islamaumaroc

عظمة الذكرى عيد الطموح الجماعي.

  أحمد مجيد ابن جلون

278 العدد

تحتفل الدول بأعيادها بصفة تلقائية لما تنطوي عليه كل مناسبة من معان مثالية وذكريات مثيرة خالدة، واشتياق إلى مزيد من الأمجاد، واعتراف بجميل أولئك الذين كتبوا صفحات التاريخ بمداد الفخر، وتطلع إلى استمرار التقدم والازدهار، وإباء يفرض الامتنان والاعتزاز، وتقدير للمجهود المسترسل الذي يحقق النجاح، والتضحيات الجسيمة التي بدونها لا يتأتى بلوغ أسمى الأهداف والغايات وتجسيد لمن خططوا حاضرهم بيقظة وإمعان، فضمنوا لأنفسهم المستقبل الزاهر ولأبنائهم الحياة الكريمة.
وإذا كانت الأعياد فرصا للتذكر والتذكير، ووقفة للتمعن والتفكير، وأياما مشهودة لاعتزاز الأمم بوحدتها وتضامن أفرادها وجمع كلمتها، ومعجزة تثلج الصدور وتدفئ المعنويات، فهي أيضا بدون شك نهز لامتحان الماضي على ضوء الحاضر، يتناسى فيها المواطن مشكله اليومي لينقاد إلى ما هو فمين بتبوئه المقام الرفيع وإضفاء حلة الكرامة على واقعه العادي، ومنحه ميزة اليقين بأنه مستحق لما خلده وطنه، ومحق لما ورثه عن آبائه وأجداده.
إن للشعوب أعيادا يتزايد عددها بنمو المناسبات التي تريد ترسيخها في أذهان أفرادها وأبنائها، والوقائع التي تسعى إلى التذكير بها، شكرا للخالق على نعمه وتوجيهاته، والأحداث التي أهلتها إلى تبوأ مقعدها ودرجتها بين الأمم، والمبادرات التي جعلت منها القلعة المنيعة الراسخة التي لا ترضى بالعز بديلا، والظروف التي تمكنت فيها من محو العار وفرض الأصالة واستعادة شرف النفس وتقدير الغير.
وإن لكل عيد وزنا خاصا وثقلا نوعيا وتأثيرا معينا اعتبارا بما ترمز إليه الذكرى، واستنادا إلى ما تثيره في الخواطر من إحساسات، وما تذكر به من أمجاد، وما تدعو إليه من مواقف واختيارات، وما تعيده في الأذهان من مقاصد وأحداث دينية أو خلقية، بل إن من الأعياد ما تتزايد أهميته وتعظم مع مرور الأيام واستنطاق الوقائع وامتحان الملابسات واستخلاص النتيجة وتقدير المجهود.
فالأمة القوية النشيطة تعتز بأعمالها ومنجزاتها وتفتخر بمقدساتها وتنتعش بالمبادرات البناءة التي تعزز كيانها، وتجد في إحياء ذكريات مراحل نومها وأشواط تقدمها ومحطات إعلان سيادتها وفرض نفوذها ما يحثها على المزيد من المجهود المبارك الذي كان سر توفيقها وعمدة عزمها على المضي قدما في تلك المحجة البيضاء التي أهلتها إلى تبوأ كرسي النجاح والسير جنبا إلى جنب مع الدول التي صنعت تاريخها فأبدعت وحققت انطلاقتها فأصابت، وكبحت جماح الغيرة وذل التسلط الدنيء وعبث الخصوم، ونذالة المتطفلين.
يعيش المغرب يوم ثالث مارس، يوما خالدا في حياته المجيدة إنه يوم تربع جلالة الحسن الثاني، ألقاه الله ذخرا وملاذا لأمته، على عرش أجداده الميامين، وقبل بشجاعة وشغف أن يقود سفينة وطنه إلى شاطئ العزة وميناء الكرامة، ومرفأ المجد، وبويع فيه بامتنان، وحب وافتخار، فتكرست بكيفية تلقائية تلك الرابطة المقدسة بين سبط النبي الكريم وأمة الإسلام، بين عاهل مقتدر وعطوف، وشعب محب ومقتنع، بين قائد حنكته التجربة والتأهيل، ومواطنين موقنين ملتزمين.
إنه عيد العرش، ولكنه أيضا عيد الأمة، عيد كل عائلة وكل فرد من أفراد الشعب، عيد وطن ملكي بكل إيمانه وأفكاره وجوارحه، فخور بما أنجزه ملوكه عبر تاريخه العريق، وما حققوه من معالم، وما ضحوا به في سبيل صيانة البلاد ووحدة ترابها، وجمع كلمة أفرادها والذود عن كيانها وتراثها، إنه عيد العروة الوثقى التي لم تعرف قط انفصاما، والتكامل المثالي الذي لم يعرف عبر القرون إلا الانسجام الكامل، والتوازن المطلق، والإيقاع المطرب، الذي يفرضه الألفة ويحقق السعادة والإقبال.
في أيام المحنة وساعات المقاومة، عرف المغرب، بالقيادة الرشيدة لملكه المناضل، انطلاقة ثورية متطلعة، مختلفة الاتجاهات، متنوعة المواضيع والجوانب، وقد نجحت هذه الانطلاقة لعدة أسباب، وأهمها الروح النضالية لجلالة الحسن الثاني الذي أعرب منذ نعومة أظفاره عن غيرته على بلاده، وإيمانه بعظمة أمجاده، وعزمه على قبول كل التضحيات لنصرة إخوانه ومواطنيه، فكان ذلك الجهاد المقدس الذي خاضه إلى جانب والده المنعم أسكنه الله فسيح جناته.
ولما عادت المشروعية للبلاد، والاستقلال للأوطان والعباد، تابع حفظه الله مسيرته المظفرة، بتأييد جماعي كامل وتحبيذ شامل، وزادت الأمة قناعة وإيمانا بتلك القيم والمزايا، والخصال وحسن النوايا التي طبعت نشاط ولي عهدها المحبوب، فلم تزد الآصرة إلا متانة وعمقا وصدقا، وأصبح من خاصيات نظامنا أن كل مواطن يكن لوارث سر ملكه كامل الإعجاب، ومتين التعلق، وفائق المحبة، وجزيل الشكر والامتنان.
فما جاء الأجل المحتوم، ولبى داعي ربه محرر البلاد جلالة الملك المقدس محمد الخامس، طيب الله ثراه كان طبيعيا، خلقا وأخلاقا، وعاطفة وورعا، وعزيمة وإباء، أن تهرع الأمة إلى الإعراب عن بيعتها للشبل المقدام الذي واكب مقاومتها فواكبت مجهوده ونضاله، وقاد جهادها فاقتدت بتفانيه، وعبأ صفوفها استنجدت بعبقريته وبعد نظره، وساير معنويتها فكانت في مستوى طموحاته، وأعطى كل من الطرفين المدلول الحقيقي للتلاحم، والمعنى الصحيح للتعلق المتبادل والتقدير المشترك.
لقد عاش الشعب المغربي ذلك اليوم المشهود الذي توجه فيه جلالة الحسن إلى شعبه، وكل الحزن، وكل الأسف يغمر صوته وهو يقول : << أخاطبك شعبي العزيز، والجرح لا يزال طريا، والنفوس ما فتئت تذوب حسـرة وكمدا على فقد جلالة ملكنا المقدس وأبينا المرحوم محمد الخامس أسكنه الله فسيح جناته... >> في تلك الساعة التقى الشعور بالشعور، واللوعة باللوعة، وساد التفاهم، وعمت المحبة الصادقة، والتعلق المتين، وتألمت الأمة مرتين : الأولى لمصابها والثانية لألم عاهلها.
واسترسل جلالته حفظه الله في خطابهن وكأنه في مناجاة مع شعبه، يوضح ويفسر ويخبر ويعلن، إلى أن قال دام علاه : << أعلن لك شعبي العزيز أنني أمسكت معتمدا على الله مقاليد الحكم، وتربعت على أسلافي المنعمين، تلبية للإدارة الجماعية التي تمثلت في بيعتك لي، وتنفيذا لعهد جلالة ملكنا المرحوم وإرضاء للواجب الوطني المقدس >>. وإنها لعبارات بليغة وغنية، أعطت للحدث العظيم قاعدته الصلبة المتينة، وأبرزت حقيقته الثابتة، وأفصحت عما كان يؤمن به كل مواطن في قرارات نفسه، وذكرت غيرنا بتقاليدنا العريقة، وخصائص العرش المغربي الخالد، تجسيدا لمبادئ الأخلاق الإسلامية.
ثم جاء ذلك الوعد الملكي السامي، حيث أضاف عاهلنا المحبوب : << إنني أعاهد الله وأعاهدك على أن أضطلع بمسؤولياتي، وأؤدي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا، كما أعاهد الله وأعاهدك على أن أدافع عن حوزة الوطن واستقلاله وسيادته، وأحرص على وحدته وإعلاء شأنه بين الدول >>. وكنا نحن المغاربة، ننصت لذلك الخطاب، في تأييد وتحبيذ وخشوع، وكلنا ابتهال إلى العلي القدير أن يحفظ ملكنا الشاب وأن يلهمه الطريق السوي لتحقيق مقاصده، وكان دعاؤنا ينبعث من صميم الأفئدة، ومن عمق الوجدان، لا رغبة في إسعاد الأمة فحسب، ولكن وقبل كل شيء، لأننا كنا نريد لقائدنا كامل التوفيق ومشمول النجاح، لكوننا على إيمان راسخ بأن في توفيقه انعتاق الأمة، وفي ظفره وفوزه تحقيق لطموحه الذي هو قصدنا وغايتنا.
ومرت السنون تلو الأعوام، واحتفلت الأمة كل سنة بذكرى عيد العرش بإرادة لا تلين، واعتزاز لم ينقطع، وافتخار مشروع ومستمر، ففي يوم الذكرى تزين الشوارع والأزقة، والدكاكين والساحات العمومية، ويجتمع أرباب التجارات وأصحاب الحرف، ويقيم كل حي بل وكل سوق حفلة خاصة به، فيأخذ الاحتفال مظهرا عائليا يلتقي أثناءه الصديق بالرفيق، والتاجر بزميله، والعامل بصديقه، في جو يهيمن عليه عنصر المحبة والوئام والفضيلة الخلاقة التي تستمد عناصرها من ذلك الإجماع المثالي على التأييد المطلق للملك المحبوب، الذي علم الوئام بالمثال، وحقق الوحدة بالتضحيات الجسام، وذكر كل سنة بما أنجزه مجهوده بعد أن خططته عبقريته فنال الرضى والعرفان.
في كل سنة نستمع بخشوع ويقظة إلى خطاب العرش فتطلع الأمة على ما حققه مجهودها بقيادة ملكها الطموح وتوجيهاته النيرة وعزيمته القوية وإبائه الذي لا يعرف الوهن، فتزداد قناعة بأنها على الطريق السوي وذلك ما يقوي معنويتها وبحثها على المزيد من التطلع وعلى المزيد من الالتحام وعلى المزيد من الشكر، ومن التعلق بقائد نهضتها ورائد انطلاقتها الميمونة وهذا بالضبط هو ما يعطي لكل احتفال بذكرى عيد العرش بعدا أكثر، ومعنى أعمق، ودلالة أقوى، فيصبح التعلق بالعرش أزكى وأمتن، وحب الملك شغفا، والافتخار به طبيعة، والامتثال لتوجيهاته حقا قبل أن يكون واجبا.
وهكذا تعاقبت أعياد عيد العرش، وهي تطلع كل سنة على أفراد الأمة المغربية بتلك الهدايا النفيسة التي نسجها ملكنا الهمام بحكمة ودراية ووضعها في قالب النماء الذي ارتضاه لأمته المشكورة، فكانت في كل مناسبة باقة فيحاء تنعش الحواس ويتغنى بجمالها المطربون ويفتخر ببهائها المنصفون وينعم بعطاءاتها الأغنياء والمعوزون لأنها من صنع الملك الماهر الذي ما فتئ يؤكد أن المسيرة المغربية تغني الفقير دون أن تفقر الغني.
إن عيد العرش عيد الملك وعيد الأمة، عيد الارتياح والتلاحم، عيد عائلي على المستوى الوطني، عيد الإخلاص والوفاء، عيد العز والكرامة، عيد الاعتزاز بالمقدسات، عيد الافتخار بالتقاليد والأمجاد، عيد الطموح الجماعي الذي يعترف بالجميل ويسعى إلى إرضاء مجتمع موحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله، عيد الوحدة المتراصة بين المسؤول الأول، عاهل البلاد، ورعيته الشكورة.
إن المغرب قلعة المبادئ الخلقية والقيم الإسلامية، خاض معركة الكرامة بقيادة ملكه الهمام الذي تحمل التضحيات الجسام في سبيله، وأعلنها حربا ضروسا ضد التخلف بتوجيهات عاهله الحكيم فحقق أغلى المقاصد، وفرض أسس نظام ديمقراطي قويم، بعد أساليب التوعية الناجعة، واحتل مكانته المرموقة بين الدول بفضل حنكة ودراية ملكه، وإذا احتفل بعيد عرشه فمن باب الشكر للعلي القدير الذي هداه لكل هذا، وما كان ليهتدي لولا أن هداه الله.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here