islamaumaroc

صور من ماضي الحماية.

  عبد الله العمراني

275 العدد

يحتفل المغرب بالعيد الستيني لميلاد صاحب الجلالة مولاي الحسم الثاني – وبحلول ها العيد السعيد، تسنح فرصة طيبة لاسترجاع بعض الذكريات، واستحضار صور م ماضي عهد الحماية البائد، صور فيها الحلو، وفيها المر، فيها السار، وفيها الضار، وفيها العظة والعبرة على كل حال.يقول الكاتب الأمريكي دوكلاس أشفورد ashford في كتابه عن المغرب: "عرف المغرب في القرن العشرين ثلاثة أساليب من الحكم: في بداية القرن وخلال الألف سنة تقريبا عرف حكومته المركزية التقليدية (المخزن) بأشكالها المتعددة، ومن سنة 1912 إلى أوائل 1956 عرف حكم الحماة، وفيه تركزت السلطة في يد الدولتين الحاميتين: فرنسا وإسبانيا، وفي العشرين سنة الأخيرة من هذه الفترة اتسم الحكم بتزايد الهيجان الوطني تزايدا مرا وفعالا، بلغ الأوج في المغرب المستقل اليوم". (1)
                                                   ***
وقبل التفرغ للحديث عن تلك العشرين سنة، نود إلقاء نظرة على عهد الحماية كله، أما ما بعده، فالمغرب فيه على خير ما يرام: قاده أولا محرر البلاد جلالة المغفور له سيدي محمد الخامس، وقاده ثانيا خلفه ووارث سره مولاي الحسن الثاني،وكلاهما عاهل كريم، وسياسي عظيم، ورجل دولة  Statesman حكيم، شهد ويشهد له العالم أجمع –عربه وعجمه، شرقه وغربه) بالشفوف واللباقة والكياسة وحسن السياسة، وبالعبقرية الخلاقة، وهي خصال حميدة عالية، لا تتوافر في رجل دولة، إلا وكون النجاح حليفه في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
                                                 ***
بعد أن احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830، وفرضت حمايتها على تونس سنة 1881، شرعت تعمل كل كما في وسعها لإيقاع المغرب في شباك سيطرتها الاستعمارية، فعقدت مع دول أوروبية استعمارية منافسة، اتفاقيات ودية، ومعاهدات تراض ومقايضة في السنوات 1904-1906- 1910- 1911، وأخذت تنقل كاهل المغرب بالسلفات والقروض التي لم يكن يستلم منها إلا القليل، وصارت تشاكس، وتستقر، وتشجع الفتن الداخلية، حتى إذا تحرك الشعب، أو عزت إلى صاحب الجلالة مولاي عبد الحفيظ (1908-1912) أن يطلب نجدة جندها وحمايته، وكانت في ذلك "تسر حسوا في ارتغاء" كما قال المثل العربي.
وأخيرا أظهرت صك الحماية، وطلبت من السلطان أن يمضيه، فإذا أبى وما طل وهدد بالتنازل عن العرش، لم تقبل تنازله إلا بعد الإمضاء، وأخيرا، وفي الثلاثين من مارس 1912 أمضى الصك. وبعد أقل من أربعة أشهر (29 يوليو) قام نائب برلماني في مجلس النواب الفرنسي ووصف اتفاقية الحامية بأنها "الاتفاقية الخطيرة، اتفاقية التدليس والغش والخداع"، وزاد فقرأ على النواب احتجاجا قويا صارما صادرا من مولاي عبد الحفيظ، جاء فيه: "نؤكد أنه لم يسبق أن وقعت استشارة جلالتنا من قبل، ومن المعلوم أن المغرب دولة ذات مميزات تامة السيادة, ولا يمكن تحديد مصير سبعة ملايين من المسلمين دون النظر بعين الاعتبار إلى مشاعرهم السلالية والدينية، والواقع أن جنابنا الشريف يمثل شعبا لم يسبق استعماره قط، كما أنه لم يكن خاضعا لأي سلطة أجنبية، ولا مستعبدا من طرفها، ويتعلق الأمر بامبراطورية ظلت متمتعة بكامل الاستقلال منذ قرون وأجيال". (2)
وفي تاريخ لاحق (11 أغسطس 1912) تنازل السلطان رسميا، وغادر مدينة الرباط للعيش في أوروبا، حيث بقى إلى أن توفاه الله في فرنسا يوم الأحد 22 محرم 1356 (4.4.1937)، ولعل من المفارقات السياسية العجيبة أن مولاي عبد الحفيظ هدد فرنسا بالتنازل عن العرش، فلم تقبل تنازله إلى بعد أن أمضى صك الحماية، بينما سيدي محمد الخامس الذي أبى إمضاء ظهائر إصلاح مزعوم، هددته فرنسا بالتنازل فلم يقبل، وفضل النفي والإبعاد عن عرشه ومسقط رأسه هو وولي عهده مولاي الحسن إلى المنفى السحيق، ولكن، لمن كان يمكن أن يتنازل، وولي عهده كان معترفا بولايته رسميا، وكان يدعى له – مع والده – في خطب الجمعة، منذ سن الثانية؟
كان في إمكان محمد الخامس أن يمضي الظهائر، ويكون إمضاؤه الواقع تحت الضغط عديم القيمة القانونية، ولكنه رحمه الله أبى أن يتخلى عن شعبه ساعة الحرج، أو أن يخون "البيعة" التي طوق بها الشعب عنقه عن رضى واقتناع وطيب خاطر.
بعد إمضاء صك الحماية، ثار الشعب وهاج، واعتقد البعض أن السلطان لم يمضه، وأن الفرنسيين أعلنوا ذلك تمويها وتدليسا، وصار الكتاب والمؤرخون يعتمدونه النص الفرنسي دون النص العربي الذي كان ممضى في الواقع، لكن تحت الضغط، ونتيجة التهديد. (3)
فشبت الحرب الكونية الأولى (14-1918) فكان لزاما أن يهدأ المغاربة نسبيا، وإلا لفقت ضدهم التهم السياسية، فزج بهم في غياهب السجون، أو علقوا في حبال المشانق. شارك الجنود المغاربة في الحرب إلى جانب فرنسا، انتصارا لقضية الحلفاء، وتكبد المغرب عادة ما تتكبده الشعوب أثناء الحروب، لكن، لم ضحى المغرب بدماء أبنائه في حرب لا ناقة له فيها ولا جمال؟ ولما كان أبناؤه يقاتلون في جبهات القتال بشجاعة لا نظير لهما كما قيل؟
لا شيء، فقد تم النصر للحلفاء، وعقد مؤتمر السلام في فرساي Versailles سنة 1919، وعقد مؤتمر سان ريمو  San Remo بإيطاليا سنة 1920، ولكن دون أن يجد جديد، وبقيت دار لقمان على حالها، بل كان جزاء المغاربة الذين ضحوا بدماء أبنائهم: الحكم المباشر، التضييق والمضايقة في مختلف المجالات، انتهاج (السياسة البربرية) سياسة التفرقة العنصرية بين سكان المغرب: العرب والبربر، محاولة تنصير أبناء المغرب، محاربة اللغة العربية في عقر دارها، فتح باب الهجرة على مصراعية لاستقبال المعمرين الفرنسيين وتمليكهم خير الأراضي الزراعية الخصبة...الخ.
وبدأت المقاومة المسلحة فنشبت حرب الريف التحريرية بقيادة الزعيم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، فكبد الإسبانيين أولا والفرنسيين ثانيا خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، "وصمد الريفيون أمام دولتين أوروبيتين، مما يعتبر حالة نادرة في تاريخ الحروب الاستعمارية لا في شمال إفريقية وحدها، بل في قارتي إفريقية وآسيا عموما..ويكفي الريفيين فخرا أنهم قادوا هذه الحرب في وجه ثلاثة ماريشالات هم: ليوطي وبيتان وبريمو دي ريفيرا، وأربعين جنرالا، والقوات الأساسية لدولتين أوروبيتين، بل لقد استقدمت هاتان الدولتان بعض المرتزقة من الطيارين الأمريكيين حتى تستخدم أحدث وسائل قاذفات القنابل في الحرب". (4)
أثناء الحرب الريفية، وبالضبط في يوليو 1924 قابل المراسل الأمريكي  webb Miller الدكتاتور الإسباني الذي نصب نسفه مقيما عاما لإسبانيا بالمغرب ميكيل بريمو دي ريقيرا M. Primo de Rivera  فصرح له قائلا: "لقد هزمنا عبد الكريم، فهو يتمتع بمزايا واسعة: الأرض، وتعصب  الأتباع جنودنا مرضى بالحرب التي خاضوا غمارها لعدة سنين، ولا يرون لماذا يجب عليهم أن يحاربوا ويموتوا من أجل شريط من الأرض في قطر عديم القيمة، إنني سأنسحب إلى هذا الخط (الإشارة إلى خط تطوان- مقر الإقامة العامة – الممتد شمال منطقة الحماية الإسبانية). وأستمسك فقط بطرف من هذا القطر. إني شخصيا – في صالح الانسحاب الكلي من إفريقية (يعني المغرب) والسماح بها لعبد الكريم، لقد أنفقنا ملايين لا تحصى من البسيطات في هذا المسعى ولم نجن من الأمر سنتيما. فقدنا عشرات الألوف من رجال قتلوا من أجل قطر لا يستحق شيئا، ولكننا لا يمكننا أن ننسحب كلية، لأن انجلترا لن تسمح بذلك، إذ لها نفوذ كبير على الملك، وأنت تعرف أن الملكة أمير انجليزية، انكلترا تخشى – إن نحن انسحبنا – أن تحتل فرنسا القطر، وتحول دون التحكم الإنجليزي في مضيق جبل طارق، فالمضيق جد حيوي بالنسبة لمصالح الإمبراطورية البريطانية: الهند واستراليا، انكلترا تريد أن يبقى القطر المقابل لجبل طارق في يد دولة ضعيفة مثل إسبانيا، ولا تريد أن تكون هناك دولة قوية مثل فرنسا:. (5)
تم التغلب على الحرب التحريرية الريفية، واستسلم زعيمها سنة 1926 ليقذف به إلى مدغشقر:Madagaxar أولا ثم ريونيون: Réunion ثانيا، ولكن فلولا المجاهدين استمروا يجاهدون إلى سنة 1927، ولما انتهى أمرهم، خطب جنرال إسباني كبير ليعلن أن المقاومة انتهت تماما، وأن الحماية الإسبانية لشمال المغرب ستبدأ الآن، والآن فقط.
في هذه السنة بالذات (18 نوفمبر 1927) يعتلى سيدي محمد الخامس عرش آبائه وأجداده، وبعد ما يقرب من تسعة عشر شهرا (9/7/1979) يطل على هذا الكون أمير سعيد سيعتلى العرش أيضا ونعنى به صاحب الجلالة الحسن الثاني الذي نحتفل اليوم بعيد ببلاده الستين – أطال الله بقاءه.
                                                   ***
وبانتهاء عهد المقاومة المسلحة، ابتدأ عهد المقاومة السياسية المسالمة، فأسست الأحزاب، وأنشأت الجرائد والمجلات الناطقة باسمها: وقدمت مطالب الشعب المغربي إلى المسؤولين، وقامت المظاهرات، وقدمت الاحتجاجات، وطولب بتغيير المنكر عموما، وبنشر التعليم، وتفقيه أبناء الشعب وخصوصا في المدن الرئيسية. وفي هذا الجو السلمي، يطيب لنا هنا أن نلجأ إلى سلاح آخر مسالم هو سلاح الاستعارة والمجاز، فنزعم أن الوطنية في المغرب قائمة على أعمدة وأركان، وأنها كانت بمثابة جامعة: University تعليمية كبرى تقوم على تلقين الروح الوطنية، وترعاها، وتسهر على بثها بين الأوساط الشعبية بوساطة خمسة مراكز عظيمة الأهمية هي:
1) رياسة الجامعة rectorship: مقرها القصر الملكي في الرباط العاصمة، ويستقر فيها الرئيس سيدي ممد الخامس وكبار معاونيه وفي مقدمتهم ولي العهد مولاي الحسن بن محمد. ومن رياسة الجامعة يقع الإشراف السياسي الوطتي – الظاهر أو المستتر – على سائر الكليات التابعة للجامعة، والمؤتمرة بأمر رئيسها. وللرياسة فرع في تطوان ستقع الإشارة إليه بعد قليل.
2) كلية الرباط: أساتذتها هم مسيرو (الكتلة الوطنية). وطلابها هم سائر الأتباع المنبثون في مدن المغرب وقراه، سلا، فاس، مكناس، الدارالبيضاء، مراكش، وغيرها. ولما كثر الأتباع، وتشعبت الأمور والآراء، انقسمت الكتلة الوطنية إلى (الحزب الوطني) الذي صار فيما بعد يحمل اسم (حزب الاستقلال)، وإلى (الحركة الوطنية) التي صارت فيما بعد تحمل اسم (حزب الشورى والاستقلال). ولا يعزب عن البال أن كل هذه الهيئات السياسية الوطنية، كانت تعمل على تنفيذ أوامر الرياسة، وتسعى – جاهدة -  في سبيل خدمة البلاد، والعمل إلى إحلالها المحل اللائق بها في مصاف الدول المستقلة الراقية.
3) كلية باريس: يعمرها ويسيرها الطلاب المغاربة الدارسون في العاصمة الفرنسية، ومن ثم أتيح لهم الدفاع عن وطنهم، والاتصال بأحرار المفكرين، وبعض المسؤولين الفرنسيين، حتى إذا عادوا إلى بلادهم، انضموا إلى إخوانهم العاملين في كلية الرباط.
4) كلية تطوان: وهي تابعة لفرع الرياسة الذي مقره القصر الخليفي بتطوان، ويستقر فيه الرئيس صاحب السمو الملكي الحسن بن المهدي خليفة جلالة السلطان، من فرع الرياسة كان الإشراف على كلية تطوان التي كانت – أيضا تخدم البلاد، وتعمل طبق مقتضيات السياسة الوطنية العليا، كان جهازها الإداري أشبه شيء بجهاز كلية الرباط، فأساتذتها هم مسيرو (الكتلة الوطنية)، وطلابها هم الأتباع المنبثون في مدن المنطقة وقراها، وإذ تشعبت الكتلة الوطنية إلى (حزب الإصلاح الوطني) و(حركة الوحدة المغربية) ظل العمل الوطني جاريا على مقتضى الحال من السعي في سبيل خدمة الوطن والمواطنين، والنهوض بمستواهم في مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع.
5) كلية القاهرة: كان يشغلها ويسيرها الطلبة المغاربة الدارسون في الجامعات المصرية، ومنهم بعض طلبة (بيت المغرب: مفر البعثة)، كان الطلبة بمثابة سفراء وطنيين، يمثلون بلادهم، ويغتنمون الفرص والمناسبات للتعريف بها، وشرح قضيتها، والاحتفال بأعيادها الوطنية مثل عبد جلوس السلطان (18 فبراير) من كل عام، في القاهرة تأسست )جبهة الدفاع عن مراكش) وكانت كلمة مراكش في مصر والشرق تعني المغرب. وتأسست كذلك (جمعية الدفاع عن مراكش). وكانت الجمعيتان تعملان في انسجام وتعاون ملحوظ، بيد أن وجود جمعيتين طلابيتين مغربيتين تعملان لهدف واحد، لم يرق في عين (المرشد العام) لجمعية (الإخوان المسلمين) المرحوم الأستاذ حسن البنا، فما كان منه إلا أن استدعى إلى داره مجموعة من الطلبة المغاربة – وهذه – فيما أعتقد – معلومات تنشر لأول مرة. كان الجمع بهدف التوحيد وإدماج الجمعيتين تحت اسم واحد اتفق على أن يكون (رابطة الدفاع عن مراكش) التي تحولت فيما بعد إلى (مكتب المغرب العربي).
حدث الاجتماع بدار (المرشد العام) في وقت كانت فيه مصر تستعد لعقد مؤتمر في الإسكندرية للنظر في أمر تأسيس جامعة League للدول العربية، ولعدم توفر الرابطة على المال اللازم لبعث وفد إلى المؤتمر، تكفل طلبة من تطوان: محمد ابن عبود، عبد الرزاق القادري، عبد الله العمراني بالسفر إلى الإسكندرية على نفقتهم الخاصة. وهناك قالهم وكيل وزارة الشؤون الخارجية المصري المكلف بالإعداد للمؤتمر الدكتور محمد صلاح الدين وشرحوا له العرص ممن مقدمهم فرحب بهم، وطمأنهم ووعدهم خيرا، واجتمع المؤتمر، وأصدر (7/9/1944) ما عرف ب (بروتوكول الإسكندرية) الذي كان مقدمة لعقد مؤتمر في السنة القادمة بالفعل في 22/3/1945، وبمجرد عودة الوفد إلى القاهرة، استدعى السفير الإسباني الطالب العمراني واتهمه بالكتنابة في الصحف ضد إسبانيا، الأمر الذي هو ليس في صالحه كما قال. وواضح أن السفير كان مخطئا، أن من شأن الصحف أن تغطي أخبار المؤتمرات وتذكر كل ما يجري فيها، أو لأن الذي بلغه الخبر، بلغه إياه مشوشا مهوشا.
من الواضح أن العقد Decade الرابع من القرن العشرين (الثالث من عمر الحماية) كان – حافلا بالأحداث، ففيه احتل الألمان فرنسا (1940) وجاء المقيم العام الفرنسي بالرباط مسيو موريس يستطلع رأي صاحب الجلالة فطمأنه قائلا: "إننا أصدقاء فرنسا، كنا الأصدقاء في أيام قوتها وازدهارها، ونحن اليوم لا زلنا أصدقاءها في محنتها ومصبيتها، فليس من طبع المسلم وليس من طبع المغربي أن يخون عهد الصداقة، فلتكن الحكومة الفرنسية مرتاحة البال فيما يخص المغـــــــــــرب". (6)
وفي سنة 1943 اعتدى طيران (فرنسا الحرة) القابعة حكومتها في لندن، على برلماني سوريا ولبنان، فهاج العالم العربي وماج، وقامت بالقاهرة مظاهرات واحتجاجات اشترك فيها طلبة (بيت المغرب) بعلمهم الأحمر ذي النجمة الخضراء، وفي السنة ذاتها نزل الحلفاء بالدارالبيضاء، ووعد رئيس الولايات المتحدة جلالة السلطان بتحرير المغرب عندما تضع الحرب أوزارها، ولكن قبل ذلك مات الرئيس فذهب وعده أدراج الرياح.
وفي 11 يناير 1944 قدم الوطنيون – بالاتفاق مع صاحب الجلالة – وثيقة المطالبة بالاستقلال للمسؤولين الفرنسيين ولممثلي (الحلفاء) في الرباط. وفي 18 نوفمبر من نفس السنة احتفلت (رابطة الدفاع عن مراكش) بعيد العرش فأقامت سرادقا أمام بيت المغرب بالقاهرة، واستدعت إلى الحفل الأساتذة والشخصيات العربية الإسلامية.
وفي أبريل 1947 زار جلالة السلطان مدينة طنجة زيارة رمز إلى وحدة المغرب وتثبيت سلطة العرش المشروعة، ولكن الإقامة العامة عمدت إلى تدبير (مذبحة الدارالبيضاء) لتعرقل الزيارة عبثا: "وعلي أن أقول: إن والدي قد استقبل في منطقة الحماية الفرنسية، كما استقبل في منطقتي الحماية الإسبانية والدولية بحمية وحماس لم نتصورها من قبل". (7)
منذ مطالبة المغاربة بإلغاء الحماية، واستبدالهم استراتيجية "الاستقلال قبل الإصلاح، باستراتيجية "الإصلاح قبل الاستقلال"، والحرب – المعلنة أو غير المعلنة – قائمة بين القصر الملكي وبين الإقامة العامة. تكررت زيارات السلطان إلى باريس وفي كل مرة يقدم مذكرة تطالب بإلغاء الحكم المباشر، وتعلن أن "قميص" الحماية أصبح ضيقا وقصيرا لا يلائم "ذاتّ المغرب الكبير الراشد، ولكن مطالبه لم تكن تلقى الآذان المصغية, وتكررت كذلك المؤامرات المدبرة من طرق الإقامة العامة المدعمة من المعمرين الفرنسيين الذي كانوا يسعون حتى لعرقلة الإصلاحات الضرورية وتأزمت الحالة سنة 1951 في عهد المقيم العام الجنرال جوان الذي كان يخطط لخلع السلطان، مما دفع حكومة المملكة المصرية إلى بعث وفد صحافي مهم لاستشفاف الحالة بالمغرب، واستقصاء الحوادث من كثب، وبما أن السلطة الفرنسية بالرباط لم تكن تسمح بمثل هذه الزيارة، فإن الوفد الصحافي المصري توجه إلى تطوان، وقابل سمو الخليفة مولاي الحسن بن المهدي، وفي تطوان وحد الوفد الصحفي مبتغاه.
ولم تفلح مساعي الجنرال جوان، وجاء الأمر من باريس – آخر الأمر – بالتخلي عن وظيفة "المقيم العام"، وباستلام وظيفة أخرى عسكرية في (منطقة حلف شمال الأطلسي)، وبما أنه لم يكن في استطاعته عصيان الأمر، فإنه اشترط أن يخلفه في المنصب صديقه الجنرال كيوم. وكذلك كان.
وتبلغ الحالة السياسية في المغرب أقصى درجات الحرج والتأزم والخطورة، ويتم – آخر المطاف – الاعتداء على العرش المغربي العتيد في يوم عرفة التاسع من شهر ذي الحجة الحرام 1372 الموافق للعشرين من أغسطس 1953، واسودت الدنيا في أعين الشعب، وامتنع المؤمنون من الإنصات للدعاء في خطبة العيد، وفي خطبة الجمعة لدمية نصبها الفرنسيون سلطانا جديدا، وامتنعوا عن ذبح أصحية العيد، وأبت منطقة حماية اسبانيا أن تتخلى عن سلطانها الشرعي، وطالب الناس برجوع محمد الخامس إلى عرشه، وتفننوا في إغاظة الفرنسيين فادعوا أنهم يروم صورة السلطان في وجه القمر كل ليلة، واعتقد المراقبون الأجانب أن فرنسا – الدولة العظيمة الآن – لا يمكنها الرجوع من قرارها الحاسم، ولكن يبدو أن قرار الشعب المغربي كان أشد حسما وعزما، حيث فتح باب الفداء والمقاومة فرجع محمد الخامس في 16 نوفمبر 1955، وتفاوض في باريس لإلغاء الحماية رسميا (2 مارس 1956) ب وتفاوض مع مدريد في أبريل التالي، ومر بتطوان في طريق عودته فأنشدت في (راديودرسة) قصيدة تفضل جلالته بأخذ نسخة منها. وقد جاء في القصيدة الطويلة ما يلي:
وبقينا – ملاذي – نخلص ودا        وولاء رغم العـدو جفائـه
شعبك الباسل المكافح دومـا           ظل يدعو مجاهرا بدعائـه:
أن يعاد المليك حرا كريمــا           لبلاد الجدود، مهد إوائــه
                                 ***
فلتعش عاهلا عظيما لشعب           محض الود خالصا من ريائه 
وليعش نجلك الأمير سعيدا            وجميع الآمال طي ردائــه

---------------------------------------
1) Polical Change in Morroco, p.3
2) الحسن الثاني ملك المغرب: التحدي ص-18
3) نشر النص العربي للمعاهدة لأول مرة في كتاب (التحدي) 319-232.
4) الدكتور صلاح العقاد: المغرب العربي: الجزائر. تونس. المغرب الأقصى ص 288.
5) David s. woolmanM Rebels in th Rif, pp  p.159 (نقلا عن  (Miller   131.132
6) محمد الرشيد ملين: نضال ملك، ص. 7. 8. 
7) الحسن الثاني ملك المغرب: التحدي, ص 61.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here