islamaumaroc

مراعاة الهرمونية في القراءة القرآنية.

  محمد ابن تاويت

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

كثيرا ما أمعنت في منع "أشياء" من الصرف بالقرآن الكريم.
وكنت قد جنحت إلى قضية "التوهم" المعروفة عند اللغويين ونص على أمثلة منها في المعاجم الموجودة بين أيدينا. وأردت بذلك التوهم ما حصل فيها في الجاهلية وتركت عليه.
لكنني أخيرا انتهيت إلى قضية غيرها، وهي قضية الانسجام "الارموني: في منعها من الصرف عند قوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).
وقد بر علينا هذا المنع في "لأشياء" هذه، توهمات في نحو "أحياء" :وأخطاء" ولم يقف الأمر عند هذه التي تنتهي بالألف والهمزة بعدها- كأنها ألف تأنيث ممدودة- بل تخطت هذه العشوائية، إلى كل ما هو على زنة "أفعال" فصارت إذاعتنا تمنع نحو "أفعال" "وأطوار" "وأوهام "وأغلاط" مما تضرسنا به الإذاعة الوطنية وغيرها كل يوم وقد قلدتنا الإذاعات الجزائرية – وهي دائما تقلدنا – في كل شيء شكلا وموضوعا. أذكر من هذا الأخير، أني ذكرت أول السبعينات، فإذاعة فاس، أن البوصيري من الجزائر، فانطلقت في الحين إذاعتها، تهلل وتكبر بهذه " الجزائرية".
المهم أن "التوهم هذا إن كان منشأ لمنع الصرف في "أشياء" أفضى- كما كنت قائلا – إلى توهمات أخرى، لم يقف عند "أخطاء" مثلا بل شمل حتى "أغلاط، على سبيل المثال.
وهنا يطرح علينا السؤال، ما هي الأرمونية، في "أشياء" هذه؟ والجواب أننا لو لم نمنعها من الصرف، لوقعنا في قلق عظيم، بسبب اتصال "إن تبد" فلنقرأ الكلمة غير ممنوعة هكذا "عن أشياء إن تبد". ولنستشر أذواقنا وما يعترينا بنطق "ءن إن" من الكلفة، بل إن الكلفة تنكبها القراء، حتى وهي ممنوعة من الصرف حيث سهلوا همزة "إن"، حتى لا تصطدم الهمزتان بعضها مع بعض.
ويؤيد ما استظهرناه، بادئ ذي بدء منا، أن كلمة مصر وردت في القرآن أربع مرات ممنوعة من الصرف، ومرة واحدة مصروفة.
لماذا؟ لأن الأربع المذكورة لم يتصل بها ما يغيرها عن حالها فبقيت على منعها هكذا:
أن تبوأ لقومكما بمصر بيوتا.
وقال الذي اشتراه من مصر لإمرته
وقال ادخلوا مصر إن شاء الله
قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار
أم الخامسة وهي الأولى من حيث الورود في المصحف، فهي مصروفة هكذا:
(اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم). فعل مهل مارأينا من التنوين تخفيفا كما قال الراغب، يعني من توالي الحركات لولا التنوين فيها فهنا عكس ما تقدم والعلة واحدة وهي التحقق من الثقل، هناك منع الصرف وهنا بصرف الممنوع منه.
لقد قرأ بعض القراء "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار".
بفتح النهار، بدل كسرها، بالإضافة، كما في قراءتنا.
فقيل له ماذا تريد بصنيعك هذا؟ فأجاب إنما أردت "سابق" بالتنوين...فقيل له "ولم لا تنون "سابق" إذن؟ قال: لو قلت ذلك لكان أوزن...
يعني "أثقل" نعم" إننا لو فعلنا لتواردت محذورات بالتقاء السواكن الساكن الأول في "سابق" والثاني في النون الأولى من "النهار" وتوالت بذلك ثلاث نونات، إذ كل حرف مشدد، كما هو معلوم، أصله حرفان، وما أحرج ما يكون عليه اللسان، لو لم تسعفه قاعدة الإدغام في نون "النهار" ! وعلى هذا الاعتبار، منع من الصرف "أشياء" هنا ولم يمنع نظيره في نحو أحباء من قوله تعالى: (أموات غير أحياء). فلو اتصلت "أحياء" ونحوها بنحو "عن السالفة، لكان شأنها، والله أعلم، شأن "أشياء" ولمنعت من الصرف صورة، على الأقل، كأن يقال: (أموات غير أحياء إن تفكروا).
وهنا نلقى سؤالا آخر، على ذلك القارئ، لم لا تستعمل الإضافة، كما في قراءتنا؟ يجيب إنها "الأرمونية" نفسها، منعتني من ذلك في عمقها، ونحن نراعي "لا الشمس ينبغي لها أن تدر القمر" كأننا قلنا: ولا الليل أن يدرك النهار، يعني "ولا ينبغي له أن يدرك النهار، فهناك إذن مطابقة الصورتين، بينهما في المجملتين، نعم إن الإضافة عندنا، إضافة لفظية، وليست معنوية، وهذا صحيح بالنظر إلى قواعد الإضافة، ولكن الذوق لا يسلم بسوائية العمليتين، عملية النصب الصريح، بإعنال اسم الفاعل عمل الفعل، وعملية إضافته إلى مفعوله، إذ الإضافة تكون هامدة، ليست بالحيوية التي عليها الإعمال وهو عمل الفعل، صراحة، لا تقديرا، أو تحكما، واحتكاما إلى قاعدة الإضافة.
وكما يحقق لنا هذه "الأرمونية" منع ما صرف من الصرف، كذلك يحققها صرف ما يمنع من الصرف، وذلك مثل الاتباع لغيرها أو إتباع غيرها لها، كما في الصنفين في قوله تعالى: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب، كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا) وينقطع الاتباع بعد هذا، حيث نجد: (وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا)، ذلك أنه لم يتعلق بأساور ما يتطلب التجمل بالإتباع، عطفا أو غيره بين الجمل والمفردات المنساقة لغيرها كما في قوله أيضا: (وعادا وثمـودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا)، وهكذا نجد كما في الأمثلة التي تضم النوعين:
قوم نوح وعاد وثمود (التوبة).
إلا أن ثمودا كفروا ربهم (هود)
قوم نوح وعام وثمود (إبراهيم).
وعادا وثمودا وأصحاب الرسل "الفرقان".
وأصحاب الرس وثمود (ق).
وأنه أهلك عادا الأولى وثمودا (النجم).
صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (فصلت).
كذبت ثمود وعاد بالقارعة (الحاقة)
ومن هذه الهرمونية ما نحذف الفواصل من نحو.
"فأضلونا السبيلا"، ونحو: (وتظنون بالله الظنونا).
والقرآن ترتيل، بلا تطريب، كما يقول خليل، فلا بد من الانسجام في هذا الترتيل، قال تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا، إنا سنبقي عليك قولا ثقيلا، إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا). ومما هو من هذا القبيل ورود "هذان" بالألف، في قوله تعالى: (إن هذا لساحران يريدان) مراعاة لم بعده: ( لساحران يريدان) ليكون الانسجام تاما بين الكلمات في موازينها ورنينها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here