islamaumaroc

أول جمعية وطنية سرية بالمغرب

  محمد الفاسي

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

بدأت الحركة الوطنية المغربية بمحاربة البدع والخرافات والرجوع إلى صفات الإسلام ومبادئه السامية مما يدعى بالحركة السلفية (1) التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني رحمه اله وتلميذه المصلح الكبير الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا رحمهما الله وتزعمها بالمغرب الشيخ السلفي أبو شعيب الدكالي وشيخنا محمد بن العربي العلوي وكان من أنصاره شيخنا عبد السلام السرغيني الذي ألقى محاضرة طبعت بفاس وكنا ونحن تلاميذه نقوم بتوزيعها وتتحمس لما تدعو إليه من محاربة الطرق الضالة لأننا كنا نرى في بعضها تثبيطا للهمم وقبول الوضع الاستعماري بدعوى أن ذلك من قدر الله ولا ينبغي أن نثور عليه وهكذا استغل المستعمر هذه الوضعية المخالفة لعزة الإسلام وكرامته ولم تكن كل الطرق على هذه الشاكلة ولكن ذلك كان هو الجو السائد في هذه الأوساط وكان لها من جهة أخرى زعماء كانوا يستغلون بساطة الشعب وطيبوبته وإيمانه لنشر أفكارهم واكتساب الاتباع وكانت طرق أخرى تسيء إلى سمعة المغرب بما تقوم به من أعمال مشينة كافتراء الخرفان وهي حية وتشديخ الرؤوس بأنواع م الأسلحة البيضاء والكرات الحديدية التي يرسلونها بقوة إلى السماء ويتلقفونها برؤوسهم ودماؤهم تسيل على وجوههم وأبدانهم.
كل ذلك نعتبره زيادة على وحشيته مخالفا لكل مبادئ الإسلام الحنيفة وقواعده لكان أساتذتنا ينددون بهذه الأعمال الشنيعة بروح وطنية صادقة فبثوا فينا هذه الروح وربونا عليها مبينين أن هذه الهمجية تمس بسمعة الإسلام وطننا العزيز.
وفي العشرينات من هذا القرن قام البطل محمد ابن عبد الكريم الخطابي بثورته التحريرية الأولى من نوعها في البلاد المستعمرة لأنها لم تكن مجرد حركة وطنية تستند على المظاهرات وإلقاء الخطب التحميسية والكتابات في الصحف والمستندات والملصقات كما كان الشأن في الهند مثلا وكما سرنا عليه نحن في المغرب بعد ذلك في أول نشاطنا الوطني. أقول لكن محمد بن عبد الكريم عبأ بوسائل محدودة جيشا ليحارب بالسلاح المستعمر الإسباني ثم الفرنسي وحصل على انتصارات باهرة كانت موضوع اهتمام الرأي العام الدولي وكان حديث الناس في العالم بأسره.
وفي هذه الأثناء قام أحد الشبان الوطنيين الأولين وهو المرحوم عبد القادر التازي بتأسيس جمعية وطنية سرية تتركب من عدة خلايا صغيرة. لا يتعدى عدد كل واحدة منها ثلاثة شبان لا يعرفون أعضاء الخلايا الأخرى.
وكان يعتمد في اختيارهم على شاب يعرفه ويسبر غوره من حيث استعداداته الوطنية ثم يخبره بمشروعه وعندما يصبح عضوا في خلية يكلفه مؤسس الجمعية بالبحث عن عضواثان فيبحث ويقدم له الشخص الذي وقع عليه الاختيار فيكلف الاثنان بالبحث عن ثالث وقد رشحني للانخراط في هذه الجمعية السرية العضوان الأولان وهما المرحومان عبد الرحمان عبد الرحمان الميسوم والعربي قصاره وكان الأول مراقبا في ثانوية مولاي إدريس حيث كنت أدرس في السنة الخامسة أي سنة 1925 فكلمني في الموضوع كما كلمني العضو الثاني وكمان موظفا في إدارة التسجيل بفاس وقد كان من رفاقي في المسيد ثم في ثانوية المولى إدريس ولكنه انقطع في السنين الأولى وتوظف كما كان يقع في الغالب حتى إنني كنت مع ثلاثين تلميذا في سنة 1920 عندما وصلت للثانوي وصرنا اثنين فقط في سنة الشهادة الثانوية أي سنة 1926 وهما المرحوم الدكتور عبد الملك فرج رحمه الله. وعبد ربه وهكذا تم انتظار خليتنا وكان عبد القادر التازي يشترط أن تكون اجتماعاتنا بعد نصف الليل وكنا نجتمع بمنزلي.
وفي أول اجتماع عمد عبد القادر التازي إلى اختبار شجاعتي ومقدرتي على تحمل المسؤولية. وكان رجال الحماية إذ ذاك يهيؤون لحركة حربية ضد ابن عبد الكريم يرأسها خليفة السلطان بفاس ومن بين أفرادها شخص من حومتنا. فطلب مني الثاني أن أكتب له رسالة تهديد فقبلت وكتبتها بحروف مربعة بالمسطرة حتى لا يعرف الخط. ثم وقعتها باسم جمعية الانتقام الرهيب بمداد أحمر تتقاطر حيث الحروف قطرات حمراء. وخرجنا في وقت مؤخر من الليل وتوجهنا على النخالين حيث كان بائع تبغ وطوابع بريدية يفتح دكانه وقتا كبيرا ممن الليل فاشترينا الطوابع اللازمة ووضعت الرسالة في صندوق البريد. وكان مدير المدرسة الإدريسية القبطان مارتي رجل استعلامات قبل أن يكون رجل تعليم وكان له نفوذ عظيم ويقصده أصحاب الأغراض خصوصا من الخونة، وفي صبيحة اليوم الموالي لعملي التهديدي أخبرني الأخ الميسوم أن الشخص المهدد جاء عند المدير القبطان مارتي وأطلعه على الرسالة وتشكى له فطمأنه ولكنه لم يستطع عمل شيء لأن الأسلوب الذي كتبت به الرسالة لا يمكن من معرفة كاتبها.
هذا وقد كنا نجتمع في النهار خارج المدينة في الحقول بعيدا عن السكان والمارة وكان في نيتنا الالتحاق بالبطل الريفي والمشاركة في الجهاد ولم يتم ذلك لصعوبة المحاولة، إلا أن عبد القادر التازي تمكن من الذهاب إلى الواجهة والالتقاء بمحمد بن عبد الكريم وكان في صحبته أحد أخوته وعضو من جمعيته فقامت قيامه الفرنسيين ووجهوا أحد عملائهم اسمه عبد العزيز الحلو عند ابن عبد الكريم وفاوضه في إرجاع الشبان الثلاثة والتازيان المذكوران ابنا النائب السلطاني بطنجة إذ ذاك. فلذلك عظم عليهم هذا الانحيار لعدوهم اللدود. أما ابن عبد الكريم فقد تكالبت عليه القوى الاستعمارية وتضافرت على القضاء على حربه التحريرية حتى إن طائرات أمريكية شاركت بجانب الفرنسيين في الحملة النهائية التي أسر أثنائها البطل المغربي الفذ وبقد تم تهريبه عند إرجاعه إلى فرنسا ووقوف باخرته ببور سعيد من مصر كما هو معلوم وذلك بتدبير من الله بمساعدة رفاقه من أعضاء مكتب المغرب العربي, رحم الله الجميع من التحقوا بالرفيق الأعلى وأطال الله عمر الباقين.

1) انظر مقالي عنها في دعوة الحق العدد 8 السنة الثانية ص: 43.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here