islamaumaroc

آل أمغار ودورهم في التوجيه الروحي.

  عبد القادر العافية

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

إن البحث ليقف مندهشا إزاء النزعة الروحية التي اتسمت بها منطقة دكالة بالمغرب الأقصى عبر تاريخها الطويل، بحيث يمكن القول أن إقليم دكالة يعد من أغنى الأقاليم المغربية في هذا المجال الروحي، ويجد الباحث أن عددا كبيرا من رجال التصوف والتربية الروحية ينتمون إلى هذه المنطقة في مختلف العصور.
وهذه ظاهرة تستلفت نظر الباحثين، وهذا مما جعل يعضهم يؤكد بأنه: "كانت الزوايا الدكالية من أول ما ظهر المغرب".
ويذكر ابن عبد العظيم الأزموري في كتابه"بهجة الناظرين" أن آل أمغار توصلوا بظهائر من أمراء بني يفرن، تهدف إلى تمثين روابط الصداقة مع المغاربيين وذلك لما لهم من دور روحي بالمنطقة ( وقصد محاصرة البرغواطيين الذين كانوا يعملون على نشر نحلتهم البرغواطية.
يضايقون المناطق السنية، وشنون غاراتهم عليها، وبنو يفرن الزناتيون كانوا على عهد الأدارسة وقبل ظهور المرابطين، حيث ظهروا على مسرح الأحداث السياسية بالمغرب خلال النصف الثاني من القرني الرابع الهجري، ومعنة هذا أن النفوذ الروحي بعض الرباطات بهذه المنطقة يعود إلى عهد مبكر، فإذا كان القرن السادس عرف كبار رجال التصوف بالمغرب مثل: أبي ينور المشترائي، الدكالي (التصوف في منتصف القرن السادس هـ). ومثل أبي شعيب أيوب السارية (مولاي بوشعيب) ن: 561هـ.(مدحه الناصري بقصيدة طويلة 2:185ذ، وابن العريف،وابن برجان ت: 536هـ. وأبي الحسن علي ابن حرزهم (ت: 559هـ) وأبي يعزى يلنور بن ميمون ت: 572هـ. وأبي الحسن علي بن غالب دفين قصر كتامة ت: 574 هـ وأبي مدين الغوث ت: 514هـ
وغيرهم فإن إقليم دكالة عرف التصوف قبل هذه الفترة بكثير، واشتهر به عدد لا يحصى من رجال التصوف، وإذا ما عدنا إلى كتاب: "التشوف إلى رجال التصوف" لابن الزيات التادلي (ت: 627هـ). والذي ترجم فيه لمائتين وخمسة وسبعين شخصية صوفية من مختلف البلاد الإسلامية، من الأندلس، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، ومن بلاد المشرق العربي...
نجد أن تراجم الدكاليين تحتل النصيب الأوفر من الكتاب حيث ترجم فيه لنحو خمسين شخصية صوفية من إقليم دكالة وحده، أي ما يمثل خمس الكتاب تقريبا، حيث نجد التراجم الدكالية تحمل الأرقام الآتية: 22-23-24-30-32-34-35-36-59-61-62-73-75-78-79-87-88-90-110-111-121-127-136-155-158-159-160-161-195-209-219-224-254-255-258-265-266-272-273-276.
هذه أرقام التراجم لرجال التصوف بإقليم دكالة في كتاب التشوف، وهي تؤكد ما قلناه من أن هذه التراجم تشغل حيزا هاما من الكتاب. (ط:افريقيا الشمالية بالرابط سنة 1958) وذكر عدد منهم بتشوف الراغبين، للصومعي من (ق: 9هـ) وترجم الناصري في الاستقصا لمجموعة كبيرة من رجال العلم والتصوف بهذه المنطقة وكذلك الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في سلوة الأنفاس.
ونجد (كتاب الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام) للعباس بن إرباهيم يضم تراجم كثيرة لرجال التصوف بهذا الإقليم وكتاب: (ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع، وما والاهما من الأتباع) للمهدي الفاسي، ومرآة المحاسن لمحمد العربي الفاسي، وغيرها.
وبالإضافة لهذه المؤلفات العامة نجد مؤلفات خاصة بأعلام هذه المنطقة أو بالأسر الشهيرة بها: مثل (المعزى في مناقب الشيخ ألي يعزي) لأحمد الصومعي فرغ منه سنة 1000 هـ (خ.ع: ر:265) (1) ومثل: كتاب (بهجة الناظرين، وأنس الحاضرين،ووسيلة رب العالمين، في مناقب رجال آمغار الصالحين) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد العظيم الزموري ممن أهل القرن الثامن الهجري.
تكلم فيه مؤلفه عن صلحاء ’ل أمغر، وعرف بهم، توجد منه نسختان بالخزانة العامة بالرباط إحداهما برقم: 13.43.والثانية برقم: 1501.
ومثل: كتاب (البدر اللائح والمسك الفائح في مآثر آل أبي محمد صالح) لمحمد بن أحمد العبدي الكانوني (ت: 1938هـ).
عرف فيه آل الشيخ أبي محمد صالح بن ينصارن بن غفيان الدكالي، ثم الماجري (ت: 631هـ).
ومثل كتاب: (المنهاج الواضح في تحقيق كرامات أبي محمد صالح)، لأحمد بن إبراهيم من آل أبي محمد صالح، طبع بالمطبعة المصرية سنة 1933م، ومثل: (ابتهاج القلوب، بخبر الشيخ أبي المحاسن وشيخه المجذوب) (2) مخ، ع،ر: 5326، لعبد الرحمان الفاسي (ت: 1096=1685م).
ومثل: (سلسلة الذهب المنقود، وفي ذكر الأسلاف والجدود) لأبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم الدكالي المشترائي (ت: بعد: 1160هـ=1747م). وذيله لأخيه محمد (ت: 1184هـ/1771م) أتم فيه الكلام عن أعلام هذه الأسرة الدكالية والأصل والذيل بالخزانة الزيدانية بمكناس، "الدليل".
"بهذه المناسبة أذكر أن آل (إبراهيم الدكاليين المشترائيين) ترجم لمجموعة منهم ابن عسكر صاحب "دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر" ت: 876هـ. انظر: الترجمة: 36-37-38 من الدوحة ط: فاس وترجم لهم ابن القاضي في "جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام بمدينة فاس "انظر مثلا الصفحات الآتية: 66-110-239-248-250-407-455-ط: دار المنصور بالرباط.
ومثل: كتاب: (صريح الدلالة في صحة نسب من سكن دكالة)، لمحمد بت علي الدكالي نزيل سلا (ت: 1945) وكتاب (التعريف ببعض رجال دكالة والدار البيضاء ومراكش وغيرها) لأحمد بن سليمان بن أحمد بن محمد الأندلسي من أخل ق: 11، نسخة منه بالقرويين عدد:/ 641 ضمن مجموع.
وهكذا نجد أن منطقة دكالة غنية بعلمائها وبكبار رجال التصوف وبالأسر التي توارثت العلم والصلاح...
وبما أن الكلام يتعلق بذكر آل أمغار ودورهم في التوجيه الروحي فلا بأس يذكراهم المصادر عنهم.
ومما يلفت النظر في الحديث عن الأمغاريين كثرة ما ألف عن الأسرة التي توارتث الصلاح لفترة طويلة من الزمن.
ويمكن القول أنها تأتي في طليعة الأسر المغربية التي كثر التأليف عنها. وبالرغم من ضياع كثير من هذه المؤلفات، أو على الأصح عدم وجودها في الوقت الراهن فإن ما بقي منها احتفظ بعناوين كثيرة لمؤلفات عديدة,
وأهم مرجع للحديث عن آل أمغار هو كتاب بهجة الناظرين وأنس الحاضرين ووسيلة رب العالمين في مناقب رجال أمغار الصالحين).
لأبي عبد الله محمد بن محمد الزموري كان حيا سنة 900هـ. والكتاب يقع في مجلد واحد ويحمل بالخزانة العامة بالرباط رقم: 1349.
وهناك نسخة أخرى منسوبة لأبي عبد الله محمد بن عبد العظيم الأزموري الجد الأعلي، وهذا كان في القرن الثامن هـ"، وهو معاصر للسلطان أبي سالم المريني.
وصاحب بهجة الناظرين ذكر مجموعة من المؤلفات التي تحدثت عن آل أمغار منها:
1- "الأخبار في كرامات الشرفاء بني أمغر" وهو: لمحمد بن عبد العظيم الزموري الأكبر، نقل عنه.
2- أنس العلماء العارفين في بني أمغر الصالحين تكلم فيه عن آل أمغار أصحاب المشاهد الشهيرة على شاطئ البحر قرب الجديدة بعين الفطر" نقل عنه ولك يذكر مؤلفه.
3- "تنقيح الأخبار في ذكر كرامات الصالحين بني أمغار".
نقل عنه وليم يذكر مؤلفه.
4- "تحفة الأصفياء في تعريف الأولياء".
- لأبي عمر بن عيسي الهناء.
تكلم فيه عن أولياء بني أمغار بعين الفطر بدكالة، ذكره صاحب بهجة الناظرين. ومن الكتب التي نقل عنها أبو عبد الله الزموري:
5- "طبقات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين" ذكره صاحب الدليل، وقال نقل عنه صاحب بهجة الناظرين، ص: 266,
- "الدخيرة والأسراء في مناقب بني أمغر"، ذكره ابن عبد العظيم ونقل عنه.
7- "مطالع الأنوار في كرامات أسلاف أمغار" للشيخ أبي علي عمر بن عيسة الهناء التقدم.
ذكره صاحب بهجة الناظرين ونقل عنه.
8- "مناقب البدلاء (3) العشرة من بني أمغار".
نقل عنه ولم يذكر مؤلفه.
9- "نتيجة الناظرين في مناقب أهل عين الفطر".
وهو لمحمد بن عبد العظيم الأرموري، وقف عليه محمد الكانوني ونقل عنه.
10- "الوسائل والزلفى: لأبي عمران موسى بن علي الزناتي من القرن السابع، كان حيا بعد: 650هـ/1252م وهو في مناقب بني أمغار نقل عنه في بهجة الناظرين كثيرا.
وذكر ابن عسكر في الدوحة أنه ممن ألف في مناقب هذه الأسرة: صاحب التشوف، والتجيبي، ومحمد بن عياض (الدوحة: 77. ط: حجرية بفاس)، وهؤلاء من الأعلام البارزين في عصرهم.
ومن الكتب المؤلفة حديثا في بني أمغر: "تنوير بصائر الأبرار، بتاريخ زاوية تيط، و’آل أمغار" (أسفي وماليه ص: 17) لمحمد بن أحمد الكانوني ت" 1938م قال عنه عبد السلام بن سودة يقع في عدة كراريس، (الدليل).
وللكانوني أيضا:
"جوار الكمال في تراجم الرجال، وهو القسم الثاني من كتابه "أسفي وما إليه" الذي يقع في أربعة أسفار. طبع الأول منه بالمطبعة العربية بالبيضاء: 1937 وطبع جوار الكمال كذلك، وأعيد أخير طبع "آسفي وماليه".

التعريف بآل أمغار:

1- نسبهم:
2- يؤكد محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد العظيم الزموري أو آل أمغار أدارسة حسنيون من ذرية علي وفاطمة – ض- وأتى بنض ظهيرين في مقدمة كتابه بهجة الناظرين لإثبات ذلك.
وبدأ كتابه بقوله: "أما بعد فهذه نسخة شرف كريم، محمدي صميم....إلى أن يقول: "غرة وجود صنهاجة وأعيانهم، سادات المغرب وكبرائه".
وهو في الكلام عنهم يفرد لكل واحد منهم نعوتا وأوصافا تستغرق أحيانا صفحة كاملة, أو أكثر قبل أن يذكر الاسم الذي سيتحدث عنه...يفعل ذلك تعظيما لقدرهم ونسبهم...
ويؤكد الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في السلوة (ج: 2 : 218) في ترجمة محمد بن عبد الله أمغار دفين فاسن يؤكد نسيهم الحسني فيقول: "سيدي محمد بن عبد الله الشريف الولي الجليل الصالح البركة الحفيل الحسين الإدريسي المعروف بأمغار من السادات الأمغاريين أهل عين الفطر المسماة (بتيط نفطر) وتعرف الآن بتيط.
يقول: "وهو على ما هو التحقيق في نسبهم شرفاء أدارسة من ذرية عبد الله بن إدريس – ض- وقد وسمهم بالشرف جماعة من الأئمة، كما في الممتع وغيره قاله الشيخ سيدي علي بن رحال (كذا)- والصواب علي الهداجي المعدني – في "الروض اليانع" – توفي علي المعدني بعد: 1180هـ.
الدليل: 1: 214.
ونقل أنهم – ض- "دعوا على من طعن في نسبهم الريف بقطع عقبه، فليحذر الإنسان من الوقوع في مثل ذلك".
 ومعنى هذا الكلام، أنه هناك من كان ينفي هذه النسبة.
 يقول صاحب السلوة: :وأمغار معناها" الشيخ "لقب بها جدهم، القطب الكامل أبو عبد الله محمج أمغار الصنهاجي دفين أزمور، ويعرف بأمغار الكبير، والأكبر، وهو ابن الشيخ أبي جعفر سيدي إسحاق بن إسماعيل بن محمد بن أبي بكر بن أحمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم بن يحيى بن موسى بن عبد الكريم بن مسعود، بن صالح بن عبد الله بن عبد الرحمان بن محمد بن أبي بكر بن تميم بن ياسر بن عمر بن يحيى بن أبي القاسم بن عبد الله بن ادريس باني فاس – ض-.
يقول صاحب السلوة هكذا وجد هذا العمود الشريف في شجرة قديمة بخط قديم، محفوظة عمد حفدة أبي عبد الله أمغار المذكور ثم يقول: "وما يوجد في بعض المقيدات مما يخالفه لا صحة له، وهو من الخطأ الصراح.
وهكذا يؤكد محمد بن جعفر الكتاني نسبهم الإدريسي الحسني ويحكم على من يخالف هذا بأنه خطأ صراح.
وممن يؤكد نسبهم الحسني ابن عسكر في الدوحة والعربي الفاسي في مرآة المحاسن، والمهدي الفاسي في، ممتع الأسماع، وعبد الرحمان الفاسي في انتهاج القلوب، ودافع صاحب الممتع عن شرفهم ونقل عن الشيخ القصار مايؤكد شرفهم..أي نسبهم الحسني.
وتعرض العباس بن إبراهيم في الإعلام لشرفهم وأطال الكلام، عنه، ونقل عدة نقول تؤكد شرفهم، في ترجمة موسعة لسيدي عبد الله بن احساين. (ج:8/277).
أما التادلي في التشوف (ت:627هـ/1230م) فقد ترجم الثلاثة من أعلام آل أمغار، وذكر ثلاثة آخرين عرضا، ولم يذكر أنهم حسنيون، ففي الترجمة: 245 (ط: الرباط: 1958) يقول: "ومنهم".
"أبو يعقوب يوسف بن محمد بن أمغار الصنهاجي" من أهل رباط: (تيط نفطر) من بلد أزمور، وبه مات في الثاني من شوال عام أربعة عشر وستمائة، وأبوه هو أبو عبد الله محمد، وجده أبو جعفر أمغار من كبار الصالحين من بيت الخير والصلاح...ص: 455.
وفي الترجمة رقم: 75 يقول: ومنهم أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر إسحاق بن إسماعيل بن سعيد الصنهاجي المعروف بابن أمغار، الذي كان بموضع أغيور، وأبوه، أبو جعفر، وجده، إسماعيل، وأسلافه ببيت خير وصلاح، وولاية، وكذلك خلفه إلى الآن. وحدثوا عن أبي شعيب أنه كان يكثر زيارة أبي عبد الله.. (أي مولاي بوشعيب السارية) وفي الترجمة: (87) يقول: ومنهم أبو محمد عبد السلام بن أبي عبد الله محمد بن أمغار الصنهاجي من أهل رباط (تيط نفطر), وكان عبدا صالحا منزويا عن الدنيا، ولم يتزوج إلى أن مات... ص:217 )ط: أدولف فور: 1958).
فصاحب التوشف يم يضف حسني، ولا إدريسي، فهو لم ينف النسبة الحسنية ولم يثبتها ومثل هذا يستفاد من الظهير الذي نقل مضمونه العباس بن إبراهيم في الإعلام حيث يقول: "وقفت على ظهير أحمد المنصور السعدي مؤرخ ب: 18 رمضان سنة 997 هـ بأنه يصرف للمرابط إبراهيم بن أحمد ابن المرابط الخير عبد الله بن حسين جمع الغائر من الآبار المندرس الآثار قرب تامصلوحت صرف العام، واقطاع تمليك...(الإعلام: 182 ج:1).
فهذا الظهير السلطاني لم يثبت ولم ينف.
لكن نسبة آل أمغر إلى البيت النبوي نجدها عند غير واحد ممن ترجم لهم. ابتداء من محمد بن عبد العظيم الزموري الجد –ق:8) إلى العباس بن إبراهيم، والكانوني، فكلهم ينعثون الأمغاريين: بالشرفاء الإدريسيين الحسنيين، ويؤكدون ذلك، بل تحمس الفاسيون في الدفاع عن هذه النسبة، وتبعهم الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في السلوة.
وعلى منوالهم نسج الشيخ محمد الكانوني في كتابه (أسفي وما إليه) فهو عندما أراد الحديث عن بيوتات هذا الإقليم بدأ ببيت آل أمغار فقال: "هذا البيت عظيم القدر عزيز الفضل وافر الجلالة، كثير العلماء نبغ منه عدد من الأئمة والشيوخ المرشدين وكان واسطة عقدهم الشيخ اتلإمام أبو عبد الله سيدي محمد بن أبي دعفر بن إسماعيل الحسني الإدريسي المدعو أمغار الكبير، من أهل القرن السادس الهجري، وكان له أولاد سبعة تسنموا مراتب العلم والعمل، واتصفوا بالولاية والعرفان، وقد تناسل من ذرياتهم مالا يحصى من العلماء المرشدين ظلوا حاملين راية العلم والهداية، وكانت زاوية تيط مركزهم الوحيد للعلم والدين، قصدت منم الآفاق، وشدت إليها رحلة الرفاق..."
وسبقت الإشارة إلى أن ما ألف عن هذه الأسرة الأمغارية شيء يلفت أنظار الباحثين، وما ذلك إلا لما كان لهم من دور فعال في التوجيه الروحي.

التوجيه الروحي لآل أمغار:

قليلة هي الأسر التي يتوارث أفرادها الصلاح أبا عن جد لفترة طويلة من الزمن.
منذ القرن الرابع الهجري بدأ الحديث عن آل أمغار وعن صلاحهم، ورباطهم بعين تيط.
ويثبت محمد بن عبد العظيم الزموري أن بين يفرن في القرن الرابع الهجري كان لهم اتصال بهذه الأسرة وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
وينقل عنه الناصري في الاستقصا " أن الأمير المؤمنين على بن يوسف بن تاشفين لما عزم على إدارة السور على مدينة مراكش شارو الفقهاء، وأهل الخير في ذلك، فمنهم من ثبطه، ومنهم من ندبه إليه، وكان من جملة من ندبه القاضي أبو الوليد بن رشد، ثم شاور أبا عبد الله محمد بن إسحاق المعروف بأمغار صاحب عين الفطر فأشار ببنائه، وبعث له من ماله الحلال، وأمره أن يجعله في صندوق صائر البناء، ويتولى الإنفاق رجل فاضل فقبل السلطان استشارته وعمل برأيه فسهل الله أمر البناء" (الاستقصا: 2:23).
ومن خلال هذا النص نرى أن محمد بن إسحاق الأمغاري كان له جاه ونفوذ على عهد المرابطين إلى درجة أنه يشير على السلطان، ويبعث له بقدر من المال ليجعله في نفقات البناء، ويوجهه إلى من يحب أن يتولى الإشراف على بناء السور...
فمثل هذا النص يظهر أن آل أمغار على عهد المرابطين كانت لهم خطوة كبيرة عند رجال الدولة، وما ذلك إلا لمكانتهم الروحية في الأوساط الاجتماعية، ولما لهم من صيت وشهرة في هذا المجال، ومن هنا يتضح أن الأمغاريين عرف رباطهم وبيتهم قبل أبي عبد الله المعاصر لأبي شعيب السارية (ت: 561هـ).
وسور مراكش الذي يتحدث عنه النص بني سنة 526 هـ وبعد قرن من الزمان،وفي عهد الدولة الموحدية مجد ابن الزيات (ت: 627هـ) يعلي من شأن هذه الأسرة، ويشيد بدورها الروحي، وبما وصل إليه أفرادها من فضل وصلاح، حيث أصبحوا نماذج يقتدى بهم، وتلتمس بركاتهم، ودعواتهم...وامتد إشعاعهم الروحي ليشمل جهات كثيرة وأقاليم متعددة...وبعد قرة آخر من الزمان في عهد الدولة المرينية (760-762هـ) أي في النصف الثاني من القرن الثامن، نجد محمد بن عبد العظيم الزموري الكبير يهتم بالحديث عنهم اهتماما بالغا ويؤلف فيهم: كتاب: "الأخبار وكرامات الشرفاء بني أمغار، ويذكر ما وقع أيام السلطان أبي عنان من التنويه ببيت آل أمغار الشرفاء،وما كان من إعفائهم من المغارم، ومنحهم رسوم الاحترام.
وفي القرن التاسع يؤلف فيهم حفيده كتاب "بهجة الناظرين..." السالف الذكر.
وابتداء من هذا القرن نلاحظ: أن الأمغاريين الذين كان لهم رباط، وزوايا قبل ظهور الشاذلية نلاحظ أنهم أصبحوا منم كبار مشايخها،ومن أبرز أعلامها.
ويذكر ابن عسكر في الدوحة في سند شيوخه إلى الشاذلي. أن الشيخ أبا عبد الله محمد الجزولي أخذ الطريقة الشاذلية عن شيخه أبي عبد الله الشريف من بني أمغار، (مقدمة).
ويؤكد محمد العربي الفاسي في مرآة المحسن (ص: 193) أن الشيخ أبا عبد الله محمد الجزولي أخذ عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله أمغار نزيل رباط (تيط نفطر) الطريقة الشاذلية.
ويذكر نفس السند الذي ذكره صاحب الدوحة ويتوقف قليلا عند القرافي الوارد في السند هل هو الفقيه المشهور أم غيره؟.
وفي القرن العاشر نشطت الحركة الصوفية بالمغرب نشاطا كبيرا، وأصبحت كتب الفهارس والتراجم تترجم لكبار الصوفية: وفي ضمنهم وطليعتهم "آل أمغار".
وفي هذه الفترة تألق نجم سيدي عبد الله بن احساين من آل أمغار، ونال الإكبار والتبحيل من كل من ترجم له.
ونرى هذا الشيخ يجدد سنده إلى الشاذلي بأخذه عن السيخ أبي محمد عبد الله الغزواني المتوفى سنة: 935 هـ، دفين مراكش وتحد رجالها السبعة. وهذا أخذ عن الشيخ عبد العزيز التباع، والتباع أخذ عن الشيخ أبي عبد الله محمد الجزولي المتوفى: ما بين (869-875هـ) والجزولي يتصل بالشاذلي من عدة طرق، ذكرها المهدي الفاسي في ممتع الاسماع، وغيره.
ويلاحظ الباحث أن الإشعاع الروحي بالأمغاريين امتد عبر فترة طويلة من الزمن.
اعتبار سيدي عبد الله بن احساين مجدد مجد هذه الأسرة في القرن العاشر الهجري حيث ذاع صيت هذا الرجل وقصده الناس من كل مكان، ونسبت إليه الكرامات العجيبة...
ونجد كل من تناول الحديث عنه، إلا ويخصه بمزيد من التعظيم والاحترام...وسنرى فيما بعد أن حفيده مولاي إبراهيم (ت: 1072هـ) دفين "كيك" أدرك نفس الحظوة التي كانت لجده.
ولقد ترجم لعبد الله بن إحساين جماعة، ويعد ابن عسكر صاحب الدوحة من أبرز من ترجموا له، وهو معاصر له، مات بعده بسنوات قليلة (10 سنوات) وقد ترجم له ترجمة حالفة تليق بمكانته، وستصبح هذه الترجمة عمدة المترجمين فيما بعد.
ومما ذكر عنه ابن عسكر:
"ومنهم أعجوبة الدهر الشيخ الولي ذو المناقب التي لا تحصر كثرة أبو أحمد عبد اله بن حسين الحسني من شرفاء بني أمغار، أهل عين الفطر..كان هذا الشيخ من أصحاب الشيخ سيدي أبي محمد الغزواني..إلى أن قال: انتشر صيت الشيخ عبد الله بن حسين وقصدته الوفود وظهرت على يده الخوارق التي لا تحصى..".
إلى أن يقول: وكانت بيني وبين الشيخ مودة راسخة ومحبة شامخة ..واستفدت منه دعواته، ولله الحمد، ولولا قصد الاختصار لأفرادنا له كتابا مستقلا (توفي رحمه الله: 976هـ).
ووصل الإشعار الروحي لسيدي عبد الله بن (احساين) إلى جهات كثيرة، وأقاليم بعيدة، وعنه أخذ الشيخ سيدي محمد بن علي بن ريسون (ت/ 1018هـ) وهو شيخه الذي اعتمد في طريقته الريسونية، حسبما ذكره والده الحسن في كتابه: "فتح التأييد، في مناقب الجد والعم والوالد..
فهو قد ذكر قصة اتصال والده بسيدي عبد الله بن احساين، وذكر أن والده شد الرحلة عليه من جبل العلم بشمال المغرب، وزاره بزاويته بتامصلوحت، وبأن والده ورث أسرار هذا الشيخ، الذي هو قطب الأقطاب، وعلى يديه تم له الفتح، وبأمر منه فتح الزاوية الريسونية بتازروت بجبل العلم قرب تطوان بقبيلة بني عروس...وبعد وفاة الشيخ سيدي محمد بن علي بن ريسون ظلت الزاوية الريسونية بالشمال مخلصة لآل أمغار إخلاصا لا نظير له،ووظفت مدح سيدي عبد الله بن احساين فيما ينتشده المريدون بالزاوية الريسونية، وهناك منظومة من الملحون بعنوان (حضرة القطب مولا عبد الله بن احساين) تبدأ هكذا:
"باسم الله نبدأ الذكر نمدح البشير النذير، مصباح البيان، وهي طويلة في مدح سيدي محمد بن علي بن ريسون وشيخه بن احساين.
ولازمتها:
والولي صاحــب المهابــة                   كملوا بن احساين وأعطاه أعلامو
قطب الصالحين يا بان ريسون              يا كـــنزي بـاب امحمــد
من دكالــة وأنـا نســأل                      وأعيـ‘يت أبويا وعـيا وماولي
الوالي صاحـب المهابــة                    كملو بن احساين وعطاه أعلامو

***

ومنظومة هذا الملحون تنشد بالزاوية الريسونية بتازروت، وتطوان، والمنظومة بكاملها في كتاب: أبطال صنعوا التاريخ "لعلي بن ريسون" –ط: المهدية: 1974) حيث نقلها عمن لا يزال يحفظها من أفراد أسرته.
فالاشعاع الروحي لآل أمغار عرفته كثير من الجهات بسوس، وجنوب المغرب وشرقه وشماله.
بل نجد الإمام عبد الرحمان القسنطيني يقول عنهم:
"أكبر بيت في المغرب في الصلاح، بيت بني أمغار، لأنهم يتوارثونه كما يتوارث الناس المال".
وهذه الجملة نقلها غير واحد من الذين ترجموا لهم., وآخرهم السيخ محمد بن أحمد الكانوني في كتابه آسفي وما إليه. (ص:16).
وإذا كنت أعتبر سيدي عبد اله بن (احساين) مجدد النشاط الروحي لهذه الأسرة في القرن العاشر الهجري، فإن حفيده مولاي إبراهيم لا يقل عنه في هذا الشأن، وقد ترجم له غير واحد كالإفراني في الصفوة، والحضيكي في الطبقات، وابن إبراهيم في الإعلام، وغيرهم.
فعن مولا إبراهيم يقول صاحب "الإعلام لمن حل مراكش وأغمات ممن الإعلام: "كان هذا الرجل آية من آيات الله في الواردات الإلهية والأحوال الصدقة، مع حسن سمت، ومتابعة للسنة في أقواله وأفعاله...وقبل متابعة الشيخ العباس ابن إبراهيم فيما يذكره عن مولاي إبراهيم نلاحظ: أن الصوفية كثيرا ما يفخرون بأنهم من أتباع السنة.
وفي هذا المجال ينقل ابن الزيات في التشوق: أن عبد العظيم بن عبد الله أمغار، قال لإخوته: أتدرون بما زاد والدكم على صالحي المغرب؟ قالوا لا ندري، فقال ما فاقهم بكثرة صلاة، ولا صيام وإنما فاقهم باتباع السنة، فكان إذا صلى العتمة لا يتحدث مع أحد للنهي الوارد في النوم قبلها، والحديث بعدها...(التشوف: 192).
وبعدما ذكر العباس بن إبراهيم قصة فرار مولاي إبراهيم من السلطان زيدان بن أحمد المنصور – لكيك- من عمالة مراكش يقول: هناك شاع ذكره وفاح على المريدين سره، فقصده الناس من الآفاق البعيدة، وشدوا إليه الرحال من النواحي الشاسعة، وازدحم على بابه مالا يحصى حتى إنه اجتمع عمده في بعض الأيام ثلاثون ألفا من الرجال، وتسعة آلاف من النساء..وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر..وذلك دأبه وسيرته على الدوام.
وكان يقول: لا يأتينا من أمنه الله، لأن مقامنا هذا مقام إبراهيم الخليل، ومن دخله كان آمنا, وبعدما نقل كثيرا من أخباره قال: "كانت له مشاركة في العلوم أخذ عن الشيخ أحمد المنجور، وعن عبد الله بن طاهر الحسني، وأبي مهدي السجتاني، وغيرهم، توفي عن سن عالية سنة 1072هـ (4).
ونستخلص من المعلومات السالفة عن بيت آل أمغار الدكاليين، أن هذه الأسرة امتد إشعاعها الروحي داخل دكالة وخارجها، وكثر الصالحون من بين أفرادها عبر فترة طويلة من الزمان، تمتد ممن القرن الرابع الهجري إلى عهود متأخرة.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن إقليم دكالة كان غنيا بعطائه الفكري والروحي وقد اشتهر كثير من أفراده على مستوى المشرق والمغرب حيث استطاع كثير من الدكاليين أن يفرضوا وجودهم في الميدان الفكري بالمغرب، والجزائر، وتونس، ومصر..
واستطاع شاب من إقليم دكالة أن يفرض نفسه على الأوساط العلمية بمصر وبلاد المغرب العربي وغيرها حيث تسنم مرتبة الإمامة في العلم في ريعان شبابه، وهو الشيخ الإمام محمد بن علي الدكالي (720-763) دفين مصر.
واعظ مفسر، فقيه، له شرح على عمدة الأحكام – في الحديث لعبد الغني المقدسي (ت: 600هـ) في : ثماني مجلدات، وله: "تخريج أحاديث الرافعي" و"كتاب الفروق" و"تفسير مطول، سماه: "الذمة في استعمال أهل الذمة" وله :"إحكام الأحكام الصادرة من بين شفتي سيد الأنام". (مخطوط) وله شعر جيد...
هذا وما يزال الحديث عن نبوغ الشيخ أبي شعيب الدكالي يملأ الأسماع، والحديث عن حفظه وإتقانه، وسعة إطلاعه..يهز النوادي، ويتناقله عشاق المعرفة، وطلاب العلم ومحبيه...
فآل أمغار الذين تحدثنا عنهم في هذه العجالة هم نموذج من نماذج إقليم دكالة الغني بعلمائه وصلحائه.


1)خ.ع.ر: الخزانة العامة بالرباط، والرقم رقم الكتاب بها.
2) عبد الرحمان بن عيد المجذوب ذكره غير واحد من المتحدثين عن رجال التصوف وهو شيخ الأسرة الفاسية ونجده في مؤلفات هؤلاء: في مرآة المحاسن،وممتع الأسماع، وابتهاج القلوب وغيرها توفي سنة 976 هـ ودفن بمكناس، وهو أشهر من على علم.
3)قال ابن منظور في اللسان: يقال: بدل وبدل، لغتان، ومثل ومثل وشبه وشبه، ونكل ونكل، لم يسمع غير هذه الأربعة، ثم قال: الإبدال قوم من الصالحين بهم يقيم الله الأرض: 40 في الشام، و 30 في سائر البلاد لا يموت أحد إلا قام مكانه آخر، ولذلك سموا أبدالا، وأورد حديث: "الإبدال باشلم والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق" قال ابن السكيت سمي المبرزون في الصلح إبدالا، لأنهم أبدلوا من السلف الصالح.
والإبدال: الأولياء، والعباد.
4)ترجم له الحضيكي في الطبقات 1: 127.
الافراني في الصفوة ص: 148
وانظر الإعلام بن إبراهيم: 1/ 181-182.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here