islamaumaroc

جلالة الملك الحسن الثاني بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر.

  إدريس العلوي العبدلاوي

275 العدد

تتجدد أيامنا وتستعيد شبابها وفتوتها كلما هل علينا عيد الشاب المجيد، فيتجدد معها الماضي السعيد بكل مفاخره وأمجاده، وهو يتردد على الشفاه في المتلقيات والمنتديات، وتتجدد أصالتنا الخالدة فيما يجد من عمران وثقافة وفن، وفيما يتوطد من علائق وروابط بداخل بلادنا أو بخارجها، بالأفراد أو بالجماعات إنسانية كانت أم اجتماعية أصلها ثابت وفرعها في السماء. كلما هل علينا عيد الشباب المجيد تحددت آمال الغد الباسم وارتسمت من جديد خضراء يانعة، تفوح فتوة وأصالة، تعطر الآفاق، وتحمل في ثناياها عطر الخير والنماء والعطاء.
في مثل هذا العيد تحققت مشاريع ومشاريع وأصبحت أكاليل يزهو بها مجدنا الشامخ.
في مثل هذا العيد سطرت الأقلام بمداد الفخار والصدف أنبل المواقف وأروع البطولات التي سهدها مغرب الشباب، مغرب الأصالة والتجديد، مغرب الديمقراطية والوطنية الحق.
في مثل هذا العيد السعيد، وفي مثل هذا اليوم المشهود من تاريخ المغاربة نقف جميعا وقفة وفاء وولاء، وقفة إجلال وإكبار للأدوار والمهام الجسيمة التي اضطلع، وما فتئ يضطلع بها جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على مستويات عديدة تتمثل فيها العبقرية الفذة التي أوتيها جلالته والتي هي في الواقع، نتاج كفاح متواصل وثقافة عميقة، وذكاء متوقد، وجهاد مستمر، وصبر دؤوب على مواجهة المحن والملمات بإيمان كبير، وثقة في الله، وتمسك عميق بالمسؤولية وواجبات الأمانة وحقوق الرسالة.
ذلك أنه عندما تبدو بشائر طلائع الذكرى تلوح تقتضي بوادرها المشرقة من الفكر الوطني أن يغوص في أعماق التاريخ المغربي سابرا أغواره، مكتشفا أسراره ودرره، وأن يتجول بالخصوص في أطوار تاريخ العرش العلوي المجيد منذ النشأة ومرورا بكل المعارك والمواقف والأحداث والوقائع التي عاشها المغرب في ظلال هذا العرش المكافح الذي ليس كالعروش لأنه ينفرد بالعبقرية المبدعة وبالنضالية المثالية، وبالاستمرارية في الجهاد المقدس من أجل بناء أمجاد الشخصية المغربية.
ولأنه ميثاق ديني وروحي وعقائدي، ولأنه قائم على رباط البيعة والولاء بين الملك والشعب في علاقة محبة صوفية وروحية، صنعت معارك الاستقلال والتحرر والتشييد والبناء، وصنعت عطاءات الخير والبركات.
ولأنه شعار الاستمرار والقوة والتحدي والصمود، ورمز العمل المتواصل من أجل إقرار العدل والحق وخدمة مصالح الرعية والبلاد.
وإذا ما ذكر الذاكرون اسم هذا العرش العلوي المجيد واسم هذا البلد العريق المتميز بشخصيته الأصيلة وقيمه المثلى، وحضارته الغنية، وتحدياته الحكيمة، ذكروا مرآة الشخصية المغربية المجسد للفكر والسلوك المغربيين، الحريص على استمرار الأصالة المغربية في شتى المناحي جلالة الحسن الثاني المحفوظ بالسبع المثاني، فلقد عمل حفظه الله منذ توليه قيادة هذه الأمة على خدمة الشعب ورعاية حقوق المواطنين صغيرهم وكبيرهم، محافظا على المكاسب القومية معاهدا على بذل أقصى جهده لتحقيق تقدم هذه الأمة ورفائها، وما يفتأ جلالته في كل مناسبة يجدد العهد، ويذكي الطموح، ويوقد العزائم والرغبات، ويحث على ضرورة التماسك والتلاحم من أجل الاستمرار في البناء بناء المغرب الموحد، وكسب الرهان في كل ميدان، والتزم جلالته بالعهد الذي أعطاه، وأفنى الشعب روحه وطاقاته في خدمة المساعي الحميدة التي خطط لها مليكه المفدى، فكان التلاحم بين العرش والشعب صورة من صور الأصالة المغربية تجلت بوضوح في موقفين عظيمين يشهد التاريخ أنهما عديما المثال.
- الصورة الأولى: تتجلى في ثورة الملك والشعب وتحرير البلاد منم الاستعمار ومخالفاته تلك الثورة العظيمة التي جسدت أروع مظاهر الالتحام العميق والوثيق بين العرش العلوي المجيد، والشعب المغربي الوفي لمبادئه السلمية في الدفاع عن كرامة البلاد، ومقدساتها والتي كانت أبرز المعالم التاريخية التي أظهرت للعالم أجمع أكبر تضحية قدمها ملك في سبيل شعبه وحريته، وأنبل صور الإخلاص والوفاء سجلها شعب من أجل الدفاع عن الشرعية وحماية المقدسات والمقومات. حيث أدركت الحركة الوطنية فيها ما يجب أن يكون ضمن مبادئها الأولى ذلك أن اقتران المطالبة باستقلال المغرب بالمطالبة بعودة أبي الوطنية جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، ورفيقه في الكفاح جلالة الملك الحسن الثاني وكل أفراد الأسرة الملكية الشريفة ميزت تاريخ المغرب النضالي من أجل الاستقلال لأنهت أوضحت الأبعاد الحقيقية لذلك الاستقلال الذي ليس بعدا جغرافيا أو سياسيا، وإنما في عمقه تجسيد حي للوجود الأصيل للأمة، وإذا كانت ثورة عشرين غشت 1953 الذي عاش منذ البداية أحداثها وأبعادها ومعاناتها جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وهو آنذاك ولي للعهد بجانب والده محمد الخامس رحمه الله "قد شكلت بداية النهاية للتواجد الاستعماري بالبلاد، فإنه من الثابت أن مظاهر التنسيق الكامل بين العرش والحركة الوطنية التي تبلورت عبر مناهضة الظهير البربري في بداية الثلاثينات ثم من خلال تقديم وثيقة الاستقلال سنة 1944، وعبر الزيارة التاريخية لجلالة المغفور له محمد الخامس إلى طنجة سنة 1944، وقيام ولي العهد آنذاك جلالة الحسن الثاني بزيارة تطوان التي كانت بمثابة التأكيد على وحدة البلاد بالاستناد إلى ما كانت تعرفه من تقسيمات لمراكز النفوذ الاستعماري".
وكان جلالة الحسن الثاني أبرز ثمرة لكفاح والده جلالة محمد الخامس رحمه الله رعاها منذ الطفولة فأحسن رعايتها, وبعد أن أنهى دراسته في القانون سنة 1952 واكتمل نضجه الفكري بفضل سهر والده رحمه الله الذي دربه على قواعد الملك، وآداب الحكم في خضك صراعه ضد الاستعمار، فأصبح الأمير الفتى بذلك مؤهلا لخلافة والده بإجماع الأمة المغربية التي التمست هيأتها الوطنية من جلالة محمد الخامس تنصيبه وليا للعهد فتم ذلك في حفل رسمي بالمشور الملكي بالرباط يوم 9 يوليوز 1957 حيث تسلم الأمير العالم ظهير توليه وسام الاستقلال فابتهجت الأمة بذلك".
وفي خضم المعركة الحاسمة لمناهضة الاستعمار وإحباط مزاعمه كان ولي العهد غضون ذلك كله يرتب ويخطط ويربط الصلات، ويجس النبض هنا وهناك ويرسم مع والده الهمام الوجهات المختلفة لمواجهة كل الاحتمالات، وحين بدأت سلسلة المظاهر الاحتجاجية بالمغرب التي جرت فرنسا إلى القيام بحركة إبادية قتلت فيها الأبرياء وسجنت الزعماء وأوقفت الصحف الوطنية وأقدمت على خلع رمز الأمة المؤتمن على سيادتها عن العرش وقاداه على المنفى مع ولي عهده وباقي الأمراء والأسرة المالكة، ظل ولي العهد طوال المنفى أمين سر والده، وعضده الأيمن، وخبيره المحنك في حين انطلقت الشرارة الأولى لثورة عارمة استفحل فيها الفداء وانبرى الشعب الوفي للعرش بكامله يطالب في مظاهرات صاخبة وحملات دائبة برجوع جلالة الملك وولي عهده، إلى أن عاد الملك الظافر إلى الرباط حاملا وثيقة الاستقلال في خضم من الأفراح كللت ثورة الملك والشعب.
                                                    ***
واستعاد المغرب استقلاله بفضل تلاحم العرش والشعب ووضعت الترتيبات الأولى لأسس الإدارة الاستقلالية، فكان ولي العهد الهمام المخطط والمدبر والخبير الذي أشرف على تنظيم الجيش المغربي الذي جعل منه قوة وطيدة في طليعة قوات العالم الثالث، وتولى ولي العهد نفسه رئاسة أركان حربها العامة في حياة والده الذي كان قائدها الأعلى.
                                                   ***
وأبى صاحب الجلالة المرحوم محمد الخامس إلا أن يلقي بأعباء السلطة التنفيذية لوارث سره وولي عهده فعينه رئيسا للحكومة، ولما نتقل جلالة محمد الخامس إلى جوار ربه راضيا مرضيا، وتقلد الأمانة من بعده جلالة الحسن الثاني الذي أجمعت الأمة على توليته عرش المغرب فنهض بأعباء المسؤولية مستهدفا ما بدأه والده الكريم لتقوية مركز المغرب الدولي وإحلاله المقام الأمثل والمكانة اللائقة بأمجاده بين الأمم والشعوب، وما كان ذلك ليتم إلا بالانكباب على تجديد صرح الدولة ودعم مقوماتها بكفاءة نادرة، وعزيمة وثابة.
مولاي للشعب أنت القصد من أزل        أنت المنة وبك الأمجاد تكتمل
حققت للشعب ما يرقى به وبــدا           في عزة لم تنل من حظها دول
ما مثلكم في الجهاد اليوم من أحد         فالله يلهمكم والنصر يكتــمل
                                                      ***
"لا يستطيع أحد أن ينكر أن الفترة التي اعتلى فيها جلالة الحسن الثاني عرش المغرب تعتبر من أدق الفترات في حياة العالم عموما وحياة المغرب خصوصا، فقد صادف منذ تتويجه فترة زاخرة بالأحداث مليئة بالتعقيدات في الداخل والخارج، والفترات التي تكون من هذا النوع غير العادي هي التي تضع على محك الاختبار شخصية الحاكمين وهي التي تكشف الستار عن مدى أهليتهم وقدرتهم على الاضطلاع بالمهام الثقيلة التي ألقيت أعباؤها على كواهلهم، وهي التي تبين إلى أي حد يمكنهم أن يتمكنوا من ضبط أنفسهم وهم في غمرة الزوابع والأعاصير ونحمد الله على أن الحسن الثاني قد اجتاز هذا الامتحان العسير بأكبر حظ من النجاح والتقدير، وسيشهد التاريخ أن نجاحه لم يكن وليد الصدفة العمياء، ولا وليد البحث الغامض، ولكنه مع توفيق الله وإعانته وليد خصال بارزة، واستعدادات ممتازة، وتربية مثالية تعاورت كلها على إبراز شخصية وفرها على الظروف".
                                                    ***
"وهكذا وحينما تولى جلالة الملك قيادة البلاد كانت أمامه إلى جانب المسؤولية التي يتحملها بصفة ملك البلاد هذه الوصية التي تركها له جلالة والده في الرسالة التي وجهها إلى الشعب بمناسبة تنصيب صاحب السمو الملكي مولاي الحسن وليا للعهد في 9 يوليوز 1957 ويقول فيها: "يا بني: أوصيك بالمغرب بلدك الكريم، ووطنك العظيم مستقر الجد والوالد، ومستودع الطارف والتالد...فحافظ على استقلاله، ودافع عن وحدته الجغرافية والتاريخية ولا تتساهل في شيء من حريته، ولا تتنازل عن قلامة ظفر من تربته، وإياك أن تقبل المساومة عن أمنه وسلامة سكانه وإذا داهمته الأخطار أو تهددته الأعداء فكن أول المدافعين وسر في طليعة المناضلين".
هذه الوصية كانت تجسيدا للمسوؤلية، وتكريسا للعمل الذي أخذ جلالة الملك الحسن الثاني على نفسه أن يقوم به بعد أن تولى العرش، وكانت شعلة تنير له الطريق في الجهاد الأكبر الذي يخوضه بجهاد بناء الاستقلال، وقد تحمل جلالته مسؤولياته بعهد منه إلى شعبه في أول خطاب له بعد أن ولي العرش قال فيه: "وإني أعاهد الله وأعاهدكم على أن أضطلع بمسؤولياتي وأؤدي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة مقتضيات مصلحة الوطن العليا، كما أعاهد الله وأعاهدكم على أن أدافع عن حوزة الوطن، واستقلاله وسيادته وأحرص على وحجته وإعلاء شأنه بين الدول".
                                                    ***
وفعلا واصل جلالة الملك الحسن الثاني بعد وفاة والده رحمه الله مسيرة النضال والكفاح والجهاد الأكبر، بعزم صادق وإرادة صلبة لتحقيق لأهداف العليا للبلاد، أهمها تخليص المغرب من التبعية الفكرية للاستعمار،ومن المرض والفقر والجهل دون إغفال للرسالة الكبرى التي حمله إياها والده رحمه الله وهي تحرير الأجزاء المغتصبة من البلاد فكان في مساعيه السامية مثالا للتؤدة والرشد.
ووفاء لوصية والده الخالدة، وبالعهد الذي التزم به من جلالته حفظه الله أن يدافع عن وحدته الترابية والتاريخية وأن لا يتنازل عن قلامة ظفر من تربته، وأن يدافع عن حوزة الوطن، واستقلاله وسيادته، ويحرض على وحدته، استمر جلالته مفكرا ومدبرا ومخططا لاسترجاع صحرائه لكن بوسيلة سلمية بعيدا عن الحرب والتخريب والدمار وإراقة الدماء.
وبفضل ما أوتيه من حكمة، وما وهبه الله من موهبة خارقة وعبقرية مدهشة، تفتقت هذه العبقرية عن الحدث العظيم، حدث المسيرة الخضراء – وهذه الصورة الثانية – التي يحدثنا التاريخ من خلال إطارها عن عبقرية جلالة الحسن الثاني التي وجهت قدرتها إلى تحسيس المواطن بقوة إيمانه، وبما يمكن أن ينفجر من هذا الإيمان القوي من أصالات تحقق الهدف وتصل إلى الغايات. وتشارف المقاصد والمرامي مهما يدت مستحيلة.
حققت آمال البلاد جميعـــها              بمسيرة التوحيد والقـــرآن
ودعوت شعبك للجهاد فسارعوا         بنفوسهم لبوك والأبـــدان
لولاك مع اكتحلت هناك عيوننا          عزا يدوم على مدى الأزمان
إنها ملحمة لفتت الأنظار إليها من كل جهة، واسترعت الانتباه إلى حجمها الروحي والمعنوي والمادي من كل بقعة في العالم، وذلك لأنها لم تكن ملحمة أساسها القوة والغلبة ولم يكن هدفها تحقيق مطمع من المطامع التي هيمنت على السياسة والاستراتيجية الدولية المعاصرة ولم تكن – أخيرا –ملحمة بدون مبادئ ولا قيم وأصالة تتعلق بماضي أمة وتاريخ شعب تلاحما بعرشهما أقوى تلاحك وأوثقه.
ومن المسلم به أن انتفاضة الشعب المغربي والعرش العلوي سواء من خلال عشرين غشت أو من خلال المسيرة الخضراء معجزة القرن، قد حققت الكثير ليس للمغرب فحسب بل للعديد من الشعوب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار والتي استفادت من تجربة الشعب المغربي التي تكاملت لتصبح فلسفة بسيطة في مفهومها وعظيمة في مراميها تفشت في وعي الإنسان كتراث أصيل قبل أن تدون في سجلات التاريخ.
إن التاريخ المغربي حافل بالأمجاد والانتصارات المتعاقبة على جميع الأصعدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بفضل الالتحام الوثيق بين القمة والقاعدة، فبهذا العهد الموصول بين العرش والشعب استطاع المغرب كما قال جلالة الملك" "تذليل المشاكل، وبه استرجعنا السيادة المغصوبة، واستعدنا الكرامة المسلوبة، وبه نعيد يناء صرح الوطن لبنة فوق أخرى، وبه نتسلح لدرء المخاطر، وتوقي المكاره، وبه نتزود لقطع ما ينتظرنا من مراحل وأشواط".
وبفضل الثقة المتبادلة بين الملك ورعيته وتجاوبهما المطلق وعملهما المشترك المنسجم المتجانس أمكن تحقيق المعجزات وتذليل الصعاب والسير بالمملكة إلى ساحل النجاة.
وحين نستقرئ تاريخ العهد الحسني الزاهر من عمر جلالة الملك الحسن الثاني أطال الله بقاءه وأدام عزه ونصره نجد أن المسؤوليات التي تحملها في خضم جهاده الأكبر لبناء الاستقلال وبناء المغرب الجديد: "مسؤوليات ضخمة ما تفرضه الحياة الجديدة من تطور ورقي، وضخامة التحدي للمشاكل المستعصية التي تواجهها البلاد، مسؤولياتها أعظم من ممكناتها، وحاجاتها أكبر ممن وسائلها المادية والتقنية والبشرية".
                                                      ***
فإذا ما ذكرت هذه الذكرى الغالية اقترن بها ذكر معاني الخير والبر والإحسان، وتسارع إلى الأذهان الإنجازات العظيمة سواء منها التي تحقق أو التي ما تزال في الطريق إنجازات المعابد الدينية، والمعاهد العلمية، والمراكز التقنية، وتخطيطات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارات الفلاحية والسياحية، وتصميمات التقدم والرخاء والرفاهية، وتشريعات المصالح العمومية وتحركات السهر على الحدود الوطنية والمعالم الإسلامية وتشييد المجالس والجامعات والكليات والمستشفيات وتعبيد الطرق والمطارات، وإقامة السدود والتنقيب عن المعادن والثروات الباطنية، كذلك نعم المغرب في ظل الملكية الدستورية بتجربة ديمقراطية رائدة، وتعددية حزبية لا مثيل لها في دول العالم الثالث.
وبفضل الثقة المتبادلة بين الملك ورعيته، وتجاوبهما المطلق، وعملهما المشترك المنسجم المتجانس أمكن تحقيق المعجزات، وتذليل الصعاب والسير بالمملكة إلى ساحل النجاة.
                                                   ***
إنه العاهل الكريم الذي يعطي من وقته الكثير للسهر على مصالح أمته، ونحن نرى ونلمس ثمرة جهاده، فهو دائما يحث ويدعو إلى حفز الهمم للعمل المجدي والتمسك بحبل الله المتين، فالشباب عمدة الأمة وعدتها وهو حفظه الله يعرف ويدرك ما للشباب من دور خطير لي كل أمر، فكل من يريد لبلاده التقدم يتحتم عليه الاهتمام بالشباب وإعداد الشباب، والاعتماد على الشباب، لهذا نراه نصره الله "منذ نعومة أظفاره وهو يهتم بشؤون الشباب، ويخطب فيهم ويوجههم في كل مناسبة، ونذكر من بين المناسبات وهو ما زال في عنفوان شبابه وفي مرحلة صباه أن النجابة والذكاء كانت تبدو عليه تارة من لمحاته المشرقة، وتارة أخرى مما يصدر عنه من أقوال وأعمال يندهش أمامها المفكرون، إن هي إلا الفطرة السليمة التي قد تطبع الإنسان وراثيا أو يؤتاها تلقائيا وعن موهبة، فهذا خطابه – بجامعة القرويين – يوم حل ركاب المغفور له محمد الخامس – بفاس أثناء رحلته – طيب الله ثراه إلى موطن أجداده المنعمين في 20 ربيع الثاني عام 1360 هـ 1941م، بعد هذا التاريخ بخمسة عشر يوما زار فيها الملك المقدس مدارس فاس، وكتاتيبها ومستشفياتها وملاجئها، وفي مقدمتها جامعة القرويين ساعة الدراسة حيث تتبع الحلقات الدراسية واحدة تلو الأخرى وألقيت بتلك المناسبة كلمات وقصائد رائعة – كان من أروعها – خطاب ولي العهد (مولانا الحسن) ونصه: "بسم الله الرحمان الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله، أما بعد، فخير ما يبدأ به الكلام حمد الله الذي يسر لنا أن نجتمع في هذا المسجد العتيق، والمعهد الأنيق الذي طالما انشق منه نور الإيمان، وتبلج بأفقه صبح الإسلام ولاحت من صحوته أشعة الإحسان – معهد القرويين – الذي نرجو من الله الكريم أن يثمر فيه الأعمال حتى ندرك بفضله كل الآمال – معهد القرويين – الذي يرجو سيدنا المنصور بالله أن يكونه للأمة المغربية حوضا تستقى منه المعارف الدينية والمعلومات الدنيوية التي تكون للجميع مبعث السعادة ومصدر العرفان".
وكخطابه أيضا في 17 يونيه 1943 بمناسبة تدشين المدرسة القرآنية، بزقاق الحجر من فاس الفيحاء". ذلكم الخطاب الرائع الذي احتوت بعض فقرته ما نصه:
"فإقامة هدي القرآن هي السبيل الوحيد لنجاتنا دنيا و أخرى وهي سب فوزنا إن كنا ممن يروم الفوز، وهي وسيلة نجاتنا إن بحثنا حقا عن وسائل النجاة، فلنرجع إذن للجد والعمل، ولنهجر الاتكال والكسل سبيل السلف إلى مناهل العلم – أيها الشباب وقد تيسرت لكم لتحصيله كل الأسباب – احفظوا القرآن وتعلموا العلم لتتدبروه كما أمرنا به الباري جل جلاله: ?أفلا يتدبرون القرآن?.
خطاب يغيض دررا وغررا لا يلبث يبث في النفوس وعيا ويقظة، خاصة الشباب، ومن سيد الشباب.
                                                     ***
ونذكر قوله أيضا حفظه الله وهو يخاطب الشباب سنة 1952 موجها إليهم نداء سياسيا قال فيه: "قد يصعب علينا معشر شباب المغرب الادعاء بأننا جديرون لكل إطراء وثناء، فكل ما نأمله في هذا الطور هو التشجيع والاعتناء وعلى من حنكتهم تجارب الحياة أن يأخذوا بيد شبيبتها على الإمام فبدلوها على أقوم السبل لتسلكها وينبهوها إلى المهاوي لتجنبها، عليهم أن يرشدوا هذا الجيل الجديد إلى رسالة الشباب المقدسة...".
ثم يضف قائلا: "إن المغرب أصدقائي لا يزال ينتظر منكم شتى الجهود، إن المستقبل يتطلب منكم أن لا تركنوا للجمود والركود".
ثم زاد حفظه الله قائلا: "فإذا لم يكن بإمكاننا اليوم أن نزاحم الشعوب الأخرى في ميادين الإنتاج المادي فإنه بإمكاننا أن ندلو بدلونا في ميادين الفكر والثقافة والأدب والفلسفة.
                                                   ***
ونذكر من بين ما نذكر بمزيد الإعجاب والتقدير والتعظيم "يوم قدم جلالته رفقة والده المنعم وحكومته الموقرة إلى مدريد للتفاوض مع إسبانيا من أجل استقلال شمال المغرب ووحدته، فخطب حفظه الله في حفلة التكريم التي أقامها له الطلبة والجالبة المغربية بمدريد وبحضور جماهير غفيرة من المغاربة والإسبان والأجانب، فما أن انتهى الأمير الشاب من خطابه حتى اهتزت القاعة عمن التصفيقات الحارة وكان الحضور قد أخذوا من بلاغة وفصاحة هذا الشاب العظيم والجميع يريد أن يتشرف بمصافحته من الإسبان والأجانب ويهنئون المغاربة ويطمئنونهم على مستقبل المغرب الذي أنجب هذا القائد فزاد ذلك من اعتزازنا وافتخارنا وعشنا أسعد الأيام في حياتنا، وقد تغير نظرة الأجانب نحو المغرب والمغاربة عندما سمعوا ولمسوا بأنفسهم الحقائق التي تبرهم على عظمة المغرب من خلال أميره".
                                                       ***
ويقول جلالته أيضا موجها ورائدا ومصلحا: "إن من حسن حظ شباب هذا الجيل أنه يترعرع في ظل الاستقلال المستعاد، والحرية المستردة والكرامة المسترجعة وأن سبل الانطلاق أمامه ممتدة، وأن آفاق تطوره متسعة وأن مستقبله بالتالي يلوح بشارات البشائر فيتذكر وهو يستفيد من تضحيات السابقين، وينعم بهذا التحرير أن الجيل الماضي نشأ في المحنة، وعارك الأحداث، وعاش في ظلمات العهد البائد وأن كل شيء كان يرشح نخبته لأن تكون ذبح الفداء، وثمن الحرية، لولا عزمها وإيمانا وصبرها ومثابرتها التي طوت بهت تلك الصفحات المظلمة، وأعادت بها شباب هذا الوطن غضا طريا لينعم جيلنا لحصيلة تلك العهود، ويغنم فوائد تلك الجهود".
إن تكوين الحسن الثاني المتين، وعبقريته الفذة قد تفاعلا معا وأعطيا لجيلنا الشاب دستورا وروحيا وضع به أيدينا على حقيقة فترة الشباب، وواجباتها ومشاكلها وحلولها, ففي كل عيد شباب، وفي مناسبات عدة، كان جلالة الملك يخاطب الشباب في شؤونهم ويهتم بمصالحهم، ويفكر في مستقبلهم وحياتهم بمختلف مجالاتها يقول جلالته: إن من الجناية على الشباب بل من الخطر على أمة الأمم أن تبقى مواهب أبنائها مكبوتة لا تقدر على الظهور، وساعدهم عاطلة لا تجد سبيلا إلى العمل".
حقا إن رعاية الشباب مسؤولية وأمانة، فتكوينه ربح واستثمار ورعايته وتعهده بشغله بما ينفع صيانة له من التردي في المهالك والشغب والمهاترات وربما من الانزلاق في متاهات لا تعود عليه ولا على وطنه بخير في أحسن الأحوال.
وقد كان رائد الشباب أعزه الله، وفيا في تعهده لهذا الشباب فبنى له المدارس التي احتضنت وهو في اليفاعة أو دونها، وأسس له المعاهد العليا والمؤسسات الجامعية التي أكملت تثقيفه وتوجيهه وفسح له التشريع مجالات الحرية، فتعددت لديه الجمعيات الثقافية والاجتماعية والرياضية، وأدت هذه الأخيرة دورا كان له مفعوله في ملء فراغ الوقت الثالث لدى شبابنا.
ونشهد جلالته منذ توليته يقوم ببوادر شخصية جريئة ترتبط لمجموع أرائه وفلسفته الحكيمة، فهو يعلن افتتاح حملة التوعية الدينية بالمدارس، ويفتتح عملية الكتاتيب القرآنية ويبادر بتسجيل فلذة كبده صاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد في لائحة روادها، ويجعل من عيد الباب يوم عمل من أجل التنمية الاجتماعية، ويسن الخدمة العسكرية الإجمالية التي قال عنها في إحدى خطبه: إنها مجال "يتلقى خلالها شباب يقدمون من مختلف الآفاق وينالون في مدة من الزمن تكوينا يبث في نفوسهم مبادئ صالحة، ويستفيدون منه عند انتهاء فترة الخدمة العسكرية بما يكستبونه من خبرة ومعرفة".
                                                     ***
كما أعلن جلالته نظام الخدمة المدنية الإجبارية ولم تقف تعليمات جلالة الحسن الثاني ومنجزاته عند هذا الحد، فقد أثار انتباه وزارة التعليم والشبيبة والرياضة إلى ضرورة الاهتمام بالزمان الثالث وأوقات الفراغ لدى الشباب والتلاميذ والطلبة بصفة عامة، وواصل الاهتمام بالرياضة ومهرجاناتها الوطنية والدولية وتشجيع الأبطال المغاربة فيها، ولم يغفل جلالته جانب المرأة المغربية لإيمان جلالته بفعالية دورها ومشاركتها في تكوين الأجيال والرجال وإعدادهم للمستقبل وحملها مسؤولية التوعية، وذلك بتأسيس الاتحاد النسائي المغربي ويلخص العاهل الكريم مراميه من رواء تأسيس هذا الاتحاد في الرسالة الملكية الموجهة إلى عمال أقاليم المملكة المتعلقة بالموضوع فقد جاء فيها على الخصوص: "إننا نؤمن أن المرأة بلغت في بلادنا درجة من الوعي والنضج تؤهلها للقيام بذلك الدور، وتجعلها قادرة على تحمل تلك المسؤوليات، وإن الحقوق التي تتمتع بها لتفرض عليها أن تقوم في الميدان الاجتماعي بواجباتها، وأن تكون شريكة الرجل في الحملة التي تشنها على الجهل والتخلف، وعليها فوق هذا أن تقود حركة التوعية داخل الأسر والبيوت للتعريف بمشاريع الدولة ومخططاتها".
لقد حرص جلالة الملك في كل المناسبات على أن يولي لقضايا الشباب الكثير من الاهتمام، وحرص دائما على أن يرتقي بالشباب المغربي ويكرمه ويفسح المجال لتكون مشاركته فعالة وسبيلا نحز تطوير المجتمع وتحديث مقومات المغرب الجديد، وكانت مبادرات جلالته المتوالية في جهوده المبذولة حفظه الله لصالح الشباب تتوج أخيرا بتلك التدابير السامية التي اتخذها جلالته لإصلاح نظام الامتحانات في التعليم الثانوي، وخلق فكرة الأكاديميات للقيام بهذا الدور الإيجابي كشعار جديد لمرحلة جديدة يلعب فيها الشباب المغربي الدور الريادي، ويستطيع من خلالها مسايرة حركة التطور والانسجام مع خصوصيات الحاضر وضرورات المستقبل.
وكذا انطلاق الخطة الوطنية سنة 1984 التي تستهدف إصلاح التكوين المهني وجعله وسيلة فعالة لدعم خطوات التنمية وتوسيع قاعدة المشاركة الشبابية في الخلق والاندماج في مسلسل النماء حيث إن تكامل مجال التعليم بالتكوين المهني وتلازمهما يعتبر "مظهرا واضحا يؤكد على سلامة الاختيارات المغربية" وعنوان لمنظور يستند على أن مقومات النجاح والاستمرارية والمساهمة الجماعية لبلورة التطلعات وتكريس الطموحات لا تتأتى دون جعل كل القطاعات المنتجة مسايرة لمستلزمات الشباب ومواكبة للركب الحضاري".
إن عيد الشباب إذن عيد التعبئة العامة والعمل المتواصل من أجل بناء المغرب الجديد.
                                                ***
ويسرني وقد أوشكت في هذا المقال على التمام، أن أجعل مسك الختام قول جلالة الملك نصره الله في خطاب عيد الشباب لسنة 1987 "فإن إلى الإمام لفتح آفاق جديدة أمام شبابنا، وإلى الإمام لفتح السبل المجدية التي بعد فتحها لن يبقى أي باب مسدود أمام أي شاب من شبابنا، علينا أن نتسلح ونعمل ونكد لهذه الغاية علما منا أن الله سبحانه وتعالى لن يخيبنا وسيكلل أعمالنا بالنجاح، وسيثيبنا سبحانه وتعالى على ما يعلمه في قلوبنا ونياتنا " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا".
فتحية وهنيئا لرائد الشباب جلالة الحسن الثاني بميلاده الميمون السعيد.
وتحية للشباب المغربي في عيد الشباب المجيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here