islamaumaroc

في ظلال العهد الحسني مواعد ولقاءات مع التاريخ

  عبد القادر زمامة

275 العدد

إذا كانت هناك للوثائق والمستندات التي تحتفظ بها الكتب والسجلات حجج دامغة يتمسك بها الدارسون والباحثون في هذا العصر. وفي كل عصر. فإن لذاكرة الأمم والشعوب – زيادة على ذلك – قدرة استيعابية تسجل الأحداث، وتصف الوقائع. وتربط اللاحق منها بالسابق...وما ذاك إلا وسيلة من وسائل قائمة. من أجل التوثيق والإثبات أولا..ثم استخلاص النتائج وأخذ العبر ثانيا.
- حتى إذا دار الفلك دورته العادية، وأخمدت عوامل الزمان جذوة الطموح والابتكار. تحولت تلك القدرة الاستيعابية في ذاكرة الشعوب والأمم قوة نافعة..تحرك السواكن...وتهز الضمائر..وتكشف الستاتر..عن ماض يتجدد..وأمل يبعث..وآفاق تتسع..وإشعاعات تبدد حجب التناسي والنسيان.... ! وفكرة وحدة المغرب الغربي. بهذا العنوان، وبغيره من العناوين، في شكلها ومضمونها، من الفكر التي عاشت وتعيش في ذاكرة شعوبنا. منذ أقدم العصور. قبل أن تعيش في وثائقها من التاريخ وسجلاتها من الحضارة، وصورها من العمران، ونصوص الإشادة بها. في شعر الشعراء. وكتابة الكتاب. وخطابة الخطباء... !
- فنحن في هذا العصر، وبهذه الروح الوطنية، وبهذه الأساليب العلمية المدروسة، نتعامل مع فكرة ذات مضمون، وحقيقة ذات جذور..كما نتعامل – في العمق – مع مجتمع بشري حي، خضع لتطورات التاريخ. ومعطيات الطبيعة، في السهول والجبال، والصحاري، والشواطئ، يعيش في وطن مترامي الأطراف. ولا نعرف أقسامه حدودا طبيعية تحول دون التكامل والتعاون.
- فأبناء هذا المجتمع – في جميع مراحل تاريخهم – أدركوا بكيفية واضحة, عناصر وحدتهم. ولمسوها في كل شيء يحيط بهم, وكونوا فكرة عن أصولوهم وفروعهم. وأخلاقهم وعاداتهم ومعاملاتهم الإنسانية وأنظمتهم الاجتماعية..وبذلك ضمنوا لأنفسهم استمرارية طويلة الأمد، جابهوا بها تحديا التاريخ.
- كما أن هذا المجتمع البشري تعرض أثناء مسيرته التاريخية لعدة تيارات وافدة في شكل موجات بشرية. بعضها يحمل معه ثقافة وحضارة وبعضها يحمل معه العنف والاستعباد والنهب... !
- وهنا تظهر عبقرية هذا المجتمع وعبقرية أبنائه، حيث إنهم عند التعامل مع التيارات الوافدة استفادوا فكريا وحضاريا وعمرانيا، ولكنهم لم يفقدوا شخصيتهم ولم ينسوا أنهم أبناء أمة واحدة، متعاونة في السراء والضراء... !
- وهذه هي النتيجة التي نستنتجها حينما ندرس الرصيد التاريخي والحضاري الذي خلفه المد الفرطاجني ثم الروماني والبيزنطي على اختلاف الأساليب والأهداف والمطامع التي استعملها هؤلاء في تعاملهم مع هذا المجتمع..في أحقاب التاريخ...
                                                      ***
- وحينما جاء الإسلام إلى هذا الوطن، كان يحمل رسالة الحضارة والنظام. كما يحمل رسالة الإيمان والعلم والعدل والمساواة، والمشاركة في الحقوق والواجبات. فالإسلام في أقطار المغرب العربي. = وهذا ما يشهد به مؤرخون سابقون ولاحقون في مختلق الاتجاهات =  أعطى تاريخيا حضاريا قوة جديدة لفكرة وحدة المغرب العربي حيث إنه – في العمق – أضاف إلى عوامل الوحدة والتكامل في هذا الوطن. عاملين قويين: العقيدة واللغة..
-وهكذا يتجلى واضحا أن مجتمعنا في أقطار المغرب العربي يوم أضاف إلى عوامل وحدته عامليه؛ العقيدة واللغة قد تحول تحولا كاملا نحو السبيل التي أدت به إلى مكانته المتميزة حضاريا وتاريخيا وثقافيا بين الشعوب.
- وإذا قارنا بين قائمة أعلام من مجتمعنا في أقطار المغرب العربي كانت قد صهرتهم في بوتقتها ديانات، وثقافات وحضارات ولغات قبل الإسلام، وبين قائمة أعلام من نفس المجتمع اتخذوا الإسلام دينا والعربية لغة. فإننا نجد الأولى ضعيفة هزيلة، كما وكيفا..رغم أن جهات معينة من المؤرخين الأوروبيين، حاولت وتحاول بواسطة الأبحاث الدراسات، أن تضخم من عدد هؤلاء الأعلام وتحيطهم بهالة من التقدير والتنويه. لتجعل منهم أثملة يحتذ بها آخرون.
- أما الثانية التي أسهمت في ميادين المعرفة، والثقافة في ظل الإسلام والعربية، فإن التاريخ لكل ما يملك من وثائق ومستندات لم يحط إلا بأقل القليل منها.ممن ربطوا حلقات الفكر، والمعرفة والثقافة، وتركوا من الآثار والمؤلفات والتلاميذ داخل بلادهم وخارجها... ما لا يزالون يذكروه به وإلى الآن في كل من طرابلس والقيروان وتونس وبجاية وتلمسان وفاس وسبتة ومراكش وأغمات وشنقيط، وغيرها من مدن وأقاليم المغرب العربي..
- وانطلاقا من فكرة وحدة المغرب العربي، نجد عند الاستقراء مشاهدات الرحالين الذين زاروا بلادنا عبر العصور..وأقوال المؤرخين، والجغرافيين الذين وصفوا الإنسان والتربة والطبيعة والآثار والمعالم، وتحدثوا عن دول قامت ومدن أسست وعلوم ازدهرت ومذاهب انتشرت..نجدهم يجدون فكرة المغرب العربي, ويقدمونها واضحة للعيان في معالم تظل شاخصة في المدن والحصون والأسوار والقلاع والمساجد والمدارس ومجالس العلم وخزائن الكتب، وطرق المواصلات ورحلات الشيوخ والتلاميذ بين مدن وأقاليم المغرب العربي لربط سند العلم، واستكمال عناصر المعرفة، والإطلاع على ما جادت به قرائح الكتاب والشعراء وما خطته أقلام العلم في الموضوعات المختلفة.
- وبرهن أبناء المغرب العربي عن وحدتهم واتحاد اتجاهاتهم حينما أسهموا بذكائهم ومعرفتهم في إقامة صرح الحضارة الإسلامية في كل من الأندلس وجزائر البحر الأبيض المتوسط..وسجلت كتب التاريخ أنماطا من عبقرتهم العلمية والأدبية والفنية هناك... !
- وكان من حتميات التاريخ، أن تدخل مشاعر الوحدة وفكرة الوحدة مرحلة أخرى، وهي مرحلة الإعداد لمشاريع وحدة علمية، تضم أقاليم المغرب العربي على صورة ما...
- وعند تحليل تلك المشاريع والتأمل في تجاربها المتعددة ينبغي – موضوعيا – أن نستعمل مقاييس تناسب ما كان معروفا في تلك العصور وأن نتفهم المقاصد والأهداف البعيدة التي كانت تحرك تلك المشاريع وتدفع القائمين بها إلى خوض غمرات تلك التجارب ... إذ أننا إذا لم نفعل..ونظرنا فقط على المظاهر البارزة، والوسائل المستعملة، خرجنا بنتائج عكسية وجانبنا الموضوعية في حكمنا..
- فإن الشعور العام الذي كان عند المفكرين، هو أن أقطار المغرب العربي – لقربها من أوروبا – كانت هدفا لأطماع معروفة، تتطور وتتشكل.. !وسلامتها واستقرارها لا يتمان إلا في ظلال قوتها، ووحدتها في إطار معين... !
- وقد نمت في التاريخ عملياتـ لإقامة وحدات معروفة استعملت أساليب وطرقا لا مجال لذكرهما الآن..ويكفي أن نرجع إلى كتب التاريخ المتوسط, والحديث لنعرف طبيعة تلك الأساليب والطرق...
- فالذين فكروا قبلنا في إقامة وحدة عملية في أقطار المغرب العربي على صورة ما بناء على مقتضيات أشرنا إليها باقتضاب...يجب – موضوعيا وتاريخيا – أن نتصفهم..وقد استوعينا في نصوص التاريخ ظروفهم، وأهدافهم، ووسائلهم، وقارنا بينهم وبين من فكروا – في التاريخ المتوسط والحديث – في إقامة وحدات، ما تزال تعطي ثمارها إلى الآن..فتجارب الوحدة وأساليبها لم تكن تهدف إلى تغيير جغرافية البلاد, ولا إلى طي صفحات من تاريخها المجيد بل العكس إذا تعمقنا في تفهم الأحدث وسوابقها ولواحتها، عرفنا الحقيقة واضحة. لا تحجبها الأهواء ولا تعتمها الأوهام... كما يقع – مع الأسف- في أبحاث ودراسات – تحليلا وتركيبا – تستعمل الجزافية في حكمها بدل الموضوعية، والهوة بدل المنطق..
- وجاء عهد الاستعمار الأوروبي – بعد صراعات عنيفة- وأخضع أقطارنا لمشاريعه وتخطيطاته وأساليبه. واستعمل في كل قطر سياسة مدروسة قدر أنها كافية لفصله فكريا وروحيا ووطنيا، عن الوحدة التي ينتمي إليها... !
- ولكن هذا التقدير ظهر علميا أنه وهم من الأوهام، شغل أقلام وأوقات عدد كبير من الأفراد والهيئات كانت الإدارة الاستعمارية تعتمد عليهم وتستشيرهم وتتخذ من أبحاثهم ودراساتهم سندها في تصريف شؤون هذه الأقطار.
- وظهر جليا بعد الحرب العالمية الأولى –و لا سيما في العشرينات والثلاثينات التي قامت خلالها عدة أحداث فيوطننا. كانت أصداؤها مرددة في جميع أقطار المغرب العربي – أن هناك وعيا وطنيا مشتركا. أخذ يتبلور بعد تلك اللقاءات التي كانت تتم بين نخبة من الشباب الوطنية في أرض الوطن وفي أراضي العربة وعلى صفحات الكتب والمجلات والجرائد والنشرات وفي حلقات الدروس بتونس وفاس والقاهرة وباريس وغيرها..
- وظهرت جرائد وجمعيات وهيئات وشخصيات ذات إشعاع فكري ووطني,,وكلها كانت تسير في خطوط متقاربة أو متوازية لكن مشاعر الوحدة كانت هي القاسم المشترك. فنجد في الجريدة الواجدة وفي المجلة الواحدة مقالات وقصائد وأناشيد، بأقلام ينتمي أصحابها إلى أقطار المغرب الغربي كله.. !
ومن دون أن نفصل أسماء الجمعيات والهيئات، والشخصيات المرموقة في هذه الحقبة والجرائد والمجلات والكتب التي ظهرت وكأنها ملتقى أو منبر للوطنية، والإصلاح والتوجيه، فإننا نذكر على سبيل المثال ثلاثة أحداث هزت المشاعر الوطنية وأظهرت فكرة وحدة المغرب بارزة في تضامن أبنائه ووعيهم بالمصير الذي يخطط سرا وعلنا لبلادهم... !
وهذه الأحداث هي:
- عقد المؤتمر "الافخارستي" بتونس.
- الاحتفال سنة 1930 م بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر.
- إعلان الظهير البربري سنة 1930 بالمغرب.
وقد كانت هذت الأحدث المتقاربة في زمنها، النقطة التي أفاضت الكأس وفجرت طاقات الخط والتذمر. حيث إن الشباب الوطني تقدم في الأقطار الثلاثة..يخوض معركة المواجهة الموحدة دفاعا عن مقداساته الدينية والوطنية...كما أنه خاض معركة أخرى خارجية للتعريف بالأوضاع التي تعانيها أقطار المغرب العربي, والظروف القاسية التي يعيش فيها أهل هذه الأقطار...
- وهكذا تكون هذه الأحداث، وما أعقبها من تعاون وثيق بين هيئات الشباب الوطني، حدا فاصلا في تاريخ المغرب العربي، حيث بداجليا أن أقطار المغرب العربي أو إفريقيا الشمالية كما كان يعبر عنها إذ ذاك، بلغت في صراعها مع الاستعمار الدرجة التي وحدا الاتجاه وضمت الصفوف وأقنعت الأفراد والهيئات أن معارك المصير ءاتية لا ريب فيها...
- وأثناء الحرب العالمية الثانية، وبعدها بقليل تطور الوضع وأصبحت فكرة وحدة المغرب قضية ذات وجود عملي في برامج ومكاتب وهيئات تتحمل على عاتقها مسؤولية الدفع بها داخليا وخارجيا وبكل الوسائل لتأخذ طريقها إلى الأهداف المنشودة بعد أن تغيرت الأوضاع السياسية وتكونت المنظمات الدولية والإقليمية ولكل منها وسائل لإعلان حقيقة ما تعانيه الشعوب المستضعفة من استغلال واستعباد..
- وحققت أقطارنا بفضل كفاحها الداخلي ونضالها الخارجي استقلالها الوطني وسجل التاريخ لكل قطر صفحات من الأحداث المشرقة، التي رفعت رأس بنيه عاليا بين الأمم والشعوب.
- وكان المنطق السياسي، المتبني على خبرة وتجربة يعلم أن استقلال أقطارنا ينبغي أن يكون وسيلة عملية للتعاون والتكامل والوحدة... !
- وكانت ثمرة هذا المنطق تتجلى واضحة في الأماني المشتركة بين أفراد وهيئات شعوبنا التي لها ذاكرة تستحضر الماضي ومطامح تستهدف المستقبل المشرق الذي ينتظر مجتمعنا..
- ويابى الله إلا أن يتم نوره.. !
- ويسبغ على أقطار المغرب العربي نعمته... !
- ويابى التاريخ المغربي على أن يجعل من هذه السنة : (1989م) سنة مباركة ذات إشعاع وطنية تحتفل فيها الأمة المغربية المجيدة بالذكرى الستين لميلاد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله:
- موحد التراب الوطني...
- ومحقق فكرة المغرب العربي... !
- وكم للتاريخ من مواعيد... !
-وكم له من لقاءات.... !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here