islamaumaroc

في ذكرى شمس الدين أبي عبد الله ابن بطوطة.-2-

  عبد الله العمراني

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

ثلاث خصال حميدة تحبب الباحث في هذا الرحالة الطنجي العالمي، وتجعله يبدئ ويعيد في الحديث عنه:
الأولى: إيمانه القوي: فإيمانه القوي الذي اتسم به هو الذي دعاه إلى استكمال أركان دينه الحنيف، فبمجرد ما تشبع بمبادئ العلوم الدينية واللغوية، وأحس من نفسه القدرة المادية والمعنوي على أداء فريضة الحج، أخذ الأمر زاده وعدته، ونفر لمزيد من التفقه في الدين وإرشاد الناس وإنذارهم. (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذورا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). التوبة: 122). وإيمانه هو الذي حدا به أن يتصل بالعلماء والمتصوفة ورجال السلطة الشرعية، فيحادثهم ويعاشرهم ويناقشهم أينما حل وارتحل.
الثانية: حب استطلاعه: حب الاستطلاع غريزة ثابتة الإنسان، ولولاها لما تقدم الإنسان والعالم خطوة واحدة إلى الأمام. وتتخذ تغذية هذه الغريزة أشكالا عديدة متباينة، في مقدمتها الشكل الشمولي الواسع الذي جعل ابن بطوطة يطوف أقطار العالم من شواطئ الأطلس غربا إلى شواطئ الهادئ شرقا، ومن مملكة غرناطة بالأندلس شمالا، إلى بلدان السودان الغربي جنوبا، فهذا الطواف الشامل هو الذي جعل الرحالة العالمي يكتشف ويصف، ويعلل ويحلل كل عجيب غريب من الأشياء والأشخاص والحيوان والنبات والسلوك والعادات الإنسانية، فعل العالم المحقق المدقق الذي يثرى معلومات قرائه، وينمى مشاركاتهم الوجدانية، ويقوى إحساسهم بأن الإنسانية – رغم تباعد أطراف – كل واحد لا يتجزأ، وغير خاف ما لذلك من أثر بالغ في التعايش السياسي- السلمي والتنمية والاجتماعية الثقافية، وفي تكوين ثروة عليمة – عملية هائلة يستفيد منها المثقفون كافة، والمختصون في علم الإنسان:Anthopology وفي الوصف العلمي للسلالات البشرية: Ethnography، كما يستفيد منه علماء الجغرافية والتاريخ والزراعة والنبات وحتى السياح وخبراء الطبخ.
الثالثة: لياذه بربه: كان يلوذ بربه ويلجأ إليه كلما حزبه أمر. وتتجلى استشارته ربه في قيامه بأحد أمور ثلاثة:
1- الاستخارة: فكان يتطهر ويصلي ركعتين وينام على الطهارة طالبا من الله أن يختار له من الأمر ما يوافقه. وفي المنام يرى ما يوجهه الوجهة الصحيحة المطلوبة، إن سبلا أو إيجابا.
2- الرؤيا الصادقة: كتلك التي رآها في الاسكندرية، فأوحت إليه بفكرة الجولان في بلدان العالم الإسلامي، والقيام بهذه الرحلة العالمية المنقطعة النظير.
3- استفتاح المصحف: كان السلطان الهندي جمال الدين المنوري يريد غزو –سندابور)، وأخبره أبو عبد الله بأنه يريد الجهاد فقال له: أنت إذن تكون أمير الحملة، ولكن يحثما أنبأه بأنه استفتح المصحف فوجد في أول الصفحة قوله تعالى: (يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره) حينئذ قرر السلطان أن يقود الحملة فركب وأركب معه ابن بطوطة، وهوجمت سندابور وتحقق النصر من عند الله.


تبديــدوهم
حين نذكر رحلة ابن بطوطة، ينصرف الذهن إلى رحلته المشرقية الكبرى التي دامت أزيد من خمس وعشرين سنة (من ثاني رجب 725 إلى آخر شعبان 750)، ولكن الحقيقة أن له رحلتين أخريين تاليتين إحداهما إلى الشمال حيث زار مملكة غرناطة بالأندلس، والأخرى إلى الجنوب، إلى السودان الغربي بإفريقية السوداء.
وقبل الحديث عن الرحلتين، أود أن أبدد وهما ذا شقين علق ببعض الأذهان.
الشق الأول: يوهم أن ابن بطوطة لم يكن فقيها متمكنا من الفقه، ولذلك لم يقم بوظيفة القاضي في جزر ذيبة المهل (جزر المالديف) خير قيام، وهذا وهم قائل، وزعم باطل، سبق أن دحضناه في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، ويدحضه أيضا توليه أثناء الرحلة منصب القضاء في الهند وهو بلد عريق في الحضارة. ثم توليه القضاء في تامسنا ببلاده المغرب الأقصى بعد انتهائه من الرحلات الثلاث، ونزيد فنقول: إن أسرة ابن بطوطة كانت أسرة علم وفقه ودين، وإلا فكيف تمكن أحد أعضائها – كما سنرى- من تولى منصب القضاء في مدينة رندة الأندلسية، وهو منصب هام لا يستهان به؟ ومما يدخل ضمن هذا الوهم، الادعاء بأن رحلات ابن بطوطة ألفها ووضع عنوانها كاتب البلاط الملكي بفاس أبو عبد الله ابن جزي الكلبي.
الشق الثاني: وهو أدنى خطرا من الشق الأول، وفحواه أن الرحلتين الأندلسية والسودانية كانتا بأمر السلطان أبي عنان المريني، فيكون ابن بطوطة على هذا قام بمهمة سياسية ديبلوماسية، وأدى رسالة ملكية سامية، ولكن الحقيقة غير ذلك، وإن كان في الواقع سفيرا فوق العادة، مثل المغرب والمشرق والعالم الإسلامي خير تمثيل.


الرحلة إلى الأندلس
من خلال الرحلة المشرقية الكبرى أحاط ابن بطوطة علما بخصائص شعوبها، ومزايا ملوكها وأهم صفاتهم الخلقية، ولهذا نراه يمثل بين يدي أمير المومنين أبي عنان فتنسيه هيبته هيبة سلطان العراق، وحسنه حسن ملك الهند، وحسن أخلاقه حسن خلق ملك اليمن، وشجاعته شجاعة ملك الترك، وحلمه حلم ملك الروم، وديانته ديانة ملك تركستان، وعلمه علم ملم الجاوة. وهكذا جمع أبو عنان، الخصال الحميدة التي افترقت في غيره من الملوك، وهو- سبحانه – على كل شيء قدير.
ولما تملى الرحالة بمشاهدة المقام الكريم، وعمه ضل إحسانه العميم، توجه إلى زيارة قبر والدته بطنجة، ومنها توجه إلى سبتة راغبا أن يكون له حظ من الجهاد والرباط، فركب البحر إلى بلاد الأندلس وكان أول بلد شاهده منها جبل الفتح (جبل طارق)، وود لو كان ممن رابط به إلى نهاية العمر، وكعادته في كل وجهة أو بلد، تعرف على خطيب دبل الفتح، وعلى قاضيه الفاضل الذي أضافه ونزل عنده، وتطوف معه على معالم الجبل، ومشاهده المدنية والعسكرية.
ثم قصد مدينة رندة التي قال عنها إنها من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعا. ولقى في رندة قاضيها ابن عمه الفقيه أبا القاسم محمد بن يحيى بن بطوطة، كما لقي غيره من رجال السلطة العسكرية والعلمية. وأقام بالبلدة خمسة أيام، ثم غادرها إلى مدينة مربلة Marbella وهي بليدة حسنة خصبة غير أن الطريق بينها وبين رندة شديدة الوعورة.
 وفي مربلة وجد جماعة من الفرسان متوجهين إلى مالقة Malaga، وحدثته نفسه بمرافقتهم في الطريق، ولكن الله عصمه بفضله إذ حدث أن أسر منهم في الطريق عشرة وقتل واحد، وفر آخر، وقتل أيضا رجل حوات مسالم، وأخبر قائد حصن سهيل Fuengirola القريب أن أربعة أجفان للعدو وظهرت هناك، ونزل بعض عمارتها إلى البر، وفعلوا ما فعلوا. واقترح القائد على الرحالة أن يبيت عنده الليلة، على أن يوصله هو في الغد إلى مدينة مالقة.
وفي الغد وصل أبو عبد الله إلى مالقة، وبحث عن قاضيها لأبي عبد الله محمد الطنجالي فوجده في الجامع الأعظم ومعه الفقهاء، ووجوه الناس يجمعون مالا برسم فداء الأسرى. قال الرحالة للقاضي الطنجالي: "الحمد لله الذي عافاني ولم يجعلني أسيرا مثلهم". ثم أخبره بما اتفق له بعدهم، فعجب القاضي من ذلك". ثم بعث القاضي إليه بالضيافة. وأضاف أيضا خطيب مالقة أبو عبد الله الساحلي.
ثم سافر ابن بطوطة من مالقة إلى مدينة بلش Vélez وبين الثنتين أربعة وعشرون مثلا. وهي مدينة حسنة، بها مسد عجيب، ثم سافر من بلش إلى الحمة Alhama وهي بلدة صغيرة – كما يقول – لها مسجد بديع البناء. وبها العين الحارة، وفيها بيت لاستحمام الرجال، وآخر لاستحمام النساء. ثم سافر إلى مدينة غرناطة  Granada قاعدة الأندلس وعروس مدنها. كان سلطانها – أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل لن يوسف بن نصر – مصابا بوعكة صحية، فلم يلقه الرحالة ولم يره شخصيا، ولكن والدته الحرة الصالحة الفاضلة بعثت إليه بدنانيلا ذهب ارتفق بها.
ولقي بغرناطة جملة من فضلائها مثل قاضي الجماعة أبي القاسم محمد بن أحمد الحسيني السبتي، وفقيهها المدرس الخطيب العالم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البياني، وعالمها ومقرئها الخطيب أبي سعيد فرج بن قاسم بن لب. ولقي أيضا قاضي الجماعة بألمرية Almaria  أبا البركات محمد بن إبراهيم السلمي، اجتمع به في بستان الفقيه أبي القاسم محمد بن أبي عبد الله ابن عاصم، وأقم معه هناك يومين وليلو مع جماعة. قال ابن جزي: كنت معهم في ذلك البستان، ومتعنا الشيخ أبو عبد الله لأخبار رحلته. وقيدت عنه أسماء الأعلام الذين لقيهم فيها، واستفدنا منه الفوائد العجيبة. قال ابن بطوطة: وكان معنا في البستان جملة من وجوه أهل غرناطة منهم الشاعر المجيد أبو جعفر أحمد بن رضوان الجذامى الذي كان أمره عجيبا: فقد نشأ بالبادية، ولم يطلب العلم، ولا مارس الطلبة، ومع ذلك نبغ بالشعر الجيد الذي يندر وقوعه من كبار البلغاء مثل قوله: (رمل):
يا من اختار فؤادي منزلا           بابه العين التي ترمقـه
فتح الباب سهادي بعدكـم            فابعثوا طيفكم يغلــقه

وأخيرا قفل الرحالة راجعا، وسلك نفس الطريق تقريبا، فوصل إلى جبل الفتح، ومنه ركب نفس المركب الأصيلي الذي ركب فيه أولا. ثم وصل إلى سبتة، فأصيلة التي أقام بها شهورا، ثم سافر إلى مدينة سلا فمراكش ثم سلا أيضا فمكناسة ففاس العاصمة.


الرحلة إلى السودان
وفي فاس ودع الرحالة العظيم عاهل المغرب أبا عنان، وتوجه برسم السفر إلى بلاد السودان الغربي، فذهب أولا إلى مدينة سجلماسة المغربية، ونزل فيها عند الفقيه أبي محمد البشرى، وهو الذي كان لقي أخاه في مدينة قنجنفو Kien Chang Fu من بلاد الصين، ويتخذ المؤلف الانكليزي E.W. Bovill (ت. 1966) من هذا الحدث دليلا قاطعا على سعة رقعة الإسلام، وعلى أن الرحالة المسلم يجد الترحيب وإكرام الضيف أينما ذهب، حتى في المدن والقرة الإسلامية المنعزلة المنبثة في الأقطار التي يسود فيها الفكر (1).
واستعدادا للرحلة الطويلة التي استغرقت خمسة وسبعين ألف ميل انكليزي (113.175 كيلومتبر) اشترى أبو عبد الله ابن بطوطة جمالا علفها في سجلماسة خلال أربعة أشهر. ثم في غرة محرم الحرام 753 (1325.2.18) انطلقت الرحلة في رفقة يتقدمها أبو محمد بندمان السوفى، ويوجد ضمنها تجار من سجلماسة وغيرهم.
في تغازى Taghza: وبعد خمسة وعشرين يوما وصلت القافلة إلى تغازى الذي يقول عنها ابن بطوطة إنها قرية لا يسكنها إلا عبيد مسوفة Mesufa، ولا خير فيها ومن عجائبها أن بناء دورها ومسجدها من حجارة الملح، وسقفها من جلود الإبل. ولا شجر بها، إنما هي رمل فيه معدن الملح، يحفر عليه في الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها نحتت نحتا ووضعت تحت الأرض يحمل منها الجمل لوحين، ويباع الحمل في إيولاتن walata ب 8 -10 مثاقيل من الذهب، وفي مدينة مالي بياع ب 20- 30 مثقالا، وربما انتهى إلى أربعين مثقالا (2).
وبعد مرور ما يقرب من قرنين ونصف قرن من هذا التاريخ، نشب نزاع بين المغرب وسلطان كاغو Gao إسحاق بن داود آل سكينة، وأساسه أن الملك السعدي مولاي أحمد المنصور طالب بإعادة تخصيص مثقال عن كل حمل يؤخذ من الملاحة استنادا إلى حق اكتسب من قبل، ووفق القانون الشرعي وفتاوي العلماء الأعلام التي نصت على النظر في المعادن إنما هو للإمام، وليس لأحد أن يتصرف في ذلك إلا بإذنه أو إذن نائبه، وبعث الإمام المنصور بالفتاوى الشرعية للسلطة المحلية، ولكن إسحاق آل سكية تلكا وما طل ولم يستجب، مما دعا إلى غزو إسحاق في عقر داره، وفض المشكل.
أقامت القافلة في تغازى عشرة أيام، وثم غاردتها إلى تاسرهلا  Tasarahla ةوهي عبارة عن أحساء ماء تنزل عليها القوافل للاستراحة، ولبعث التكشيف Takshif (3) إلى الأصحاب والمعارف في إيوالاتن ليكتروا لهم دورا للسكنى ويخرجوا للقائهم، فإذا هلك التكشيف في الصحراء أو لم يعمل به أخل إيوالاتن، هلكت القافلة أو هلك معظم أفرادها، ومن شأن التكشيف أن يكون كثير التردد على الصرحاء، خبيرا بها، وأن يكون فطنا ذكى الفواد,
ظاهرات طبيعية: عجب ابن بطوطة لظاهرات طبيعية نبرز أهمها فيما يلي:
أ- أن التكشيف الذي اكترته القافلة بمائة مثقال من الذهب، كان أعور العين والحدة، مريض الثانية، وكان أعرف الناس بالطريق، وفي اليوم السابع من ذهابه، رأت القافلة نيران الذين قدموا للقائها فاستبشرت بذلك خيرا.
ب- أن هذه الصحراء كانت مشرقة ينشرح لها الصدر، وآمنة من السراق وقطاع الطرق، وكان يكثر بها بقر الوحش الذي يقرب من المارة حتى ليمكن اصطياده بالكلاب والنشاب، ولكن أغلبهم كانوا يتحامونه ولا يصطادونه لأن لحمه – فيما يعتقدون – يولد أكثره العطش.
ج- أن يقر الوحش يختزن الماء في كرشه. وقد رأى عبد الله أهل مسوفة يعرصون كروش بقر الوحش ويشربون ماءها.
د- تكثر الحيات بهذه الصرحاء كما يكثر بقر الوحش. وكان من عادة الرفيق (الحاج زيان التلمساني) أن يقبض على الحيات، ويعبث بها، وكان ابن بطوطة بنهاه عن ذلك فلا ينتهي. وذات يوم أدخل يده في جحر ضب ليخرجه، فوجد مكانه حية أخذها بيده. وعندما أراد الركوب، لسعته في سبابته اليمنى، وأصابه لذلك وجع شديد. كويت يده فلم يكن الكي أنجع دواء، بل زاد ألمه، فاضطر لأن ينحر جملا ويدخل بده في كرشه، ويتركها كذلك ليلة كاملة. ثم تناثر لحم أصبعه، فقطعها من الأصل...وأخبر أهل مسوفة بأن الحية كانت قد شربت الماء قبل لسعه، ولو لم تكن شربت لقتلته.
في مدينة إيوالاتن: وصلت القافلة إلى إيوالاتن في غرة ربيع الأول 753 (1325.4.17) أي بعد شهرين كاملين، وإيوالاتن هي أول عمالة السودان، وبها يقيم نائب السلطان فربا حسين (وفربا معناها النائب). وفي العادة يضع التجار أمتعتهم في رحبة هناك، ويتكفل السودان (جمع أسود) يحفظها، ويتوجه رجال القافلة إلى الفربا. وجدوه جالسا على بساط في سقيف، وأعوانه بين يديه والرماح والقسي في أيديهم، وكبراء مسوفة من ورائه، ووقف بين يديه تجار القافلة وهو يكلمهم بترجمان رغم قربهم منه، وذلك احتقار منه لهم، يقول أبو عبد الله: "فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم لسوء أدبهم، واحتقارهم للأبيض، وقصدت دار ابن لداء وهو رجل فاضل من أهلا سلا، كنت كتبت له كي يكتري لي دارا، ففعل ذلك مسكورا".
وأراد مشرف المدينة المدعو عندهم منشاكوMandingo أن يكرم من بالقافلة فاستدعاهم لحضور مأدبة اقامها لهم، كان ابن بطوطة امتنع عن حضور المأدبة، ولكن الأصحتب ألحوا عليه حتى توجه معهم، أتي بالضيافة فكانت عبارة عن جريش الذرة الصغيرة مخلوطا بيسير عسل ولبن وضعوه في نصف قرعة صيروه شبه الجفنة، فشرب الحاضرون وانصرفوا. قال أبو عبد الله لرفاقه: "ألهذا داعانا الأسود؟ "قالوا: "نعم، وهو الضيافة الكبيرة عندهم", قال: "حينئذ أيقنت أن لا خير يرتجى منهم. وأردت أن أسافر مع حجاج إيوالاتن، ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم".
وبلدة إيوالاتن شديدة الحر، وماؤها من أحساء (جمع حسى وهو منخفض م الأرض يستنقع فيه الماء)، وبها نخيلات يزدرعون في ظلالها البطيخ، ولحم الضأن فيها كثير وثياب أهلها حسان مصرية، وأكثر سكانها من مسوفة، ولنسائها الجمال الفائق، وهن أعظم شانا من الرجال، أقام بها أبو عبد الله نحو خمسين يوما وقد أكرمه أهلها منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر، وأخوه الفقيه يحيى.
وسكان إيوالاتن أمرهم عجيب غريب، فرجالهم لا غيرة لديهم رغم أنهم يحافظن على أداء الصلوات وعلى تعلم الفقه، وحفظ القرآن، ينتسب أحدهم لخاله لا لأبيه. ويرث الرجل أبناء أخته دون بنيه، وذلك شيء لم يره أبو عبد الله في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار Malabar بالهند، أما نسائهم فلا يحتشمن ولا يحتجبن رغم مواظبتهن على الصلوات، ومن أرادات التزوج منهن تزوجت، ولكنها لا تسافر مع الزوج، ولو أرادات إحداهن أن تسافر معه لمنعها أهلها. وللنساء أصحاب من الرجال الأجانب، وللرجال كذلك صواحب أجنبيات، ويدخل أحدهم فيجد امرأته مع صاحبها فلا ينكر ذلك. ذات مرة دخل أبو عبد الله ابن بطوطة على قاضي إيوالاتن فوجد عنده امرأة صغيرة السن بديعة الحسن، فلما رآها مع صاحبها أراد النكوص على عقبيه فضحكت المرأة ولم تخجل. وقال له القاضي: لم ترجع؟ إنها صاحبتي ! فعجب أبو عبد الله من شأنهما، وشأن القاضي خاصة فقد كان من الفقهاء الحجاج، ثم عرف أبو عبد الله ن هذا القاضي استأذن السلطان في الحج هذا العام مع صاحبته – ولم يدر أهي هذه أم غيرها – فلم يأذن له السلطان.
وفي حادثة مماثلة دخل ابن بطوطة على أبي محمد يند كان المسوفى – وهو الرجل الذي قدم في صحبته من سجلماسة – فوجده قاعدا على بساط، وفي وسط الدار سرير مظلل عليه امرأة ومعها رجل قاعد يحادثها، سأل أبو عبد الله رب الدار قائلا: ما هذه المرأة؟ أجاب" هذه زوجتي، فسأل ثانية: وما الرجل الذي معها؟ قال: هو صاحبها ! فقال أبو عبد الله: أترضى بهذا وأنت سكنت بلادنا وعرفت أمور الشرع؟ أجاب الرجل: مصاحبة النساء للرجال عندنا على خير وأحسن طريقة، لا تهمة فيها، ولسن كنساء بلادكم....قال ابن بطوطة: فعجبت من رعونته، فانصرفت عنه، فلم أعد إليه بعدها، واستدعاني مرات فلم أجبه.
تجاه مدينة مالي: غادر ابن بطوطو مدينة إيوالاتن، قاصدا مدينة مالي Mali  وبين الاثنتين مسيرة أربعة وعشرين يوما للمجد في السير. وهذه المرة لم يحتج أبو عبد الله إلى رفقة، لأن الطريق آمن بل احتاج فقط هو وأصحابه الثلاثة إلى اكتراء دليل من مسوفة ليدلهم على الطريق، وبعد مسيرة عشرة أيام وصلوا إلى قرية زاغري Zaghari وتعرف أيضا باسم Dyaga وتقع إلى جنوب غربي بحيرة Debo على نهر النيجر الذي يحسب ابن بطوطة وسائر القدماء أنه نهر النيل، ثم قصد الركب العاصمة مالي، وفي العادة يمنه الناس من دخولها إلا بإذن خاص، ولكن أبا عبد الله لم يطلب منه إذن، ولم يمنع من دخولها، ربما أنه كان كتب لكبير جماعة البيضان (جمع أبيض) محمد بن الفقيه الجزولي ليكتري له دارا. وهكذا دخل ابن بطوطة مدينة مالي يوم 14 جمادى الثانية 753 (1352.7.28) ثم قصد دار الجزولي فوجده اكترى له دارا إزاء داره هو، فتوجه إليها،وجاءته الضيافات من مختلف الشخصيات التي قامت بحقه أتم قيام. شكر الله حسن أفعالهم.
وبعد عشرة أيام من وصولهم إلى مالي، أكلوا عصيدة تصنع من شيء يشبه القلقاس يسمى القافي، وهذه العصيدة عندهم مفضلة على سائر الطعار، فأصبحوا جميعا مرضى وكانوا ستة، فمات أحدهم، وذهب أبو عبد الله لصلاة الصبح فغشى عليه فيها، وطلب من أحد المصريين دواء سهلا، فأتى بشيء يسمى بيدر – وهو عروق نبات- وخلطه بالأنيسون والسكر، ولته بالماء، فشربه وتقيأ ما أكله مع صفراء كثيرة. وعافاه الله من الهلاك، ولكنه مرض شهرين.
كان سلطان مالي في هذا الوقت هو منسى سليمان (ومنسى :Mansa معناها السلطان)، لم يتمكن الرحالة ابن بطوطة من رؤيته أول الأمر بسبب المرض الذي ألم به بسبب العصيدة، ثم صنع السلطان وليمة إكرام للمغفور له الملك أبي الحسن المريني، واستدعى لها الأمراء والفقهاء والقاضي والخطيب وحضر معهم أبو عبد الله بعد إبلاله من مرضه. ختم القرآن في الوليمة، ودعى للمغفور له الملك الراحل، ودعى السلطان منسى سليمان، بعد ذلك تقدم أبو عبد الله للسلام على السلطان، وقام القاضي والخطيب والجزولي بإعلامه بحاله، فأجابهم بلسانهم، وقالوا له: يقول لك السلطان أشطر الله ! فقال أبو عبد الله: الحمد لله والشكر على كل حال، ثم بعث السلطان للرحالة ضيافة حقيرة مضحكة تنم عن أنه لم يكن يتمتع بالكرم والأريحية ولا بالشعبية.
وبعد هذا التاريخ بشهرين أي في أوائل شهر رمضان المعظم 753 صار أبو عبد الله يتردد على المشور، ويسلم على السلطان، ويقعد مع القاضي والخطيب، وذات يوم قال له الترجمان دغا: تكلم مع السلطان وأنا أترجم عنك بما يحب. فقام أبو عبد الله وقال له: إني سافرت إلى بلاد الدنيا، ولقيت ملوكها. ولي ببلادي أربعة أشهر، ولم تضيفني ولا أعطيتني شيئا، فماذا أقول عنك عمد السلاطين؟ فأجاب: إني لم أراك ولا علمت بك، فقام القاضي وابن الفقيه الجزولي فردا عليه قائلين: إنه سلم عليك، وبعثت إليه الطعام..عندئذ أمر للرحالة لدار ينزل فيها وبنفقة تجري عليه، وفي ليلة سبع وعشرين من رمضان، فرق السلطان على القاضي والخطيب والفقهاء مالا يسمونه الزكاة، وأعطى أبا عبد الله معه ثلاثة وثلاثين مثقالا وثلث المثقال، وأحسن إليه عند شفره بمائة مثقال ذهبا.
ومنسى سليمان ورث العرش عن عمه منسى مغان Maghan الذي حكم أربع سنوات كادت تكون وبالا على البلاد، فنتيجة للتهتك وعدم الأهلية أوشكت ثروات البلاد على الضياع، وأغار حاكم فولتا العليا (بوركينا فاصو الآن) على تنبوكتو، وهزم حامية الشرف Mandingo، وأحرق المدينة في نفس الوقت الذي كانت وصلت فيه سفارة العاهل المغربي أبي الحسن المريني. وغير خاف أن التجارة مع المغرب كانت تهم كثيرا جماعة المشرفين.
ومنسى مغان هذا ورث العرش عن أبيه Mansa Musa الذي كان (عكس حفيده) يتصف بالكرم ويتمتع بشعبية كبيرة. وم دلائل كرمه أنه في يوم واحد أعطى الشاعر الغرناكي أبا إسحاق الساحلي أربعة آلاف مثقال، وفي يوم آخر أعطى مدرك بن فقوص ثلاثة ألاف مثقال، وكان جد منسى موسى هذا، أسلم على يد جد مدرك هذا... وفي عهد صبا منسى موسى أحسن إليه رجل من تلمسان يدعى ابن الشيخ اللبن فأعطاه سبعة مثاقيل وثلث مثقال. ولما تعرف عليه السلطان قربه وأجلسه معه ثم قال للأمراء: ما جزاء م فعل هذا من الخير؟ قالوا: الحسنة بعشر أمثالها، أعطه سبعين مثقالا، فأعطاه سبعمائة مثقال، وكسة وعبيدا وخدما، وأمره أن لا يقطع عنه زيارته.
نحو تنبكتو وكاغو: وفي يوم 22 محرم 754 (1353.2.27) غدر ابن بطوطة مدينة مالي، وكان يركب جملا لا فرسا، أن الخيل غالية الثمن يساوي الواحد منها مائة مثقال، ولكن الجمل مات في الطريق عند إحدى القرى فأكله السودان (جمع أسود) على عادتهم في أكل الجيف. حينئذ بعث غلامين كان استأجرهما لخدمته ليشتريا له جملا م بلد يبعد مسيرة يومين. وفي إقامة أبي عبد الله بهذه القرية، رأي فيما يرى النائم كأن إنسانا يقول له: "محمد ابن بطوطة، لماذا لا يقرأ سورة يس في كل يوم. قال أبو عبد الله: "فمن يومئذ ما تركت قرائتها كل يوم, في سفر أو في حضر". وبعد سبعة الأيام التي أقامها بالقرية، قدم الغلامان بالجمل الذي اشترياه.
واصل أبو عبد الله ورفاقه سيرهم حتى وصلوا إلى مدينة تنبكتو التي بينها وبين نهر النيجر أربعة أميال. وبهذه البلدة قبر الشاعر الغرناطي أبي إسحاق الساحلي، ثم وصل أبو عبد الله إلى بلد لم يذكر اسمه، أميره (فربا سليمان) حاج فاضل مشهور بالشجاعة والسدة، لا يتعاطى أحد النزع في قوسه، لم ير ابن بطوطة أطول منه ولا أضخم جسما ولا أفضل منه ولا أكرم. دخل عليه غلام خماسي فقال للرحالة:" هذا ضيافتك، واحفظه ليلا يفر. ولم يفر الغلام بل بقي مع الرحالة حتى تحرير كتابه (تحفة النظار).
ثم وصل أبو عبد الله إلى مدينة كاغو Gao التي سماها هو "كوكو" وهي مدينة كبيرة على نهر النيجر، من أكبر مدن السودان وأحسنها وأخصبها، وهي التي غزاها قائد الجيش السعدي الباشا جؤذر، يتعامل أهلها في البيع والشراء بالودع Conories مثل أهل مالي، اقام ابن بطوطة في هذه المدينة نحو شهر، وأضافه فيها محمد بن عمر من أهل مكناسة، والحاد محمد الوجدي التازي. والفقيه محمد الفيلالي إمام مسجد البيضان (جمع أبيض).
في مدينة تكدا  Takedda: والتسمية آتية من لغة الطوارق: Teguidda وتعنى الينبوع: Spring، وصل إليها أبو عبد الله مع قافلة كبيرة للغدامسيين (4)، وكان دليلها ومقدامها الحاج وجين (أي الذئب بلغة السودان). وكان لأبي عبد الله جمل لركوبه، وناقة لحمل الأثقال، ولكن الناقة لم تلبث أن وقعت، فأخذ الحاج وجين ما كان عليها وقسمه على أصحابه فتوزعوا حمله. وكان في الرفقة مغربي من أخل تادلى يدعى على أغيول، فأبى أن يرفع من ذلك شيئا إسوة بالآخرين، وليس هذا فحسب، بل عطش غلام للرحالة فطلب منه الماء ليسقيه، فلم يسمج بذلك.
ووصل القافلة إلى تكدا، وديارها مبنية بالحجارة الحمر، وماؤها يجرى على معادن النحاس فتغير لونه وطعمه بذلك, ولا زرع بها إلا يسرا من القمح بأكله التجار والغرباء. نزل أبو عبد الله في جوار شيخ المغاربة سعيد بن علي الجزولي، وأضافه بها قاضي المدينة أبو إبراهيم إسحاق الجاناتي وهو من الأفاضل، كما أضافه جعفر بن محمد المسوفى. ولا شغل لأهل تكدا إلى التجارة، يسافرون إلى مصر كل عام، ويجلبون منها حسان الثياب وسواها. وأهلها رفاهية وسعة حال، ويتفاخرون بكثرة العبيد والخدم مثل أهل مالي وإيوالاتن، ولا يبيعون المعلمات من الخدم إلا نادرا وبالثمن الغالي.
وأراد أبو عبد الله أن يشتري خادما معلمة فلم يجدها، ولكن القاضي أبا إبراهيم بعث إليه بخادم لبعض أصحابه، فاشتراها بخمسة وعشرين مثقالا، ولكن مالكها ندم ورغب في الإقالة. فقال له أبو عبد الله: إن دللتني على سواها أقتلك. فدله على خادم للمغربي التادلي الذي أبى أن يسقى خادم أبي عبد الله أو أن يعاون في حمل بعض ثقله، فاشتراها وكانت خيرا من الأولى، ثم ندم البائع على أغيول وأراد إقالته. ولكن أبا عبد الله أبى إلا أن يجاز به على سوء فعله، وكاد أغيول أن يجن أو يهلك أسفا. وأخيرا أشفق عليه الرحالة العظيم فأقاله.
الأمر بالجموع: وإلى تكدا وصل غلام الحاج محمد بن سعيد السجلماسي حاملا أمر العاهل أبي عنان لأبي عبد الله ابن بطوطة كي يرجع إلى العاصمة فاس، قال أبوعبد الله: :فقبلت الأمر وامتثلته على الفور، واشتريت جملين لركوبي بسبعة وثلاثين مثقالا وثلث المثقال. وقصدت السفر إلى قوات Tuat، ورفعت زاد سبعين ليلة، إذ لا يوجد الطعام فيما بين تكدا وتوات، إنما يوجد اللحم واللبن والسمن يشترى بالأثواب".
خرج الرحالة العظيم من تكدا يوم الخميس حادي عشر شعبان سنة أربع وخمسين وسبعمائة (1353.9.12) في رفقة كبيرة فيهم جعفر التواتي وهو من الفضلاء، وقاضي تكدا الفقيه محمد بن عبد الله، وفي الرفقة نحو ستمائة خادم. وأخيرا وصلت القافلة إلى سجلماسة في أوسط ذي القعدة 754 (1353.12.12) .ثم خرج أبو بعد الله من سجلماسة في ثاني ذي الحجة 754 (1353.12.29) وكان الطريق صعبا، والبرد شديدا، والثلج غريرا لدرجة أن أبا عبد الله رأى الطرق الصعبة الوثلج الكثير في بخارى وسمرقند وخراسان وبلاد الأتراك ولم ير أصعب من طريق أم جنبية، ثم وصل إلى دار الطمع ليلة بعد الأضحى، وهناك قضى يوم عيد الأضحى، ثم خرج فوصل إلى حضرة أمير المومنين فقبل يده الكريمة، وتيمن بمشاهدة وجهه المبارك، وأقام في كتف إحسانه بعد طول الرحلة.
تحرير الرحلة: قال ابن بطوطة: "وهنا انتهت الرحلة المسماة (تحفة النظار، في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار) وكان الفراغ من تقييدها في ثالث ذي الحجة عام سنة وخمسين وسبعمائة (1355.12.9) والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى", ثم كتب أبو عبد الله ابن جزي قائلا: "انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد ابن بطوطة أكرمه الله، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا الشيخ هو رحال العصر ومن قال: رحال الملة لم يبعد...فيجب على مثلي أن يحمد الله تعالى لأن وفقه لاستيطان هذه الحضرة التي اختارها هذا الشيخ بعد رحلة خمسة وعشرين عاما".
ونستخلص من هذا عدة نتائج أهمها:
1 – أن كاتب الرحلة ومسجل أحداثها هو الرحالة نفسه، فقد قيد بقلمه كل ما رآه وسبرغوره، ومارسه، وليس منم رأى كمن سمع، ولا ينبئك مثل خبير.
2- أن أبا عبد الله ابن جزي ذا الخط الحسن والأسلوب الجميل قام بتلخيص ما قيده وأملاه عليه ابن بطوطة امتثالا لأمر السلطان أبي عنان. وشمل ذلك الرحلة المشرقية الكبرى وحدها، واستغرق من الوقت نحو السنتين.
3- أن ابن جزي لم يؤلف الرحلة، ولا وضع لها الاسم كما يزعم البعض. ونعتقد أنه كان يتحلى بالأمانة والدقة إذ كان ينسب الشيء إلى نفسه ويشير إلى ذلك بصريح العبارة: "قال ابن جزي"، وذلم ما يطلب من كاتب أمين دقيق.


أسلوب الرحلة
هو أسلوب رائع ومشوق وحديث، تقرؤه فكا،ك تقرأ تقريرا صحفيا حديثا في جريدة سيارة ذات شهرة عالمية، أسلوب ممتاز بسهولة العبارة، ووضح الفكرة، ودقة الملاحظة، وقوة الحجة، كما يتسم بتخير اللفظ الحسن، والتركيب الجميل، ويهتم بحسن الأداء، ويتوخى التحرر من قيود السجع والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية التي كانت تكبل النثر في عصور الانحطاط الأدبي.
ثلاثة علماء – أدباء سبقوا عصرهم فصاروا كأنهم عاشوا بين ظهرانينا في القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، وثلاثتهم من غرس يد عاهل المغرب السلطان أبي عنان المريني: فيلسوف التاريخ، عالم الاجتماع أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون، والرحالة العالمي ابن بطوطة الطنجي اللواتي، وابن جزي الكلبي الغرناطي الشاعر الناثر.
فثالث الثلاثة سلك مسلك معاصره ابن الخطيب، فهو في الشعر فارس الميدان، وفي سجع الكتاب والمقدمة والرسالة بطل الشجعان، أما الأول والثاني فحادا عن السجع المثقل، وتبنيا النثر المرسل، وإن لم يتخليا عن سجع المقدمة والعنوان لأنه كان "موضة" العصر يصعب التخلص منها ولو إلى حين، فعنوان تاريخ ابن خلدون: (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخير، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). ومقدمته طويلة النفس، متعددة التفقية: أما رحلة ابن بطوطة فعنوانها: (تحفة النظار، في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار)، بينما مقدمتها القصيرة المدى المتعددة التقفية، جاءت أشبه ما تكون بموشح لطيف منسجم النغمات.د
وختاما أشير إلى التقصير المزدوج الذي حصل بعد ممات هذا الحالة العالمي الذي نال ما استحقه من تعظيم وتكريم أثناء حياته.
1 – فمثلا بلدية مسقط رأسه، والجماعات الأدبية – الثقافية، والهيآت الرسمية، لم تقم لخد الآن بواجب التكريم الحقيقي.
2- والباحثون والدارسون وطلاب الجامعات أهملوا هذه المعلمة الخالدة ونتاجها الباهر أقبح إهمال، وكأنهم متأثرون بدعاية أعداء المغرب بأن ابن بطوطة لا يعدو أن يكون مغربيا بربريا نصف متعلم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم !
فالرجاء تدارك ما قات، وبذل مزيد من العناية الأدبية والمادية التي يستحقها هذا البطل العالمي الخالد: شمس الدين (أو شرف الدين) أبو عبد الله محمد ابن بطوطة اللواتي الطنجي.



1) الاستخارة: فكان يتطهر ويصلي ركعتين وينام على الطهارة طالبا من الله أن يختار له من الأمر ما يوافقه. وفي المنام يرى ما يوجهه الوجهة الصحيحة المطلوبة، إن سلبا أو إيجابا.
2) الرؤيا الصادقة: كذلك التي رآها في الأسكندرية، فأوحت إليه فكرة الجولان في بلدان العالم الإسلامي، والقيام بهذه الرحلة العالمية المنقطعة النظير.
3) استفتاح المصحف: كان السلطان الهندي جمال الدين الهتوري يريد غزو (اسندابور)، وأخبره أبو عبد الله بأنه يريد الجهاد فقال له: أنت إذن تكون أمير الحملة، ولكن حينما أنبأه بأنه استفتح المصحف فوجد في أول المصحف قوله تعالى: (يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله ممن ينصره) حينئذ قرر السلطان أن يقود الحملة فركب وأركب معه ابن بطوطة. وهوجمت سندابور وتحقق النصر من عند الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here