islamaumaroc

السمع والبصر والفؤاد

  عبد الله اكديرة

278 العدد

<<... ولنتسلح لمواجهة مسؤولياتنا الثقيلة والمتنوعة في هذا العصر، باكتشاف القوة الفكرية التي هي <قوة العلم> وأدوات القوة المادية التي هي <قوة السلاح> وكثافات القوة الروحية التي هي <قوة الأخلاق>. ولنجعل شعارنا اليومي الدائم <العلم النافع، والعمل الصالح، والإنتاج المستمر، والكسب المشروع، والرقي المطرد، والتنافس المحمود، والسير الدائم إلى الأمام، وضرب المثل لبقية الأقوام، ولنحول دنيا الإسلام الواسعة التي لا تغيب عنها الشمس إلى <مسجد كبير> نعبد الله جميعا في محرابه، ونقوم فيه بالخلافة عن الله في الأرض، طبقا لما جاء في كتابه، بكل بقدر ما آتاه الله من علم وفهم وخبرة وتجربة، وما وهبه من مواهب فطرية ومكتسبة...>>.
                      من رسالة أمير المؤمنين الحسن الثاني إلى الأمة الإسلامية
                             بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري

إن من أجل وأعظم ما امتن به الله سبحانه وتعالى علينا نحن بني آدم أن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة لنشكر ولا نكفر، لنحمد لا لنجحد...
ووسائلنا إلى الشكر والحمد هي ما جهزنا به الله تعالى من أجهزة السمع والبصر والفؤاد، نحسن استخدامها فيما يرضي الله، وينفع خلق الله عيال الله، فأحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعيالهم، وهدفنا الواضح الرائع الذي نرفع لواءه أمامنا ونصب أعيننا هو قول الله تعالى في الحديث القدسي الشريف، قال صلى الله عليه وأله وصحبه وسام : << يقول الله تعالى : ( من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد منه).
هذا هدف كل مؤمن في الحياة... أن يستغل ما أنعم الله به عليه من نعم السمع والبصر والفؤاد، وكل الجوارح، لما خلق هو له، ولما خلقت له من أجله تلك الأعضاء والجوارح... يستغلها ويسخرها لذكر الله وشكره وحسن عبادته... فيكون سمعه تذكرا وتذكيرا، وبصره وتبصيره تفكرا وتفكيرا، وسكونه وتسكينه تدبرا وتدبيرا، وعمله لنفسه ولغيره صبرا وتصبيرا أو شكرا وتشكيرا...
والشكر هو الغاية القصوى التي يرتفع إليها العبد المؤمن : أن يكون عبدا شكورا... شعاره في الحياة هو قول الله ذي العزة والجلال : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ). ما خلق الإنسان إلا للشكر ... من أجله زود بالسمع والبصر والفؤاد...
والشكر إخلاص لله، وتجرد له، وتفان في طاعته، وثبات على نفع خلقه، واستمرار في العمل لمصلحتهم ومنفعتهم... وغاية الغايات عند العيد أن يحبه الله... فيكون بإذنه وسمعه له وبه، فهو تعالى بهذا سمعه، ويكون بإنذنه بصره له وبه، فهو تعالى بهذا بصره... فيما يرضيه عن الله ويرضى الله به عنه تتحرك يده، فبه تعالى تحركت وإليه انقادت في حركتها، فغدت بإذن الله يد الله في يده تقويها وتوفقها وتسددها... وتوسلا إلى محبته تعالى واتقاء غضبه سبحانه تسعى رجله... فبه تعالى إليه سعت وإليه مضت في سعيها... فتوفيق الله هو الذي قوم ممشاها وسدد خطاها ووفق مسعاها، فهو كله لله وبالله وليس له أو فيه من شخصه أو نفسه شيء لغير الله... فهو عبد شكور قدوته في ذلك رسول الله (صلع) وعلى آله وصحبه، حين كان يقضي نهاره في تبليغ رسالة ربه إلى الناس، والسعي فيما يصلح معاشهم ومعادهم... ويبيت ليله لربه قائما، بعد أن يقضي حقوق أهله كلها من مساعدتهم في أمور البيت وغيرها... بساما ضحاكا لينا سهلا عطوفا رحيما... ثم بعد هذا يقوم الليل لربه حتى تنفطر قدماه، فرقت له حبيبته الصديقة ابنة الصديق أم المؤمنين رضي الله عنها وعن والدها الكريم، وقالت له : أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فأجاب : أفلا أكون عبدا شكورا ؟.
إن على العبد أن يتذكر يوم مولده... يوم خرج من بطن أمه جنينا... قطعة لحم مخلقة مشكلة... بقدر الله الخلاق العليم... لا تعلم ولا تعي شيئا... شروع إنسان – وأستغفر الله العظيم عن هذا التعبير إن كنت به مخطئا – قلب يزن حوالي 20 غراما فقط... رئة لا يتعدى وزنها 30 غراما... دماغ لا يتعدى وزنه 350 غراما... الغدة الدرقية التي سخر الله تعالى إفرازها لتنظيم وتوازن السلوك والعواطف عند الإنسان لا تكاد ترى... بل إن سيدة غدد الإنسان وهي الغدة النخامية لا تتعدى نصف غرام... أين وعيه حينئذ ؟ أين عواطفه يومئذ ؟ أين سمعه وبصره آنئذ ؟ كل هذا فيه جنين يتدرج في النمو بقدرة العزيز العليم القادر الرحيم... وينمو الإنسان وينشأ ويكبر ويتم خلقه إنسانا بكامل قوى الإنسان وملكاته وهيأته التي أنعم الله بها عليه... بسمعه وبصره وفؤاده... والمقصود بالسمع هنا السمع الواعي الجامع بين الإصغاء والإنصات والفهم... وإلا فلا سمع... وكثير من الناس يسمعون كل الأصوات أو الأقوال والعبر والعظات وأسماعهم حادة مرهفة قوية... ولكن وعيهم وأفئدتهم مغلقة صماء، فتمر بها الأمور المفيدة كأن لم تسمعها... والمقصود بالبصر لا مجرد النظر والرؤية، وقد فرق الله تعالى في كتابه الحكيم بين مجرد النظر وبين البصر بمعناه الحق حيث قال جل علا : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) خاطب الله تعالى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه يبين له حال الجاحدين : إن دعوتك لا تصل إلى قلوبهم ليفقهوها ويعوها، فهي لا تتعدى آذانهم، وهي حين يجلسون إليك ينظرون إلى شخصك، ولكن أفئدتهم لا تستطيع أن تتأثر بما يمكن أن ينقل إلى غيرهم من ذوي الألباب – أي القلوب – والأسماع والأبصار السليمة من الهدى والرشد، فقلوبهم مطبوع مختوم عليها مريضة، والأبصار والأسماع منهم عليها غشاوة فصلتها مقطوعة بأفئدتهم، فهم قد يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا... قد يكون منهم علماء في أدق وأصعب العلوم المادية قد يجمع الله تعالى لهم القدرة على التعمق في عدد من هذه العلوم والاختصاصات... ولكن يبقى مع ذلك قول الله تعالى في كتابه المكنون المطهر منطبقا عليهم : ( ويعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ). إنهم علماء ظواهر فقط، يحسنون استخدام أبصارهم وأسماعهم وباقي حواسهم... إلا أفئدتهم فإنهم ينحونها جانبا في أعمالهم العلمية، وحتى إذا استخدموها فإنهم يسيئون استخدامها، لأنهم يريدون أن يفرقوا بين العق البارد المجرد، وبين العاطفة الحارة الفعالة المرتبطة بالأشياء والناس، بل وبكل الخلق ارتباط الحب والنفع العميم... بل حتى الذين اكتشفوا منهم أن الخطر كل الخطر في التفريق بين العقل والعاطفة، سقطوا في هوة العاطفة المشوهة، بقصرها على عرق معين وحضارة معينة... ومن هؤلاء الطبيب الحكيم العالم (ألكسي كاريل)، فهو يمجد العرق الآري الأبيض، ويكاد لا يرى إلا حضارة أوربا، رغم تعداده لمعايبها ومخاطرها وأسوائها وأدوائها... رغم كل هذا كله، فهو يرى أنها وجدت لتبقى، بل هي الحضارة الوحيدة – في رأيه – التي ستبقى لأنها هي الحضارة الفريدة التي استطاعت أن تعي أمراضها قبل أن تقضي عليها.
في إحصاء علمي ثبت للعلماء أن 90 % من معلومات الإنسان عن طريق البصر، و 8 % فقط عن طريق السمع، و2 % عن طريق الحواس الباقية...
ومعنى هذا أن البصر من ناحية الكم قد استأثر بنصيب الأسد من حيث المعلومات التي يزودها الإنسان... وقد ثار في ذهني تساؤل : لماذا في كل آيات ( السمع والبصر والأفئدة ) بدأ الله تعالى – وهو الحكيم العليم – بالسمع قبل البصر ؟ وقد توصلت إلى جواب أكاد أطمئن إليه : لقد جعل الله تعالى المعلومات البصرية ذات صبغة كمية في الغالب تغني عنها - نوعا ما – المعلومات السمعية التي هي قليلة من حيث الكم، ولكنها جليلة من حيث الكيف... ولهذا نرى أن المولود الأصم الأبكم، إذا لم يجد الرعاية اللازمة ينشأ أقل إدراكا من الذي يولد ضريرا... والحق أن السمع والبصر لا يمكن أن يبلغا بالإنسان مبلغه من العلم الذي أقدره الله عليه – رغم أن ما أوتيه منه ليس إلا قليلا – فالمسلمون ومعهم حكماء العالم من غيرهم يعتقدون أن هناك الوحي، وهو لنوع خاص من البشر هم الرسل والأنبياء المصطفون الأخيار، ثم الحدس والإلهام والرؤى الصادقة وكرامات الصالحين من عباد الله، وما زود به الله تعالى هذا المخلوق العجيب الذي هو الإنسان من طاقات وقوى خفية... يقف العلم الحديث إزاءها مذهولا حائرا عاجزا، قد يجحد فينكر، وتصدمه الحقائق الثابتة فيستسلم شاكا مشككا...
ونجمع نحن المسلمين هذه الحقائق في (الفؤاد) الذي يجمع الله تعالى فيه كل مدارك الإنسان الواعية – المكتسبة والموهوبة – التي يكون بحس استخدامه لها – كما وكيفا – مسؤولا مكلفا... محاسبا في الدنيا والآخرة... محاسبا بميزان دقيق لا يخطئ ولا يحابي : فالثواب هنا وهناك... اليوم وغدا لمن استحق، والعقاب هنا وهناك... اليوم وغدا لمن استحق.
وهاهي الحضارة الحديثة في جانبها المادي الصفيق، الذي تهتم به وتنميه على حساب جوانبها الأخرى، فلها جوانب ومزايا أخرى طيبة لا ينكرها أحد يبصر ويسمع وله فؤاد يعقل... هاهي تقف اليوم بالبشرية على شفا جرف هار قد ينهار بها في الدنيا إلى الدمار والخراب وسفك الدماء والفساد... ثم في الآخرة يهوي بأهلها والسائرين في ركابهم عن عمه وضلال في نار جهنم... وبئس القرار ولبئس المصير... لهذا الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ليعمرها ويزينها بحضارة العلم والعبادة والشكر والحمد والحب... فاشتكى الملائكة المقربون خوفا من أن يفسد فيها ويسفك الدماء... فكان أن نبههم الله تعالى إلى أنه واسع العلم... يعلم ما لا يعلمون... وعلم آدم الأسماء كلها... وجعله خلقا سويا بالسمع والبصر... وفطرة سوية بالفؤاد... يعقل ويفقه الهدى الذي يأتيه من الله بشتى طرق العلم والتعلم... وإلا فالعداء والاعتداء والشقاء... ولا أريد أن أعدد أنواع المصائب التي أصابت الإنسانية بسوء استخدامها لما وهبها الله (من مواهب فطرية ومكتسبة)... ومنها: أسماعها وأبصارها وأفئدتها... فالمجال هنا لا يتسع لي إلا بثلاث شهادات :
الشهادة الأولى : للعالم <هانز ألفين> حين قال في بحث له بعنوان <وسائل الإبادة الشاملة> : <<... الأسلحة النووية تهدف أساسا للقضاء الجماعي على المدنيين الأبرياء أو بعبارة : لتعذيبهم حتى الموت، ولذلك فإن العبارة التي تصف تلك الأسلحة بشكل أدق هي وسائل الإبادة...>>.
فهل للإبادة خلقنا الله تعالى وجعل لنا السمع والبصر والأفئدة ؟ هاهو الجواب القرآني عن هذا السؤال: ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
الشهادة الثانية : للعالم <إدجار كارتز> في بحث له بعنوان <البحر الأبيض المتوسط بحر ميت عام 2000> يقول فيه : <<... يستقبل هذا البحر وبشكل مستمر الفضلات المطروحة من حوالي 125 مليون كائن بشري، وهو عدد السكان المقيمين على شواطئه، والذي يتضاعف في الصيف بسبب السياحة... ولكن مياهه لا تتجدد إلا كل 180 سنة تقريبا... إذا يبدو أن بحرنا الأبيض المتوسط مقدر له أن يصبح بعد فترة بالوعة للماء الآسن القدر...!>>.
وسؤال الحيرة والمرارة الذي يرد على كل ذهن سليم : أهذا هو واجبنا نحو البيئة الطبيعية – بيئتنا المسخرة لنا – من بحار وأشجار وطيور وأنهار... التي خلقها الله لنا، وسخرها لنا... صالحنا... لنفعنا...!؟ أرد الجميل لهذه المخلوقات الجميلة الرائعة النافعة أن نسخر قوانا التي وهبها الله لنا من سمع وبصر وفؤاد وجوارح وأعضاء لتلويثها وإفسادها ؟
الجواب القرآني حاضر واضح : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) وفي آية أخرى : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) وفي آية أخرى : ( والله لا يحب الفساد ).
الشهادة الثالثة : من الحياة والواقع... فهذا مرض جديد استشرى في دنيا الناس... وبث فيهم الرعب والهلع (إنه السيدا أو الإيدز) هكذا يسمونه... وهو وباء معد رهيب، يشل مناعة الإنسان كليا... ويفتك به... وهو يستشري بين الشواذ من البشر الذين استغلوا قواهم من بصر وسمع وفؤاد في تتبع واقتناء كل ما يرضي الشيطان، وما يبث في نفوسهم المريضة من أهواء دنيئة وشهوات بهيمية، يرضونها بإسراف وإفراط، وعلى غير ما طبعهم الله عليه في خلقتهم وفطرتهم السويتين المستقيمتين... إنهم يغرقون فيما يزينون لأنفسهم، ويدعوهم إليه الشيطان من الفحشاء والخبائث... وأمها الخمر والمخدرات بأنواعها... وما فشت الفحشاء والخبائث في قوم إلا عميت أبصارهم وصمت آذانهم وطبع على قلوبهم... وعمهم من البلاء ما كان ولم يكن فيمن قبلهم... وفي الإسلام والتزامه والتشبث به الدواء من كل داء، وبه نستأصل كل الخبائث ونقضي على كل فحشاء... فنحفظ أسماعنا وأبصارنا وأفئدتنا للفقه الحق والعلم النافع وحب الخلق عيال الله كلهم... فنزكي أنفسنا... وتزكو بنا الحياة... وتحل بنا بركة الله فتصبح أرضنا الطيبة فعلا << مسجدا كبيرا >> يعبد الله في محرابه الجميع بأمن ويمن وأمان، وسلم وسلامة وإسلام... ولهذا بعث الله تعالى محمدا خاتم أنبيائه ورسله رحمة مهداة للعالمين ليحل الطيبات ويحرم الخبائث، وليجمع في باقة جميلة في تناسق وإبداع بين <قوة العلم> و <قوة السلاح> و <قوة الأخلاق>... وبذلك يكون لنا الله في كل شيء منا، لأننا نكون له بكل شيء فينا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here