islamaumaroc

الأصالة الإسلامية في الفكر الحسني.

  محمد بن محمد العلمي

275 العدد

هذا عنوان لموضوع موسوعي شاسع الأطراف، واسع الآفاق، يتطلب الكثير من الدقة والتحري، ويستلزم المهارة في السباحة، والبراعة في الغوص والاستقصاء وسبر الأغوار، والاستقراء، والاستنباط والاستنتاج.
وقد اخترت التطرق إليه بالخصوص في هذه المناسبة المجيدة لعدة حوافز باطنية، تبعث من أعمق الأعماق، وكل إناء بالذي فيه يرشح...فغير خاف أن صاحب السمو الملكي ولي العهد المحبوب مولانا الحسن (جلالة الملك الحسن الثاني) كان قد استقبل في شهر نونبر 1951، أعضاء المكتب الإداري لجمعية الطالب المغربي، وفي شهر مارس منة 1952 كان قد ترأس حفلة افتتاح النادي الأدبي للطلبة الذين يجتمعون فيه، ويتعارفون، ويتبادلون الآراء، وقد أشار حفظه الله، إلى أن شباب المغرب هم قلب الأمة النابض. فالشباب مناط آمالها، وذخر مستقبلها، فيهم تتجلى مظاهر حيويتها، وبهم يستشهد على نبوغها ورقيها. وبقدر كدهم، يكال لكل أمة، ما تستهدف له من ملامة وهجاء، أو ما ستستحقه من إشادة وتنويه وثناء. "فآمل أن تكونوا دائما أيها الأصدقاء"، عند حسن ظن عاهل البلاد بكم، وأن تحققوا ما يعقده عليكم من آمال، وما يرتجيه للبلاد وللأمة من حسن المثال..فبذلك نكفل لوطننا عزا مكينا، ولأنفسنا مستقبلا زاهرا آمنا. وما ذلك على همة شباب المغرب الناهض بعزيز".
وفي هذا الصدد علينا أن لا ننسى تلك الوصية الخالدة من والد صالح إلى ابن بار. فقد كان جلالة المغفور له مولانا محمد الخامس، قد ألقى في يوم الاثنين متم ذي القعدة عام 1375 هـ الموافق 9 يوليوز سنة 1956، خطابا رائعا بمنسابة الذكرى السابعة والعشرين لميلاد جلالة الملك مولانا الحسن, ومما جاء في هذا الخطاب التاريخي القيم:
"يا بني، لقد اخترت لك من الأسماء (الحسن) لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد، وليكن لك في جدك المولى الحسن، خير إسوة وأعظم قدوة. فلم تكد تطل علة السادسة من عمرك، حتى قدمتك للمعلم ليلقنك آيات القرآن، وليغرس في قلبك الطاهر الفتي، حب الدين، وعزة العروبة والإسلام...".
يا بني:
لم أعتن بتثقيفك فحسب، بل كنت أدريك على تعاليم الإسلام، واحترام أوامره، وإقامة شعائره، كما كنت ألقنك كيف يجب أن تعامل أباك وإخوتك وشعبك والناس أجمعين، وهكذا نشأت يا بني للكبير محترما، وللنظير أنيسا وملاطفا، وعلى الصغير رؤوفا حنونا، تصل الرحم وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر".
يا بني، أقم الصلاة، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور..."
"أما هديتي إليك يا ولدي، في هذا اليوم، فهو رضاي الدائم، ولك من أبيك الحنون، أبرك الدعوات، وأقدس التهنئات".
وعلى هذا النحو، نشأ جلالة الملك الحسن الثاني على أخلاق القرآن الكريم، والسنة الشريفة. فكان من أولئك الذي قال فيهم الله تعالى: (إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله، ولا ينقضون الميثاق). الآيتان 19-20 من سورة الرعد.
                                                       ***
وتقديرا لما علة عاقته من واجبات جسيمة، كان جلالة الملك الحسن الثاني، حينما تربع على عرش أسلافه الميامين، يستخير الله تعالى، في أن يؤازره ويعينه، ويبسر عليه كل صعب وعسير، ويتلو قول الله تعالى في الآية من سورة أل عمران: (قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير). والآية 15 من سورة الأحقاف: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه).
إنه وضع الأمة جمعاء أمام مسؤولياتها في الشورى والتناصح، امتثالا لقول الله تعالى في الآيتين 70-71 من سورة الأحزاب: (يا أيها الذي آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم، وتغفر لكم ذنوبكم)، كما أرشد الأمة إلى التعاون على البر والتقوى، وخفض الجناح لبعضها البعض، والتعامل بالحلم والمسامحة، وانتهاج الأخلاق العالية من رزانة وأناة وثبات، تنفيذا لقول الله عز وجل: (فبما رحمة من الله نلت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاروهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين).
وقد كان حصره الشديد على تعميم التعليم، اقتناعا منه بقول الله تعالى في الآية 9 من سورة الزمر (قل هل يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون؟). وفي الاضطلاع بمسؤوليات البناء والتشييد، كان يعيي حق الوعي، ما جاء في الآية 58 من سورة الأعراف: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) علما بأن حسن التمييز لا يجعل العلم يقف عند حد من الحدود، أو يتقيد بأي اعتبار من الاعتبارات. فقد جاء في الآيتين 24-25 من سورة إبراهيم: (كشجرة طبية أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)، وقام بتبليغ الأمانة حق تبليغها عملا بقول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).
وزادت ثقته بالله الذي يقول: (واتقوا الله. ويعلمكم الله، والله بكل شيء عليم). فأفاد واستفاد، في المعاش والمعاد، وتزود بخير زاد، إيمانا منه بأن (من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يكن يعلم).
والحسن الثاني المسلم المؤمن، عظيم الرجاء في الله: استعبارا بما جاء في الآية 28 من سورة الشورى: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد). ومن هذا المنطلق ألهمه الله بناء السدود, فقد جاء في الآية 30 من سورة الأنبياء: (وجعلنا من الماء كل شيء حي). وفي الآيتين 49-50 من سورة الروم: (وإن كانوا ممن قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين. فانظر إلى أثر رحمة ربك كيف يحيي الأرض بعد موتها). وفي صدق توكله واعتماده على الله سبحانه وتعالى، نراه يتشبع بما جاء في الحديث الشريف: "والله، لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا".
وعملا بما جاء في الآية 7 من سورة محمد: (يا أيها الذين أمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، والآية 15 من سورة الأحقاف: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي. إني ثبت إليك، وإني من المسلمين). مصداقا لما جاء في الآية 16 من نفس السورة: (أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم، في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون).
                                                      ***
- انطلقت على بركة الله، المسيرة السلمية الحسنية الخضراء، التي شعارها التهليل والتكبير:... وكان المتطوعون فيها رجالا ونساء، من كل الطبقات والشرائح الاجتماعية، لا يحملون سوى المصاحف، والرايات المغربية الحمراء ذات النجم الأخضر الخماسي الفروع. وكان كل مواطن من الأمة المغربية المسلمة المؤمنة، يردد ما جاء في الآيتين 48 و 49 من سورة الطور: (واصبر لحكم ربك، فإنك بأعيننا، وسبح بحمد ربك حين تقوم. ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم) وكان الاختبار عونا على النجاح. فقد جاء في الآية 143 من سورة آل عمران: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟ ). وقد تحقق النصر، بالرغم مما بيته الأعداء من دسائس ومكايد، فقد جاء في الآية 43 من سورة فاطر: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله). وفي الآية 42 من سورة الرعد: (وقد مكر الذين من قبلهم. فلله المكر جميعا. يعلم ما تسكب كل نفس. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار).
وهكذا رأى مولانا الحسن الثاني – أيده الله ونصره – من آيات ربه الكبرى..وتحقق على يديه الصلح العربي الإسلامي، وكان من أولئك الذين جاء فيهم قول الله تعالى في الآية 10 من سورة الزمر: (وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). وأصبحنا، سواء في المجال الإفريقي، أو في علاقتنا العربية والإسلامية، أو معاملاتنا مع الدول الإسلامية كافة في مشارق الأرض ومغاربها، مصداقا لقول الله تعالى في الآية 29 من سورة الفتح: (أشداء على الكفار، رحماء بينهم). وما جاء في الآية 199 من سورة الأعراف: (خذ العفو، وامر بالمعروف، واعرض عن الجاهلين). وتوالت الإغاثات والإسعافات والإعانات في شتى المناسبات، استجابة لقول الله تعالى في الآية 134 من سورة آل عمران: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السماوات والأرض، وأعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ والعارفين عن الناس. والله يحب المحسنين). وأصبحت الصحوة الإسلامية، تدعونا بلسان الحق في الآيتين 102 و 103 من سورة أل عمران: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحت بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آيته لعلكم تهتدون).
وهذه الصحوة الإسلامية المباركة في العهد الحسني، جاءت طبقا لما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم لأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا افرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وكانت علاقتنا مع الدول الإسلامية أعم، تابعه في قول الله تعالى في الآية 110 من سورة أل عمران: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله). والعمل الصالح هو الأساس، كما جاء في الآية 97 من سورة النجل: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم لأحسن ما كانوا يعملون). وفي كل المستجدات، يرجع مولانا أمير المؤمنين إلى حكم الكتاب والسنة عند المناقشة والتخاطب والحوار، والمناظرة، عملا بقول الله تعالى، في الآية 34 من سورة فصلت: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). وإنما يزيد – سدد الله خطاه – في منهاج التضامن والتعاون، ليتأكد من النصر الموعود، في الآية 55 من سورة النور: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذي من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا). وهو يدعو بدعاء جده صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. وقني سيء الأعمال وسيء الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت". ثم هو – أيده الله ونصره – كامل الثقة بالله الذي يقول في الآيات 38-39-40 من سورة الحج: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا. وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله. ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض، لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز).
وهو المؤمن الصادق الذي يلح في الدعاء، لما له من عظيم الثقة بخالقه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي قال في الآية 77 من سورة الفرقان: ( قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم). وغير خاف أنه – حفظه الله – كان قد أوصى في ختام اجتماع لجنة القدس بيفرن، أن تقام صلاة الغائب يوم الجمعة في كل مساجد المغرب والعالم الإسلامي قاطبة لتوكيد التضامن والدعم المطلق للشعب الفلسطيني المجاهد، في الوطن الإسلامي السليب. وهو إذ يستعين بالصبر والصلاة، فإنما ينقاد بقول الله تعالى في الآية 101 من سورة آل عمران: (ومن يعتصم بحل الله، فقد هدي إلى صراط مستقيم). ولقول الله سبحانه في الآيات من 153 إلى 157 من سورة البقرة: (يا أيها الذي آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين. ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء. ولكن لا تشعرون. ولنبلونكم بشي من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين الذي إذا أصابتهم مصيبة، قالوا: إنا لله وإنا لله راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون). وبهذه الدرجة الممتازة في الإيمان القوي، أصبح عاهلنا المفدى، ممن يصدق عليهم قول الله تعالى في الآية 269 في سورة البقرة: (يؤتي الحكمة ممن يشاء، ومن يؤت الحكمة، فقد أوبي خيرا كثيرا). ولا بدع في هذا السلوك الأقوم، من سليل نبي الهدي والرشاد، الذي أنزل عليه القرآن الكريم هداية وتذكرة للعباد، حيث جاء في الآية 23 من سورة الزمر: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هذى الله يهدي به من يشاء). والدر من معدنه على كل حال.
                                                      ***
وعلينا أن لا ننسى في هذا السياق انطلاقة النور في افتتاح الحلمة المباركة للكتاتيب القرآنية، تحت الرعاية الحسنية السامية، يوم 16 رجب الأصب عام 1388هـ -الموافق 9 أكتوبر 1968.وكذا الرسالة المولوية الموجهة إلى العالم الإسلامي كله، بمناسبة بزوغ القرن الخامس عشر الهجري، ومرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم...ويدخل في هذا الباب أيضا إحياء الدراسة بالطور الابتدائي بفاس، في إطار الكراسي العليمة، تقديرا بالطور الابتدائي بفاس، في إطار الكراسي العلمية، تقديرا للآفاق المشرفة الواسعة التي فتحها القرآن، الدراسات الإسلامية، أما الفكر الإنساني، وإحياء لأساليب الدعوة الإسلامية في العصر الحديث.
واقتداء بأسلافه الكرام، جعل مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، من افريقيا، القارة الإسلامية، في الماضي والحاضر والمستقبل. وكان قد دعا جميع الطلبة الأفارقة، حتى يتمكنوا من تعلم اللغة العربية. ولن ينسى التاريخ خطاب فخامة الرئيس السنيغالي عبدو ضيوف في افتتاح المؤتمر الأول رباطة علماء المغرب والسنيغال، ولا خطاب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري في الجلسة الافتتاحية، ولا خطاب الأستاذ عبد الهادي بو طالب، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) في المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسينغال، ولا خطاب الأستاذ مولاي مصطفى العلوي، رئيس رابطة علماء المغرب والسنيغال للصداقة والتعاون الإسلامي – كما لا ننسى البيان العام للمؤتمر... وتوصية لجنة الدعوة الإسلامية المنبثقة عنه، وكذا توصية لجنة القضايا الإسلامية. وتدشين مقر الأمانة العامة للرابطة، والبرقية المرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، من علماء المغرب والسينغال، ثم إلى فخامة السيد عبدو ضيوف، رئيس الجمهورية السنيغالية المسلمة، وبعد ذلك إلى فخامة الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطابع، رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية. كما علينا أن لا ننسى البرقية المرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، بمناسبة انعقاد الجمع التأسيسي لرابطة علماء المغرب والسنيغال للصداقة والتعاون الإسلامي... ولا خطاب الشكر في فخامة السيد عبدو ضيوف رئيس الجمهورية السينغالية إلى الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكذا الرسالة الجوابية.
وغير خاف أن علاقات المغرب والسنيغال، علاقات متجذرة في الأخوة الصادقة، والعقيدة الإسلامية، وكل هذا العمل الجاد في التقارب الإفريقي العربي، نابع من صلة الوصل التي هي الأصالة الإسلامية في الفكر الحسني، مما مهد ويمهد لانتشار الدعوة الإسلامية في افريقيا، كدولة، التشاد، وغرب افريقيا مثلا، خصوصا وأن هناك كشوفات أثبتت الجذور الإدريسية لأمبراطورية غانا، كما أثبتت الأصول السينغالية للدولة المرابطية. وأما عن الفتح المغربي لبلاد السودان، فحدث عن البحر ولا حرج.
ومعلوم أن المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسنيغال كان قد انعقد ما بين 13 و 15 جمادى الثانية عام 1408 هـ الموافق من 3 إلى 5 فبراير سنة 1988م، بدكار.
                                                   ***
وهناك بصمات قوية للغة العربية، لغة القرآن والعلم والحضارة في إفريقيا، ولا أدل على ذلك من الأسبوع الأول العلمي الإسلامي، لجامعة كوناكري – غينيا، في المدة المتراوحة ما بين 4 و 10 مارس 1988 – ومن حضور المرأة الإفريقية في المؤتمر الإفريقي للأسرة المنعقد بالدارالبيضاء أيام 8-9-10 مارس 1988.
                                                  ***
ولا أدل على الغيرة الإسلامية الحسنية كرئيس للجنة القدس، من الرسالة السامية التي وجهها إلى ملوك ورؤساء وأمراء الدول الإسلامية لعقد اجتماع عاجل بالمغرب على مستوى وزراء الخارجية، وذلك على إثر الأحداث الدامية التي عاشتها الأراضي العربية والقدس الشريف، خلال الشهرين الأول والثاني من الانتفاضة، وما تزال ترن في الآذان أصداء الخطاب الملكي السامي في الاجتماع العاجل للجنة القدس بمنتجع يفرن. وكانت لجنة القدس التي يرأسها صاحب الجلالة، قد طالبت المجتمع الدولي باتخاذ جميع الإجراءات المساندة للشعب الفلسطيني، لاستعادة حقوقه المشروعة. مما جعل ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، يشيد بمبادرة جلالة الملك الحسن الثاني، بالدعوة لعقد اجتماع لجنة القدس. وليست تلك المبادرة الملكية سوى وقفة أخوية صادقة تجاه المجاهدين الفلسطنيين. فالشعب الفلسطيني المجاهد البطل، يوالي مسيرته الثورية النضالية، حتى ينتزع حقوقه الوطنية الثابتة، بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف، بقيادة منظمة التحرير، ممثله الشرعي الوحيد..وهذا مما يدل على أن جلالة الملك الحسن الثاني – أيده الله – هو حامي حمى الوطن والدين، والناطق باسم جميع المسلمين، بالإضافة إلى كونه رائد الشعب الإسلامي، والإصلاح الديني، وإنما هو في ذلك – سدد الله خطاه – يبلور اهتمام المغاربة بالحفاظ على تراثهم الفكري، ويتمم علم الملوك العلويين على نشره، ما دام جلالته يعتبر عن جدارة واستحقاق ملك القيم العليا،والأخلاق الفاضلة، فالاختيار الحسني في معركة الإصلاح، أصبح واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار، إذ هو يسعى لخلق المغرب خلقا جديدا، ناهيك بما له – على سبيل المثال – من أياد بيضاء في ازدهار القراءات القرآنية بالمغرب، وبكونه – بدون منازع – داعية الوحدة الإسلامية.
                                                      ***
وتأتي معلمة مسجد الحسن الثاني بالدارالبيضاء، في أعقاب وضع الحجر الأساسي لبناء "مسجد النور بآزرو".. ويعتبر ذلك المسجد، الأعظم من نوعه في العالم الإسلامي، بعد بيت الله الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، وهو إنجاز حضاري كبير، يغني تراثنا الروحي والثقافي. وقد قرر أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، إشراك رعاياه الأوفياء في بناء هذه المنجزة الدينية، في سبيل إعلاء كلمة الله، وراية الإسلام، وذلك إحياء وترسيخا لسنة حميدة من سنن السلف الصالح تنفيذا لما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتا في الجنة".
ومن المعلوم أن صاحب الجلالة، قدم هبة مالية بناء مسجد الحسن الثاني بالدارالبيضاء، بلغت أربعة ملايين درهم، كما وقع جلالته شيكات أخرى باسم صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد، بمبلغ مليون درهم،و صاحب السمو الملكي مولاي رشيد، بمبلغ 800 ألف درهم، وصاحبات السمو الملكي الأميرات الجليلات للامريم، وللا أسماء، وللا حسناء، بمبلغ 300 ألف درهم لكل واحدة منهن، وللا سكينة 200 ألف درهم.
                                                      ***
وكل مآثر جلالة الملك الحسن الثاني، تزداد إشراقا في إطار البعث الإسلامي على أرفع المستويات. وتلك الرؤية الحسنية الأصولية، نابعة جملة وتفصيلا، من نضال ملوك الدولة العلوية، من أجل التمسك بالكتاب والسنة النبوية..والمذهب المالكي الذي هو المذهب الرسمي للدولة المغربية، منذ عهد الأدراسة، ما يزال هو نفسه، في ظل الدولة العلوية هوة ذلك المذهب العامل على الاستقرار والاستمرار في الداخل،والمصداقية والاحترام في الخارج...
وغني عن البيان أن بيعة الأمة المغربية جمعا، من المولى إدريس الأول، إلى جلالة الملك الحسن الثاني، إنما هي في الحقيقة بيعة عظمة مستمرة، إسلامية موصولة، لخاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، مولانا محمد صلى الله عليه وسلم. وكل إحياء للتراث، بدا في ذلك عودة جامعة القرويين، يعتبر لكل تأكيد وفاعلية تكريسا وضمان للوحدة المغربية أنه شيد بمدينة الجهاد وقلعة الوطنية والفداء...وسيعمل على تقويم الزيغ والانحراف، وبعث الأمل، وإشراق الضمائر، فلا انحلال، ولا زندقة، إلحاد ولا إباحية، ولا فوضوية في السلوك. وكم أصاب كبد الحقيقة الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، حين قال في كلمة المغرب أمام وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بجدة: "جلالة الملك الحسن الثاني أراد أن يكون مسجد الحسن الثاني صخرة تتكسر عليها أمواج التيارات المعادية للإسلام" – وكشهادة على ضخامة هذا الإنجاز الرائع – مثل مئات الشهادات الأخرى، ذكرت صحيفة "الأهرام" المصرية، و "لا فانغوراديا" الأسبانية، أن مسجد الحسن الثاني واحد من الأعمال المعمارية الكبرى في العالم.
                                                   ***
ويأتي مؤتمر القمة التأسيس لدول المغرب العربي الموحد، بمدينة مراكش في رجب 1409هـ، فبراير 1989م، متوجا بالخطاب الملكي في الافتتاح...وتبلورت في أعقاب ذلك، الخطوط العريضة لمعاهدة مراكش.. التي شاهدت ميلاد كتلة متراصة، ومتضافرة الإرادات، جاءت في إثرها الندوة الصحفية الهامة لجلالة الملك الحسن الثاني.
                                                  ***
وعلينا أن لا نغفل عن الدور الرائد لجلالة الملك الحسن الثاني في التسامح الديني، والحوار الإسلامي المسيحي، إذ استقبل بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، يوم الاثنين 19 غشت 1985 الباب يوحنا بولس الثاني، كما استقبله بالقصر الملكي بالدارالبيضاء، في نفس اليوم، وذل بحضور صاحبي السمو الملكي الأميرين سيدي محمد، ومولاي رشيد، ردا على الزيارة التي كان قد قام بها العاهل الكريم إلى حاضرة الفاتيكان، رفقة الجنرال مولاي عبد الحفيظ العلوي، وزير القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، والأستاذ عبد الوهاب بمنصور، مؤرخ المملكة، والشيخ الملكي الناصري رئيس المجلس العلمي للعدوتين، والدكتور عبد الواحد بلقزيز، ويزر الإعلام، الأمير مولاي الحسن بن إدريس العلوي.
                                                     ***
وما فتئ مولانا أمير المؤمنين، يعبر في كل مناسبة عن تشبثه بالقيم الإسلامية، والعمل الدؤوب على صيانة المقدسات, وما بالعهد في قدم، فقد قال في خطاب العرش (3 مارس 1989): -"سنظل بحفظ تراثنا الديني، حامين لحوزة أصالتنا، جادين في صيانة ذخائر هويتنا وشخصيتنا". وبتعليمات سامية من جلالته، ها هو ذا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يقدم ورقة المغرب أمام المؤتمر الرابع لوزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية في العالم الإسلامي المنعقد بجدة، ويؤكد أنه لا بد ممن الوعي الكامل، والدارية الواسعة، للاضطلاع بمسؤولية الدعوة الإسلامية، مضيفا أن المسجد في الإسلام هو الجامعة، وهو المدرسة، وهو منطلق الجيوش، وهوة مكان الشورى، وهو كل شيء..وموجها الدعوة لنظرائه في العالم الإسلامي، لعقد مؤتمرهم الخامس بالمغرب، معربا عن أمله في أن يتمكن وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية من الصلاة في المسجد الحسن الثاني بالدارالبيضاء، أثناء انعقاد مؤتمرهم القادم. وأنعم به منن تكريم تشريف !
                                                        ***
وجاءت الدروس الحسنية الرمضانية، ومعها المسيرة الخضراء التي تذكرها بالمصحف الحسني..وكان الدرس الأول الذي ألقاه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، السيد عبد الكبير العلوي المدغري في موضوع "حرية الفكر"، انطلاقا من الحديث الشريف عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحقر أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس, فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى".
وكان الدرس الثاني قد ألقان فضيلة أبو الوفاء التفتزاني، نائب جامعة القاهرة، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية بمصر في موضوع "التصوف الإسلامي خلق وسلوك". وانطلاقا من قول الله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم).
وكان الدرس الثالث قد ألقاه الأستاذ أحمد لسان الحق، خريج دار الحديث الحسنية في موضوع "المشكلة الاقتصادية" انطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أمل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود، كان يأكل من عمل يده".
وكان الدرس الرابع، قد ألقاه الأستاذ محمد الأكحل شرفاء، أحد علماء الجزائر في موضوع "جمع الكلمة ووحدة الصف" انطلاقا من قول الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا).
وكان الدرس الخامس قد ألقاه الأستاذ عبد السلام جبران المسفيوي، رئيس المجلس العلمي لإقليم مراكش في موضوع: "فضل المنان في حلاوة الإيمان" انطلاقا من الحديث الشريف: "ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلى لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار".
وكان الدرس السادس، قد ألقاه العلامة محمد الحبيب بلخوجة، عضو أكاديمية المملكة المغربية، والأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، في موضوع "بوارق الأمل، وطريق النصر" انطلاقا من قول الله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب).
وكان الدرس السابع قد ألقاه السيد محمد بلوالي، عضو المجلس العلمي الإقليمي لوجدة، وأستاذ الدراسات القرآنية بكلية  الآداب بها حول موضوع"التيسير بين الغلو والتقصير"، في ضوء الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر، وبن يشاد الدين أحد إلا غليه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة". رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب "الدين يسر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم" "أحب الدين إلى الله، الحنيفية السمحة".
وكان الدرس الثامن قد ألقاه الشيخ محمد الشاذلي النيفر، أستاذ كرسي بجامعة الزيتونة، ورئيس رابطة الجمعيات القرآنية بتونس في موضوع "رعاية الأمانة والعهد"، انطلاقا من قول الله عز وجل: (والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون).
وكان الدرس التاسع قد ألفاه الأستاذ خالد عبد الهادي يحيى، أستاذ الدين والتاريخ بجامعة بوسكن بالولايات المتحدة الأمريكية، في موضوع "الهدف من الوجود" انطلاقا من قول الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
وقد تميز هذا الدرس بالكلمة التي ألقاها جلالة الملك في ختامه، حيث قال حفظه الله: "قبل الختم أريد أن أشير إلى ظاهرة لم تكن في الحسبان، ولم تكن في جملة مخططاتنا، وهي أنه خلال شهر رمضان، شهر القرآن والوحي، أراد الله سبحانه وتعالى أن يجتمع هنا أشخاص من قارات مختلفة كما أراد الله سبحانه وتعالى، أن نسمع في يوم واحد، مقرئا محترما جيدا طيبا من الاتحاد السوفياتي، وأن ننصت إلى محاضر شاب غيور كله حماس، من الولايات المتحدة. وأظن أن هذا الحضور المشترك، سيجعلنا نعطي للديانة الإسلامية وللدين الحنيف، ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، تعريفا آخر وهو أن الإسلام أصبح مدرسة سلوك سياسي، لا أقول تعايشا، لأن التعايش فيه شيء من الإرغام، وفيه شيء من المضض. فالإنسان يتعايش، لأنه لا يمكنه أن يفعل شيئا آخر، أقول: إن الإسلام مدرسة التعامل والتساكن السياسي. كثر الله من أمثالكم، وكثر الله من هذه الفرص والسلام عليكم".
وكان الدرس العاشر، قد ألقاه الأستاذ حسن بن الصديق، عضو المجلس العلمي الإقليمي لطنجة في موضوع "الدين بين الاتباع والابتداع" انطلاقا من حديث رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
والجدير بالذكر، أن مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، كان قد وجه قبل بداية الدرس الحادي عشر، من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية التي تلقى بين يدي دلالته بالقصر الملكي بالرباط، كلمة سامية، من أجل وضع حد للأحداث المؤلمة بين الإخوة الموريتانيين والسنيغاليين، وقال على الخصوص: "المطلوب احترام حرمة شهر رمضان، حتى تنزل الحمى، وتتغلب الحكمة على الاندفاع والأهواء". – وقد ألقى هذا الدرس الأستاذ محمود جوب الأمين العام لرابطة علماء المغرب والسينغال" في موضوع: "البعد الديني للتنمية"، انطلاقات من قول الله عز وجل في سورة التوبة" (وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) الآية...
                                                     ***
ومعلوم أن جلالة الملك الحسن الثاني، الرئيس الحالي لاتحاد المغرب العربي، أوفد بعثة للمصالحة لدى الرئيسين السينغالي والموريتاني، لتطويق النزاع بين البلدين..وقد عبر الرئيسان عبدو ضيوف، ومعاوية ولد سيدي أحمد الطايع عن مشاعر عرفانهما لجلالة الملك الحسن الثاني، وتلقيا المسعى الملكي بثقة وتفاؤل..وقد وصلت بالفعل، المساعدات العاجلة المغربية إلى كل من دكار ونواكشوط..وهذا الموقف الحسني الحكيم، من قول الله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما).
وأما الدرس الذي ألقاه الدكتور إرديس خليل، أستاذ جامعي، وعضو أكاديمية المملكة المغربية، فقد عالج موضوع "عظمة الكون في القرآن الكريم" انطلاقا من قول الله تعالى" (فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم).
وكان الدرس الذي ألقاه الأستاذ عباس الجراري، عضو أكاديمية المملكة، في موضوع شرعية الإمامة في المغرب منذ اثني عشر قرنا، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة الناس: (يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم.)
وكان الدرس الذي ألقاه الأستاذ إبراهيم عبد الله رفيد، أستاذ بكلية التربية بجامعة الفاتح بليبيا، في موضوع: "وحدة الدين وأركان الإسلام، انطلاقا من قول الله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى ه به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين، ولا تتفرقوا فيه).
وانطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصم رمضان".
وقد امتازت الدروس الحسنية الرمضانية لهذه السنة برئاسة الشكر والامتنان التي وجهها علماء المسلمين إلى جلالة الملك الحسن الثاني، والتي تلاه أحد العلماء من دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي إشادة إسلامية بالمواقف البطولية والمبادرات السامية لمولانا أمير المؤمنين، من أجل خدمة قضايا الإسلام والمسلمين.وهذا الإجماع لا يحظى به إلا ممن فاز بالعناية الإلهية !
وكان الرد الملكي السامي كما يلي: "استمعنا إلى الرسالة التي قرأها أمامنا الأستاذ الذي أتى من بلاد الشرق، ليرد تلك الزيارات التي قام بها علماء الغرب، دائما إلى الشرق وبالأخص من ذلك وهذا يتصل بذلك..فليس في الإمكان أن نعتبر عن مدى تأثرنا لما سمعناه. وقد يتساءل الناس لماذا نحيي هذه الدروس؟ فيقول أولا: لأنه هذا تقليد سرنا عليه منذ قرون، وثانيا أذكر أنني في طور مراهقي، عندما كنب بالمدرسة، سواء في السلك الإبتدائي أو الثانوي أو في الجامعة، قال لي أستاذي في الدين والفقه والتوحيد رحمه الله – لأنه كانت عندنا دروس في الفقه والتوحيد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم – ولا زلت أذكر هذا الحديث منذ نعومة أظفاري -: "أفضلكم، الذين إذا رأووا ذكر الله" فمنذ ذلك الحين، كانت جاذبية تقوى على جاذبيات أخرى، لا الشغل، ولا الشباب، ولا المسؤولية، ولا حتى على الراحة التي هي من الواجبات علينا "إن لنسك عليك حقا"، كل هذا لا يسمع لا كلامه، ولا رغبته، ولا هاجسه، لما في مجلسنا هذا أمام العلماء، وأما أهل الدين، ما يفتح الفكر، وينور الذاكرة، ويزيد الإنسان علما على علم، علما منا أن العلم لا ساحل له، وأن الله سبحانه وتعالى هو الخبير العليم...وقبل أن أختم كلمتي أذرك آية قرآنية، وحديثا في الصحيحين، ولا يمكن أن نذكر تلك الآية دون أن يذكر ذلك الحديث : يقول الله سبحانه وتعالى: (إن الدين الله الإسلام). ويقول الحديث النبوي: "من يرد اله به خيرا يفقه في الدين". فالتفقيه في الدين، هو التفقيه في علم الإسلام، وعلم التعامل بالإسلام، لا في المعتقدات فقط، بل كذلك في المعاملات، و النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الدين المعاملة" وفي السلوك والتساكن والمعاشرة..فأملي أن يبلغنا الله جميعا الدعوات التي قرئت باسمكم، وأن تكون هذه الدعوات شاملة لنا جميعا، ولمن يستمع إلينا، ويرانا، راجين من الله سبحانه وتعالى أن يؤيدنا جميعا، إيمانا برسالتنا التعميرية الحضارية المقدسة، لأنها تقوم قبل كل شيء على كتاب الله الذي بدأ ب (اقرأ باسم ربك الذي خلق)..فشكرا لكم على كلمتكم. وأنا أعتبر أنك تكلمت باسم العلماء غير المغاربة، وباسم العلماء المغاربة كذلك. جزاكم الله خيرا. وأرى أن لفظ شكر، يجب أن نمحوه منم قواميسنا، ولكن أفضل شيء أنه كلما وجد واحد منكم ساعة أو دقيقة، فليدع لنا الله سبحانه وتعالى بالتوفيق والهداية، وحسن الخاتمة. اللهم آمين يا رب العالمين !
                                                      ***
وعلينا أن لا ننسى الحفل الديني الذي ترأسه جلالة الملك الحسن الثاني بضريح محمد الخامس بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لفقيد العروبة والإسلام، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، نظرا ما أسداه من خدمات جلى للعروبة والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. ولذلك يحيى المغاربة في داخل البلاد وخارجها. هذه الذكرى الجليلة في جو من الخشوع والضراعة والابتهال، وقراءة القرآن، والدعوات الصالحة. فالهالة النورانية التي تعطى لذكرى عاشر رمضان، إنما تنبع من التقدير الذي لا تحده حدود، ممن الرعية نحو الراعي. وما هذا الشبل إلا من ذلك الأسد...وما هذا الفرع إلا من تلك الدوحة العلوية الباسقة. والنور ممتد ووهاج من تلكم الشمس الساطعة، إلى أن يرث الله الأرض ومنم عليها وهو خير الوارثين, والنعمة الكبرى تستأهل كامل الحمد والعرفان، والشكر والامتنان.
                                                      ***
وعلى نهج مولانا محمد الخامس – قدس الله روحه – كان الاعتناء بالمساجد، وإنشائها في الداخل، وفي الخارج، بالأقطار الإفريقية خاص، والعالم الإسلامي عامة.ومن تلك الروح نبعث رعاية أضرحة الأولياء والصالحين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر منهم مولاي إدريس الفاتح الأكبر دفين مدينة زرهون، ومولاي إدريس الأزهر، مؤسس مدينة فاس، والقطب الرباني مولاي عبد السلام بن مشيش، وسيدي أحمد التيجاني، ومولاي على الشريف...فأولئك وإخوانهم هم الذين لا يشقى بهم جليسهم، ويكفيهم شرفا أنهم إذا ذكروا، ذكر الله ! ويقوم مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك الحسن الثاني – أيده الله ونصره – برئاسة الحفل الديني الكبير، إحياء لليلة القدر المباركة، حيث دشن مسجد للا سكينة بحي الرياض بالرباط...ويعتبر هذا المسجد العظيم، والرائع في موقعه وهندسته المعمارية الرفيعة، معلمة أخرى من معالم العهد الحسني الزاهد. فقد شيده مولانا الإمام، من ماله الخاص، ابتغاء مرضاة الله، داعيا العلي الأعلى أن يضع الهداية في قلب جميع المغاربة كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، حتى يبقوا دائما من الذين يظلهم الله تحت ظله، يوم لا ظل إلا ظله، بدءا بالإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل تعلق قلبه بالمساجد, ولن يخيب أبدا قوم تخلقوا بأخلاق الله، واقتدوا بسنة رسوله عليه أزكى الصلاة وأطيب التسليم.
                                                      ***
إن جلالة الملك مولانا الحسن الثاني قد ظهرت أصالته الإسلامية في مئات المواقف المشرفة، وتجلت من جديد في تهنئته لقادة الدول الإسلامية الذين خاطبهم بقوله: "نشاطركم ما يغمرنا من مشاعر الارتياح والانشراح، لما حققته أمتنا العربية والإسلامية في بحر هذه السنة من وعي بواقعها، وحرص على بناء مستقبلها، وشعورها بأهمية توحيد الكلمة وجمع الشمل". وتتبلور تلك الأصالة كذلك، بعد إحياء ليلة القدر المباركة بمسجد القصر الملكي بالرباط، في هذه الكلمة الملكية السامية: "بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على مولانا محمد وعلى آله وصبحه وسلم. اللهم يا ربي، إن رسولك صلى الله عليه وسلم، كما قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه" اللهم إنك تعلم أن شعبك المسلم الساكن في رحاب هذا المعمور، قد ارتكب إما فردا أو جماعة، وإما شخصيا أو سياسيا أغلاطا وذنوبا. اللهم اغفر لنا غلطاتنا، وكفر عنا سيئاتنا، وأقم ما اعوج منا، واغفر لنا سياسيا وجماعيا، لأن مما لا شك فيه، أن أمتك المسلمة العربية قد أذنبت لديك يا رب، ولهذا تعاقبنا. ولكن رحمتك سبقت غضبك, اللهم يا رب عجل بالفتح للعرب والمسلمين في قضية فلسطين، وفي مشكلة لبنان التي يتصارع فيها العرب بينهم، والمسلمون بينهم, اللهم يا رب خذ بيد الاعتبار صيامنا واعتكافنا، وتجاوز عن سيئاتها، إنك أنت التواب الرحيم. والسلام عليكم ورحمة الله". وتتجلى تلد الأصالة الإسلامية أيضا فيما قاله جلالته، قبيل انطلاقة حملة الاكتتاب من أجل بناء مسجد الحسن الثاني بالدارالبيضاء: "علينا أن نعلم دائما أنه حينما تشتد الأزمات، وتظلم جميع النواحي والجهات، لا نجد عونا، ولا نجد راحة واطمئنانا إلى في الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوسل إليه".
                                                    ***
وارتبط الحاضر بالماضين ابتداء من رحلة طنجة التاريخية في 9 أبريل 1947، حيث أعلن جلالة المغفور له مولانا محمد الخامس، على رؤوس الملأ بأن المغرب جزء لا يتجزأ من الأسرة العربية والإسلامية الكبرى..وتكررت مبادرات جلالة المملك الحسن الثاني، من أجل توحيد الصفوف المغاربية والعربية والإسلامية، وتوالت اللقاءات على أرض التضامن والوحدة والوفاء. وفي كل مرة يتزايد التعلق بالعرش المجيد، وبالملكية الدستورية. وتكميلا لمؤتمرات القمة العربية السابقة، منذ مؤتمر القاهرة سنة 1964، وإلى القمة الاستثنائية بالجزائر سنة 1988، ها هي في القمة العربية الطارئة قد انعقدت بالدارالبيضاء أيام 23-24-25-26 ماي 1989 لتؤكد مرة أخرى التضامن والوحدة على أرض التآخي واللقاءات العربية الحاسمة، فليست نتائجها الإيجابية سوى تكريس للأصالة الإسلامية في الفكر الحسني.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here