islamaumaroc

جهاد الدولة العلوية من أجل تحرير البلاد وتحقيق الوحدة

  محمد حدو أمزيان

278 العدد


كلما حل ثالث مارس من كل عام تحل معه ذكرى تربع سيدنا المنصور بالله جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه الكرام الغر الميامين.
وكلما انصرم عام من تربع مولانا أمير المومنين إلا ويخلد أعمالا جليلة في ميادين شتى من إنمائية واقتصادية وثقافية، والباحث إذا أراد أن يستقرئ ما خلدته هذه السنوات الجليلة التي تشرفت بتربع صاحب الجلالة على أريكة ملك هذه الدولة العلوية الشريفة يجد رصيدا من المنجزات والمشاريع طول البلاد وعرضها كان يجد لجلالته حفظه الله تحركات رائدة على المستوى العربي والإسلامي والدولي مما جعل منه حفظه الله الشخصية الأولى في العالم العربي والإسلامي بدون نزاع، كما تجده من بين الشخصيات الدولية التي اقتعدت الصف الأول، وكان لها القرار في كثير م القضايا الدولية.
وإذا كانت أيام المرحوم جلالة الملك محمد الخامس توسم بأنها أيام الكفاح من أجل تحرير المغرب وانعتاقه والتي توجت باستقلال المغرب نتيجة للتضحيات الجسام التي خاضها العرش والشعب، فإن أيام خلفه جلالة الحسن الثاني تتميز بخوض المعركة من أجل توحيد المغرب وتحرير باقي جيوبه وثغوره. إن الدولة العلوية الشريفة من يوم أن تشرف هذا الشعب المغربي بقيادتها وزعامتها، وهي تحمل الرسالة التي آلت على نفسها أن تضطلع بها بكل أمانة وتضحية.
إن المغرب من يوم أن عرف هدى الإسلام وهو يحمل مشعله شمالا إلى وسط أوربا وجنوبا إلى قلب إفريقيا، وأن الإرث الذي خلفه الفاتحون الأولون لهذا البلد ابتداء من عقبة إلى المولى إدريس إلى يوسف بن تاشفين، والذي يتجلى في تلكم الرسالة الخالدة التي تحملوها بكامل الأمانة وحافظوا عليها جعل من الدول المتعاقبة على حكم المغرب دول جهاد وتضحية من أجل الحفاظ على هذه الأمانة.
وشاء الله لهذه البلاد أن تتعثر في سيرها وأن يضعف عامل الجهاد والتضحية في أبنائها، وشاء الله للأندلس أن تسلم الروح والمغرب الذي كان الغوث الدائم له – لا حول له ولا قوة مشغول بنفسه،  واستأسد العدو الصليبي، ومر بصره إلى الضفة الأمانة الأمامية التي كانت تأتي منها النجدات، فقر عزمه على متابعة حملة الغزو والتنصير ليؤمن لنفسه البلد الجاثم عليه، والذي أجهز على أهله شر إجهاز، وأرغمهم على التنصير والانسلاخ من دينهم أو الهجرة إلى الشواطئ الأمامية ومنها المغرب في ظروف مأساوية لم يشهد التاريخ لها مثيلا.
وهكذا احتلت الشواطئ المغربية من جانب الإسبان والبرتغال.
ويأبى الله لهذا البلد إلا أن يهبه من قام بواجب هذه الوراثة والاستخلاف واصطفى له في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه أسرة كريمة أصيلة، حلت بالمغرب على الرحب والسعة، كسلالة طاهرة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
والمغاربة منذ أن باشر الإيمان قلوبهم أكرمهم الله بمحبة آل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم مازالوا إلى الآن على هذا الوصف الكريم مومنين صادقين في إيمانهم. إن البركة والخير في هذه الأسرة الشريفة وما تعاقب منها إلى يوم الدين لكن هذه الأسرة العلوية الشريفة عند دخول جدها الأول قدس الله روحه، لم تستشرف للرئاسة ولا كان في نية جدها المقدس سيدي الحسن الداخل ذلك، وبقيت بمنأى عن الحكم والمسؤولية وإن ساهم أفرادها المساهمة الكاملة في الجهاد وتثبيت الأمن والاستقرار سواء في داخل المغرب أو الأندلس، حتى إذا حم القضاء وانقطع الرجاء، طلب منها أن تضطلع بالأمر في وقت عصيب لتنقذ البلاد من الغزو الصليبي، وتطهر الأرض من الفساد وتعمل على توحيد البلاد والقضاء على الانقسامات الداخلية.
والتاريخ خير شاهد على أنها ما استولت على البلاد قسرا، ولا انقضت على حكمه انقضاضا، ولكنها كانت أسرة فضل ومروءة، وبيت دين ونبوءة، فعرض عليها الأمر عرضا فلم تجد مفرا من الاضطلاع به بعدما تعين، وبعد الإجماع الذي تم في هذا الوقت العصيب قام بالأمر الشرفاء العلويون أدام الله عزهم، وخلد ملكهم، ويتصل نسب هذه الأسرة الماجدة بسيدنا علي كرم الله وجهه وسيدتنا فاطمة البتول بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد استقر أجداد هذه الأسرة الكريمة بينبوع النخل من أرض الحجاز، قبل أن ينتقل منهم إلى المغرب سيدنا الحسن بن قاسم المعروف بالحسن الداخل أواخر المائة السابعة للهجرة الموافق سنة 1301 م وعرف أحفاده البررة الكرام بالجهاد والمرابطة على الثغور ببلاد الأندلس وناحية أكدج من بلاد السودان.
وأول شريف بويع من هذه الأسرة هو المولى محمد ابن المولى علي الشريف وذلك عام 1045 هـ الموافق لسنة 1637 م فبسط نفوذه على بلاد درعة والأقاليم المتاخمة لها فضمها إلى منطقة نفوذه بتافيلالت ثم دخل وجدة وحاصر تلمسان.
ولما تولى بعده المولى الرشيد تابع عملية تطهير البلاد وعمل على توحيد كلمتها، وكانت بيعته عام 1075هـ ولما استتب له الأمر وجه عنايته للأعمال الداخلية وبناء الدولة، فنظم جيش شرلكة، وأنشأ المنشآت العمرانية من المدارس والمساجد والقناطر، وكان رحمه الله نصيرا للعلم والآداب يحضر المجالس العلمية بالقرويين، ويحب مناقشة العلماء، وقد سجل هذا العلامة اليوسي في رسالته إلى المولى إسماعيل يقول فيها : ثم جاء المولى الرشيد ابن الشريف، فأعلى مناره- أي العلم، وأوضح نهاره، وأكرم العلماء إكراما لم يعهد، وأعطاهم ما لا يعد... إلخ.
ومن مآثره رحمه الله مدرسة الصفارين بفاس، وقنطرة على وادي سبو بفاس كذلك. ثم بويع المولى إسماعيل بعد وفاة أخيه المولى الرشيد، وهو يومئذ نائبه بفاس الجديد فتوجه إلى مكناس واتخذها عاصمة لملكه، ويعد المولى إسماعيل من الملوك العلويين الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة هذا البلد وتحرير ثغوره وتوحيد أجزائه، وتثبيت الأمن فيه، وهكذا حرر المهدية في 15 ربيع الثاني 1091 هـ الموافق 4 مارس 1681 م، وطنجة فاتح جمادى الأولى 1095 هـ الموافق 16 أبريل 1984 م، والعرائش 18 محرم عام 1111 هـ الموافق 16 يوليوز 1694 م وأصيلا عام 1112 هـ 1700 م، ووقف على أسوار سبتة وحاصرها، وهكذا حملت هذه الأسرة الماجدة ثقل المسؤولية منذ تأسيسها وحافظت على وحدة البلاد. 
ولنرجع إلى تاريخنا المعاصر وإلى عهد جلالة الحسن الثاني الزاهر، لنرى كيف تلقى حفظه الله هذه الأمانة من والده المغفور له جلالة محمد الخامس محرر البلاد بكل جدارة واستحقاق وبإجماع الأمة بموجب البيعة الفورية إثر إعلان وفاة والده المنعم. فآلى على نفسه أن يواصل السير في الخط الذي رسمه له والده، فحقق حفظه الله الأماني بضم الأقاليم الصحراوية فأعلن عن تنظيم المسيرة الخضراء إلى أرض الصحراء التي كانت حدث القرن، ثم تفرغ حفظه الله إلى إرساء قواعد النظام الديمقراطي بالبلاد، وهكذا نجد أيامه أدامها الله تسير من نصر الله نصر ومن فتح إلى فتح، ولم يشغله أمر عن أمر، فيقدر اهتمامه حفظه الله بشؤون بلاده، لا يالوا جهدا في الاهتمام بالقضايا العربية والإسلامية كقضية فلسطين ولبنان حيث ترأس لجنة القدس الشريف وعمل على حل مشكل لبنان ضمن اللجنة الثلاثية، كما تزعم إخراج فكرة المغرب العربي إلى الوجود بما بذله من مساع حميدة لتحقيق ذلك، حتى انعقد مؤتمر القمة العربي الأول بمراكش في السنة الماضية والمؤتمر الثاني بتونس أخيرا.
وهكذا قلنا في بداية هذه الكلمة، أن أيام جلالته حفظه الله كلها أيام عز ونصر.
حفظ الله مولانا أمير المومنين وأبقاه ذخرا لهذه الأمة ولهذا الدين وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وادام عزه ومجده، وأقر عينه بسمة ولي عهده المحبوب الأمير الجليل سيدي محمد وصنوه السعيد الأمير المولى الرشيد، وباقي أفراد الأسرة الملكية الكريمة، ورحم الله بطل الحرية والاستقلال المغفور له جلالة محمد الخامس وأسكنه فسيح الجنان، وأدام على هذا البلد نعمة الأمن والأمان والاستقرار في ظل عاهله الهمام وعقبه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here