islamaumaroc

دراسة جلالة الملك الحسن الثاني وشبابه.

  محمد الفاسي

275 العدد

إن الكلام على العباقرة وتحليل عناصر شخصياتهم، يحتاج إلى الإطلاع المباشر على أحوالهم وأعمالهم، وخصوصا على ظروف تكوينهم أيام دراستهم، وملكنا المعظم الحسن الثاني نصره الله من هؤلاء العباقرة الأفذاذ الذين لهم أثر عميق ليس فقط على مصير مملكته، ولكن على جمع الكلمة بين البلاد العربية الإسلامية وقد أتاح لي المولى تعالى أن أعرفه منذ نعومة أظفاره، وبالضبط منذ قريب من خمسين سنة حيث شرفني والده المقدس بالله أستاذا له ومربيا.
ينتسب صاحب الجلالة الحسن الثاني، ملك المغرب إلى الأسرة العلوية التي وردت على المغرب في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، من مدينة ينبع النخل الواقعة قريبا من ساحل البحر الأحمر من الجزيرة العربية، واستقرت بمدينة سجلماسة من جنوب المغرب وهي أسرة تنحدر من صلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليهوسلم. وجلالته هو الحادي والعشرون من ملوك هذه الأسرة التي ابتدأ حكمها للمغرب في منتصف القرن الحادي عشر الهجري "منتصف القرن السابع عشر الميلادي".
وقد ولد جلالته بالرباط، بعد زوال يوم الثلاثاء 1 صفر الخير 1348 هـ، 9 يوليوز 1929م، وكان والده المرحوم محمد الخامس موجودا يوم ذاك بفرنسا في زيارة رسمية فلما وصله الخبر أمر بتسميته الحسن تفاؤلا باسم جده السلطان العظيم مولاي الحسن الأول.
وقد اعتنى والده بتربيته وتعليمه وأشرف بنفسه على جميع مراحل تعليمه من بدايتها إلى نهايتها أدخل أولا سنة 1934 إلى كتاب قرآني ملحق بالقصر حيث شرع في تعلم الكتابة وحفظ القرآن، وتلقي المبادئ الدينية.
ثم شرع يتلقى تعليما ابتدائيا عصريا سنة 1936 إلى أن نال شهادته الابتدائية سنة 1941 وبدأ يتلقى تعليمه الثانوي بمعهد أنشأه له والده قرب القصر واختار للتعليم فيه نخبة من كفأة الأساتذة المغاربة والأجانب، كما اختار للتعليم معه نخبة من نجباء التلاميذ أخذوا من أوساط مختلفة ومن مدن متعددة، ولم يراع في اختيارهم إلى جدهم في التعلم، واستقامتهم الخلقية وكفايتهم الفكرية.
وفد كان هذا الامتزاج مع أبناء وطنه الذين جاؤوا ممن أوساط مختلفة مدعاة يتعرف على أحوال بلاده ويحب أبناءها.
وقد كان كما قدمنا لكاتب هذا المقال حظ كبير بتعيينه من قبل والده المعظم أستاذ الأمير الفتى ومربيا له حيث كنت أدرس له ولرفاقه تاريخ الإسلام وتاريخ المغرب وبعد انخراطه في كلية الحقوق كنت ألقي عليهم درسا في تاريخ التشريع الإسلامي ودرسا في تاريخ الدولة العلوية خصوصا تاريخ الملك العظيم المولى إسماعيل إذ كنت لم أستطع ذلك عندما وصلنا في برنامج المدرسة المولوية إلى تلك الحقبة بسبب إلقاء القبض غلي ونفيي إلى الصرحاء, وفي أيام العطل كنت أصاحبه إلى الدار البيضاء وإلى إفران حيث كانت العائلة الملكية تقضي هذه العطل.
                                                      ***
وقد مكنتني هذه الظروف المواتية من معرفة ما حباه الله من مواهب في سائر الميادين ومن المعلوم أن العظماء تظهر نجابتهم منذ نعومة أظفارهم وهكذا تراه في المدرسة مثال التلميذ اليقظ المتكل على ذكائه لفهم ما يلقى عليه واستيعابه، وقد لا حظت مرة أنه لا يعطي الانتباه اللازم لما أقوله، فنبهته، وقلت له: إنني أراك لا تعير كل انتباهك لما أشرحه لك، فأجابني، بلى، فأجبته، إدا كان الأمر كما تقول، فأعد علي ما ألقيته عليكم، فأخذ يملي علي مما كنت قلته بألفاظ من عنده غير التي كنت استعملتها كما عودتهم لتنمية ملكة الارتجال عندهم، ومن ذلك الوقت تيقنت أن استعداده للتحصيل استعداد فطري فريد..
ومن مظاهر نبوغه وعبقريته في هذه الحقبة أنه كان يحب الإطلاع على كل شيء والمزي من المعرفة.
وهكذا كنت في أيام العطل أقضي معه الساعات الطوال وهو يلقي على أسئلة حول شتى المواضيع عن الأدب وتاريخ الحقب التي لم نكن درسناها بعد وعن قبائل المغرب وتقاليده وعوائده وعن الأدب الشعبي والأمثال المغربية وعن الموسيقى. ولما كنا نخرج للتفسح في غابات إفران لا يفتر عن السؤال عن النباتات والحيوانات مما دفعني أنا لنفسي للرجوع إلى هذه المواضيع في الكتب المختصة لألبي رغبته.
وعندما بلغ الرابع عشر من عمره أخذ يهتم بالقضايا السياسية خصوصا أيام الكفاح الذي كان يخوضه والده المعظم مع ضبعه لانتشاله من ريقة الحماية ونيله استقلاله وسيادته.
وبعد هذه الارتسامات عن طفولة ملكنا الملهم نرجع إلى سير تعلمه. فما زال يقطع مرحلة التعليم الثانوي حتى حصل بتفوق على شهادة البكالوريا وفي خريف سنة 1948 التحق بمعهد الدراسات القانونية بالرباط لمتابعة تعلمه العالي وكان المعهد المذكور تابعا إذ ذاك لكلية الحقوق بجامعة بوردو. وفي هذه المرحلة من دراسته يبرهن كذلك على كفاية واقتدار نادرين إذ كان يجتاز الامتحانات بتميز حتى نال الإجازة النهائية في الحقوق سنة 1951 والأزمة قائمة على قدم وساق بين والده المعظم والسلطات الفرنسية.
وخلال سنواته الدراسية الثانوية والعالية أخذ والده الملك المحنك رحمه الله يربيه على شؤون السياسة والحكم وقواعد الملك ليهيئه لمسؤولياته المستقبلة وهذا من مزايا النظم الملكية التي تعتبر أن تسيير الممالك ليس من الأمور التي ترتجل ويتولاها من ليس له سابق معرفة بأساليبها الدقيقة ولكنها كسائر المهن تتعلم ويتدرب عليها من سيتولاها منذ صغر سنه حتى إذا طلع على العرش ولي عهد حمل مشعل أسلافه بكيفية طبيعية ووجد نفسه على علم بواجباته نحو أمته ونوح تراث أجداده.
وإن الحسن الثاني تخرج على يد والده من مدرسته المتسمة بالوطنية والإخلاص في العمل لخير البلاد والعباد والتشبث بمبادئ الإسلام السامية ومحبة الشعب والسعي في إسعاده مع معرفة قضاياه ومطامحه، وملكنا المعظم وطني غيور شارك سرا وعلانية في النضال الوطني حتى إنه عند المطالبة بالاستقلال شارك بنفسه في مظاهرة مع الوطنيين بالتواركة، فلما بويع بعد وفاة والده محرر المغرب ورائد استقلال الشعور الإفريقية أمكنه بما أتوي من مواهب فذة أن يسير بأمته إلى ساحل النجاة في كل الميادين وأن يطبق تلك التعاليم الجليلة التي اقتبسها ممن والده ومن تجاربه الخاصة الناتجة عن المسؤوليات المختلفة التي اضطلع بها وهو ولي عهد المملكة المغربية.
ويطول المجال في تعداد أعماله ومواقفه في هذا الميدان وقد تكفلت بشرحها في كتاب عن منجزات عهده السعيد نشرته أو ستنشره وزارة الإعلام بمناسبة بلوغ جلالته الستين سنة أطال الله عمره ووفقه في كل أعماله لخير البلاد والعباد وأثلج صدره بسمو ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد الذي رباه على نفس المبادئ التي يتميز بها وحفظ صنوه الأمير المحبوب مولاي رشيد وكافة أفراد العائلة الملكية الشريفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here