islamaumaroc

اهتمامات أمير الشعراء أحمد شوقي بالشباب وتربيته

  محمد عبد الغني حسن

275 العدد

ما وجدت شاعرا عربيا معاصرا أولى الشباب اهتمامه ورعايته، وعانى التخاطب معهم، وكابد النصيحة لهم، وألف في إشعاره الحديث إليه، كما فعل أحمد شوقي – رحمه الله – فإن ديوانه يحفل بالشباب، ومدحهم، والأمل فيهم، والنصح لهم، حتى في المناسبات التي قد يكون الخطاب فيها إلى الشباب بعيد الاحتمال. ولمن حب (شوقي) للشباب وتعليق الآمال عليه يجعله يخلق من المناسبة سبيلا إلى الحديث عن الشباب والتحديث إليهم,
وقد تكون المناسبة التي يختارها الشاعر أحمد شوقي للحديث إلى الشباب مناسبة رثاء. وهنا يخرج الشاعر ممن جو البكاء والدموع ومن جو الحزن على الراحل وتعداد مآثره إلى جو الإشادة بالآباء والأجداد شباب وكهولا، ولا يفوته هنا أن يقدم الشباب على الكهول، وهو ترتيب إذا روعي فيه السن والزمن من ناحية، فقد روعي فيه الاعتبار والتقدير ممن ناحية أخرى، كما في مرثيته للشهيد البطل عمر المختار حيث يقول:
تلك الصحاري غمد كل مهند        أبلى، فأحسن في العدو بلاء،
وقبور موتى من شباب أمية        وكهولهم لم يبرحوا أحــياء
                                                   ***
وحين استشهد جماعة من الشباب طلبة العلم المصريين مغتربين في أوربا في حادثة قطار مشؤومة بإيطاليا سنة 1920، وجدها شوقي فرصة مواتية للمقارنة بين المشيب والشباب. فالمشيب ليس مركبا للعلا ولا هو من خيولها. والمشيب لا يسجه على شجاعة ولا يقدم على جود، ولكنهما مظنة الشباب ونتاجه، فيقول:
وكل شــباب أو مشيـب رهيــنة          بمعترض من حادث الدهر مغتال
وما الشيب من خيل العلا،فاركب       الصبا  إلى المجد، تركب متن أقدر جوال
بين الشباب البأس والجود للفتــــى     إذا الشيب سن البخل بالنفس والمال
ولا يقف شوقي في مرثيته لشهداء القطار عند حد الموازنة بين إقدام الشاب وجوده، وخوف المشيب وبخله، ولكنه ينتهز فرصة استشهاد أحد عشر طالبا في سبيل العلم فيقول موجها نصحه إلى شباب النيل:
ويا نشأ النيل الكريم عزاءكـم        زلا تذكروا الأقدار إلا باجـمال
عليكم لواء العلم فالفوز تحتـه        وليس إذا الأعلام خانت بخـذال
إذا مال صف فاخلفوه بآخــر        وصول مساع، لا ملول، ولا آلي
ولا يصلح الفتيان لا علم عندهم      ولا يجمعون الأمر أنصاف جهال
                                                      ***
وفي رثاء شوقي للزعيم مصطفى كامل الذي اختطفه الموت في سن الشباب يتخلص الشاعر من موقف البكاء إلى موقف إحياء الشعور الوطني بين شبان البلاد، فيقول مخاطبا الفقيد:
أخلع على مصر شبابك عاليا      والبس شباب الحور والولدان
فلعل مصرا من شبابك ترتدي     مجدا تتيه به على البلــدان
علمت شبان المدائن والقـرى     كيف الحياة تكون في الشبان
                                                     ***
وينتزع الشاعر أحمد شوقي من كبار الأحداث والذكريات مناسبة للتحدث إلى (الشباب) ونصحهم وتذكيرهم بسير العظماء من أسلافهم. ففي الموشح الأندلسي الذي نظمه شوقي لذكرى عبد الرحمن الداخل المعروف بصقر قريش يخاطب شوقي شباب الشرق – ولا يخص شباب النيل – قائلا:
يا شباب الشرق عنوان الشـباب        ثمرات الحسب الزاكي النمير
حسبكم في الكرم المحض اللباب      سيرة تبقى بقاء ابني سمير
في كتاب الفـخر (للداخل) باب        لم يلجه من بنى الملك أمير
                                                   ***
وكثيرا ما كان شوقي يعتقد في براءة الشباب وسماحته وطهارته إلى حد أن الله لا يرد دعائهم. ففي قصيدته التي افتتح بها عهد عودته من المنفى بالأندلس يقول:
وحيا الله فتيانا سماحا        كوا عطفي من فخر ثيابا
ملائكة إذا حفوك يوما      أحبك كل من تقلى، وهابا
ثم يخاطبهم قائلا:
شباب النيل إن لكم لصوتــا    ملبى حين يرفع مستجابا
فهزوا العرس بالدعوات       حتى يخفف عن كنانته العذابا
                                                ***
وفي قصيدته التي نظمها بمناسبة مشروع –ملنر) البريطاني يخاطب الشبان ويشير إلى جهودهم قائلا:
يا نشأ الحي، شباب الحمى      سلالة المشرق من نجبــه
بنى الألى أصبح أحسانهم        دارت رحى الفن على قطبه
موسى وعيسى نشآ بينهم        في سعة الفكر وفي رحـبه
ما نسيت مصر لكم برها        في حازب الأمر وفي صعبه..
                                                      ***
وما فتئ شوقي في كثير من قصائده مادحا للشباب مشيدا بمآثرهم وجهودهم في خدمة بلادهم، فحين أطلقت مصر سراح المسجونين من الشباب 1924 على يد سعد زغلول قال شوقي من قصيدة ألقيت في حفل تكريمهم:
قالوا: أنظم للشباب تحـيـة        تبقى على جيد الزمان قصيدا؟
قلت: الشباب أتم عقد مآثـر      من أن أزيدهم الثناء عقـودا 
قبلت جهودهم البلاد، وقبلت     تاجا على هاماتهم معقــودا... 
                                                     ***
وطالما حض شوقي الشباب على ركوب العظائم والإقدام على جلائل الأعمال. فهو ينصح الشاب أن يركبوا المخاطر كما ركبها الرحالة أحمد حسنين فيقول:
قل للشباب بمصر: عصركم بطل     بكل غاية اقــدام له ولــع
أس الممالك فيه همة وحجى          لا الترهات لها أس ولا الخـدع
ان الشباب غد، فليهدهم لغد           وللمسالك فيه الناصــح الورع
لا يمنعنكمو بر الأبـوة أن              يكون صنعكمو غير الذي صنعوا
                                                ***
ولا يدع شوقي مناسبة تمر دون أن ينتهزها بالنصح للشباب ونصح ولاة الأمور بتربيتهم وبنائهم على أسس متينة من الخلق والدين، وتنشئتهم نشأة صالحة, ففي قصيدته المشهور التي نظمها لتكريم المعلم والعلم يخاطب المعلمين قائلا:
بروا على الإنصاف فتيان الحمى     تجدوهم كهف الحقوق كهولا
فهو الذي يبني الطباع قويمــة        وهو الذي يبني النفوس عدولا
                                               ***
وفي قصيدته الجريئة العظيمة التي يلوم فيها رياض باشا على مدحه وتملقه للورد كرومر معتمد بريطانيا في مصر سنة 1904، يعاتبه على أنه ترك نصيحة الشبان والطلاب وتحذيرهم من الاستكانة للمستعمر فيقول:
فهلا قلت للشــبان قـولا        يليق بحافب الماضي الهمام؟
بيث تجارب الأيام فيهــم       ويدعو الرابضين إلى الفيلم
خطبت على الشبيبة غير       دار  بأنك من مشيبك في منام !!
                                                     ***
والمتتبع لشعر شوفي كله يرى أنه لم يمل في أكثر المواقف من مخاطبة الشباب، والتوجه إليهم بالنصح تارة، والفخر بهم تارة أخرى، وكأنما كان يتخذ هذا التفاخر بالشباب سبيلا إلى حمله على أن يزيد من طاقاته، ويسوع من أمد اهتماماته. ففي مشروع القرش الذي نهض به بعض من كرام الشباب سنة 1932 قال شوفي من قصيدة يخاطب بها الشباب:
فتية البوادي عرفنا صوتكـم        مرحبا بالطائر الشادي الغرد
هو صوت الحق لم يبغ، ولم        يحمل الحقد، ولم يخف الحسد
وخلا من شهوة ما خالطـت        صالحا من عمل إلا فســد
                                                    ***
وطالما وجد الشاعر شوقي في الشباب الأمل المرتجى، وكثير ما كان يجعل أمل البلاد معلقا عليهم ومنوطا بهم. ففي الحفل الذي أقيم بفندق شبرد تكريما للأساتذة الشاب عبد الملك حمزة، وإسماعيل كامل، وعوض البحراوي ينظم شوقي قصيدة يفتتحها بقوله:
وطن يرف هوى إلى شبانه         كالروض رقته على ريحانه
هم نظم حليته، وجوهر عقده        والعقد قيمته يتيم جــمانه
يرجو الربيع بهم، ويأمل دولـة      من حسنه ومن اعتدال زمانه
من عاب منهم لم يغب عن سمعه    وضميره، وفؤاده ولسانــه..
                                                ***
وكثيرا ما كان يدعو الله أن يطيل في عمره، ويمد في أجله، حتى يرى روائع الشباب أكثر وأكثر، فعندما حيا الطيارين الفرنسيين: (فدرين) و(بونيه) بمناسبة قدومهما طائرين إلى مصر لأول مرة سنة 1914 خاطب شباب مصر بقوله:
يا شباب الغد: وأبناء الفدا         لكم، أكرم وأعزز بالفــداء
هل يمد الله لي العيش عسى      أن أراكم في الفريق السعداء؟
وأرى تاجكمو فوق السهى        وأرى عرشكمو فوق (ذكاء)؟
ولم يدع هذه السانحة تمر         دون أن يوجه النصح إلى الشباب قائلا:
إنما مصر إليكم، وبكــم           وحقوق البر أولى بالفضــاء
عصركم حر، ومستقبلكـم         في يمين الله خير الأمنـــاء
لا تقولوا: حطنا الدهر، فما       هو إلا من خــيال الشعــراء
هل علمتم أمة في جهلهــا         ظهرت في المجد حسناء الرداء؟
باطن الأمة من ظاهرهــا         إنما السائل من لوم الأنــاء.....
فخذوا العلم على أعلامــه        واطلبوا الحكة عند الحكمــاء
واقرأوا تاريخكم واحتفظوا       بفصيح جاءكم من فصــحاء
وأنزل الله على ألســنهم           وحيه في أعصر الوحي الوضاء
واحكموا الدنيا بسلطان فما        خلقت نضــرتها للضعفاء.....
واطلبوا المجد على الأرض فإن  هي ضاقت فاطلبوه في السماء.
وهل نجد تربية للشباب أسمى من هذه التربية التي وضع الشاعر شوقي منهجها في هذه الأبيات السابقة؟ فهو يحض الشباب على العلم فإن الأمة الجاهلة لا تظهر في المجد حسناء الرداء، ويحض على قراءة التاريخ الخاص بالأمة حتى يعتز الشباب بانتسابهم إلى أمة عريقة، ويحض على تعلم اللسان الفصيح والبعد من العامية والعجمة، - وكأنه كان – رحمه الله- يتنبأ بأحوالنا اليوم – ويحض على صون القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، ويحض على الاستمساك بالقوة، وطلب المجد في أي مكان.
                                                   ***
ولا يخص شوقي بالنصيحة شباب مصر، أو شباب النيل، أو شباب الشرق، ولكنه يعمم النصح ويمد أطنابه إلى جارة عربية مثل الشام. ففي قصيدته (دمشق) يوجه الخطاب إلى فتية الشام قائلا:
شيدوا لها الملك وابنوا ركن دولتها       فالملك غرس، وتجديد، وتبيان
لو يرجع الدهر مفقودا له خطــر         لآب بالواحد المبكى ثكـلان
الملك أن تعملوا ما استطعتموا            عملا وأن تبين على الأعمال اتقان
الملك أن تخرج الأموال ناشطــة         لمطلب فيه إصلاح وعمران 
الملك تحت لسـان حــوله أدب           وتحت عقل على جنبيه عرفان
الملك أن تتلاقوا في هوى وطـن         تفرقت فيه أجناس وأديــان

 وليس شوقي في نصائحه لشباب الشام متطفلا على مائدة غيره، أو مقتحما غير أهله وطنه، فقد كان (رحمه الله – ينظر إلى العالم العربي وأقطاره – من زمن بعيد – نظرة واسعة كان من أثارها هذا الشعور الموحد الذي نشعر به اليوم، والذي كان لشعراء العروبة المحدثين والمعاصرين فضل كبير في دعمه وتمكينه.
وهذا الشعور يجمع الشمل ولم الصفوف كان شوقي يدعو الشباب إليه في مصر، وفي الأقطار العربية التي منيت على يد الاستعمار بصدع كبير. ففي المؤتمر الوطني الذي دعا إليه سعد زغلول، وأقيم بدار محمد محمود (باشا) سمعنا شوقي سنة 1926 يخاطب الشباب قائلا:
قل للبنين مقال صدق، واقتصـد          ذرع الشباب يضيق بالنصاح
أنتم بنو اليوم العصيب نشاتـمـو          في قصف أنواء وعصف رياح
ورأيتمو الوطن المؤلف صخـرة        في الحادثات وسيلها المجتاح
وشهدتمو صدع الصفوف، وما         جنى من أمر مفتات، ونهى نفاح:
صوت الشعوب من الزئير             مجمعـا فإذا تفرق كان بعض نبـاح 
                                                      ***
ولقد كان الشاعر أحمد شوقي والدا حكيما في تربية الشباب ومعالجة بعض مشاكله- فحين رأى موجة من الطلاب الشباب تنتحر – منذ نصف قرن – لأسباب واهية لا تجيز التخلص من نعمة الحياة ومن حق الحياة، رأى أن واجبه يقتضيه أن يوجه النصيحة إلى الشباب ليدلهم على حماقة هذه البدعة الطارئة ومخالفتها للشرائع والعقل والفطر السليمة، فقال ممن قصيدة رائعة:
نشأ الخير: رويدا، قلتكـــم         في الصبا النفس ضلال وخسر
لو عصيتم كاذب اليأس، فما       في صباها ينحر النفس الضجر
تضمر اليأس من الدنيا، وما       عندها من حادث الدنيا خبر...
فيم تجنون على أبائــكـم  بين      إشفاق عليــكم وحذر؟
وتعقـــون بلادا لم تـزل           ألم الثكل شديدا في الكبر؟
فمصاب الملك في شبانــه        كمصاب الأرض في الزرع النضر
ليس يدري أحد منكم بــما        كان يعطي لو تأنى وانتظر !!
                                                         ***
وفي قصيدة أخرى للناشئة رسم الشاعر شوقي دستورا كاملا لسلوك قويم في الحياة. فنصح الشباب بعبادة الله بعقل، والإيمان به كإيمان العجائز، وبالعلم، والقراءة – وخاصة قراءة التاريخ –و النشاط، والصدق، الأمانة، والشجاعة واحترام الأديان، والصب على المكاره، وعمل الخير، والكرم، ومعاملة الناس بالإحسان، وطلب الحق، وذكر الموت وصيام رمضان، والصوم من غيبة الناس، والصلاة مقرونة بالخوف من الله، والحج إلى بيت الله، وإلى بيوت الفقراء لوصلهم بالعطاء والزكاة مع التوسع فيها. وهي أرجوزة طويلة جمع فيها كثيرا من قواعد السلوك، وأصول التربية للناشئة والشباب. ومن العجيب أنه نهى فيها الشباب عن الميسر والخمر، ولكنه نصحهم بالعشق مع التعفف، فإن من لم يعشق لم يدر معنى اللذة !!واسمعه هنا يقول:
واترك الخمر لمشغوف بهــا        لا يرى مندوحة عن شربهـا
وعن الميسر ما استطعت ابتعد      فهو سل المال، بل سل الكبد
وتعشق، وتعفف واتق                مادرى اللذة من لم يعشق !
وهو هنا في مدار نصيحته السابقة للشباب الذي يتغرب في طلب العلم، ولعله هنا يدور في مدار الشاعر القديم الذي يقول:
إذا أنت لم تعشق، ولم تك ذا هوى،       فكن حجرا من جامد الصخر جلمدا
ومن الغريب أيضا أن شوقي استعمل لفظ (العشق) في رسالته هذه للشباب، مع أنه لم يقع في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية إلا في حديث سويد بن سعيد (من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد) كما ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه (روضة المحبين).
وأيا ما كان الأمر فقد كانت اهتمامات الشاعر أحمد شوقي بالشباب وتربيته ومعالجة مشكلاته كثيرة وواضحة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here