islamaumaroc

ترفق أيها المولى عليهم [افتتاحية]

  محمد بنعبد الله

العدد 276 صفر الخير 1410/ شتنبر 1989

تحدثنا سيرة الإنسان الكامل والمربي القدير أستاذ الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه كان أبعد الناس غضباء وأسرعهم رضى، فكانت شمائله وأفعاله رسالة أخرى في الخلق العالي من الحلم والتسامح والإعضاء....
فلقد افتن شياطين مكة في أذاه، فعذبوه في نفسه، وفي قومه، وفي أصحابه فما استكان، ولا لان، ولا تردد، رغم المحن الشداد، والآلام الفواتن التي وجدها في مكة التي كان يخطو في طرقها وشعابها على أرض تمور بالفتون، وتتسعر بالعذاب، وتفور بالسفه والحقد والإفك والضغينة والمعارضة والوقاحة على محمد، وعلى دين محمد أصحابه عليه السلام، فكان لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما....
قاوم بالحجة، وصاول بالرأي، وجادل بالمنطق، وجاهد بالصدق، جالد بالصبر، وآثر بالفصاحة والبيان، فجمع القلوب النافرة بالبر، وشفى الصدور الضيقة بالتعاون، وضم شتات الجماعة، ووثق عقدة الدين، وألف قومه على المودة، وجمعهم على الوحدة، حتى بلغ بحقه ودينه دار الأمان، فقوي وعز، بعد أن بغى على حقه الباطل، وطغى على دينه الكفر...
لقد ساس عليه السلام أمته بالحلم والأناة، والصبر والتسامح والإغضاء والنفس الطويل حتى أعلى كلمة الله، وبلغ رسالة الحق، وحمل أمانة العلم...
فالحلم والاحتمال، والعفو مع المقدرة، والصبر على المكاره، والهيام في الحق، مما أدب الله تعال بن نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: (خذ العفو، وامر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين)، وقال تعالى: (فاصفح عنهم، وقل سلام...)،...ولقد قالت عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط... ما لم تكن حرمة من محارم الله.."
هذا الخلق النبوي الكامل، كان وسيلة رائعة من وسائل الجهاد والنضال التي جدد بها عليه أسلوب العيش، وأقام بها ميزان المجتمع، لا تزال عناوين ضخمة بارزة في صفحات الخلق والفضيلة، والسياسة والجهاد...

***

في سيرة الرسول عليه السلام نماذج حية عالية تحفل بعناصر الخير والقوة والجمال، قويت في كل نفس، وازدهرت في كل جنس، وانتشرت في كل صقع، وكلها تعبق بأريج فضيلة الحلم والاحتمال، والعفو مع المقدرة، والصبر على المكاره...
من ذلك أن ثمانين رجلا من أهل مكة باغتوا النبي صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذوا أخذا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم...
ولقد قال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، فبينما نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابا، عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم النبي، فأخذ الله بأبصارهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عبيه وسلم: "هل جئتم في عهد أحد؟ أو جعل لكم أحد أمانا؟ قالوا: اللهم لا..فخلى سبيلهم..."
كما عفا صلى الله عليه عن غورث بن الحرث لما تصدى صلى الله عليه وسلم ليفتك به، ورسول الله منتبذ شجرة وحده يقيل، والناس قائلون في غزاة، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا وهو قائم، والسيف صلتا في يده، فقال: "من يمنعك مني؟ فقال: الله. فسقط السيف من يده، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خيرا، فتركه، وعفا عنه، فجاء إلى قومه، قال: "جئتكم من عند خير الناس...".
وحكى أنس بن مالك أنه كان مع النبي، وعليه برد غليظ الحشية، فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقة، ثم قال: "يا محمد، أحمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "المال مال الله، وأنا عبده" ثم قال: "ويقاد منك، يا أعرابي، ما فعلت بي" قال: لا ولم؟ قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لأمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر...
ولما اشتط في أذاه المشركون في مكة، والمنافقون في المدينة، وأمكنه الله منهم، وأظفره عليهم، بسط عليهم جناح عفوه، وشملهم بحلمه، وقال لقريش يوم الفتح: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالو: خيرا... أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا، فأنتم الطلقاء.
أطلقهم، ومن بالأمان                    فالطلقاء هم على الزمان
وقال لأبي سفيان، وقد سيق إليه بعد أن جلب إليه الأحزاب، وقتل عمه وأصحابه، ومثل بهم، فعفا عنه، ولاطفه في القول: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يإن لك أن تعلم أن لا إلاه إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك، وأوصلك وأكرمك.
وقد وطئ ظهره، وأدمي وجهه، وشج جبينه، وكسرت رباعيته، وأبى أن يقول إلا خيرا، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون..".
وما أعجب تحليل هذه القولة، وهي من جوامع كلمه عليه السلام من القاضي عياض الذي قال: "انظر ما في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذا لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم، حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا وشفع لهم، فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله: "لقومي"، ثم اعتذر عنهم يجهلهم، فقال: "فإنهم لا يعلمون".

***

تلك بعض نماذج الخير للخلق العالي، والمثل الكامل للدفع بالتي هي أحسن وأرفق، وأدعى إلى التأمل والاعتبار، ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم، الذين امتحن الله صبرهم بالألم، واختبر إيمانهم بالفتنة، على طريق الرسول، واقتبسوا هداهم من وحي الله، واستقاموا على الطريقة التي نهجها سيدنا محمد صلى الله عليه يستعينون بصبر المجاهد على القلة، وبعزة المومن على الذلة، وبعفة الزاهد على الفاقة، ويجدعون، بثباتهم، أنف المستكبر العنيد، حتى توافوا، معها إلى الغاية، وانتهوا، جميعا، عندها إلى الوحدة والاتحاد.

***

إن كل مسؤول واع برسالته يسوس أمة، دولة، ويرعى شعبا يمر من مرحلة مهمة، بل حيوية ألا وهي جمع الشمل، وتوحيد الكلمة كيفما كانت التضحيات والعقبات، وكيفما كان نبل الأهداف وشرف الانتصار، كما قال صاحب الجلالة الحسن الثاني الذي يرى حفظه الله أن الالتفاف والتصالح الالتفاف والتصالح الوطني، والوحدة الوطنية ووحدة القلوب...لا أقول وحدة الرأي فلو كانت وحدة الرأي لصار مذاق الحياة مرا، ولشعر كل شخص له تفكير، له اجتهاد بالملل والكلل، أقول: وحدة الغريزة، ووحدة الإحساس، ووحدة المواطنة، ووحدة القلوب...

***

لقد كان عليه السلام.وهو الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، بالمومنين رؤوفا رحيما، يغضي إذا جهلت قومه عليه، وأخو الحلم، دأبه الإغضاء... ويعفو، ويبلغ بالجود المدى، ويفعل ما لم تفعل الأنواء.
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا                 لا ستهين بعفوك الجهلاء

***

في خطاب ثورة الملك والشعب، يوم 20 غشت الأخير، ذلك الخطاب الجامع المانع الذي تبلورت فيه المعاني والرموز، وتفجرت ينابيع الدروس والكنوز، توجيهات استلهما جلالة الملك الحسن الثاني من أخلاق جده عليه السلام في الحلم والصبر، والتسامح والإغضاء، حيث استشهد في ذلك بالحديث الشريف الذي يقول: "يا رب، كيف أرضى، وواحد من أمتي في النار" وقد تداعى إلى ذهنه الثاقب حفظه الله ذلك الحديث الرائع الذي يعتبر مفتاح الأمل والرجاء لكل من يومن بالله...حديث الشفاعة، وتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره من الأنبياء ليكون شفيعا قال جلالة الملك:
فإذا كان سيدي وجدي عليه السلام يقول: "يرب، كيف أرضى، وواحد من أمتي في النار" يمكنني أو يمكن لكل واحد من هذه الأسرة المغربية أن يقول: يارب، كيف أرضى وواحد منا خارج المجتمع والأسرة....

***

إن الاستفتاء هو بمثابة امتحان، فيه الناجح والراسب، وفيه الربح والخاسر، لكني أقول: يارب، لا أرضى، وواحد من أمتي خاسر....لا أرضى وواحد من أمتي راسب...
فلا مجال لليأس والقنوط لمن أراد العودة عن الضلال، والثوبة من الزلق والزلل والانحراف.
لقد تجلى حلم جلالة الملك مع المضللين أنه وجه إليهم هذا النداء الذي اقتدى فيه بجده المصطفى عليه السلام والذي يفيض رأفة ورحمة، ويرشح إغضاء وتسامحا، فهو حفظه الله يفتح صدره وقلبه مرحبا بمن جاءه واستجار به عيسى أن يثوب إلى رشده، وقد قال حفظه الله:
"ألم يان للذين ضنوا أو تلين قلوبهم..."
ألم يان أن تتغلب الغريزة المغربية...الغريزة القديمة...الغريزة التي جعلت أن الدولة الثانية في المغرب في التاريخ، وهم المرابطون، أصلهم من الصحراء المغربية، قادوا هذا البلد بكلمة الله، وبيعة الشعب، وقاموا بما قاموا به، وزادوا للإسلام وللعروبة في الأقطار الخارجة عن المغرب قرونا وقرونا.
ألم يان لهم أن يعتقدوا ويومنوا: أن الوطن غفور رحيم.
فأملي، في الله، أن يرجع المضللون إلى رشدهم، ويثقوا ويومنوا بأنه عندما يقول الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن عبد ربه، والله وليه، أن الوطن غفور رحيم، لا يقولها عبثا... يقولها بكا ما في هذه الكلمة من مسؤولية والتزام باسمه وباسم جميع المغاربة....

***

إن ما ينال هؤلاء المضللين، من كرب وحيرة، واضطراب وتأنيب للضمير، كل ذلك يؤلم جلالة الملك الذي بين جنبيه، في أوفى صرامته، فؤاد والدة ترعى ذراريها...ولقد عفا الله عنهم....
ولعل الصورة التي يمثل بها في هذا الصدد وتتداعى في الذهن من هذا السياق، ما قاله الشعر العظيم أبو الطيب المتنبي رحمه الله الذي خاطب ممدوحه في مثل حالتنا، فقال: لا يتم فيهم بأسك وشدتك، وسطوتك وعقابك، لأنك حين تصيبهم بمكروه، ينال ذلك منك.., فإصابتك إياهم، كأنك تصيب نفسك، فإذا رميت أصابني سهمي.... !
وأنت الذي بك بقاؤهم، فإذا غضبت عليهم، وهجراهم، فقد هجرتهم الحياة... ولا عقاب أكثر من هجر الحياة....فارفق بهم وإن جنوا، فإن من رفق بمن جنى عليه، كان ذلك الرفق عتابا...
وكيــف يتم بأسك في أنــاس                تصيبهم، فيؤلمك المصاب
ترفــق أيها المولـى عليهـــم                فإن الرفق بالجاني عـتاب
وأنت حياتهم، غضبت عليهم               وهجر حياتهم، لهم عقـاب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here