islamaumaroc

فلسفة الحكم عند الحسن الثاني تتمحور حول الأمة الوسط.

  عثمان ابن خضراء

278 العدد

إن التاريخ الذي يسجل حياة الأمم وأعمال رجالاتها لفخور بما يضمه إليه من صفحات لامعة ووقفات مشرفة لمليكنا الذي تعتز به العروبة وينتظم به الإسلام جلالة الملك الحسن الثاني أطال الله بقاءه.
نعم... ففي كل الأمم الحية أعياد دينية، وأخرى وطنية ترمز لأحداث تاريخية لها أهميتها وخطورتها بالنسبة لتلك الأمم في غابرها وحاضرها... وبما أن المغرب أمة تنبعث من جديد لتكون نفسها من نفسها وتريد أن تعيش في المستوى اللائق بها فهي تأخذ بأسباب النهوض وتعمل في سبيل التقدم العلمي والحضاري مع الاحتفاظ بالطابع العربي والروح الإسلامية... فشعرت بادئ ذي بدء بأهمية عرشها وفضله عليها وما قام به في غضون التاريخ من خدمات جلى لمصلحتها، فقامت قومة رجل واحد تلتف حول هذا العرش المنيف وتتشبث به تشبثا عظيما، تقيم له الأفراح وتبتهج به وتفتخر بذكراه... فكان للأمة أول شعور بكيانها واعتزاز بقوميتها.
ولا بدع، فقد تعاقبت عليه ملوك صدقوا ما عاهدوا الله عليه في الدولة الإدريسية وفي الدولة اللمتونية، ودولة الموحدين، ثم المرينيين، والسعديين، ثم الدولة العلوية التي كان لها رجال أفذاذ قدموا لمتهم خدمات جليلة يشهد لها التاريخ !
ولقد قامت كل دولة من هذه الدول بتجديد عناصر الأمة وتمتين الروابط التي منها تتكون حيوية الشعب ويقظته وشعوره... فقد توالت نهضات مختلفة في تلك العهود، فانتشر العلم انشارا ذهبت بخبره الركبان، فكان المغرب كعبة القصاد من سائر أنحاء المماليك الإسلامية، يقصده الطالب للارتواء من ينابع العلم الفياضة، يرحل إليه العالم للارتواء من ينابع العلم وربط الصلات العلمية والتعرف برجال الاطلاع والدراية والمشاركة وازدهرت الثقافة الإسلامية بسائر فروعها، من <فقه> رسخ معه قدم العدل الذي كان يشمل الجميع في مساواة وإنصاف منقطع النظير...و<تصوف> أنجب رجالا خدموا هذا الفن وتركوا إنتاجات متنوعة... و<فلسفة> شارك بها المغرب في الإنتاج العلمي الإسلامي...و<تقنية عسكرة> كون بها العرش المغربي إمبراطورية واسهة الأرجاء تتصل بتونس من ناحية، وبالأندلس من ناحية أخرى... وحرر مناطق الأندلس المغيرين بجيوشه الجرارة، وبقوة الإيمان والعمل الصالح للأمة الإسلامية، بنظم الأقطار المجاورة  
وقادها في فترة من الزمان لوجهة الصلاح... فوجدت الخزانة المغربية في كل فن مجلدات وموسوعات عديدة أدركنا قيمتها ولا زلنا وتاريخ المغرب السياسي والعلمي يكتب بأسلوب حديث مبرزا الفضائل والمزايا.
لقد سجل التاريخ المغرب الشيء الكثير عن الأسرة العلوية المجيدة من المكارم والأمجاد منذ حلوا بهذه البلاد المغربية... فكانت هجرتهم من الحجاز إلى المغرب هجرة خير وبركة على البلاد وأهلها، وسجل في حقهم التاريخ المغربي التسابق إلى المعالي وتسنم ذروة المجد والإسراع إلى الإغاثة والنجدة وتحرير الثغور من الاحتلال الأجنبي...
فإذا أخذنا صفحات هذا العرش العلوي المجيد لنجلو ميزاته الإنسانية، ونتفهم إلى أي مدى اتسعت أعماله الإصلاحية، وامتدت أطر مجاهيده الكبرى إلى آفاق إنسانية عليا من الصالح الشامل والنفع العام...نجد البطولة الحق في أروع صورها الإنسانية تجلوها كل حركة قادها ملوك هذا العرش من المولى علي الشريف إلى الحسن الثاني... ونرى المجد الإنساني الباذخ والسمو الروحي الأمثل الذي يتعالى في مقاصده عن المدارك والأهواء الضيقة هو الذي يؤلف سلسلة ذهبية لهذا العرش...
وإن عظمة هذه الدولة... وهم بناة صفحاتها التاريخية ليقفون بين تواريخ كثير من الأمم موقف التحدي في كثير من صور البطولة والشهامة وفي كثير من مناهج العمل والإخلاص وقد ورث الحسن الثاني في أجداده العبقرية والبطولة والشهامة حيث نجد عهده الزاهر مليئا بالأعمال الجليلة والمنجزات الأصيلة في نطاق بعث إسلامي لا ينحصر في سنة أو جيل، بل يمتد مدى العصور ومدى القرون في تجدد وابتكار وخلق وتجديد – إن فلسفة الحكم عند الحسن الثاني ترتكز على الثورة الاقتصادية والاجتماعية المبنية على أسس النظام الإسلامي، والاشتراكية المغربية التي ترمي إلى إيجاد الثروة فتوزعها أحسن توزيع... فهي كما قال هو نفسه : << لا تفقر الغني بل تغني الفقير>> وهي بعد ذلك انطلاقة اجتماعية واقتصادية تهدف إلى خلق اشتراكية مغربية محضة تطابق أصولنا وأصالتنا، لا اشتراكية مستوردة من الخارج !      
بالثورة لا تنحصر في إنسان ولا في جيل ولا في كتاب يقرأ... ولكن هي قبل كل شيء عقيدة، لأنها عمل مستمر للتجديد، للتلقيح، للإنتاج... هكذا يراها الملك الحسن الثاني لأنها عمل كل يوم، كل شهرن كل سنة، كل جيل ! الثورة لا تنقطع لأنها فلسفة وليست معركة دامية... هي إيمان في القلب وفي التفكير والإبداع والإنتاج، والمغاربة الذين فتحوا الأمصار وطبعوا دولا أخرى بالطابع المغربي لن يقبلوا أن تطبعهم شعوب أخرى بطابعها، ولن يستوردوا أنظمتها.
فالاشتراكية المغربية هي العمل المستمر الذي يستهدف رعاية المصالح العامة للبلاد والعناية بالمصالح التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالشعب مثل استصلاح الأراضي وتشجيرها ومد قنوات خلالها يجري فيها الماء الصالح للسقي والري وتوسيع شبكة السدود وإنشاء المعامل القروية لإصلاح الأدوات الفلاحية وغيرها مما تدعو إليه حاجة القرية وشق الطرق وتمهيدها، وتشييد دور للسكنى لأصحاب الدخل الضعيف، والزيادة في بناء المدارس لاستيعاب المزيد من الأطفال المهيئين للتمدرس، وتأسيس الأندية الثقافية والملاعب الرياضية للشباب وكل ما يشع في نفس الطفل والشاب الارتياح الكامل لما يأنس في تلك المشاريع من طائلة اقتصادية أو اجتماعية، أو يتوقع من مكسب خلقي أو فائدة تمت إلى العلم والعرفان والخبرة المهنية بصفة خاصة، فهذه الثورة الفلاحية المباركة واسترجاع الأراضي لصغار الفلاحين وعملية الحرث الجماعي... كلها وسائل ناجعة لتعزيز اقتصادنا ودعم إنتاجنا وتعميم الرخاء والازدهار وتحقيق الرفاهية لأكبر عدد من المواطنين... فأرض المغرب ملك للمغاربة بحكم القانون... ويوجه جلالته رعاياه من طبقة الفلاحين بأنه يجب عليهم أن يتملكوها كذلك بحكم عملهم، ودأبهم، ومثابرتهم، ويتصرفوا فيها ويستغلونها وهم مؤدون لثمن إنتاجها بعرق جبينهم وكد سواعدهم وقد شق الحسن الثاني أو خط في تلك العملية المباركة وتبعتها آلاف الجرارات في عزم لا يلين وإرادة فعالة، وفي نطاق مفهوم الاشتراكية المغربية التي ستوفر للمواطنين في البوادي وسائل تحسين حالتهم ومعيشتهم، وذلك باستغلالهم المحكم للأراضي التي يملكونها وبالإسهام في استثمار الأراضي التي استرجعتها الدولة.
فهذه المسيرة، وهذه الحرث بالجرارات تشكل حلقة مباركة في العقد الذهبي الذي سبكته إرادة ملكنا الصالح والتي ترمي في الميدان الفلاحي إلى تحقيق تلك الانطلاقة التي عرفتها قطاعات أخرى وسقي المليون هكتار في عام 2000 والثورة الصناعية بدورها شقت طريقها على نهج الاشتراكية ومشاركة العمال في أرباح وملكية مصانع البلاد، وكانت المرحلة الأولى قد تمثلت في مصنعيين للسكر ثم امتدت إلى باقي المصانع والقطاعات التعاونية الأخرى تطبيقا لمبادئ الإسلام ولقد رسم جلالته الخطوط الرئيسة لهذا النظام الذي يهدف أساسا إلى خدمة البلاد على إشراك العمال، وهم العمود الفقري للإنتاج، في الاستفادة من الأرباح ومن اجل تهيئ الأطر الضرورية لهذا التطور الاجتماعي والفكري فإن المبادئ الأساسية التي أعطت لتعليمنا ميزته الخاصة تلخصت في التعريب والمغربة ومجانية الدروس... وقررت عزيمة ملكنا المثقف أن تتحمل الدول عبء في هذا الباب حتى يستكمل شبابنا الطموح تكوينهم في مدارسنا العليا وكلياتنا أو في غيرها بالخارج... وبذلك تقيهم شر المشاكل المادية التي يمكنها أن تكون عائقا بينهم وبين مواصلة التكوين الذي يفسح لهم أوسع الآفاق ويحقق النتائج التي تنتظرها الأمة، والمغرب اليوم ولله الحمد يتوفر على أطر عليا في الطب والتربية والأدب والتكنولوجيا وغيرها من الميادين الحيوية.
هذا وإذا كان العصر الذي نعيش فيه يتميز بتقدم العلم وطغيان المادة مثلما يتميز بظهور عدد من المذاهب والتيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية... فإن أرشد الحكومات في نظر الحسن الثاني هي تلك التي عرفت كيف تحسن الاختيار وسط الخضم العالمي الصاخب المتلاطم بالآراء والنظريات المختلفة، وتخط للشعب سياسة مستمدة من حقائقه وشخصيته، مرتكزة على مقوماته، ملبية لعبقريته واحتياجاته سواء فيما يخصه كشعب له مميزاته أو فيما ينوبه كعضو مسؤول في الأسرة الدولية وأمام هذه التيارات المختلفة فإن جلالته يرى أن الشعب المغربي المسلم يجد نظاما اقتصاديا واجتماعيا في كتاب الله العظيم الذي يقول : <<وكذلك جعلناكم أمة وسطا>> فنكون تلك الأمة الوسط التي ليست بالرأسمالية ذات النظام الأهوج التي لا تترك حرية لأي ضعيف... ولا بالاشتراكية التي دلت الأرقام والحوادث والأحداث الأخيرة بأروبا الشرقية وداخلها الاتحاد السوفياتي على أن نظرياتها يمكن أن تكون أخطر من تطبيقها فأحرى معايشتها... نريد أن نكون تلك الأمة التي يمكنها أن توفق بين النظامين، وذلك بأن تعطي لكل الميادين مدلولها ومفهومها... ففرق جلالته بين الميادين التي يجب أن تكون في الدولة، وأن تؤمم، وبين الميادين والقطاعات التي يجب أن تبتعد منها الدولة، وأن تبقى تلك الميادين في قبضة المبادرة الحرة. فنرى الدولة تشرف على القطاعات الاستراتيجية والضرورية للإقلاع الاقتصادي وللاستمرار في النمو... مثل الطاقة، والصناعات الثقيلة، والمواصلات والقروض، ودور القروض ذات الصبغة الاقتصادية المنتجة، والخيرات الباطنية برا كانت أم بحرا... هذه القطاعات الاستراتيجية ذات الطاقة كانت مائية أو كهربائية أو معدنية، أو مالية أو نووية إن شاء الله لا يمكن للدولة أن تتنازل عنها إذا أرادت أن تقلع وأن تستمر في النمو والازدهار.
وهناك ميادين أخرى، وهي ميادين المبادرات الخاصة، وهي كل ما يمكن للمواطن من رفع مستواه الخاص وخلق الرواج، والنيابة عن الجولة التي لا يمكنها أن تخوض جميع الميادين : فنرى الصناعة، والصناعة الصغيرة، والفلاحة، والتجارة والسياسة وخلق شركات داخل المغرب وخارجه حتى يمكن للمغرب أن لا <يتزوج> دائما بخلاياه وسلالاته الخاصة... بل أي يأتي بدم جديد وتلقيحات جديدة، ويعرف بنفسه وإنتاجه... كما يمكنه أن يصدر للخارج مفكرين وفنيين ونخبة طيبة من شبابه.
ومن جهة أخرى فإن أمير المؤمنين الذي يؤمن بأن الإسلام هو سبيل النصر والتقدم والقوة، ولا سبيل غيره، كان هو البداية والنهاية لمؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد بالرباط سنة 1969، من أجل اتحاد كلمة المسلمين ضد الظلم والطغيان والاحتلال... وأن الرؤية الواضحة والنظرة البعيدة لهذا الرائد المؤمن كانت في محلها، ثم نرى جلالته يجمع شمل العروبة في <مؤتمر فاس> ليرغم العالم على تأييده فيما كان من حلول لمشكلة فلسطين، وانتصرت الجيوش العربية في سنة 1973 لأول مرة على الصهيونية بفضل تدخل جلالته بتجريدتين من الجيش الملكي، كما انتصرت القضية الفلسطينية لأول مرة بتأييد الرأي العام الدولي لجلالته فيما اتفق عليه من حلول لها.
وفي مطلع القرن الهجري الجديد 1400 وجه جلالة الملك الحسن الثاني نضره الله رسالة ملكية إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها معلنا عن بعث إسلامي يطبع حياتنا اليومية ويتجلى في مظاهر شؤوننا ويعيد للأمة الإسلامية سابق عزها ويكون باعثا لتحرير نفوسنا من عقد النقص التي تعانيها، ونعمل في إطاره لتحرير أراضينا العربية الإسلامية التي ابتليت بالكفر والإلحاد، والصهيونية والصليبية والاستعمار حتى نقيم حضارة صحيحة، سامقة الذرى، ساطعة الشعاع، علية الارتفاع، مؤسسة على تقوى من الله ورضوان، تفتح عهدا جديدا من الاستقرار والاستمرار تدخله الأمم الإسلامية في ثياب الإحرام وقد طهرت نفوسها من الأحقاد وقلوبها من الشهوات وميولها من نزغات الشيطان.
وتحدث جلالته في رسالته التاريخية عن <<الأمة الوسط>> التي هي الأمة التي ترتكز كل مظاهر حياتها على تحقيق التوازن حيث لا إفراط ولا تفريط، وإنما الانسجام والتكامل، والألفة والتوفيق بين الدين والدنيا باعتبار أن العقيدة السمحاء تنظم تلك العلاقة الشمولية التي تخلق ذلك الانسجام المتواصل والذي يجعل من الالتزام العقائدي على مستوى العبادات التزاما دنيويا في النفس الوقت بالنظر لجوهر تلك العبادات ودلالاتها الروحية وانعكاساتها العلمية على السلوك والتعامل.
ويعتمد جلالة الملك الحسن الثاني في رسم طريق الفلاح بالدعوة للعودة إلى ينبوع العقيدة الإسلامية كدين ومنهج وسلوك ينظم العلاقات داخل المجتمع الإسلامي، ويركز على مبدأ المسؤولية بالنسبة للفرد والجماعة، وبالنسبة للراعي وأفراد الرعية بحيث تخص الجميع ولا يستثني أحد، ومن هذا المنطلق فإن الدعوة الرائدة لأمير المؤمنين لمواصلة الدور الحضاري للأسباب تعني استيعاب المضمون الروحي للعقيدة الإسلامية وترسيخ المضمون الفكري والسياسي والاقتصادي للإسلام، وأن توجيه جلالته لهذه الرسالة التاريخية لأمة الإسلام نابع أساسا من الالتزام بروح العقيدة السمحاء.
إن عهد الحسن الثاني حافل بالعطاء والبطولات والمجاد، مليء بجلائل الأعمال ودلائل التوفيق... وأن الحماس الوطني والإيمان الصادق هو الحافز الذي يحرك أبناء المغرب قاطبة لتحقيق المزيد من المكاسب والكثير من الانتصارات مثل ما حدث أثناء المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 حيث تحول المغاربة إلى شخص واحد يحس بنفس الإحساس ويعيش نفس المواقف، وتوجت باسترجاع الصحراء المغربية إلى حظيرة المملكة بفضل عبقرية ملك شهم وكفاح شعب بطل، وذلك بالرغم من الروح القبلية التي كان الاستعمار وأذنابه يذكونها لأن سكان الصحراء كانوا يعتبرون مستقبلهم في الانضمام إلى باقي تراب المغرب المحرر لترابطهم به روحيا وسلاليا وتاريخيا... فهب أبناء الصحراء من كل فج عميق لتأكيد الولاء وتجديد الطاعة والبيعة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، ورفعت أعلام النصر مرفوفة فوق ربوع الصحراء خفاقة منيعة وستبقى كذلك رغم كيد الكائدين.
ولا غرو، فقد سجل التاريخ بفخر واعتزاز كفاح الملوك العلويين والشعب المغربي من أجل وحدة التراب عموما والصحراء على الخصوص، الشيء الذي أكدته الوثائق التاريخية والمستندات الوطنية والأجنبية... فقد وصل إلى تخوم السينغال السلطان العلوي مولاي إسماعيل وصاهر أهل شنقيط، حيث عقد على الملكة خناثة ابنة الشيخ بكار المغافري، هذا البيت المشهور بالصلاح والاستقامة.
ورحل السلطان مولاي الحسن الأول بدوره إلى تخوم شنقيط وأوغل فيها إلى أن نزلت جيوشه بالساقية الحمراء متفقدا أحوال الرعية.
ثم أرسل السلطان مولاي عبد العزيز وفدا إلى شنقيط بعض القواد والموظفين ويسلم لهم ظهائر تعيينهم، ويتفقد الأحوال ويصح من شأنها، فقصدت هذه البعثة مدينة السمارة بالساقية الحمراء واجتمعت بالشيخ ماء العينين وأدت مهمتها أحسن أداء هذا، وإن اعظم وثيقة تاريخية أدلى بها المغرب حول مغربية الصحراء أنه في سنة 1911 عندما تمت المعاهدة الفرنسية في شأن المغرب، وضعت خريطة لتحديد البلاد المغربية فكانت حد بالجزائر وإفريقيا الوسطى والسينغال وتوجد الصحراء المغربية داخل هذه الحدود... وقد عمدت فرنسا إلى إدماج الصحراء المغربية في إفريقيا الغربية سنة 1920 بدون استشارة الدولة المغربية وملكها، مما يجعل هذا الأمر ملغى ومناقضا للقوانين الدولية.
وبعد احتلال المغرب أكثر من أربعين سنة استطاع العرش والشعب من تحرير جزء من أراضيه سنة 1956، وقد آثر الملك المنعم محمد الخامس ونجله البار جلالة الملك الحسن الثاني وهما يوقعان وثيقة الاستقلال أن يحتفظ فيما يخص الأجزاء غير المحررة منه، ويسجلا حقهما الكامل في تحريرها واستعادتها إلى حظيرة الوطن المحرر، وتواصل الكفاح حتى استرجعت طرفاية المجاورة للصحراء المغربية سنة 1958 بعد مفاوضات مباشرة مع إسبانيا، ثم بعد عشر سنوات عادت منطقة إيفني سنة 1969 وذلك بعد مفاوضات مضنية مع إسبانيا.
وأخيرا جاء دور الساقية الحمراء واهتم الرأي العام الدولي بالمواقف البطولية والدهاء السياسي والخبرة القانونية التي استعملها الملك الحسن الثاني لمعالجة هذه القضية سواء مع إسبانيا أو هيئة الأمم المتحدة أو محكمة العد الدولية، وأثبت حفظه الله مغربية الصحراء تاريخيا وسياسيا واجتماعيا ودينيا وقانونيا... فاعترف الجميع بمشروعية مطالب المغرب في الوحدة الترابية ما عدى الذين أعمى الله بصيرتهم وفي قلوبهم مرض.
ثم بعد النطق بحكم المحكمة الدولية بلاهاي سنة 1975 قرر حفظه الله القيام بمسيرة سلمية والدخول إلى الصحراء موكب سلام، وأبدت جل دول العام... مقدمتها الدول العربية والإسلامية موقفنا مباركين هذه المسيرة الشعبية وهذا الزحف المقدس، الشيء الذي دفع بالحكومة الإسبانية إلى التفاهم مع المغرب والاستجابة لإرادة الشعب وملكه وقرار محكمة لاهاي... ورفعت الأعلام المغربية مرفرفة على ربوع الصحراء وتعالت هتافات الغبطة والنصر والحب والولاء تغمر أرجاء الوطن... وهب أبناء الصحراء بأجمعهم مؤكدين الولاء ومجددين البيعة والطاعة لجلالة الملك رافضين رفضا مطلقا كل محاولة لتزييف واقعهم وفصلهم عن أجدادهم مهما كانت التضحيات ! وفي سنة 1979 جاء انسحاب موريطانيا من ملف الصحراء ليؤكد الحقيقة الواضحة التي تتجلى في كون المغرب هو الطرف المعني أولا وأخيرا... فخرجت مدينة الداخلة برجالها ونسائها وشبابها وأطفالها إلى الشوارع هاتفة بمغربيتها ورافعة للعلم المغربي وللشعارات التي تؤكد صدق الولاء، فكان يوم 17 رمضان 1399 هـ موافق 11 غشت 1979 م عيدا بالنسبة لسكان المنطقة، ودعوة الحكومة المغربية إلى بسط السيادة الوطنية على إقليم وادي الذهب، وكان تتويج الانتفاضة الشعبية الرائعة في الداخلة هو إيفاد وفد من سكان الإقليم المحرر لتمثيل السكان في تجديد البيعة إلى الملك الحسن بن يوسف ابن الحسن، طبقا للتقاليد المرعية وتأكيدا لتمسك السكان بالوحدة.
فالمعركة مستمرة من أجل عظمة البلاد لأن الخطة التي يسير عليها صاحب الجلالة تتسم بسمة الخلق الإبداع، وتقوم على استيفاء المناهج والأساليب المتولدة على الدراسة المحكمة والاستيعاب الرزين... والأمة التي يقودها ملوك من طراز الحسن الثاني تستطيع حقا الاستفادة من تضامنها وقوتها ووحدة أبنائها لتشق طريقها نحو العظمة والمجد والبناء والازدهار ! إن بلادنا ستبقى في مستوى رسالتها التاريخية، وهي رسالة من محاورها الأساسية الوحدة والسعي الحثيث إليها، ذلك أنه فوق الأرض المغربية انعقد أو لمؤتمر إفريقي كان اللبنة الأولى لتأسي منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1961، وفيها انعقد المؤتمر التأسيسي لأحزاب دول المغرب العربي سنة 1958، وفيها انعقد المؤتمر التأسيسي لمنظمة المؤتمر الإسلامي سنة 1969... وصفحات التاريخ شاهدة على سعي الحسن الثاني الحثيث لجعل دول المغرب العربي تتكتل وتتجاوز المصاعب لتحقيق الإنجازات الحضارية التي يفرضها مسار التطور والنظام الاقتصادي والسياسي في عالمنا المعاصر.
واستجابة لهذا السمو في المبدأ ووفاء له وبرورا به، كانت قمة مراكش في السنة الماضية 1989 التاريخية بحيث سعى القادة سعيا مباركا إلى التخطيط الموضوعي المنبثق من إدراك واع وواسع للاحتياجات والطموحات والإمكانيات لوحدة تخدم السلام وتخدم التنمية في وقت واحد، إنها خطوات ميمونة تتم على أرض المغرب يباركها جلالة الملك الحسن الثاني ويعيد لها الطريق وييسر أمامها السبيل ويزيح عنها كل العوائق المصطنعة، فكان القادة في مستوى تطلعات شعوبهم.
إننا نحتفل بالذكرى التاسعة والعشرين لتربع جلالة الملك على أريكة العرش، فإننا في الواقع نحتفل بالأمجاد الخالدة والمآثر التاريخية التي أضاءت السبيل إلى العزة والسعادة وأشرق بها تاريخ أمتنا المغربية... نحتفل حقا بالبطولات التي حققت لنا الحياة الهنيئة وظلت وضاءة لا تزيدها الأيام إلا جدة وإشراقا !
فحق على الشعب المغربي أن يحتفل بعيد العرش الذي هو رمز الأماني ومعقد الرجاء... وحق عليه أن يقيم الزينات ويرفع أعلام المسرات ابتهاجا بهذه الذكرى السعيدة وأن يجدد أفراحه ويعلن شعوره ومحبته لهذا الملك العظيم ولهذا البيت العلوي المجيد.
نسأل الله تعالى أن يطيل عمر مولانا أمير المؤمنين في عز وتمكين وأن يديم له النصر المبين وأن يفتح على يديه للمسلمين أبواب اليمن والسعادة بجاه جده المصطفى ?، كما نسأل سبحانه أن يحفظ ولي عهده الأمير المحبوب سيدي محمد وصنوه الأمير السعيد مولاي رشيد وباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة ويبوأ امتنا المغربية مكانا عاليا وذكرا حميدا ويحقق لها وسائل الرقي والنهضة الشاملة والازدهار.
ما اجمل الذكريات إذا كانت نابعة من القلوب، وما أروع الأعياد إذا أقامتها الشعوب.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here