islamaumaroc

الإسلام والشباب.

  يوسف الكتاني

275 العدد

يقترن عيد الشباب هذه السنة بالذكرى الستين لميلاد جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وبهذه المناسبة الكريمة أقدم هذا البحث تحية لرائد وحدتنا وقائد مسيرتنا في عيده السعيد

إن من فضل الإسلام على البشرية أن جاءها بمنهاج شامل كامل قويم بتربية النفوس، وتنشئة الأجيال، وتكوين الأمة، وبناء الحضارة، وإرساء قواعد المجد ولمدنية مما كان ممن شأنه إنقاذ الإنسانية التائهة، وتصحيح مسارها، وإرجاعها إلى الطريق المستقيم.
وإذا كان لكل أمة ثروة تعتز بها، ورصيد تدخره لمستقبلها وقوة تبني عليها مجدها ونهضتها، فإن في مقدمة هذه الثورة في دولة الإسلام شبابها الذي يعتبر الدعامة الأساسية في المجتمع، والثروة الحية فيه، والأمل المرتجى على الدوام.
ولا أعتقد أنه يوجد دين سابق على الإسلام أو نظام لا حق عليه، اعتنى بالشباب ورعاه وكرمه مثل دين الإسلام ورسول الإسلام الذي جعل منه دعامة المجتمع وقوام الأمة، وعنصر القيادة والدعوة والحكم، وهيأه للميادين كلها، ودفعه إلى المجالات كلها، واعترف بقوته، وباهى بأعماله، واعتبره محط العناية الكبرى، ومركز الرعاية العظمى، حتى جعل فئة الشباب أعظم فئات الأمة جميعا، يؤكد ذلك ويثبته ما وضعه الرسول الكريم للشباب من مناهج وقيم أخلاقية، وما سنه م مبادئ سامية تكون عقيدة الشباب، وتضمن له  (كلمة غير مفهومة) الصالحة، وتحفظ عليه نضارة الحياة، وصحة البدن، وقوة العزيمة، وتمنحه سلامة التفكير وصلابة الإرادة، وقوة الشخصية، مما يجعله فرجا قويا صلاحا لنفسه ولمجتمعه ولسائر المؤمنين.
                                                   ***
ولا نعلم أمة من الأمم قديمها وحديثها، اعتنت بشبابها ورعتهم، وهيأت لهم ما يجعلهم رجالا أكفاء أقوياء مثل دولة الإسلام ورسول الإسلام، حتى إننا نجد أركان دولته قامت على أكتافهم وبجهودهم، دعاة وعلماء حكاما وأمراء وقواد جيوش، ممن يمتلئ تاريخ السيرة بصفاحتهم المشرقة وأعمالهم الخالدة.
ومن هنا كان للشاب في ديننا الإسلامي مكانة عالية ومركز أساسي لأن على سواعده تنهض الأمم، وبهمته تسمو وتعلو، وبعلمه تتقدم الشعوب، وتبلغ ذروة المجد والحضارة.
من أجل ذلك اهتم القرآن المجيد والنبي الكريم والصحب والرواد من سلف الأمة بالشباب أعظم اهتمام واعتنى بهم أكرم عناية، فقد عرض كتاب اله لمراحل حياة الإنسان واعتبر مرحلة الشباب مرحلة البأس والقوة فقال:
(الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير.)
كما يبين القرآن الكريم بان الشباب هم الفئة الواعية التي تسارع إلى دعوة الخير والحق، وإلى محاربة الرذائل والنقائص في كل زمان ومكان متى كانت هذه الفئة على صلة بربها مرتبطة به "وقد ضرب الأمثلة على ذلكم بالأنبياء عليهم السلام وفي مقدمتهم إبراهيم الخليل أبو الأنبياء عندما أعطى المثل لقومه في الدفاع عن الحق ونكران الباطل، فتصدى وهو في ريعان شبابه لكشف زيف وضلال ما يعبدون من أصنام واتخاذها أربابا من دون الله، فحطمها وكسرها غير عابئ بباطلهم فحماه الله ووقاه حينما ألقوه في النار التي انقلبت بردا وسلاما على إبراهيم كما قال تعالى:
(...قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لممن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون) (2)
وكذلك كان الأمر مع شباب الإيمان من الأنبياء والمرسلين مثل ولط وإسماعيل ويوسف وموسى في القصص الرائعة التي أوردها القرآن دليلا قويا على مسارعة الشباب إلى نصره دعوة الحق والدفاع عنه، إلى أن نصل إلى رسولنا الكريم الذي كان في شبابه القدوة الصالحة والأسوة الحسنة والنموذج الحي لكل من يريد الحياة الفاضلة بعيدا عن اللهو والمجون، متصفا بالمروءة والصدق، متمسكا الشرف والفضيلة حتى لقب بالأمين والصادق عليه الصلاة والسلام.
وقد حضر العلماء من الشباب وحدوده ما بين فترة البلوغ إلى سن الأربعين على أكثر تقدير, وهي فترة الفتوة والقوة والنشاط والارتفاع والزيادة، وقمة اكتمال الطاقة والقدرات الإنسانية العضلية، والنضج الفكري وفورة التفاؤل والحيوية، والتطور والطموح والمغامرة والاستهانة بالصعاب، ومن هنا اهتمت الأمم بتربية أبنائها والعناية بشبابها ليكونوا رجال المستقبل ومناط الأمل والرجاء في تحمل المسؤوليات وتولي القيادة والريادة.
وتتوزع مسؤولية رعاية الشباب في الإسلام جهتان: الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأساسه، ومنبع الأولاد ومدرستهم الأولى، وهي التي توجهه الوجهة التي صنتعه وتكونه، لأن المولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما أكد الرسول عليه السلام، وفي ظلها يرتبط برباط مقدس، كي تستقر نفسه وعواطفه ويرتبط بعلاقة وثيقة مع أفراد أسرته وأعضاء مجتمعه.
والجهة الثانية التي ترعى الشباب هي الدولة، ترعاه بالتعليم والتقويم والتوجيه، في المدرسة والشارع والنادي ومختلف مجالات الحياة.
وقد رعى الإسلام هذه المسؤولية حق رعايتها، وخص الرسول الكريم الشباب بما لم يخص به فئة أخرى خاصة وأنهم كانوا الفئة المؤمنة بدينه، والمبادرة لنصرته. لقد كان عبد الله بن عباس ردف رسول الله على ناقته ذات يوم، وكان شابا حدثا، وأراد أن يفتح له طريق التقدم والتفوق، فرسم له ولشباب المسلمين الخطوط الأساسية التي تعتبر المثل الأعلى له، حتى يكون قويا مجدا، مؤمنا مفيدا، ولا يكون إمعة متواكلا متخاذلا، وقد خاطبه رسول الله قائلا:
"اسمع يا غلام أعلمك كلمات أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوكم لم ينفعوك إلا بشي كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن بضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك". (3)
لقد كان الرسول وخلفاؤه من بعده، بخص الشباب بالتوجيه الدائم والعناية المستمرة ويفقهه في دينه، ويعلمه أدب الإسلام، ويوجهه إلى التقوى والعمل الصالح الذي يفيده ويفيد أمته ومجتمعه، يقول الرسول مخاطبا الشباب:
"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة – القدرة – فيتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" – وقاية – (4) كما كان الرسول عليه السلام يتعهدهم بالتعليم والتربية، والتهذيب والتوجيه، فقد روى الإمام البخاري عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصفحة – الإناء – فقال: يلا غلام: "بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" (5) كمنا روى أنس بن مالك عن الرسول الأكرم كيف كان يعلم الشباب الطعام والجلوس على المائدة، قال آنس قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني إذا دخت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك" (6) وذلك تأكيد للتوجيه الإلهي في القرآن الكريم (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون). (7)
كما كان الرسول يحبب للشباب أنواع الرياضيات لتصح أجسامهم، ويستقيم عودهم، يصبحوا قادرين على الجهاد في سبيل الله، وتحمل أعباء الحياة، ولذلك كان يحثهم على الجري، وركوب الخيل، والسباحة، والرمي، وكان الرسول نفسه يتسابق مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولقد أمر على جماعة من الشباب وهو يتدربون على الرماية فقال لهم:
أرموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا، أرموا وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
"ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال: أرموا فأنا معكم كلكم". (8)
بمثل هذا التوجيه الحكيم، والقدوة الحسنة، والمثل الصالح، استطاع الرسول في فترة وجيزة أن يجعل من شباب المسلمين سيعته وأنصاره، وعدته في الجهاد ودعاته إلى الدول والأمم، وفقهاء الأمة وقرائها، ويجعل منهم المشاعل التي أنارت الطريق وفتحت الفتوح، نذكر منهم على سبيل المثال علي بن أبي طالب الذي شارك في معركة بدر وهو دون العشرين، وخالد بن الوليد الذي أمر على الجيش وهو في عنفوان شبابه.
كما رأينا الرسول يختار مصعب بن عمير وهو الشاب الذي يتجاوز الثلاثين من عمره فيبعثه سفيرا له، ويولي أسامة بن زيد وهو لم يبلغ العشرين من عمره قيادة جيش المسلمين وتحت إمرته الصحابة والقراء والفقهاء. (9)
ويكلف عبد الرحمان بن أبي بكر وهو في الغار أن يجمع له أخبار قريش ويستطلع خططها وأحوالها وينقلها إليه. وفي غزوة بدر أعطى الرسول الراية لعلي بن أبي طالب وكان في سن الشباب، وفي هذه المعركة حمل الغلمان السلاح متصدين لجبابرة الكفر، ورؤوس الشرك، قال عبد الرحمان بن عوف: إن لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه !! وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه/ فشدا عليه مثل الصقرين فضرباه حتى خر صريعا على الأرض بين الحياة والموت لتستريح الأرض من شره إلى الأبد..
وقد استشهد البطلان الشابان في المعركة، ووقف رسول الله على مصرعهما، يدعو لهما ويذكر صنيعهما..(10)
كما أعطى الرسول راية القيادة لزيد بن ثابت في "تبوك" وهو في العشرين من عمره، وأعطاها بجعفر بن أبي طالب في "مؤتة" وهو في سن الثالثة والثلاثين، وأعطاها لأسامة بن زيد وهو في السابعة عشرة من عمره، هؤلاء هم الشباب الذين صنعهم الإسلام ورباهم الرسول ليكونوا قادة الأمة وعناصرها الحية على هدى القرآن الذي وصف الشباب الحي وصفا جميلا ليبقى هذا الوصف شعارا للشباب المسلم في كل زمان فقال تعالى: ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى). (11)
وأكد الرسول الكريم هذا الوصف وهذا النموذج الحي من شباب المسلمين وبين أنهم أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله لو لا ظل إلا ظله فقال: "إمام عادل، وشاب نشأ في طاعـــــــة الله..الحديـــــــث. (12)
ولقد وصف الشباب الذين رباهم الرسول الكريم على يديه ويتعهدهم بالتعليم والتهذيب أبو حمزة الخارجي وافتخر بصحبتهم وصفاتهم فقال:
تعيرونني بأصحابي،وتقولون إنهم شباب؟ وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا؟ شباب والله مكتهلون في شبابهم عمية عن الشر أعينهم، بعيدة عن البطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمعاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها النار شهق شهقة، كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة قد أكلت الأرض جباهمم وأبدانهم من كثرة السجود، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام، مستقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحه قد شعرت وسيوفه قد انتصبت، وبرقت الكتيبة بصواعق الموت استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى اخلفت رجلاه على عنق فرسه، قد زملت الدماء محاسن وجهه، وعفر الثرى جبينه، وأسرعت إليه سباع الأرض، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله.

الشباب والرفض
من أهم ظواهر المجتمع العصري اليوم ظاهرة الرفض عند الشاب، رفض كل شسيء وأي شيء عدا الإقبال على المتع واللهو. وإذا كان بعض الناس يتوهم أن للدين دورا في ظاهرة الرفض فإنهم مخطئون،لكون ظاهرة الرفض هذه متعددة الجوانب والعوامل والأسباب بسبب المادية التي تطغى على العصر، والتي جعلت الإنسان في حياته أشبه بالآلة بسبب إعراضه عن الدين وقيمه وأخلاقه وبخاصة في أوروبا، وبنقص التوجيه الاجتماعي والتربية المدنية أيضا.(13)
إن شباب اليوم يعاني من التغيرات المذهلة في عصرهم معاناة شديدة ممن تكاثر مطالبهم وتعقدها، من غير أن يجدوا الفرصة الملائمة لتلبيتها وتحقيقها، وممن هنا يصعدون موجات تمردهم على المجتمع متمثلا في سلطة الآباء أو سلطة المعملين أو سلطة الحكام أو سلطة التقاليد، خاصة عندما يفتقدون مناهج التربية الواعية المسؤولة، وأساليب التوجيه الروحي مما ينبغي أن يتوفر لشبابنا فيملأ فراغهم، ويستوعب طاقاتهم، ويزيل قلقهم وحيرتهم.
إن ظاهرة ألرفض عند الشباب مشكلة عالمية لا تقتصر على أوروبا وأمريكا فحسب، بل تنتشر في أغلب مناطق العالم ودوله نتيجة عصر المادة وحضارة الآلة، إن هذا الأمر يختلف بالنسبة للعالم الإسلامي الذي ما زالت قيم الإسلام ومعالمه تحكم المسلمين وتوجههم، وتملا كيانهم وتحيي ضمائرهم، بالرغم من بعد أكثر الدول الإسلامية من تحكم الشريعة وتطبيقها في أغلب مجالات حياتهم وأن ارتباط المسلمين بقيم دينهم وتشبثهم الدائم بعقائدهم هو طوق النجاة في حياتهم، وهو الملاذ والسبيل إلى صلاحهم وعودتاهم إلى قيمهم، ومن هنا لا ينبغي معالجة الرفض بالفرض، فالشباب حين يسرفون في طلب الحرية ولو بالفوضى، في رفض ما يفرض عليهم، مما يجب تلافيه باعتماد مناهج للتربية والتعليم، مؤسسة على تعميق العقائد الإسلامية طوال مراحل التعليم كلها في نفوس أبنائنا وشبابنا وعلى تقديم المصلحة العامة على الخاصة مهما تكن بواعثها ودواعيها، وعلى احترام القيم العليا للإسلام والاستنارة بها في سيرتنا وسلوكنا، على أن يمتد هذا التوجيه والسلوك من المدرسة والجامعة إلى الإذاعة والتلفزة، والصحيفة، والمجلة، والكتاب، والنادي، والشارع وغيرها ليقع التكامل في التوجيه والتربية، فذلك كله ضروري لإيجاد شباب حي يقظ جدي يحيا ويعمل لصالحه وصالح مجتمعه ودينه، وذلك ما وحجه إليه الرسول الكريم في هذا الباب، وهو ما ينبغي أن تتأسى به ونحن نضع النظم ونخطط لتربية شبابنا وتكوينهم لنضمن بذلك القضاء على ظاهرة الرفض، بتفهم نفسيات الشباب، ومراعاة والوسائل المجدية، لتنمية طاقاتهم، وإغرائهم بتعزيز القيم الذاتية والفكرية والفنية والروحية بالمنهاج الصالحة والقدوة الحسنة، والتوجيه السديد، وبالتي هي أحسن، إنقاذا لهم من التيه والضياع مصداقا للهدي النبوي الكريم بقوله:
"اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك" (14).
وقوله عليه السلام:
"لا تزل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه".(15)
وهو التوجيه نفسه الذي سلكه الفاروق عمر رضي الله عنه عندما قال مجوها:
"خاطبوا أولادكم على قدر عقولهم فإنهم ولدوا لزمان غير زمانكم" وحبذا لو التزم العلماء والمربون والمسؤولون هذا التوجيه الإسلامي الحكيم، الخالي من التعقيد والجفاء المبسط الصحيح، القائم على العقيدة الصحيحة والتربية  الإسلامية والمواجهة الصادقة للواقع، والذي يستطيع وحده اليوم كما فعل بالأمس أن يغمر عقول الشباب وقلوبهم قيم الإسلام الطاهرة وتوجيهاته السديدة التي تعيد الشباب إلى طبيعته السمحاء وتغمره بالعطاء والخير والجمال.

الشباب والصحوة
في غمرة صحوة الإسلاميين التي تعم مشارق الدنيا ومغاربها متجاوزة حدود دول الإسلام وشعوبه، نلاحظ بوضوح أن هذا البعث الإسلامي الجديد يستقطب فئة الشباب أكثر ما يستقطب، وأية ذلك هذه المعاناة التي يحياها اليوم شباب الإسلام من مقارنته بين الحياة التي يحياها والسيرة التي يسير عليها، وبين ما رسم له دينه الحنيف من حياة سليمة جادة وسلوك مستقيم،وهكذا يعيش شبابنا اليوم بين التساؤل والاستفهام الذي طغى على حياته الحالية والذي هو في آن واحد دليل على الصحوة وسبب ممن أسبابها هل الإسلام دين الحياة بجمع بين المادة والروح؟ أم هو دين عبادة وعقائد يقف في وجه كل انفتاح؟
وهل هو دين يلائم بين حياة الناس ومعاشهم وبين العمل لآخرتهم. وهل يمكن المسلم أن يعيش حياته بكل جوانبها وفي جميع مجالاتها؟
ونبادر إلى التنبيه جوابا على هذا التساؤل والاستفهام، وتطمينا لشباب بأن الإسلام دين الفطرة جمع بني الروحانية والمادية أي بين الدين والدنيا مصداقا لقوله تعالى:
(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين). (16)
وبين الروحانية المغرقة والمادية المفرطة تبرز الفطرة الإسلامية وسطا بين هذا وذاك، وذلك ليتميز الإنسان عن الحيوان، وحتى لا يهمل المسلم حياته ولا مهمته في المجتمع، يؤكد ذلك ويوضحه الرسول الكريم بقوله:
"إن لجسدك عليك حقا..الحديث". (17)
إذن ما هو موقف الإسلام من مظاهر الخنفسة والهيبة التي تغشي العالم اليوم؟ وما هو موقفه من ارتداء الشباب القمصان المشجرة، وإطالة الشعر، وتعليق السلاسل في الأعناق، واللجوء إلى العرى والتعري وغيرها من مظاهر الخنفسة والهيبة فيما يعرف اليوم؟
وما هو موقف الإسلام من الموسيقى والغناء والرقص؟ أو ما هو موقفه من الترفيه والترويح عن النفس في أوقات الفراغ؟
ونحب أن نؤكد حقيقة الإسلام قبل الجواب على تساؤل واستفهام شبابنا بأنه دين الواقع والحقيقة يعامل الناس ويخاطبهم بمختلف الخطابات الشرعية على أنهم بشر، لهم غرائزهم وطبائعهم التي تقتضي الفرح والمرح كما تقتضي الأكل والشرب وغيرها من أنواع الاستمتاع بالطيبات كما أكد ذلك القرآن الكريم بقوله"
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). (18)
ولم يرد الحق لعباده أن يكونوا في تعبد دائم وجد صارم، وأن يديروا ظهورهم لمتع الحياة وطيبات الدنيا، وأن يتركوا دنياهم لآخرتهم، فإن هذا ليس من الإسلام في شيء، يؤكد ذلك الحوار الممتع الذي جرى بين الرسول الكريم وحنظلة ابن يمن وأبي بكر رضي الله عنهما كما أخرجه مسلم في صحيحه.
قال حنظلة الأسيدي:
لقيني أبو بكر وقال: كيف أنت يا حنظلة؟
قلت: نافق حنظلة !!
قال: سبحان الله، ما تقول؟
قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، عافسنا (لاعبنا) الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا !!
قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقي مثل هذا !
قال حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: نافق حنظلة يا رسول الله !
فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:وما ذلك؟
قلت:: يا رسول الله ! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، ونسينا كثيرا !
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "والذي نفسي بيده، إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طريقكم، ولكن يا حنظلة ! ساعة وساعة. وكرر هذه الكلمة – ساعة وساعة – ثلاث مرات". (19)
أمما الجواب على تساؤلات الشباب فإننا نؤكد أن الإسلام ليس له زي خاص أو لباس معين، وإنما اشترط الإسلام ستر العورة بالنسبة للرجل من السرة إلى الركبة، واجتناب كل ما يحدد العورة أي اللباس المتفق مع الفطرة.
بالنسبة للمرأة ينبغي التزامها بالحجاب وهو ستر جسدها بأكمله ما عدا الوجه والكفين، بملابس لا تكون ضيقة تحدد أجزاء جسمها، أو مفتوحة تظهر الجسم وتعرضها للفتنة والابتذال، أي مراعاة الحشمة وعدم إبداء الزينة فيما ترتدي من ثياب، وألا يتشبه كل من الجنسين بالآخر فذلك صاحبه ملعون كما قال عليه السلام:
"أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال، والذي يضل الأعمى، ورجل حصور – أي مبالغ في حبس نفسه عن الشهوات- ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكرياء. (20)
فعلى كل من الجنسين أن يلتزما بآداب الإسلام في لباسهما ويبتعدا فيه عن الريبة والقيل والقال وما لا ينفق مع البيئة العامة ومجتمعهما.
أما اتخاذ الشعر وتطويله إلى المنكبين فذلك هو سنة الرسول وعمله طوال حياته شريطة تسريحه وترجيله وتنظيفه وتطييبه، فإن الرسول الكريم لم يحلق شعره إلا في عام الحديبية وفي عمرة القضاء وحجة الوداع، ولم يقصره إلى مرة واحدة وسئل الإمام أحمد عن الرجل يتخذ شرعا فقال: سنة حميدة.
يؤكد ذلك ويثبته أن رجلا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الشعر واللحية فأشار إليه آمرا له بإصلاح شعره ولحيته. ففعل ثم رجع فقال له: "أليس هذا خيرا من أن يأتى أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان". (21)
أما التختم بخواتم الذهب وتعليق السلاسل فذلك كله من البدع الواردة علينا ممن يدينون بغير دينا وهي حرام لما فيها من الترفيه والتعالي والكبرياء والغرور.

الترفيه عن النفس
ومن باب تكامل الإسلام جمعه بين الدين والدنيا، والحرص على عدم التفريط في أحدهما على حساب الآخر مصداقا لقوله عليه السلام:
"ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه  حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ الآخرة ولا تكونوا طلا على الناس". (22)
وفي هذا الباب كان الرسول الكريم يبش ويبتسم للناس ويداعب ويمزح ولا يقول إلا حقا، ويتعوذ دوما من الهم والحزن قائلا: "اللهم إلى أعوذ بك من الهم والحزن" (25) ويداعب صحبه ويحب الشرور وما يجلبه، ومما روي في مزاحه أن امرأة عجوزا جاءته قائلة:
يا رسول الله أدع الله أن يدخلني الجنة فقال لها: يا م فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز وانزعجت المرأة وبكت ظنا منها أنها لن تدخل الجنة، فلما رأى ذلك منها بين لها غرضه من قوله: إن العجوز لن تدخل الجنة عجوزا بل ينشئها الله خلقا آخر فتدخلها شابة بكرا وتلا عليها قوله تعالى:
(إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا) فلا بأس على المسلم أن يمزح ويمرح بما يشرح صدره ويخفف عنه متاعب الحياة ومشاقها، وحتى لا تصدأ النفوس، ولا تعمى القلوب وتمل، فإنها تحيا بالترويح عنها كما حدث الرسول الكريم:
"روحوا القلوب ساعة فساعة. (25)
فالمزاح مشروع في ديننا شريطة ألا تكون أعراض الناس و|أقدارهم هدفا له، ولا حب إضحاك الناس وسيلة للكذب والبهتان.
وهناك ألوان من اللهو الحلال شرعا الرسول للمسلمين ترفيها عنهم وترويحا ليكونوا أكثر نشاطا وأشد عزيمة في حياتهم وأعمالهم وعياداتهم ومن ذلك:
مسابقة العدو وهي من الرياضات المحببة في الإسلام، وقد مارسها النبي نفسه مع زوجته عائشة حيث كان يسابقها تطبيبا لنفسها وتعليما لأصحابه كما أشرنا إلى ذلك آنفا. (26)
 ومن ذلك المصارعة فقد صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة وكان مشهورا بقوته فصرعه النبي أكثر من مرة. (22)
ومن ذلك اللعب بالسهام والحراب (التصويب) وقد كان الرسول يمر على أصحابه في حلقات الرمي فيشجعهم قائلا: "أرموا وأنا معكم" (28) وبقوله: "عليكم بالرمة فإنه من خير لهوكم". (29)
ومن سماحة الرسول في هذا الباب فيما أخرجه الإمام البخاري عن أبي هريرة قال:
بينما الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فصحبهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعهم يا عمر" وقد كان هذا في المسجد والنبي يستر عائشة بردائه لتنظر إلى لعبهم ومن ذلك ألعاب الفروسية كما قال عليه السلام: "غرموا واركبــــــوا".(30)
ومن السباحة والرماية كما قال عمر: "علموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على ظهر الخيل وثبا". (31)
ومن ذلك الصيد لما فيه من المتعة والرياضة والاكتساب، وغيرها من أنواع الرياضات والمتع البريئة النافعة.

الإسلام والموسيقى والغناء
إن الفرح والحزن ممن خصال النفس الإنسانية ومما ركب فيها من معان، حيث يستجيب ما في داخل تلك النفس من الأعضاء التي تنفعل بأسباب السرور والفرح ممن خارجها، فتظهر أثارها على البدن من ابتسام الثغر وبشاشة الوجه.
ولما كان الفرح من المعاني الفطرية التي تنطوي عليها النفس، فقد أتاح الإسلام لذلك المعنى أن يأخذ حظه من بواعث السرور، بما ينتزع صاحبه من حالة التجهم الدائم والكآبة المستمرة حتى لا يقع فريسة الأمراض النفسين، وضحية الحزن والضيق يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
( قل لفضل اله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون). (32)
وقد شرع الإسلام للفرح مظاهر منها ما أباحه من ضرب الدف للزواج ولقدوم الغائب كقوله عليه السلام "أعلنوا النكاح ولو بالدف". (33)
ومنها الوليمة للعرس، والعقيقة للمولود، واللهو البرئ في الأعياد، وليس الجديد، والتوسعة في الأكل والشرب وغيرها، والحكمة من تقرير ذلك ملكات النفس بما يرفسه عنها حتى لا تكل من اسمرار العمل أو تمل من استدامة العبادة ولتستطيع والمداومة، فقد أخرج الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عتها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما كان معهم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو". (34)
وقال ابن عباس فيما رواه انب ماجه في سننه: زوجت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أهديتم الفتاة؟ قالوا: نعم، قال أرسلتم معها من يغني؟ قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعتثم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم". (35)
وعن عائشة أن أب بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منة ( في عيد الأضحى) تغنيان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد". (36)
وقد خصص الإمام الغزالي في كتابه "الإحياء" فصلا كاملا للسماع والطرب ذكر فيه أحاديث غناء الجاريتين ولعب الحبشة، في المسجد، وتشجيع النبي لهم بقوله: "دونكم يا بني أرفدة"، وقول النبي لعائشة "تشتهين أن تنظري" ووقوفه معها حتى تمل وتسأم، ولعبها بالبنات مع صواحبها ثم قال: فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين وهي نص صريح في أن الغناء واللعب ليس حرام.
وذلك ما أمده ابن حزم ردا على من حرموا الموسيقى والغناء قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (37) فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله وينشط نفسه بذلك على البر، فهو مطيع محسن وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه.
غير أن هناك قيودا ضرورية في هذا الباب وهو ألا يكون الغناء بألفاظ نابية تخدش الحياء أو تحرض على الإثم أو تدعو إلى الفحش والخيانة أو إذا اقترن بأشياء محرمة كتداول الخمر في المجلس، أو زهور امرأة أجنبية لترقصن فإن هذا محرم لأن مقام النعمة هو الشكر، ولا يتلاءم مع فضل الله ورحمته بالمرء أن يقابل إحسان الله إليه بمخالفة أحكام دينه.

كيف ينبغي أن يكون شباب الصحوة
ونحمد الله أن جعلنا من جيل الصحوة ومن دعاتها وجنودها وأبنائها، هذه الصحوة التي تعبر ظاهرة صحية في العالم الإسلامي، وعلامة إيجابية نحو التجدد واليقظة والتضامن من القائم على معالم الإسلام، وحقائقه وعلى الرجوع إلى ينابيعه الأصلية وأسسه الثابتة، التي فيها النجاة لا للمسلمين فحسبن بل للإنسانية كلها لا نقاذها من متاهتها وضلالاتها إلى الحق والخير والعدل والرشد,
لقد أصبح شبابنا اليوم في حاجة إلى أن يتعلموا ويعرفوا حقائق دينهم، وسيرة رسولهم، وتاريخهم، حتى يكون لهم القدوة والأسوة، ويعرفوا أن دينهم دين التجديد والتطور، وأنه صلاح لكل زمان ومكان.
ولذلك فشبابنا محتاج إلى استمالة واعية، تبصره بما ينبغي أن يكون عليه، من دون تنتقص لمواهبه وقدراته وهو في مرحلة تكوينه، وذلك بتوجيهه إلى التعلق بكتاب الله، وسنة رسوله، وقيم الإسلام التي تجعله يقيم حياته على الفضيلة والحق والخير,
ومحتاج أن يعرف أن الشباب الحي، هو الذي يحجز نفسه عن فعل ما يذم أو يخل بالمروءة، فيتقي الزلات، ويبتعد عن السلبيات، وذلك يدعونا إلى تقويمه بالقدوة قبل القولة، وبالتعهد الدائم، والتوجيه الرشيد وسبيلنا إلى ذلك هو نشر المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وتحريرها من آثار التشويه والخلافات اللاحقة بها، وتفقية وسائل الإعلام مما لحق بها مما لا يتفق مع مبادئ الإسلام وروحه، بالإضافة إلى بث وعي إسلامي ذاتي قائم على الكتاب والسنة، يكون عاملا فعالا في إعادة شباب المسلمين إلى جادة الحق وطريق الصواب، فيبتعد عن السلبيات، ويرتفع عن النقائص ويدفعه إلى القيام بدوره الأساسي في المجتمع الإسلامي الذي يعيش صحوته الكبرى في طريقه إلى التغيير والتجديد.
وخير ملاذ في هذا المجال هو العناية بتربية الشباب وذلك بإصلاح مناهج التعليم وتقويمها بما يوفر تربية عقله ونفسه وبدنه ليكتمل توازن حياته، وبما يربيه على الولاء للدين الحنيف مما يقضي على الفراغ الروحي الذي هو سبب ما تعانيه الإنسانية كلها من مشاكل وإن المسؤولية الكبرى في التكوين والتوجيه يتحملها رجال التربية والتعليم لتكوين الشخصية الإسلامية في ظل العلم والحضارة، خاصة وقد كان الإسلام هو الذي كيف حضارة العالم وأصلح مسارها بالجمع بين الدين والعلم لأول مرة في التاريخ، وبفضله بقي الاعتقاد بوجود الله حتى في المجتمعات غير الإسلامية وازدهرت سائر العلوم والفنون وتفتح الفكر الإنساني للابتكار والاختراع. (38)
ولن ينجح التعليم إذا فصل عن التربية، ولن تنجح التربية إذا لم تستند إلى عقيدة الأمة ودينها الإسلامي، ولذلك ينبغي أن نسلح شبابنا بسلاح التربية الدينية، ونلقنهم أصول العقيدة الإسلامية وتاريخ سلفهم العريق في الدين والمدنية، وحبب إليهم الإيمان ونزينه في قلوبهم وننمي شعروهم بإطلاعهم على محاسن الإسلام وخصاله الحميدة. ونغرس في قلوبهم رسالته العامة وما أتى به من إصلاح ودوره في إنقاذ البشرية كلها، وتحصينه من كل التيارات المنحرفة بجعل مادة الإسلام ودراسة الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية مادة أساسية في سائر أطوار التعليم من الحضانة إلى الجامعة.
إننا في حاجة ماسة إلى روح جديدة تسري في وجدان المجتمعات الإسلامية حتى تستجيب لدواعي الصحوة ولتستعيد مكانتها، وذلك حتى بإعادة الاتصال الروحي والإسلامي الذي كان يسري منذ القرن الأول وحتى القرون الماضية، لا شك أن ذلك رهين بالقدوة الحسنة والسلوك الجماعي الرشيد.
وعلى الشباب ألا يروا ممن الحياة إلا جانب اللهو فيها، فإن الله قد ميز شباب المسلمين عن غيرهم بأن جعلهم أصحاب رسالة ومبادئ وقيم، عليهم أن يتشبثوا بها ويسيروا عليها لتستقيم الحياة باستقامتهم، وتزكو سيرتهم بالصالحات وتسلم من الشائبات.
وأن ما أجمل ما تختم به رسالة قيمة للفيلسوف الإسلامي الملهم محمد إقبال إلى شباب الإسلام يقول فيها: المسلم المثالي هو الذي يمتاز بين أهل الشك والظن بإيمانه وعقيدته، وبين أهل الجبن والخوف بشجاعته وقوته الروحية، وبين عباد الرجال والأموال والأصنام بأفاقيته وإنسانية وبين عباد الشهوات والأهواء والمنافع بتجرده وتمرده على موازين المجتمع الزائفة، وقيم الأشياء الحقيرة، وبين أهل الأثرة والأنانية بزهده وإيثاره وكبح نفسه، ويعيش برسالته ولرسالته، ذلك المسلم الحق، الذي مهما اختلفت الأوضاع وتطورت الحياة، لا يزال يؤمن بالحقيقة الثابتة التي لا تتغير ولا تتحول – هذا الشاب المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، بل خلق ليوجه العالم، ويملي عليه إرادته، لأنه صاحب الرسالة، وحامل العلم اليقين، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، بل مقام الإمامة والقيادة، وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع، لم يكن له أن يستسلم ويخضع، ويضع أوزاره، ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه، وينازله، حتى يقضي الله في أمره، وبذلك يرد الأمر إلى نصابه، ويقيم عوج الدهر الغشوم، ويلح الفاسد. (39)

-------------------------
1) سورة الروم – الآية 54.
2) سورة الأنبياء – الآيات 59-63.
3) رواه الإمام أحمد في المسند – مسند ابن عباس 1/293 7)
4) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه –كتاب النكاح 6/117. 
5) 
6) 
7) 
8) أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الجهاد والسير - باب التحريض على الرمى 3/226 و 227.
9) دروس من بد بحث للدكتور يوسف الكتاني.   
10) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي- باب قصة غزوة بدر 5/11. 
11) سورة الكهف – الآية 13.
12) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين
13) معالم الشريعة الإسلامية. الدكتور صبحي الصالح ص 241.
14) رواه أحمد في مسنده عن ابن عباس.
15) 
16) صورة القصص الآية: 77
17) أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الأدب – باب حق الضيف 7/03.
18) سورة الأعراف – الآية: 30.
19) أخرجه مسلم في صحيحه.
20)
21)
22)  أخرجه ابن عساكر عن أنس.   27) رواه أبو داود.
23) رواه أبو داود في السنن.    28) أخرجه البخاري 3/226- 227.
24) الحديث أخرجه عبد بن حميد والترمذي والآيات 29) رواه البزار والطبراني بإسناد جيد.
35-37 من سورة الواقعة.    30) رواه الطبراني بإسناد جيد.
25) رواه أبو داود عن ابن شهاب مرسلا.  31) الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي ص288
26) رواه أحمد وأبو داود.
32) سورة يونس – الآية: 58.   35) رواه ابن ماجه في سننه.
33) رواه مالك في الموطإ وأخرجه البخاري في الصحيح 36) متفق عليه.
34) أخرجه البخاري في صحيحه.   37) أخرجه البخاري في صحيحه – باب كيف كان بدء الوحي 1/2.
38) كتاب مجمع البحوث الإسلامية 1391/1971 مقال الأستاذ كنون ص 169.
39) مجلة الأزهر الجزء العاشر – السنة 36 ذي الحجة 1984 أبريل 1985 ص 1048 و 1049.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here