islamaumaroc

الشجاعة في الحق وتحقيق مجتمع الطهارة

  يسري عبد الغني

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)، قال: قال رسول البه صلى الله عليه وسلم: لا يحقرون أحدكم أن يرى أمرا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال هل يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا كذا؟ فيقول: مخافة الناس: فيقول الله: (إياك أحق أن تخاف). (1) رواه ابن ماجة وأحمد وابن حبان)
يحرص الدين الإسلامي على ألا تشيع في المجتمع روح الاستحقاق بأوامر الله ونواهيه، والاستهانة بآدابه، وعدم المبالاة بحدوده وشريعته، ولهذا بين الإسلام قرآنا وسنة الحلال والحرام، فالحلال بين الحرام بين، ولم يدخر جهدا في المطالبة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وفي الحث على التخلق بالصفات الفاضلة، والترفع عن الدنايا. بل نحن نرى النبي صلة الله عليه وسلم يطالبنا باتقاء الشبهات التي لا يعلم حكمها إلا المولى سبحانه وتعالى.
(فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
وحرصا منه على ألا يقترب المسلمون من منطقة الحرام، وألا يحاولا ارتكاب معصية. وفي هذا الحديث قيمة حضارية وأخلاقية ألا وهي مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين كافة بأن يكونوا شجعانا في الحق، نقول الحق في كل شيء، ولا نخشى في الله لومة لائم، ولا يمنعنا من قوله اسصتغارنا لشأنه في أمر من الأمور. ونقوله لكل إنسان، فلا يمنعنا من المجاهرة به خوف من الناس مهما يكن سلطانهم. يقول أبو بكر حين ولى الخلافة: "أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فدوني" ويقول عمر بن الخطاب في إحدى خطبه: "أيها الناس، من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه". فقام أحد الحاضرين وقال: "والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا". قال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم عمرا بسيفه".
والإمام مالك اضطهد في زمن المنصور العباسي عندما أفتى بعدم لزوم بيعة المكره، وقد رأى فيها المنصور دعوة إلى التمرد عليه.
والإمام أبو حنيفة النعمان اضطهد في عهد الرشيد حينما رفض منصب القضاء ويقول بعض الباحثين أن مبعث اضطهاده هوة الاعتقاد بأن امتناعه عن قبول المنصب ينبئ عن عدم ولائه للدولة.
والإمام أحمد بن الحنبل اضطهد في عصر المأمون والمتوكل لأنه امتنع في الخوض في مشكلة خلق القرآن وإبداء تأييده لما رآه الخليفتان المذكوران من رأى في هذه المشكلة.
لقد مارس المجتمع الإسلامي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة حربة النقد للحكام وللولاة، فكان الناس يبدون الرأي والحكام يتقبلون النقد، ويرجعون إلى الحق.
كذلك فعل العلماء الذي كتبوا الرسائل للحكام يبصرونهم ويحذرونهم وينصحونهم بما ينبغي أن يتوفر في الإمام العادل من خصال، بأسلوب رائع، وعبارات قوية، لا خوف فيها ولا وجل مثلما فعل الحسن البصري بكتابته إلى عمر بن عبد العزيز، وكذلك الرسالة التي كتبها القاضي أبو يوسف (صاحب أبي حنيفة) إلى هارون الرشيد، حين كلفه بوضع أحكام الخراج.
والذي لا شك فيه أن الجريمة لا يمكن أن تشيع في مجتمع يتيقظ أفراده لكل ما يدور فيه، فلا يغمضون أعينهم حتى لا يروا الحقيقة، ولا يرون الحقيقة فيسكتون عن المجاهرة بمقال الله فيها، يرون المعاصي ترتكب، يرون الفوضى، والغشن والمحسوبية، والتسيب، والرشوة، يرون السرقات والتدليس والتزوير والفساد وهم في صمت رهيب، يستغضبون فلا يبدو لهم غضب، ونسوا أن الساكت عن الحق شيطان أخرسن نسوا ما قاله نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم "كل أمتي معافى إلا المجاهرين" (أي بالمعصية)، يسرقون أموال الناس غصبا وسلبا ويفرون في وضح النهار والمسؤول مجهول ! يرتكبون المعاصي ليلا فيسرتهم الله، ثم يصبحون ويقولون لفعلنا كذا وكذا، فيكشف ستر الله عنهم، وقد بات يسترهم ربهم، إنهم لا يعرفون الله فكيف يسترهم ربهم وكان المولى عادلا في كشفهم وإزهار موبقاتهم ورجسهم.
إن ارتكاب المعصية بجميع أنواعها جريمة ينهى الإسلام عنها، ولكن المجاهرة بالمعصية جريمة أخرى أشد خطرا على المجتمع من ارتكابها، لأنها دعوة صريحة إلى الإجرام، وتشجيع على الانغماس في حمأة الرذيلة، وتزيين لما في المخالفة والعصيان من استهانة بالأوضاع السليمة والآداب العامة.
ولما كانت المخالفات والجرائم لا تشيع في المجتمع أمرين هما:
الأول: أن يستهين المسلم بالمخالفة، ويستصغر شأنها.
الثاني: أن يخاف المسلم على نفسه من مرتكبي المخالفات والجرائم إن هو نصحهم وأرشدهم للطريق الصحيح.
وقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم المشكلة من الناحيتين، فنهى بقوة عن الاستهانة بالمخالفة مهما تكن صغيرة، وحذر من مخافة الناس مبينا أن الله وحده هو الجدير بأن يخاف فبيده الأمر من قبل ومن بعد.
وبعدس، ففي المجتمع الإسلامي عيوب كثيرة لم تكن لتشيع فيه لو أن المسلمين حرصوا على سلامة هذا المجتمع، فلم يستصغروا شأن عيوبهم، ولم يخافوا من متركبيها..مثال ذلك: هل كان ممكنا أن تشيع الغيبة والنميمة بينا لو انصرفنا الناس عن المغتاب فلم يسمعوا له، وكذبوا النمام فلم يصدقوه، وذكروه بقوله الله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحما أخيه ميتا فكرهتموه ! واتقوا الله إن الله ثواب رحيم) الحجرات/12).
وقوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (الإسراء/18).
قول الهادي البشير صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله وباليوم الأخر، فيقل خيرا أو يصمت".
وقوله صلى الله عليه وسلم: عندما سأله أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: أي المسلمين أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".
وقوله أيضا" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قوة للقلب !  وإن أبعد الناس من القلب القاسي".
وقوله: "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا. فإنما نحن بك: فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا".
وقوله: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله".
وقوله: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت" منم هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم !".
لو انصرفنا عن كل نمام لئيم، وردعناه بالبعد عنه وإسكانه وقلنا له: إن جريمتك شنعاء، وهي معول هدم في مجتمع الناس والمسلمين فلا ترتكبها لما كان النمم والاغتياب
                                                      ***
وهل كان ممكنا أن ينشر التعامل بالربا بصوره الحفية والمعلنة لو وجد المتعاملون به من يقول لهم: إن الربا بجميع أنواعه حرام، وإنه سر تباغض الناس وتنافرهم، ومعول هدم لمجتمعهم؟
الربا الذي يغلظ المولى تعالى تحريمه بقوله: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. ذلك بأهم قاولا: إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف وأمره على الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات) إلى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربال) (البقرة/275).
لعن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل الربا وموكله وشاهديه، وكاتبه.
إن كاتبه وغيره من الموبقات اللاأخلاقية هو سر تباغض الناس وتنافهم، ومعول دم لدعائم مجتمعهم, وهل كان ممكنا أن تشيع في المجتمع جرائم القتل والسرقة وشرب الخمر وتعاطى المخدرات لو أن أفراده كانوا شجعانا أقويا في الحق، فلم يرهبوا قاتلا ولم يخافوا مرتشيا أو مختلسا أو متسيبا أو سارقا، ولم يجاملوا المدمن أو شارب الخمر بالسكوت عن المنكر؟ لقد صدق سيد البشر (عليه الصلاة والسلام) حين قال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". وحين قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
وهكذا نرى هذا الحديث الشريف يضيء لنا مجموعة من القيم الحضارية والأخلاقية: فعلى المؤمنين أن يكونوا شجعانا في لحق، فلا يرهبوا عاصيا، ولا يخشوا أحدا إلا الله الذي بيده كل شيء، والمسلمون أسرة واحدة، فيجب أن يحرض كل عضو من أعضائها على ضرورة سلامتها من كل ما يضربها، وكل منا يعمل على تقويض بينانها، ويجب ألا يستهين المسلمون بالجرائم والمخالفات التي تشيع في مجتمعهم، فإن المخالفىة الصغيرة تجر إلى الجناية الآثمة، ومعظم النار من مستصغر الشرر. كما يدعونا الحديث إلى مراقبة الله في عمل تقوم به، وفي كل مكان، وفي كل زمان، فالله يرانا إذا كنا نحن لا نراه فمراعاة وتقوى الله واجبة على المؤمن، وذلك لا يتم إلا بالإيمان. والمؤمن يا يخاف مخلوقا مثله،س وإنما يخاف خالقه وحده. فعلينا أن نوثق صلتنا بالخالق عز وجل، وأن نذكر جيدات أنه مطلع علينا، مراقب كل أعمالنا.
وعلى المؤمن الحقيقي أن يبين حكم الله في كل أمر إذا هو صادف ممن الناس جهلا لهذا الحكم، أو تجاهلا، فشرع الله يجب أن يعلم وأن ينفذ – والذي قوم على تعليمه للناس، ويشرف على تنفذيه في مجتمعهم –هم المؤمنون لا غيرهم.
والمؤمنون محاسبون على سكوتهم عن المنكر، لأن السكوت نفسه منكر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "الدين نصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله. قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامته، ومن يرى فينا منكرا فليصلحه بيده أو بلسانه أو بقله أضعف الإيمان كما علمنا الهدي النبوي الشريف.
وأخيرا يقرر النبي (عليه الصلاة والسلام) مبدأ اجتماعيا ساميا نحن في أمس الحاجة إليه هذه الأيام، في وقت فقدت فيه وأعني بها القدوة الحسنة أو المثل الأعلى، كنا ونح في مقتبل الشباب نجعل من الصحابة رضوان الله عليهم ومعلمهم الأول نبي الحق والطهارة (عليه الصلاة والسلام) مثلنا الأعلى وكان من يشرف على تعليمنا يغرسون ذلك في نفوسنا فيعرون بالصحابة وحياتهم وسلوكهم أما الآن فجاء زمن عجيب يجعل الشباب مثلهم الأعلى نجوم الفن وكرة القدم، إن القدوة السحنة خير دعوة، فلو أن كل مسلم تورع عن ولوج المعصية ما كان هناك معصية فقط, ولو أن كل مسلم أخد نفسه بأن يقول كلمة اله الحق فيها يراه ما جرؤ المخالفون على المخالفة، وبهذا يسلم المجتمع من آفاته وعيوبه – ولو جعل كل راع في موقعه من نفسه مرآة لمن يرعاهم، واتقى الله في سلوكه وتصرفاته وأخلاقه لكان المثل الأعلى لمن يقود توجيههم.
                                                                           والله ولي التوفيق.


1) من مفردات هذا الحديث: لا يحقرن: لا يستصغرن، لا يستهينن لله فيه مقال: لله فيه حكم (أمر أو نهي). (إياي أحق أن تخاف: أنا وحدي المستحق لخوفك.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here