيـدنا بكمـالـو مـرســـــوم
   فـمـدون أو فـخـيـام
خـوالـي تـقـدم
   واعــزم واهــتــم
قــام بالعـلــم
   للقروييـن زاد سلطانـي
احيا اركانها للعلم وقرآن
  شباني شباني كل صعب عنهم تهون
وتـوزول الجهـليــا
ويضيف الشاعر يعقوبي تينساني :
الملك الحسن وقت الشد ايبان
  الخصلة والبرهان سر رباني
دربت العدنان اصحيب الفرقان
  نصرو الرحمان رب الفوكاني
وهذا الشاعر عبد المجيد وهبي، يشيد بخصال جلالته الحميدة، مظهرا غرام الشعب بملكه وتفانيه في حبه :
سيدي يا إمام غربنا يا سامي لمعاني
يا شعلة من نور هاديا فبلادنا الحصينة
ليك اغرام العشاق
ليك اغرام اقلوب صافية عمرت بالأماني
 اقلوب الشعب اللي امشى امتبع شوفتك لحنينا
 باغي تشوفنا غالبين...
وهو نفس مما يشير إله محمد لكحيلي في قوله :
هاج بهواك كناني
  يا اللي عرشك عرش العز والسعادا والتحصان
أوفسر أو فيعلاني
  نترنح ونبوح بحب سيد لحبيب السلطان
يا نشأ العدناني
  في عيد عرشك لمحافل طاهجة وتتحير الدهان
يا الحامي الاوطاني
ناشأتك مولاي من لا ينام من طيب العدنان
                                             **-**-**-**-**-
أن نذكر أن شعراء هذا الفن، لم يكونوا مقلين، بل يلاحظ خصوبة في النظم إزاء هذه المناسبة. وهكذا جاءت قصائدهم زاخرة بكثير من المعطيات، إذ إنهم ركزوا في شعرهم على ذكر المنجزات التي تحققت في مختلف الميادين، والتي ترتكز عليها نهضة البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا وتعليميا وصحيا وفلاحيا وصناعيا وثقافيا وفنيا ورياضيا.
وتتوالى الخطوات الحسنية الموفقة والمتواصلة في سبيل البعث الإسلامي المنشود، والوحدة العربية المرجوة، لتتوالى معها إشادة ومساهمة شعراء الملحون في مباركتها وتخليدها، ليبقى المغرب قلعة صامدة، ودولة ذات حضارة ومجد ورسالة في طريق الإشعاع والتنوير، وحرص جلالة الملك على أن تكون كل الإنجازات نافعة على مستوى كل ميدان، دليل قاطع على إرادة قوية وسامية، فجمع بذلك المجد من أطرافه، وكان وحيد عصره وفريد زمانه، فلا غرو أن يحقق مغرب التحدي في عهد الحسن الثاني، الكثير من المعجزات، ويتخطى العديد من العقبات، يشق طريقه نحو الازدهار والتطور، ولعل عيد العرش كان دائما مجالا خصبا للشعراء وهو يسعون إلى تخليد ما أسداه العرش للوطن.
يقول الشاعر لكحيلي :
يا اللي نجمك سامي
ياللي بدرك ما خلى في أرض مغربك ديجان
يا محقق الأماني
في قبولك لا شعار اسجيتي هناي والسلوان
بيك يعلا لي شاني
وبك تتفجا حالي جمع الاكدار نظفر بالأمان
كل فعلك إنساني
يا اللي حزت ما من اعلوم وما من عرفان
من عجام وعرباني
تايها في امسيرتنا جميع لعقول والاذهــــان
وفي هذا النطاق أيضا، لم يفت شاعر الملحون أن يشيد بمواقف جلالة الملك الإصلاحية.
يقول الشاعر عبد المجيد وهبي :
ابجهد الله واخليفتو فأرض حسن البنا
بعزيمة رجالنا ورايسنا اللي حامينا
انبلغوا ما احنا قاصدين
واتصرصح لطيار صادحة فارحة بيك أباني 
لعلوم الحمرا انجومها خضرا فاسما زينا
هذا درب الصابرين...
وازغرد ليام زاهرة شعبك سالي هاني
حجرة عن حجرة امرتبة هذا صنع ايدينا
تصميم سيد الماهرين
وهذا أيضا ما يشير إليه الشاعر عبد القادر برادة من فاس، وهو يتحدث عن المنجزات في مختلف الميادين، يقول :
يا أصل الجود ياشريف الجدود
فينا خيــرك مــوجـود
      وأثـر اشهيـــد
 تبتي الحدود وابنيتي السدود
وفيتـي بالعهــود
    حررت باليد
 مسجد دون اشهود فاق كل احدود
مفــخـرة للعــهــود
      افـريد نوعه فريـد
شلا نوصف بلسانّــي
   مازال وصفت المشور صم البنيـــان
مشاريع للعمرانــي
   هذي باينة مشهورة بشوف العيــــان
ومعاهد للعرفانــي
   وعلوم عاليا ما يوصفهـا شي لســـان
أيا سبط العدنانــي
   ربي اعطاك خير وزادك همـة وشــان
                                       **-**-**-**-**
وهكذا استمر شعر العرشيات في الملحون، بكل عفوية وتلقائية الشاعر الشعبي، يتغنى بما تحقق من مشاريع ومنجزات، وينوه بالمبادرات الملكية القيمة، وفي هذا الصدد يشير مولاي اسماعيل العلوي إلى محققه جلالة الملك من أعمال باهرة في كل المجالات، دينية كانت أو تعليمية أو صناعية أو فلاحية. يقول :
عيد عرشك مبروك اسعيد زاهرة فيه البلدان
   الله نصرك يا مول التــاج يا الحسن الثانــي
أسمك اخلد ديما على اعمالك بالبرهــان
   فالمدارس والجامعـات كتنمـي عــرفـانـي
كذلك المساجد شلا انعد لسيادي هل الايمان
   الحافظين كتاب الله فريد نـذكــر بلسـانــي
اسدود للفلاحة بمياه شقت وروت العطشان
   في اقفار الصحرا جنة اتعود واقليم الريصانــي
فازدهار بوجود اليوم سد واد زيز الخوان
   بالمعامـل والمصـانـع كنـألـف ديـوانــي
                                             **-**-**-**-**
ويكاد جميع شعراء الملحون يتخذون نفس المنهج، وهو يخلدون ذكرى عيد العرش والجالس عليه، وما تحقق في عهده من منجزات، وكأننا بهم يتنافسون في هذا المجال، ويتبارون من أجل تخليد أوفى صورة تجسد مختلف الأعمال والمشاريع التي يخطط لها صاحب الجلالة، ويسهر على تنفيذها. فهذا الشاعر الجيلالي الشباني يقول في عرشيته :
لازلـت انـقـول فـيـه لــوزان
  فيـوم عيـدنـا يـلامـت لـعـيـانـي
يحـيـى ملكـنـا الـحـســــن
  نعم الشريف سيـدي نعـم الحســانـي
رقـى شعـب بـدون كتـمـــان
  اعلى الصـلاح ساهـر ضـي أديجانـي
فكر في الفلاح كيف يمكن حال يزيان
  ابنى ليـه سـدود عليـا تبهـر لعيانـي
  وجداول لمياه هانما من جمع الـــودان
ثم الصناعة اهتم بها حق يعـــلان
  من جود الدايم ربنا الجليــل الغـانـي
  كلها فاشغال ايضل يخدم عايش فرحان
الجامعات كثير مشيدت اللبنات أشبـان
  فجميع المدن واضحة شفت بلعيانــي
  والشبان تفوقت فيها بالمجد أليمان
معلامات القرن زادها بنيان فبنيان
  فيها ذكر الله ينتلا قـول المـدنــي
 حمدين الله والنبي من جاب القرآن
ومن هذا المنطلق، كان التعبير الصادق عن فرحة المغاربة بعيد العرش المجيد، وهي فرحة تحمل أكثر من قيمة ومعنى، لما تلاقيه هذه الذكرى من قبول منقطع النظير، من أقصى المغرب إلى أقصاه. كيف لا وصاحب الذكرى رجل شهم مغوار، كرس كل جهوده وأهدافه ومراميه لخدمة شعبه، ساعيا إلى خلق التوازن، وضمان الاستقرار، وتكافؤ الفرص، وخلق المواطن المغربي الحر، الشاعر بالحرية في أوضح صورها، العامل من أجل حماية هذه الحرية، وهذا الأسلوب ورعايتها، لأنها الضمان الأساسي للاستمرار من جهة، ولحماية الوحدة المغربية المقدسة، من جهة أخرى، في إطار المدرسة العلمية المغربية الأصيلة، يقول الشاعر الشعبي عبد المجيد وهبي :
 عيدك يا حسن للذكرى فيه امعاني
 ها هي ساعت الجد ها الأرض ها هي أيدينا
 بالحسن معتاديين...
أنت الحسن إيمامنا
    ضي اشرق أمامنا
  ابحبل الله معتاصمين
ويقول محمد الوالي، مظهرا تلاحم العرش والشعب :
هذا عيد الوطن عيد ملك وشعب امحابين
  عيد عرش الحسن ايدوم اعلينا تخليدو
ويقول عبد المالك اليوبي :
عيد عرشك ما مثلو عيــد وطنــي
  يا تــاج شعبنـا مـــولاي الحسـن
تهاني تهاني ليك تبعث قـرى ومـدون
   يــا رمــز الـحـريـــة
  أتى انهار لهنا والسر ليوم بان
والخير بان والعز ادركنا
   والفضـل لاشـــك اشمـلنـا
  وكل ما انبغوا اوجدنا
جـــاد عـنــــا
   مـن ليــه كـل مــنــه
بشريفنـا البـانـــي
   مجــد أوطــــانـــي 
ضيــا اعيـانــي
   عيـد أتـى وشفـت بعيـانـي
لنوار شارقة في ساير اللوان
   بكنانـي تنهنـي قـرة لعيـون
قلـت اقـوال اذكيـة
ويضيف الشاعر عبد القادر برادة مذكرا بفرحته بعيد العرش :
يا روح الشعب الهاني
  يا تاج شعبنا يا مصباح هذا الوطان
فعيدك نهتف بلساني
  ونقول عاش عيدك يامير هل الليمان
أيا كنز الأمانــي
  فينا عيـد عرشك خالد طول الزمان
من فضل الله الغاني
  نحيى في كل عام فرحتك بين الخوان
أيـا قرت العيـانـي
   لازالت في امديحك نهدي طيب اللحان
احميني يا سلطانــي
   نبقى تحت ظلك محمي وحالي زيـان
حبك شعري والحانـي
   هو امواهبي ونغامي وسر الكنـــان
من روحي من وجداني
   ما زلت نمجد من فاض بمديح اللسـان
وتفيض فرحة الجيلالي الشبابي حين يحل عيد العرش، فهو عنده عيد الفتح والهناء، يستمد وجوده من الخالق المنان، عيد يتلألأ نورا وضياء، وهو في نفس الآن، عيد للملك والشعب معا، وعيد الفرح والمنى والسرور والسلوان، يقول :
عيدك عيد الفتح والهنا من جود المنان
  عيد ارفيع السوم كاينور كل ادهاني
 عيد العرش اللايلو مثل نور شاع أبان
عيد الشعب أعيد سيدنا صاحب المان
  الممدوح فساير القطار برايق لمعاني
 عيد الفرح أعيد المنا وسرور أسلوان
ونفس الشعور نجده عند الشاعر مولاي اسماعيل العلوي إذ يقول :
سعد سعدي بهلال العيد عيد الحسن
  عيد العرش أعيد الشعب جيت نهدي تهاني
شف فرح المغرب ابهيج شاعر نور عللكوان
  ألغافل يقظ جفنك شف سر رباني
هذا عيد الفراح عليك مبروك أسلطان
  بالصحة والعافية تدوم رمز اللوطاني
عيد باهج ما مثل عيد بالفرحة والسلوان
  فيه تخطب والله اشهيد كتوضح لمعاني
إن شاعر الملحون، إلى جانب ما أورده في قصائده، لم ينس الحديث عن مواقف جلالة الحسن الثاني الإسلامية والدولية، فتحدث عن الصحراء واستكمال الوحدة الترابية، كما تحدث عن المسيرة الخضراء، ولم يفته أيضا أن يشير إلى القضية الفلسطينية وإلى الوحدة العربية المنشودة وغيرها من الأحداث والوقائع التي شغلت ذهن الشاعر، فأحب المساهمة في تسجيلها، وهو يخلد ذكرى عيد العرش المجيد.
وهكذا، فمن القضايا العربية التي خلدها شاعر الملحون في قصائد العرشيات، حديثة عن الدفاع المشترك بين البلدان العربية ضد الصهيونية لنصرة الحق العربي. يقول مولاي اسماعيل العلوي :
نعـم المـلك اشجيـع ندانـي
  لسوريا ومصر تجريدة الجيوش من ابطالك كانوا شجعان
هزموا اليهود الجبارين عدياني
  خمدت العدا وتنصر الإسلام واسمك مخلد فكنان
وفي نطاق حديث شعراء الملحون عن القضايا العربية والإسلامية، تعرضوا أيضا للحديث عن المواقف الجليلة لصاحب الجلالة كرئيس للجنة القدس. يقول الشاعر :
كل عربي يهتف وقول حساني
  وانت إمام رايس قلت فالقدس واجب إصلوا العربان
قولك ما فيه شك يا بانـــي
  بالعز والنصر من صلاح الدين وانت خليفة يا حسن
وإلى نفس الموضوع، يشير الحاج عبد القادر برادة، مضيفا إلى ذلك تحرير سبتة ومليلية وضمهما إلى الوطن الأم. يقول :
يا نعم الحي الغانـي
           كمل ما فظن احبيبي روح البلـدان
فالقدس ايصلي عاني
  ويضم سبتة ومليلية للأرض الوطان
            وعلامو فالعنانــي
  فوق السحاب سبقى شامخ اللورى ايبان 
            رفرف طول الزمان    
  بفضل الكريم العاطي مـول الكـوان
وهو ما يتمنى تحقيقه أيضا الشاعر عبد المجيد وهبي بقوله :
ويرف أعلام النصر فالقدس الشوق افناني
            لزيارة اهلي ولامتي لين اسر انبينا
ونصليوا مجتامعين
            ويعم السلام كل بقعة واتقر اعياني
بتحرير كل بلاد باقية، حقنا يرجع لنا
            حقنا به متمسكين
ابجهد الله واخليفتو فأرض حسن الباني
            العزيمة ارجالنا ورايسنا اللي حمينا
انبلغوا ما احنا قاصدين
                                    **-**-**-**-**
ولعل ما يلفت النظر في هذا المجال، تخليد قصائد العرشيات في الشعر الملحون للجهود الجبارة التي بذلها جلالة الملك في سبيل استكمال وحدة المغرب، فهذا الشاعر مولاي اسماعيل يتحدث عن المسيرة الخضراء قائلا :
بانت النتيجة فالحين شاهد ليـك الـوطـان
               حررت أرض المغرب وهزمت عدياني
بالتباتة والمسيرة تسير بوفـود العـربـان
               شاركونـا حتى لعجام معجزة فزمانـي
وبعدها رجوع الصحرا اكمل لعيون افأمان
               والسمارة واد الذهب ما ابقى شي براني
ثم يضيف الشاعر متحدثا عن نجاح المسيرة الخضراء الظافرة، وما عرفته مدن الداخلة والسمارة والعيون من عز وشأن وعمران، بعد فترة من القهر والحرمان. يقول :
من عز، لمسيرا المبـاركـة الظـافــرة
              بهـــا زهـــرت كـــــل زهــر
   فمدون الداخلة والسمارة فالعز وشان
            وعيون الكمرا  ضاويا فيها بنايات فاخرة
  سكــــانهـــــا دوزوا الـقـهــرا
  فكواخ اتهدمت بامر نعم الحسـن
ويبدو أن قرار جلالة الملك نصره الله بالقيام بمسيرة سلمية خضراء نحو الصحراء، ألهب حماس شعراء الملحون، فلم يتوانوا في تسجيل مشاعرهم الوطنية، والإشادة بالرأي الحصيف لمبدعها ومبتكرها. يقول المرحوم الحاج عبد الله بنحيدة مخلدا ذكرى المسيرة الخضراء :
نــدوا وبـشــارا
  يوم أمر بدخول الصحرا راجح الفكر
قايد المسيرا الخضرا
  مليك غربنا الله نصرو مولاي الحسن
المسيــرا مختـارا
  أفحفـظ اللـه المعين جاب النصـر
لبطال المغرب الزاهر
  ولمليكنا المحبـوب عينـو يا منـان
نــدا بجهـــارا
  أمــام المـلأ ما ابقـى اصـبــر
تكوين المسير الخضرا
  تبقى تاريخ من بعد جيلنا عز وشـان
عمـت لبـشـارا
  لا واحد فالشعـب اتخـل اعللجهـر
في اخطاب البهج الحمرا
  نهضت لفواج من كل انواح بشجع ويمان
حضــرت لغــارا
  واشتركوا فالمسيـرا من كـل قطـــر
أهل الإيمان وهل الغيرا
  دول الشرق والغرب وهل السودان
وعن النتائج المثمرة للمسيرة، يقول الجيلالي الشبابي :
المسيــرة خيـرهـــا كـــان
  من فضل عزنــا مـول التـاج الســاني
نتيجتهــا خيــرهــا بـــان
  من فضــل الذكـر هـدام الطغـيــاني
حـرر الصحـرا ولـم الاخــوان  
  وحـد أرضنـا واجمعـنـي بـاخــواني
رجع الصحرا كيف كانت ساير لزمان
  الصحـرا مغربيـة وصاينة فيها عشـراني
    من أرض المغرب ما تزول من قدام للآن
ويطول الحديث عن مثل هذه المضامين التي وردت في ثنايا قصائد العرشيات في الشعر الملحون، إن تكاد كلها تفيض بنفس المشاعر والأحاسيس الجياشة، وهي أهم مظاهر الحب والوفاء والتضحية والفداء، عبر عنها شعراء الملحون بكل صدق وإخلاص، وشكلوا من خلالها ملحمة العهد بين العرش والشعب، وهكذا يقدم لنا هؤلاء الشعراء مادة أدبية خصبة تضاف إلى باقي قصائد العرشيات في الشعر المغربي الفصيح. ومن تم تعتبر هذه القصائد سجلا حافلا بالأعمال التي يشهدها الوطن، وإضافة جادة إلى وثائق التاريخ المغربي.
ولعل بعد هذا كله، وفي انتظار استكمال ما يمكن أن يجود به علينا شعراء الملحون من قصائد تتعلق بالعرشيات، نستخلص ما يلي :
أ- مدى صدق الشعور والإحساس وحرارة العاطفة، مما يبرز أن شعراء الملحون لم يكونوا يهدفون بقصائدهم إلى التكسب وطلب الحظوة، بقدر ما عبروا عن وطنيتهم اتجاه ملوكهم، وهذا ما تفسره الكثير من الإشارات التي وردت في ثنايا بعض القصائد، حتى قبل العهد العلوي أو إبان ظهوره، مثل ما رأينا عند التهامي المدغري في قصيدة "النحلة" أو غيره.
ب- يلاحظ من خلال تتبع مختلف قصائد العرشيات في الشعر الملحون، أنه أدب وطني مغربي أصيل، ساهم به الشعراء لتخليد أهم المشاريع والمنجزات التي عرفها وطنهم، وتلك رسالة الشعر، كان ملحونا او معربا.
ج- مدى إقبال شعراء الملحون على النظم في موضوع العرشيات وإظهار المنافسة في ذلك، وهذا دليل كامل على كامل لتلقائية والعفوية التي تميز بها شعرهم.
د- مطابقة هذا الشعر للواقع المغربي، فالشاعر وهو يخلد مختلف المنجزات والأعمال التي حققها المغرب في ظل ملكه، يتحدث عن واقع معيش، تحذوه الرغبة في الإشادة بصاحب العرش، والإعراب عن حب الوطن وعرض الأحداث الوطنية والقومية.
هـ- أن قصائد العرشيات في الشعر الملحون ذات نزعة شعبية جماعية، إذ يعرب الشاعر عن آمال ومشاعر الجماعة التي ينتمي إليها، مما يكشف عن صدق ولاء الطبقة الشعبية لملكها ووطنها.
وبعد، فماذا عن درجة الإبداع في قصائد العرشيات في الشعر الملحون؟
طبعا، لا يمكن من خلال القصائد التي استطعنا الحصول عليها إن نصل إلى نتائج نهائية، أو تشكل حكما معينا، ولكن، ومن خلال النماذج التي تيسرت لنا، نستطيع أن نقول : إن قصائد العرشيات في الشعر الملحون، تكاد تبلغ درجة من الكمال، ويظهر ذلك من خلال تلك الطاقة التعبيرية الهائلة التي توسل بها شعراء الملحون، وتلك النغمة الشعرية التي تميزت بها القصائد، مما يعطي للتركيب الإيقاعي في النصوص حركة تستمد قراراتها من كونها تتماشى وما يصبو الشاعر إلى التعبير عنه. وإلى جانب ذلك، يمكن الحديث أيضا عن تلك الموسيقى الداخلية الشفافة داخل الأبيات. وهذه الصياغة الفنية – رغم تواضعها في بعض الأحيان تستمد طرافتها من الإحساس المرهف لشاعر الملحون، ومن رؤيته الفنية وتصوره للأشياء. ومن تم، فالشاعر الشعبي وهو ينظم قصائد العرشيات، فإنه يستمد منها النزعة الملحمية التي وسمت شعره بنغمة فريدة في نطاق الشعر الشعبي عامة. ومما لاشك فيه أن التجربة الشعرية عند شاعر الملحون في مجال الوطنية، والتعلق بالعرش، تعتبر موقفا معبرا عن طهارة النفس، وهذا المجال لا يمكن أن تنكر قيمته في تربية المواطن الصالح، وذلك بما يغرسه في النفوس من عواطف نبيلة وسامية تهيب بالشعب ان يتمسك بمقدساته وبحريته وكرامته.
وإذا كانت التجربة الشعرية مرتكز الإبداع وبؤرته، فإن شعراء الملحون، حاولوا في غير قليل من الأحيان أن يستثمروا ذلك لصالح فنهم الشعري، وما فيه من قيم إنسانية. فإنهم يعبرون من خلال تجربتهم عما يختلج في نفوسهم إزاء عيد العرش والجالس عليه، ولذا كان في طبيعة هذه التجربة والتعبير عنها، ما يحمل المتلقي على تتبعها، لما فيها من تجاوب متين بين الشاعر وملكه، والحقيقة أن لا إبداع إلا في مجتمع واع عالم بما يدور على أرضه ومن حوله. وبالفعل فقد أدرك شاعر الملحون هذه الحقيقة، مما ميزه وهو يخلد في شعره قصائد العرشيات.

مراجع البحث

* أحاديث عن الأدب المغربي الحديث – ذ. عبد الله كنون – دار الرائد للطباعة- القاهرة 1964.
* تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب العربي – ذ. علال الفاسي
* الشعر الوطني المغربي في عهد الحماية – ذ. إبراهيم السولامي – مطبعة النجاح الدار البيضاء
* الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه للدكتور عباس الجراري- ج1 الطبعة الأولى – الرباط مارس 1979.
* الزجل في المغرب – القصيدة – د. عباس الجراري – الطبعة الأولى – مطبعة الأمنية- الرباط مارس 1970.
* من وحي التراث – د. عباس الحراري – طبعة الرباط 1971.
* الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى – د. محمد بن تاويت – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء 1982 – الجزء الأول.
* الشعر الملحون في آسفي – رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا في الآداب – توجد مرقونة بخزانة كلية الآداب بالرباط
   – إنجاز صاجب المقال.
* نصوص زجلية توجد بخزانة صاحب المقال – كناش مرموز إليه ب : ج وآخر ب : س وثالـث ب : ع

(1) أنظر أحاديث عن الأدب المغربي الحديث –للأستاذ عبد الله  كنون ص 153.
الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه د. عباس الجراري. ج 1 ص 210
الشعر الوطني المغربي في عهد الحماية للأستاذ إبراهيم السولامي ص 112
(2) الشعر الملحون في آسفي – لصاحب المقال – رسالة جامعية لنيل دبلوم
       الدراسات العليا في الأدب – أنظر خزانة كلية الآداب بالرباط
(3)  الزجل في المغرب القصيدة، للدكتور عباس الجراري ص1-2-3 وانظر أيضا "من وحي التراث" لنفس المؤلف
(4)  مستمد من قوله تعالى : "قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله" سورة آل عمران الآية 31 
(5)  الشعر الملحون في ىيفي. منير البصكري ( انظر خزانة كلية الآداب ابلرباط) رسالة جامعية مرقونة.
(6)  الدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه – للدكتور عباس الجراري – ج1- ص 210.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here