islamaumaroc

افتتاحية: عهد ومسؤولية والتزام

  دعوة الحق

278 العدد


شهر مارس من كل عام ميلادي، هو أحلى شهور العام، لدى الأحياء، له دلالة ومكانة ومقام، يفر وجهه على أحلى الابتسام طلقا مع الربيع الذي يبعث الحياة والنضارة، ويحيي القلوب والأجسام، ويشفي الصدور مع على كل علة وسقام... ولو إلى حين...
في شهر مارس، وغب فصل متجهم عابس، تخرج الأرض أسرارها، وتظهر يد الغيث آثارها، وتبدي الرياض أزهارها، ويخلع رب العزة والجلال على مجالي الطبيعة المستفيقة من سبات الشتاء نورا يسطع في ثناياها، وغلالات تكسوها كأحلى ثيابها، فإذا الأرض في كلأها الأخضر النامي، وعشبها الناضر الزاهي، تحاكي زرابي مبثوثة من سندس وإستبرق، وتتضوع بالأرج الطيب، أرجاؤها، وتتبرج، في ظل الغمام، صحراؤها، وتعارض، بغرائب النطق، طيارها، وقد وشحتها لآلئ الندى، فتبدت القطرات منه، كحبات اللجين توشي البساط الممتد فوق التراب... فإذا نظرت إلى الأشجار، رأيتها كالعرائس الحور في حليها وزخارفها يوم زفافها، والقيان في وشيها ومطارفها، وقد تباينت ألوان وشاحاتها، فهذه اكتست ثوبا أبيض صافيا، أنقى من قلوب الأطفال، وهذه صبغت الأزهار المتفتحة في أغصانها بلون الورد، كخد عذراء يلفها الخجل والخفر والحياء.
ولقد تخففت الأغصان من بعض أزهارها، فمالت منها إلى الأرض وريقات تحلقت مول أمها فبي دائرة تحيط بالشجرة في شتى أطرافها، فما تشك في أن عباقرة الفن المغربي القديم قد قبسوا عن الطبيعة صورة انطباع وجه الربيع على الأديم، ووجوه الناس...
ذلك وجه بلاد المغرب في شهر مارس، ومن كل عام ميلادي، إذا ما أهل فصل الربيع، تهلل سره في قسمات الوجوه، وشع نوره في حنايا القلوب، وتألق وميضه في جميع البيوت، فهو، دون بقية الشهور والأيام، من أعياد العمر، وأعيان الدهر، حسن الشمائل، ممتع المخايل، مونق الأرجاء، تبسم عنه الربيع، وتبرج عنه الروض المريع، وكأنه اقتبس أنواره وأسراره من محاسن أيامنا الجميلة، وربوعنا المعطاء، ومن عبق العرش المغربي القائم على العهد والمسؤولية والالتزام، والجالس عليه الملك الحسن الثاني الذي ادخره الله لهذا الشعب العظيم الذي خرج منه، ونبغ فيه، واعتد عليه، وكافح دونه، فسعدت به الأيام، وزكت به الأرض، واطمأن له الزمان، وأعطى لهذا الشهر معاني الجدة والخلود، فحاز ميزات وسمات وصفات دون بقية الأيام والشهور.
قــد يـهـون العمـر، إلا سـاعـة،    وتـضـيـق الأرض، إلا مـوضـعــا
                                                **-**-**
في شهر مارس، موسم الربيع الريان، شباب الزمان، ومقدمة الورد الوالريحان، وفي إطار هذه الباقة الفواحة التي تضفيها الطبيعة الأنيقة الخلابة على المروج والروابي، حيث النبت خضل ممطور، يحتفل الشعب المغربي، وبمبادئه وأخلاقه ومقدساته، ويستقبل عيدا وطنيا من اجل أعياده شانا، وأبلغه في حياته أثرا، وأبلجه في نفسه دلالة، يحمل تاريخا حافلا بالمفاخر والأمجاد، مليئا، بجلائل الكفاح والبطولات، أينع فيه الغرس من أشلاء الضحايا، فكان أمة على وجه الدنيا، تنشئ الحياة وتبني...
وما من أحد أحب بلاد المغرب التي لها من عناصر البقاء، وحيوية الصمود، والتي جعلها الله مسرحا للحسن، ومعرضا للفن، ومهبطا للسرور، وكعبة لأرض اللقاآت والفتوح، إلا عشق الطبيعة في ربوعها، وأحب أهلها، واطمأن إلى أمنها وأمانها، فابتدرها – إن استطاع – بزيارة ربيعية تجتمع فيها القوب اجتماعها على أحلى الذكريات من أمرها وتاريخها.
                                               **-**-**
إن للعرش في المغرب حبا دفينا وعميقا في نفوس المغاربة جميعا، منذ أن كان التأسيس الأول لهذا العرش العتيد على يد المولى إدريس الأول حين بايعه المغاربة عن طواعية، انبثقت عن رضى واختيار وحب لآل بين رسول الله (صلع).
وإن من تاريخ هذا البلد العظيم، أن اعتلى عرش البلاد فيها، رائد الأمة، وموحد ترابها الوطني، جلالة الملك المفدى مولانا الحسن الثاني الذي يجسم آمال المواطنين وأمانيهم منذ أن تسلم مقاليد البلاد، وتحمل العهد والمسؤولية والالتزام، فهو الحصن الحصين للذياذ عن كرامة الأمة ومقدساتها، والدفاع عن وحدتها وصيانتها من العبث والتخريب، والتضليل والتخدير، وسوء المنقلب ومغبة المصير...
                                                 **-**-**
ومن عبق الذكريات في هذا الشهر، ومنذ اعتلاء جلالة الملك على عرش أجداده الأمجاد، أن الشعب المغربي يقف في كل عام، وفي يوم الذكرى والمهرجان، صفا واحدا متراصا لتجديد العهد وتأكيد البيعة، وهو يعبر بذلك عن شديد التعلق، ومتانة الروابط، وشتى المشاعر والأحاسيس التي يختزنها في نفسه طوال أيام السنة، فهو يحتفل في هذه الأيام المشرقة الوضيئة، وفي كل مناسبة سعيدة، في حب صادق، ونشوة غامرة، ويخلد هذه الذكريات العذاب ليقف مع التاريخ في لحظاته الحاسمة، يحاسب النفس والشعور والوجدان، ويؤكد وفاءه للمبادئ الإسلامية السمحة، معتصما بحبل القرآن، ومتمسكا بسنة سيدنا محمد عليه السلام، ومجددا ولاءه وإخلاصه للسدة العالية بالله أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني العامل على نصرة الدين والحارس الأمين على مقدسات الشعائر الإسلامية الصحيحة...
ومن دلائل اليمن، وحسن الطالع والإقبال، أن السنة الماضية كانت من أحفل السنوات خيرا وبركة، وأغزر الأعوام نماء وعاء، فقد استقبلنا بها أيام الصحة والعافية، وجنينا بها ما غرسنا، غلالا وثمارا بعد كد وجهد، إذ حقق المغرب في تاريخه الأزلي وتراثه الخالد مكاسب جديدة، ونهض بأعباء خطيرة سجلها التاريخ في ثبت الخلود في فصول وضاءة لامعة من الوطنية والعبقرية والبطولة لجلالة الحسن الثاني الذي يعتمد في تأثيل ملكه، وإنهاض شعبه – بعد الله – على الجد النزيه، والإخلاص العامل، والجهاد المخلص، والتفاني في طريق النفع العام.
وقد برهن الشعب المغربي في مختلف الظروف، وشتى المناسبات، ومنذ أن تسلمت دولة الأشراف مقاليد أمره، عن التفافه حول العرش، وتضامنه مع الجالس عليه، لاسيما في الأيام الحوالك، والظروف العصيبة التي تستلزمها نواميس الكون، وسنن الطبيعة، والتي تطفو فوقها نزوات النفوس، وتسلط الأهواء، وجموح الشرور بل إن الملمات التي تعترض سبيله تكون وقودا لإذكاء نشاطه، وجذوة تلهب حماسه، وتقوي عزمه، وتشد أزره، وتساعده على تذليل الصعاب، وتخضيد العقاب...
                                               **-**-**
والشعب المغربي نهض بمسؤولياته، ووفى بعده، وقضى التزاماته إزاء التاريخ، سواء داخل البلاد أو خارجها، وخاض غمار الحياة، فما عرف عن أبنائه البواسل الذين يتسعرون بالحماس، وشبابه العامل الذين يتفجرون بالوطنية وقادته المخلصين الذين يهتفون بالتضحية والفداء، من بطولات وأمجاد، انهم تركوا أعنتهم للقدر، وحمايتهم للحليف، وثروتهم للغريب بل فهموا، قبل غيرهم، معنى الوطن، قبل أن يفهموا معاني الاستقلال والعزة والسيادة، فلما فهموها، وفهموا لوازمها من التضحية والإخلاص والإيثار، نالوا ما أملوا، وأدركوا ما أملوا، والسر في ذلك يعود إلى أن الدولة العلوية الشريفة قد أطرت في إحكام وإتقان، وفي عهد ومسؤولية والتزام، هذا الشعب، فعلمته، وهذبته، وأشرعت له أبواب المعرفة والعلوم، وذاذت عن حماه كل خطر، وحمته من مغبة البلايا والرزايا، وأذكت حماسه للدفاع عن الوطن المحبوب، فكان لا يخرج ظافرا من معركة إلا ابتلته الأقدار بمعركة أخرى... وقد كتب الله له البقاء والاستمرار، وعقد له ألوية النصر المؤزر على جميع القوى التي تصدت له، واعترضت طريقه، وأجلبت عليه بخيلها ورجلها، وهو صامد كالجبل الراسي تتكسر على صفاته كل القرون، وقد انكشف للجميع، ولمن كانت أعينهم في غطاء من هو شر مكانا، وأضعف جندا، فكان بذلك آية الآيات في مجالدة الدهر، مقارعة الخطوب، ومعانقة الأحداث...
هكذا صمدت الدولة العلوية المجيدة في صبر وجلد وثبات أمام المحن والبلايا.
وهكذا عملت على إذكاء النهضة العلمية والفكرية والوطنية عن طريق الجد الحازم، والعمل المثمر، والقوة المحركة، والذياذ عن الحمى، والدفاع عن الوطن، فقاومت الاستعمار الكافر في جبروته وطغيانه، ولم تغفل المواظبة والمراقبة، كما لم تهمل المراجعة والمحاسبة، ولم تتخل يوما عن عهدها ومسؤوليتها والتزامها، بل سارت، بخطى الواثق المطمئن، في طريق لا حب، ممتد الأفق، رحب الجنبات، وقادت الأمة في حزم الربان الماهر، والرائد المحنك البصير، إلى الدرب القاصد الذ يتنكشف معه الحقيقة سافرة كفلق الصبح، فأقرت السلام في ربوع البلاد، وأحكمت النظام في المجتمع، فتعاطفت النفوس، وتكاثفت الجهود، وتعاونت القوى، وتضامنت المة، فكانت نموذج التضحية والوفاء، وطرازا فريدا في السهر واليقظة، والعزيمة والصدق والمضاء، والعهد والمسؤولية والالتزام، حتى تخطت الحواجز، وتجاوزت الأحداث، فوقفت بجانبها الأقدار، وعاد إليها الحظ باسما يتطارح على قدميها، ويتملقها ويحابيها ويعتذر إليها...
إنها المسؤولية والعهد والالتزام :
مسؤولية أمام الله...
وعهد وثيق بين العرش والشعب
والتزام مخلص وأمين أمام الأمة والضمير... وتلك هي المعالم الكبرى التي اتخذها جلالة الملك الحسن الثاني نصب عينيه، واتخذها نبراسا في طريقه، والتزم بها، وسار على هديها يستجيب بذلك لداعي الفطرة السليمة، ويشبع أشواق الأمة المشروعة، ويصون حقوق الوطن المحبوب منذ أن ألقى الله بين يديه مقاليد البلاد...
ولعل سر نجاحه وتوفيقه، حفظه الله، يعود إلى إيمانه بهذه الأقانيم الثلاثة أولا، وإلى إيمانه بربه، ويقينه بأن لا سعادة للأمة إلا بالتمسك بحبل الإسلام، والرجوع إلى أسس القيم الروحية، لقد جاء في الخطاب الملكي السامي الأول لجلالة الملك حفظه الله بمناسبة جلوسه على عرش أسلافه الغر الميامين : << يجب أن تكون شخصيتنا الإسلامية بارزة في جميع مظاهر النهضة... وإن تاريخ المغرب نفسه ليشهد بأن أزهى عصورنا هي العصور التي كان التمسك بالإسلام فيها من أبرز المميزات، وإن كل حركة تحريرية إصلاحية، إنما قامت على أسس القيم الروحية، ففي إطار ديننا الإسلامي السمح سنصوغ كل عمل وكل إصلاح، لأن المكاسب الدنيوية ليس غاية في حد ذاتها، لأنها مكاسب محدودة أما المكاسب الروحية فليست لها حدود، لأنها هي الوجود، ولأنها هي التي تمكن الفرد من حسن التصرف في مكاسبه الدنيوية، وتكيف تصرفه بالخصال الحميدة، حتى لا تكون في المجتمع شحناء ولا تفرقة ولا بغضاء >>.
ذلكم هو العهد الوثيق، والميثاق الغليظ، والالتزام الملزم الذي قطعه سيد البلاد على نفسه منذ أن تسلم مقاليد هذه الأمة، ومنذ أن اعتلى عرش أسلافه المقدسين، فهو عنه لا يحيد ولا يريم، وقد أكد الله له من أسباب التوفيق والنجاح، وعقد له ألوية الظفر والنصر، ما هو مسجل في صفحات الخلود...
أطال الله عمره لتحقيق الرغاب والظنون، وتوحيد الأمة وضم شتاتها وجمع كلمتها، وحفظه في ولي عهده المحبوب الأمير سيدي محمد، وصنوه الرشيد الأمير المولى رشيد وباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وشعبه العظيم.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here