islamaumaroc

الفكر الحسني الإسلامي في التوجيه الإنساني

  أحمد أفزاز

278 العدد

نعود من جديد لرسالة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري للوقوف مع بعض فقراتها التي تكون عقدا ثمينا وسلسلة من الأفكار الرائدة في الشرح والتحليل للتصورات الإسلامية لمستقبل هذه الأمة وستبقى تلك الرسالة منبعا لدراسة الفكر الحسني في مختلف التوجيهات في إطار القاعدة الإسلامية التي وضعت المبادئ الصحيحة للمسيرة الإنسانية نحو عالم أفضل ومستقبل أكثر إشراقا وأشمل نورا وبهاء.
يقول أمير المؤمنين في الصفحة الرابعة عشر : << إذا كان الله تعالى قد امتن على أمتنا الإسلامية أعظم منة، فجعل ظهورها على مسرح التاريخ حدا فاصلا بين مرحلتين من مراحل التاريخ البشري ومنطلقا لتغيير جذري عميق في خريطة العالم انتوغرافيا وجغرافيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وحضاريا وأتاها من فضله أضخم تراث طبيعي مكنوز في جوف الأرض وبارز فوق سطح الأرض.
فما ذلك إلا لنحسن استثماره وننظم الانتفاع به في كل عصر بالوسائل التي تناسب ذلك العصر>>.
لقد سجلت هذه الفقرة في بدايتها التعلق بالله والرجوع إليه فيما يحاول الإنسان أن يكتشفه من منهج وتخطيط، فالتوجيهات الإلاهية والأحكام الربانية التي وضعها الله لهداية خلقه وبلغها إليهم على لسان آخر رسله سيدنا محمد بن عبد الله (ص) يبقى التمسك بها هو المفتاح الذي يوصلنا إلى عالم الخير والسعادة عالم الأمن والطمأنينة، عالم الحب والعطف والحنان الإنساني (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)(1)فكلما توفرت للإنسان وسائل العيش وتغلب على مظاهر الجوع العامة، وضمن الأمن لنفسه وماله في حاضره ومستقبله، عندما يصل الإنسان إلى هذا المستوى الحياتي وهو متعلق بربه متوجه إليه يكون قد وضع قدميه على الطريق المستقيم الذي يدعو الله عز وجل أن يوجهه إليه عدة مرات في اليوم عندما يقول في صلاته ( اهدنا الصراط المستقيم )(2)            
ومن الله على المسلمين التي تشير إلها الرسالة الملكية أثبتها القرآن الكريم في كثير من الآيات، يقول تعالـى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم )(3)ويقول : (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين )(4)
ويقول : (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين )(5)وغيرها كثير.
وقد جاءت رسالة أمير المؤمنين لتصور مظهرا من مظاهر منة الله عز وجل على المسلمين عندما بعث الله رسوله (ص) ليضع حدا فاصلا بين مرحلتين من مراحل التاريخ البشري.
إن الحياة الإنسانية منذ أن خلق الله بذرتها الأولى بنبي الله آدم عليه السلام استمرت في مد وجزر، عقيدة وعبادة، ومعاملة وسلوكا، وأخلاقا، لقد تغلبت الأنانية البشرية في فترة من التاريخ فرضت كل توجيه يأتي من الله عز وجل على لسان رسله وأنبيائه، فسيدنا نوح عليه السلام ظل يدعو الناس حوالي ألف سنة (وما آمن معه إلا قليل)(6)لغلبة العمى على الرؤية، والضلال على الهدى، والقرب من الشيطان على القرب ن الله، فيبعث الله الأنبياء والرسل بكثافة في فترات من التاريخ ولكنهم لا يلقون إلا الإعراض والانصراف والتآمر على القتل (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق)(7)
ولكن الله وهو القادر على كل شيء أراد أن يضع حدا فاصلا في التاريخ الإنساني، فأظهر دينه الخاتم، وأرسل رسوله محمدا (ص) ووضع على لسانه بوحي منه تعالى شريعته، وجعل هذا الدين هو الدين الحــق (إن الدين عند الله الإسلام )(8)
ولا يقبل الله من أي إنسان دينا غيره (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه )(9)وامتن الله عز وجل على أمتنا الإسلامية بهذا الدين (اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا)(10)
لقد كان ظهور الإسلام حقا وصدقا فاصلا بين عهدين في حياة الإنسانية، عهد الجاهلية والخوف وعهد النور والأمن.
إننا عندما نضع خريطة العالم أمام أعيننا، نحلل حياة الإنسان فيها قبل الإسلام وبعده، نكتشف أشياء غريبة في مسيرة الحياة الإنسانية، لقد كان الناس طبقات بعضها فوق بعض، ولا يصلح أدناها الخدمة أعلاها، كان هذا حتى في مراحل ارتقاء الفكر الإنساني في بعض الجوانب عند اليونان والرومان، فبقيت الجاهلية هي المتحكمة، وهي المسيطرة وهي القابضة على التوجه البشري. ولما جاء الإسلام وبدأ نوره يضيء الطريق للإنسان خلق عالما آخر، ووضع خريطة جديدة له، أساسها أن الإنسان مكرم لكونه إنسانا (كرمنا بني آدم )(11)? وأن ما في الكون كله مخلوق له(وهو الذي خلق لكم ما الأرض جميعا )(12) وسخره لاستثماره والانتفاع به (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)(13)
إن حياة الإنسان الجديد، إنسان الإسلام ليست كالحياة السابقة على ظهور هذا الدين، وبما أنه نظام للحياة ومنهج للعمل ومخطط للتوجيه، فهو إذن شريعة كاملة لا ينقصها شيء، لقد وصف الله عز وجل دينه بـأنه كامـل (اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا )(14)
فهو كامل في الطول والعرض، وكامل في الارتفاع والعمق، وكامل في موقفه من الإنسان( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(15) فكل إنسان يمكن أن يكون أكرم الناس عند الله إذا كمل في تقواه وخشيته والتعلق به.
وهذا التغيير الذي أحدثه ظهور الإسلام نلمس أثره << جغرافيا واجتماعيا، واقتصاديا وثقافيا وحضاريا>>.
فالمكان الذي يوجد فيه المسلم، وتطبق فيه أحكام هذا الدين يعتبر جزءا من العالم الإسلامي وقطعة من أمة الإسلام، سواء كان في أقصى المشرق (جكارطا) أو في أقصى المغرب (طنجة)، فالأخوة الإسلامية غيرت الخريطة الجغرافية للعالم الإسلامي، ووضعته في حدود واحدة وقاعدة ذلك قوله عز وجل : (إنما المؤمنون إخوة )(16) وقول الرسول (ص) << المسلم أخ المسلم >>(17) فالأخوة الإسلامية جعلت المسلم يتعاطف مع أخيه في الدين ويتحبب إليه، ويتقوى به ومعه، وكان المسلم ينتقل في أرض الإسلام، في عالم بلا حدود، ويتولى المناصب الإدارية العليا بين المسلمين مفتاحه في ذلك علمه وروعه وتقواه.
وفي الميدان الاجتماعي جاء الإسلام بنظام جديد على العالم الإنساني وهو نظام أحكامه وقواعده وأصوله قائمة على نصوص الوحي الإلهي ومن الطبيعي أن يحدث هذا النظام تغييرا في خريطة السلوك الإنساني لأنه قائم على شريعة تؤسس للحاضر وتبني للمستقبل أقر مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وجعله قاعدة أصيلة، وأبقى التفاضل بسبب التقوى وحدها (إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(18)
ويؤكد الرسول (ص) ذلك في خطبة حجة الوداع ( إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس لعربي فضل على عجمي وليس لعجمي فضل على عربي، ولا أسود على أبيض ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى)(19)
وهكذا سمت الشريعة عن كل اعتبار يعود إلى النسب أو الجاه، أو المال أو القبيلة، أو العشيرة، أو اللون أو الجنس، وفي ميدان الأعمال يسوي الإسلام بين الرجل والمرأة ? ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ?20
وجعل الإسلام العمل واجبا على المرء مادام قادرا عليه ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)(21). وطلب الرزق الحلال بعد أداء الواجبات أشرف الأعمال وأكرمها وأطيبها.
وفي ميدان البر والتعاون والعدل، والتكافل وصلة الرحم والوفاء بالعهد، والإخلاص في التعامل، جاء الإسلام بأحكام وقاعد كونت من المجتمع الإسلامي المدينة الفاضلة التي يتمناها الإنسان.
وفي ميدان العلاقة الأسرية جاء الإسلام بأحكم النصوص، فنظم علاقة الزوجية ووضع لها القيود والشروط، وحمى الأنساب من الاختلاط أو الشيوع وجعل للأسرة قيادة حتى لا تبقى فوضى، وحمى عرضها من القول أو الفعل ووضع الجزاء المناسب لذلك.
هذا جزء من التغيير الجدي الذي أحدثه الإسلام في الميدان الاجتماعي.
وفي التعامل الاقتصادي كون الإسلام نظريته على أصول متوازنة حماية الملكية وإباحة البيع والشراء وتكوين الثروة القائمة على الحق والدين ويكفي أن يكون ن بين قواعده الخمسة إيجابية الزكاة، وهي لا تتأتى إلا من الأغنياء والسعي في المجتمع لجمع المال، واستعماله في النماء الاقتصادي يعتبر وسيلة لأداء الزكاة التي هي ركن من أركان الدين، وبجانب إيجابيات التعامل الاقتصادي منع الإسلام الغش والاحتكار والتطفيف في الكيل والميزان، واستغلال الحاجة لأخذ الربا.
وفي الميدان الثقافي يفتح الإسلام الباب للعقل ويحرره من كل القيود ويأمر الإنسان بالتأمل والتدبر في الكون ويحثه على جمع العلم والمعرفة، الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، منها ينطلق إلى الأسرار العلمية والسنن الفطرية، فيسمو بالعلم ويرقى بالعمل ويبلغ الدرجات العليا عند الله.
أما في ميدان الحضارة فالتغيير كان أعمق وأقوى من كل شيء.
قامت حضارة الإسلام على عنصرين لم يسبق إليهما من قبل، حضارة الروح وحضارة الأشياء.
فحضارة الروح وضع لها الإسلام قاعدة التوحيد، لا إله إلا الله، فعندما يتمسك الإنسان بعقيدة التوحيد ويعض عليها بالنواجذ، تستسلم له المقاليد، لأنه يربط حياته بالله عز وجل، فلا عبادة إلا له ولا طاعة إلا له، ولا خضوع ولا خشوع ولا خوف إلا منه عز وجل، فإذا أصابه خير حمد الله وشكر، وإذا أصابه شر صبر عليه، وإذا احتاج إلى العون التجأ إليه، وإذا احتاج لمعروف طلبه منه، إن هذا جزء من معنى الإيمان بالله عز وجل، وهو عنصر من عناصر حضارة المسلم.
وغير المسلمين منهم من يقول بوحدانية الله عز وجل، ولكن في تصور خاطئ ونظر ناقص، فاليهود يعتقدون بوجود الله على نحو معين، والنصارى يقولون كذلك بوحدة الله، ولكنهم يركبونه من عناصر متعددة، وحتى مشركي الجاهلية كانوا يقولون بوجود الله الواحد، فقالوا في تعليل عبادتهم للأصنام (نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)(22).
ولم ترق العقيدة إلى مستوى حضاري رفيع إلا في التصور الإسلامي الذي يجعل الله هو المعبود وحده بحق، وهو المالك والمسيطر والقادر على كل شيء، ولا يتم في الكون أمر إلا بإذنه(له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم)(23)
أما العنصر الثاني في الحضارة الإسلامية فهو المتعلق بالعطاء والإبداع الإنساني في إطار التوجيهات والقيم الإسلامية. وهذا الجانب مرتبط بالعنصر الأول لأن الإنسان عندما تؤطره عقيدة معينة هي عقيدة التوحيد، والإيمان يكون إبداعه الفكري وعطاؤه العلمي على طيف متوفر على جميع المواصفات الإسلامية.
ومن خلال هذه الصورة يمكن النظر إلى ما أحدثه الإسلام على مسرح التاريخ من تغيير جذري في البنية الحضارية.
إن الحضارة الإسلامية لها أيادي بيضاء على المدينة المعاصرة وكانت حلقة هامة في المسيرة الحضارية للإنسانية.
وإذا كان العنصر الأول من الحضارة الإسلامية المرتبط بالعقيدة بدأ منذ ظهور الإسلام وإعلان كلمة التوحيد، فإن بعض المظاهر الأخرى للحضارة الإسلامية انطلقت مباشرة بعد وفاة الرسول (ص) وبالخصوص في تأسيس نظام الحكم وتطبيق أحكام البيعة لإمام المسلمين ووضع منهج ولاية العهد في الحكم الإسلامي ثم بدأت مظاهر الحضارة تأخذ أشكالا متميزة في بداية العصر الأموي، سواء في الديار المشرقية أو المغربية، وبلغت مستواها العالي بترجمة الفكر المغربي، وإنشاء الجامعات الشعبية المتخصصة في العلوم، واستمرت الفتوحات العلمية على يد العلماء المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي اعتمادا على الأسلوب التجريبي النظري العقلي.
وفي ميدان التعمير والبناء مازالت آثار الحضارة الإسلامية شاهدة بقصورها ومساجدها وحدائقها وأذواق أهلها على ذلك، وحتى بعد خروج المسلمين من بعض الجهات فإن البصمات الإسلامية مازالت تدل على أن الإسلام كان موجودا في تلك الديار بعلومه ومناهجه وأحكامه وقواعده.
وعندما قال جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في الرسالة الإسلامية بأن ظهور الإسلام جعل حدا فاصلا بين مرحلتين من مراحل التاريخ البشري ومنطلق لتغيير جذري عميق اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وحضاريا كان ينظر إلى التاريخ الإسلامي بكل مقوماته وعوامل نهضته وما قام به الإسلام من أسباب الاستعباد والاستغلال.
فجزى الله خيرا أمير المؤمنين على جهده وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الله وإظهار دينه، إنه سميع مجيب.

قـــــال النــبـــي علــيــه الســلام
  << تـركــت فـيـكـم مــا إن تـمـسـكـتــم بــــه
       لن تـضلـوا بعــدي أبــدا كـتـاب الـله  وسـنـتـي >>
                                                         صدق رسول الله
                                                           صلى الله عليه وسلم

(1) الآيتان الأخيرتان من سورة قريش.
(2) الآية السادسة من سورة الفاتحة.
(3)  الآية 164 من سورة آل عمران.
(4)  الآية رقم 5 من سورة القصص.
(5)  الآية رقم 17 من سورة الحجرات.
(6) الآية 40 من سورة هود
(7)  الآية 61 من سورة البقرة
(8)  الآية 19 من سورة آل عمران
(9) الآية 85 من سورة آل عمران.
(10)  الآية 3 من سورة المائدة.
(11)  الآية 70 من سورة الإسراء.
(12)  الآية 29 من سورة البقرة
(13)  الآية 13 من سورة الجاثية.
(14)  الآية 3 من سورة المائدة.
(15)  الآية 3 من سورة الحجرات.
(16)  الآية 10 من سورة الحجرات.
(17)  من حديث أخرجه البخاري ي كتاب المظالم عن عبد الله بن عمر  وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب عن أبي هريرة.
(18)  الآية 13 من سورة الحجرات.
(19)  أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي نظرة
(20)  الآية 124 من سورة النساء
(21) الآية 10 من سورة الجمعة.
(22)  الآية 3 من سورة الزمر
(23) الآية 12 من سورة الشورى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here