islamaumaroc

البعد التربوي الاجتماعي في العبادات الإسلامية

  محمد الأكحل شرفاء

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

والعقيدة الإسلامية إيجابية فاعلة لا تكتفي بالإعلان المجرد عن التطبيق فآيات الكتاب وأحاديث النبو كلها شاهدة على ذلك أن الصيغة القرآنية المكررة في العديد من آيات الله البينة تأتي هكذا (الذين أمنوا وعملوا الصلحات) وما الإيمان إلا العقيدة الراسخة الثابتة التي اطمأن بها القلب واقتنع العلق، وما العمل الصالح إلا تطبيق الشريعة المنبثقة عن تلك العقيدة في كل مجالاتها.
ومن هنا فلا يعقل أو يقبل أن يكون من الإسلام ذلك الانفصام النكد بين الإيمان والعمل أو بين العقيدة وحياة الناس الذين أمنوا بها، وعندما يعلن الإنسان عن إقراره بالشهادة وإيمانه بما تقوم عليه من مرتكزات إيمانية، ثم يتجاهل مقتضيات الالتزام المرتبط بها فإنه يعرض نفسه قطعيا لهذا الإنذار الرعيب الذي حملته الآية الكريمة:
(ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكا ونحشره يوما القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) طه (124).

علاقة الشعيرة بالشريعة:
يعرف علماء الفقه الإسلامي في مجال الدراسات الفقهية الإسلام بأنه يشتمل على العقائد والعبادات والشرائع والآداب السلوكية وهم يعنون بالعقائد والمبادئ الاعتقادية التي يصح إيمان المؤمن إذا رفض أيا منها وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر ويعنون بالعبادات ما شرع الله من أفعال يومية كالصلاة وموسمية كالزكاة والصوم والحج.
ويعنون بالشرائع ما جاء في الإسلام من نظم حياتية تتغطي الحياة كلها وهي تعني العلاقات جميعها ما كان منها بين الإنسان وربه وما كان بين الإنسان ونفسه وما كان بين الإنسان والإنسان، أو بينه وبين من يعايش من حيوان وأكوان. وهي بالتالي نظام للحياة يضع المبادئ داخل إطاره ما يحقق الكرامة، ويثبت العزة ويقيم العدل، ويمنع الظلم، ويربك الإنسان بربه، ولذلك نجد التنصيص في الشرع الإسلامي على قواعد في المعاملات بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع المسلم وغيره، في حالتي السلم والحرب معا مما يذهل العقل، وما يجعله يسجد لله منزل هذا التشريع.
أما الآداب السلوكية فتعني الأخلاق التي على المسلم أن يتحلى بها في نفسه، وأن يتعامل وفقا مع غيره ثم عليه ألا يكتفي بهذا التحلي لشخصه بل أن يبثها في الناس، أينما وحيثما وجد، وذلك داخل في صميم رسالته كعضو في مجتمع مسلم، أمر الله أن لا يعيش متوقعا انعزاليا، ولكنه يعيش للناس، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وذلك كله ناتج عن عقيدة الإسلام الإيجابية الفاعلية:
(كنتم خير أمة أخرجت للناس: تأمرون المعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران: (110).
غير أن هذه الشعائر المذكورة كلها عند تمعنها لا لا تجدها قابلة للانفصال والتجزئة بل إننا نراها نسيجا متلاحما إلى حد أن لو حاولنا أن نفصل جانبا منها عن البقية لفقد حيويته، وصار عضوا مبتورا من جسده، لا يغني يعنا شيئا... وكذلك في الوقت الذي يترك الجسم عاطلا عن أداء وظيفته وللتدليل على صحة ما ذهبت إليه من كون الإسلام عقيدة ونظاما كل متلاحم، فإن علينا أن ننظر في الشعائر ثم في بعض مبادئ البناء الاجتماعي في ضوء الكتاب والسنة.

الأثر التربوي أكبر العبادات
أولى شعائر الإسلام التي تبدو عند الرؤية السطحية علاقة فردية بين الإنسان وخالقه: لا علاقة لهما بما دون ذلك من شؤون الدنيا ومعايش الناس، هي فريضة الصلاة.
غير أن التعريف الذي جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف لهذه الشعيرة الإسلامية الكبرى يجعلها تربية فردية اجتماعية حيوية شاملة لكل مقومات البناء الإسلامي للشخصية الإسلامية المتميزة، بما فيها المجال السياسي، ولو حاولنا الجوانب الحيوية العديدة للتربية في الصلاة، لأدركنا ذلك من خلال النصوص الصريحة التي لا تدحض.
إنها أولا تعود الإنسان على احترام الوقت وتقدير عامل الزمن في إنجار الأعمال والقيام بالمهام: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) النساء (124)، ثم إنها تربية تطهيرية لخلق المسلم سلوكه حين يقف ليؤدي حساب أعماله أمام ربه ويجدد العهد على التزام الخط المستقيم في حياته:
(وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهي عنا لفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، واله يعلم ما تصنعون) العنكبوت (45).
ثم إن العيس في حياة جماعية تضامنية مسؤولة في ظل قيادة رشيدة مأمونة، موثوق بها من الجميع كل ذلك خدمة اجتماعية فريدة..هذه القيادة يمثلها الإمام الذي تتحرك الصفوف بحركته وتستمع إليه حين ينطق... ولكنها في الوقت ذاته إذا رأت خللا يهدد النظام العام، نبهت الإمام، وهذه اليقظة واجب الجميع، فإن أي واحد منهم لاحظ خللها عليه أن يعلن الإمام قائلا: سبحان الله.
عنذئذ على الإمام أن يصلح المسار ويعالج الخطأ.
وفي هذا بناء لمجتمع يقوم على الشورى والمراقبة لكل ما يجرى في المجال الاجتماعي.
حرصا على رعاية الحياة الجماعية ورفض الانفرادية التوقيعية، حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاة الجماعة حين قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة".
وبالإضافة إلى صلاة الجماعة يوميا هناك صلاة الجمعة التي تعرض فيها الحياة الاجتماعية في مدى أسبوع لتعالج إسلاميا من طرف الإمام حين يخطب، حتى يكون المسلم على علم بكل المستجدات في حياة مجتمعه، وعلى استعداد مستمر لعلاج الأدواء. وإصلاح الأخطاء وفق ما شرعه الله في وحيه المنزل، على نبيه المرسل: (وننزل ممن القرآن، ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) الإسراء (83).
هكذا وفي الأزمات والأحداث كانت الصلاة علاجا منهاجا وبالجملة فإن المصلي يستمد من الله في صلاته الطاقة التي تمده بالقوة المعنوية التي يواجه بها ألأحداث الحياة وهي موزعة على أجزاء النهار في أوقات حساسة يتوقف المسلم في محطاتها ليستريح من وعثاء السفر وليتزود بما يجب للمراحل القادمة، هذا المعنى ذاته يحمله إلينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – الذي كان ينتظر الصلاة بعد الصلاة، وكان إذا حضر وقتها نادى بلالا قائلا: "أرحنا بها يا يلال" كما كان المسلمون في أيام عزهم إذا حز بهم أمر، بعثوا من نادي في الناس: "الصلاة جامعة" فيهب الجميع إلى المسجد ليلقي إليهم الخير...وتلك هي رسالة الصلاة في أمة الصلاة...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here