islamaumaroc

الحضور المغاربي في الشعر المغربي شباب متجدد

  عبد الجواد السقاط

275 العدد

لعل من بين ما تميز به الشعر المغربي منذ عهوده الأولى إلى اليوم، ارتباطه بأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية، سواء منها ما عرفته الساحة الداخلية المحدودة، أو ما تعاقب من وقائع وأحداث خارج هذه الحدود، إن على مستوى القارة الإفريقية، أو مستوى غيرها من القارات.
وإذا كان هذا الارتباط كما قدما قائما ببعديه. العمودي، الزمني، والأفقي،الجغرافي، فإنه يدل دلالة قاطعة على ما يتمتع به المغاربة من وعي حضاري أصيل، وما ينتظمهم من إحساس غامر بضرورة الوحدة والتكتل، سواء على المستوى العربي، أو الإسلامي، أو الإنساني بوجه عام، وكأن لسان حالهم يردد بيت أمير الشعراء:
كلما أن بالعراق جريح  لمس الشرق جنبه في عمانه (1)
***
ولعل منطقة المغرب العربي الكبير، من أبرز المناطق حضورا في هذا الشعر المغربين إذ أن حضورها فيه تقديم تاريخ هذه المنطقة، خصوصا وأنها عرفت والمغرب علاقات سياسية وحضارية عتيقة وعميقة، كانت ولا تزال تمد بعناصر المنانة والقوة، وتتعهد بدماء التجدد والتطور، تلك التي انتهت بقاداتها إلى المصادقة على إنشاء اتحاد المغرب العربي في عاصمة الموحدين مراكش، في السابع عشر من شهر فبراير من السنة الجارية.
وغير عازب عن ذاكرة التاريخ أن هذه العلاقات التي كانت قائمة بين المغرب الأقصى ومنطقة الشمال الإفريقي عموما، قد توجها ذلكم التبادل الثقافي والفني، وذلكم الاحتكاك العلمي والأدبي الذي كان يتم بين علماء وأدباء المنطقة، نستحضر مها على سبيل المثال في فجر الدولة العلوية الشريفة، العالم المغربي عبد الرحمن الجامعي الفاسي (2) أي "اشتغل في تلمسان بتدريس مادتي النحو والبيان"، (3) والذي "قدم إلى مدينة تونس، وتصدر للتدريس بالجامع الأعظم: جامع الزيتونة، وكان له درس عظيم، ومحفل جسم، ومدحته العلماء، وشكرته الطلبة وأثنوا عليه"، (4) كما سنتحضر الشاعر المغرب محمد بن زاكور الفاسي (5) الذي تتلمذ بالجزائر على نخبة من علمائها، استعرضهم في كتابه "نشر أزاهر البستان فيمن أجازني بالجزائر وتطوان"، (6) واستجازهم مادحا ومنوها، كما تدل على ذلك قصيدته في مفتي الجزائر محمد بن سعيد بن إبراهيم جاء في بدايتها:
قد آن أن ينجز الوعد الذي وعــدا   من لا نرى حازما قد حازه أحـدا
ومن حوى العلم والمجد الصراح معا  ومن روى عن أبيه البر والرشـدا
سمي خير الورى مفتي الجزائر من بحره اغترفت أحبارها مددا (7)
ولا ننسى في مقابل هذا الثناء والمدح، أن نورد ما أثبته صاحب الحلل البهية عن السلطان العلوي المولى رشيد الذي "قصده بعض طبلة الجزائر فامتدحه ببيتين وهما:
فاض البأس فيه والتمس الفقه  خلاصا فلم يجده فماتا
فوصله بألفين وخمسين دينارا". (8)
وإذا كان الاحتكام قد استمر مثمرا مخصبا على توالي الأجيال، فلعله قد بلغ ذروته في العهد الحسني الزاهر الذي نقتصر من بين مكرمات في هذا المضمار على الإشارة إلى استقطاب نخبة من علماء الشمال الإفريقي للمساهمة – إلى جانب يغرهم من علماء المغرب وخارجه – في إحياء الدروس الحسنية الرمضانية من أمثال العالم التونسي الحبيب بلخوجة، والعالم الجزائري محمد الأكحل شرفاء، والعالم الليبي إبراهيم عبد الله رفيدة، بما تتيحه هذه المساهمة من تواصل وتدارس.
وبالعودة إلى الساحة الشعرية بالمغرب، والفضاء التي كانت الأقطار المغاربية تشغله فيها، نستطيع التأكيد على أنه كان فضاء واسعا رحبا، خاصة فيما يتعلق بتجاوب هذا الشعر المغربي مع الأحداث المغاربية الكبرى، ما كان منها سياسيا أو اجتماعيا أو غير ذلك، ليس في فترة محدودة أو ظرف معلوم، وإنما ذلك على امتداد الفترات واتصال الظروف، مما يدفعنا إلى القول بأن هذا الحضور المغاربي في الشعر المغربي ظاهرة لم تدركها الشيخوخة فتضمحل وتموت، ولكنها على العكس من ذلك، تتميز بالشباب المتجدد، والفاعلية المتصلة، في تحد قوي لكل عناصر التنقيص أو الفتور.
ففي العصر الإسماعيلي مثلا كان القطر الجزائري يعيش تحت وطأة الاحتلال الأجنبي لكل قوته وطغيانه، الشيء الذي كان يحز في نفوس المغاربة، ومن بينهم الشاعر أو محمد البوعناني (9) الذي أنشد قصيدة في تهنئة المولى إسماعيل بفتح سبتة مطلعها:
ألا أبشر فهذا الفتح نـور  قد انتظمت بعزكم الأمور (10)
وفيها يتعرض للأزمة السياسية التي كانت تعرفها الجزائر آنذاك، مؤملا أن يتم تخليصها م ربقة هذا الاحتلال الأجنبي على يد السلطان الهمام المولى إسماعيل فيقول:
يا أهل سبتة قد أتـــاكم  بسيف الله سلطــان ونور
إذا ما جا لسبتة في عشي  تناديـــه إذا كان البكور
ووهران تنادي كل يـوم  متى يأتي الإمام لنا يـزور
متى يأتي ويفتحها سريعا  ويلحق أهلها منه البدور (11)
وعندنا تم فتح وهران بالفعل، وذلك عام 1119هـ، أشاد الشعر المغربي بهذا الفتح الذي قوض أركان الشرك بهذه الربوع، ونشر لواء الإسلام فيها، م ذلك قصيدة للشاعر عبد الرحمن الجامعي الفاسي المتقدم مطلعها:
تلت رسل البشائر يوم عبد  علينا سورة الفتح السعيد (12)
وفها يتغنى بهذا الفتح فيقول:
فيا حادي الرسائل مسفرات  بفتح الثغر مستحلي الورود
يحقك إن وردت عليه قبل   مباسمه عن الصب البعيـد
وقل وهران يهنيك اتفكاك   وإنقاذ من الأسر الشديــد
لك البشرى وللإسلام أخرى  بمنعك من يد الكفر العنـيد
تذكر حيث كنت مناخ شرك  فعدت مقام شكر للحمـيد
وكنت مقام تثبت فأضحـى  يقرر فيك توحيد المجــيد
وبدلت النواقس في الزوايـا  بآذان وذكر من مجيــد
جزى جيش الجزائر كل خبر  إله الخلق ذو الملك العتيد (13)
وفي قصيدة له أخرى يستهلها بمقدمة غزلية أولها:
لقد فتكت بالقلب فتك البواتر عيون الظباء الآنسات الجآذر (14)
نجده يعود للتغني بهذا الفتح، معرجا على وصف ربوع الجزائر، والإشادة بجمال طبيعتها فيقول بعد التخلص من مقدمة الغزل:
أيحسن عذل في ظباء عيونــها  ظبي شعرت فتك الأسود الخوادر
تهز قدودا في دعوص كأنهـــا بنود تثنت في جنود الجزائــر
جنود بها الإسلام عز منالــــه على كل جبار عنيد منافـــر
حموا بالصفاح البض من كل عابث حماه فلم يعبث به كف فاجــر
إلى أن يقول:
بلاد برأس الغرب تاج مكلل  وخلخال سوق الشرق غير ضوامر
بدت بمنصات الزمان كأنها  عروس تجلت في أعالي المنابــر
وقد قلدت من بحرها بموشح  وصيغت لها الأمواج خلخال خامر
ولاح بها باب الجزيرة مثلما  تبسم ثغر في وجوه البــــشائر
كأن مجاز البحر معصم غادة  تحلى سوارا واكتسى بجواهـــر
ولله أبراج بشاطئ بحرها   تحاكي النجوم الزهر في عين خازر
كأن لرياض الخضر محدقة بها  ذوائب أصداغ الوجوه النواضــر
غصون وأنهار وتلك لهـذه تحن فتحنو لاستسلام الغرائـز
فتبدوا وقد حاك النسيم برودها نصال رماح في زرود مشاجر (15)
وعندما تطاول أعداء الإسلام على البلاد التونسية في القرن العاشر الهجري، وساءت أحوالها نتيجة لهذا التطاول، ارتفع صوت الشعر المغربي منددا بذلك، في تذمر وغيرة، كما ورد على لسان قاضي الجماعة بفاس ألي الحسن علي بن هارون (16) مخاطبا أحد الأعلام التونسيين (13) كان من جملة من هاجروا إلى فاس هروبا من ويلات ذلك التطاول حيث يقول من موشحة عارض بها موشحة ابن سهل:  
جادك الغيث إذا الغيث انهمر  حضرة الأنس البديع المؤنس
لم يكن إلى كلمح للبصــر  أو بريق لاح لي من تونس
يالها مم فجعة !! زبد الخبر  إنها شقيــقة الأنــدلس
كم خدود في وجوه كالقمر  خدها دمع جرى من نرجس
حالكات غيرت منها الصور  ذل أسد بعد عز الأنفس
أصبحوا أسرى بأيدي من كفر  ملكت أرقامهم بالأفلس
بالترك "بقسـي ووتـــر  أخرجوهم من ظلام حندس (16)
وعندما امتدت بد الاستعمار الفرنسي إلى شمال إفريقيا، بدءا من احتلال الجزائر عام 19.0م، ارتفعت عقيرة الشعراء المغاربة معلنة سخطها على هذا الاحتلال، محاولة بث روح العزيمة والحماس لاستنهاض همم القوم، ودفعهم نحو مقاومة العدو وكسر شكوته. فهذا إدريس الجاي (19) يذكر الشعب الجزائري بماضيه المجيد، ويلهب فيه جذوة العزيمة والصبر فيقلو من قصيدة أنشدها بمناسبة ذكرى الثورة الجزائرية وحرب التحرير على أشدها:
مجدا لأبطال الجزائر إنــهم  ما أنكروا الأصل الذي لا ينكر
ما عق منهم ماجد أمجــاده  ما قال ألق منهم متضـــجر
لم يعرف الخذلان ساحة عزمهم  وأخو العزيمة لا محالـة ينصر
وعد إلاله الصابـرين بنصـره  من كالجزائر في الشدائد يصبر (20)
وهذا علال الفاسي (21) يدعو أبناء الجزائر إلى مقاومة العدو عن طريق التمسك بمقومات العروبة، داعيا إياهم إلة التخلي عن التفرنج الذي قد يدني من العطب إذ يقول من قصيدة:
بني الجزائر هبوا م رقادكـم  ولتستضيئوا بنور أزهر الشهب
دعوا التفرنج دوما في عوائدكم  إن التفرنج قد يدني من العطب
لكل قوم شعار يعرفون به   فإن مضى أصبحوا في منظر شحب
إن التفرنج بحر فاض بينكـم  فلتقطعوه على جسر من النصب
وابغوا التمدين من أبواه شغفا  لا تحسبوا نيله بالقول والصخب
إن التمدين بين جل ساكنــه  عموده الدين والأخلاق كالطنب (22)
وهذا محمد الحلوي (23) يستنكر بدوره احتلال فرنسا للجزائر، بل اعتقاد فرنسا أن الجزائر جزء من ترابها، معربا عن هذا الاستنكار في قصيدة تطبعها الشدة والقوة حيث يقول منها:
زعموا أرضك الجزائر ملكا  لفرنسا تسلمته اغتناما
وتناسوا حضارة العرب الأمـ  ـجاد فيها والضاد والإسلاما
زعموا أهلها رعايا وشاؤوا  أن يسرقوا أبائـها أغنامــا
فإذا بالأحرار يمتشقون السـ  يف نارا ويكشفون اللــثاما
ويشبونها جحيما على البــا  غي ليلقي من قبضيته الزماما
يتقاوى من الهزائم والخز  ي ويرجو أن يثبت الأقداما (24)
وكما تجاوب الشعر المغربي الحديث مع احتلال الجزائر، وغيرها من مناطق المغرب العربي، فقد اهتز للزيارات التي كان قادة المغرب العربي يتبادلونها فيما بينهم دعما لأواصر الوحدة والتآخي، وتعضيدا لروابط التكتل والتضامن.
وهكذا تغنى الشعراء المغاربة بالرحلة الملكية التي قام بها جلالة الحسن الثاني أيده الله إلى الشقيقة تونس، واتخذوها فرصة للإشادة بروعة هذه الديار، وجمال طبيعتها، ونيل مواطنيها، على غار ما نقرأ من قصيدة للشاعر إدريس الجاي نظمها في أعقاب هذه الرحلة:
حييت يا تونس الفيحاء من بلد  الحسن مرتعه والفـن مرعـاه
إن لقبوك بخضراء فقد صدقوا  أو لقبوك بـفردوس فمغــناه
جلباب زيتونك الليمون زركشه  ياما أحيــلاه جلبابا وأبهــاه
والنخل مياس، أنام تهدهده  من شاطئ البحر كاد النوم يغشاه
حتى استفاق فحيى ركب سيدنا  وكان يرقب نورا من مــحياه (25)
أو على غرار ما نقرأ من أخرى للشاعر محمد العملي (26) بالمناسبة ذاتها:
قد اسقبلوك بكـل حنــان  وملؤهم البشر والجـدل
وهم رحبوا بك، بل رحبوا  بنا، بالإخاء وما يشـمل
وتونس صارت فراديس خلد  يروق بها السهل والجبل
وولدانـها كاليواقــيت قد   أتت وهي من شعبها قبل
 وبنزرت بعد الجلاء بدت  وعنها لقد زالت العــلل
فصارت عروسا تسر العيون وفوق ربها ازدهت حلـل
وأبطالها في الكفاح أسود  فهم في النضال قد استبسلوا (27)
وفي الإطار نفسه نورد مقطعا من قصيدة للشاعر إدريس الجاي، نظمها تخليدا لإحدى الزيارات الملكية للشقيقة الجزائر، وفيه يؤكد ما يجمع أبناء المنطقة عموما من تضامن وإخاء، داعيا إلى ضرورة جمع الشمل وتوحيد الكلمة:
بني الجزائر آخانا الجـهاد وذا  يوم البناء، فجل الأمر والشأن
لينصر البعض منا البعض متحدا  ومن تعاضد لا يرعوه خذلان
هيا لنجمع شملا طالما عصفت  به النوائب والأهوال ألــوان
هيا لنشحذ عزم الخسائرين فما  بغير عزم وحزم قام بنــيان
كانت حدود من الطغيان عاتيـة  أقامها في بلاد العرب سـجان
واليوم قد حرر العربان ساحتهم  فالكل مراكش والكل ســودان
من الخليج إلى البحر المحيط هنا  شعب  عظيم أمازيغ وعربان (28)
***
وفي مقابل هذا، خلد الشعر المغربي الحديث، الزيارات التي قام بها بعض قادة دول المغرب العربي لبلادنا، مشيدين بروح التآزر والتعاضد التي تجمع بين شعوب المنطقة وقادتها، في إلحاح متصل على قيام الوحدة بين هذه الدول، دعما لمطامح الرفعة والسمو، وتثبيتا لركائز التقدم والازدهار، كما نقرأ من قصيدة للشاعر عبد الكريم التواتي (29) أنشدها بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة إلى المغرب، إذ يقول:
إلى الوحدة الكبرى تنادت شعوبنا   فسيرا إليها، وابعثا الشرق ثانيا (30)
وما وحدة دون الجزائر تبتنــى  وليبيا أساس يرقع الصرح عاليا
ذروا عنكم مستوردات عقائــد  أشاعت شقاقا بيننا وتعاديـــا
ففي سور القرآن جذر وجـودنا  على أسسه فليبن من كان بانيـا
وأنتم جميعا للعروبة أســـها  وأنتم نواة الآملين التآخـــيـا
وما العرب في البلاد وغربــها  سوى وحدة دنيا ورأيا سياسيا (31)
فصونوا تراث العرب من كل عابث فإنكم قلدتمــوه إلاهــــيا
وأنتم بني الضاد الدعاة إلى الهدى  على الحق قدمتم ضحايا غواليا
غمرتم نفوس العالمين محبـــة  فطابت نفوس العالمين تراضيا
فلا تهنوا فالله يكلأ سعيكــم  لخير البرايا ولتدوموا غواديا (32)
***
وتجمعت أقطابه في نــدوة  أخويه لتناصر وســناد
عادت يراح الفتح تنعش أمة  فتوحدت بتعقل وســداد
صلح بشائره أنارت أفقــنا  بعد انزياح عوائق الأسداد
وتبسم التاريخ بعد عبوسـه  وتهانأ الأجداد في الألحاد
والملة البيضاء قرت عينـها  وتألقت في ساطع الأبـراد
أمل تحقق بعد ليل حــالك  ولى، كان مركز الأوتـاد
بشرة لمغربنا الكبير بخطوة  بدأت مسيرتها على مرصاد
قد مهدت أقطابنا منهاجها   والله يكلأها من الحساد (38)
***
ولعلنا ونحن نقارب الحضور المغاربي في الشعر المغربي، قد لا تقتصر على هذا الجانب المتقدم، والذي كان الشعر المغربي فيه، ولا يزال، حاضرا في الساحة المغاربية، متجاوبا مع أحداثها، مخلدا لانتصارتها، مستنهضا لهمم رجالاتها، متغنيا بجمال طبيعتها وخيراتها...وإنما نعرج على جانب ثان يمثل هذا الحضور المتميز، ويعكس وجها آخر من وجوه التجاوب والترابط بين الأقطار الشقيقة الخمسة. ولن يكون هذا الجانب الثاني سوى رصد الشعر المغاربي لأحداث المغرب الأقصى، وتخليده لكثير من مواقفه وأحداثه، وهو جانب ليس بالحديث طبعا، ولكن جذوره تمتد إلى عصور سابقة نكتفي منها بالعصر الموحدي الذي تطالعنا فيه قصيدة أحد شعراء الجزائر منوها فيها بمذهب المهدي بن تومرت، ومستعرضا ما يقوم عليه هذا المذهب من دعائم وركائز، وذلك عندما وفد على يوسف بن عبد المومن ضمن ما كان يفد عليه من الشعراء ومما جاء في بداية هذه القصيدة:
سلا على قبر الإمام الممـجد  سلالة خير العاملين محــمد
ومشبهه في خلقه ثم في اسمه  وفي اسم أبيه والقضاء المسدد
ومحيي علوم الدين بعد مماتها  ومظهر أسرار الكتاب المسدد
أتتنا به البشرة بأن يملأ الدنـا  بقسط وعدل في الأنام مخــلد
ويفتتح الأمصار شرقا وغربا  ويملك عربا من مغير ومنجد (39)
***
وإذا كان هذا الجانب قديما كما أسلفنا، فإنه هو الآخر لم يصب بالشيخوخة والهرم، ثم الفناء والاندثار، وإنما تغذيه باستمرار دماء الشباب والتجدد، وخاصة تحت ظلال الدول العلوية الشريفة، وهو مظهر نقف منه اختصارا على حدثين بارزين، واكبهما الشعر المغاربي مواكبة تزكى وشائج التآزر والتعاضد بين الأقطار الشقيقة، وتذكي ما يربط بينها من أواصر التآخي والتضامن.
ويتمثل الحدث البارز الأول في وفاة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، حيث اهتزت لهذا المصاب عواطف ثلة من شعراء الشمال الإفريقي مؤبنة جلالته، ومستعرضة مكرماته الجلى على كافة الميادين والأصعدة.
ولنقتطف في هذا المضمار مقطعا من قصيدة في الموضوع للشاعر الجزائري مفدي زكريا، يصور فيه فداحة الخطب وهل المصاب فيقول:
يا منقذ الشعب قلب الشعب منفطر  والأرض ترجف لما صاح ناعينا
هذي الجماهير كالأمواج هائجـة  والروح قد بلغت مـنا تراقيــنا
نتيه في الأرض لا رشد ينهنهـنا  ولا صواب عن البلوى يعـزينا
وفاتنات عذاري في مقاصـرها   ندين خدا ومزقن الفـــساتينا
وذاهلين حيارى لا دلـــيل لهم  يلاحقون الممنايا لا يبـــالونا
من يائس خر في الأسواق منتحرا  وخسائر العزم قد شق الشرايينا
لا تعذلوا الشعب في تهويل صدمته فقلما أدرك الخطب المعــافونا
جحافل الشعب جند خلف قائــدهم إن مات قائدهم ماتوا قرابينا (40)
وعلى الشاكلة نفسها في إبراز جسامة الكارثة، وعمق الصدمة التي حلت بالشعب المغربي والعروبة قاطبة، يسير كثير من الشعراء التونسيين أمثال محمد الناصر الصدام، والطاهر القصار، والهادي نعمان، ومحمد الشعبوني، (41) والسيد الصادق الفقي الذي نختار قوله من قصيدة بالمناسبة:
من العروبة أمر لا مرد له  وليس من مبرم الأقدار من حذر
مأساة مغربنا الكبرى لقد نشرة  بالعالم الحر حزنا بالغ الأثر
فاجعة المغرب الأقصى لقد فجأت  شعب العروبة بالآلام والكدر
من يم يذب أسفا، من لم يبح كمدا من لم يرعه جلال النعي والخبر
من لم يذرف دموع الحزن مكتثبا  من لم يساهم بطول السهد والسهر
موت الأحبة خطب لا عزاء له  وليس مما قضى الرحمان من وزر (42)
وهذا صوت من الشقيقة ليبيا يرتفع منوها بمكرمات الملك الراحل، ومشيدا بما أسداه من نعم جلى للمغرب خاصة، وللقارة الإفريقية بوجه عام إذ يقول:
إفريقيا ذات البطولة أصبحـت  ثكلى بما فقدت من الأبنـاء
بالأمس قد رزئت بفقد زعيمها  بتريس لومومبا قائد الزعماء (43)
واليوم عاد لها الزمان بنكبــة  والعود لم يحمد من الضراء
ايه ابن يوسف كل لكم من نعمة  ويد بكل جليلة بيضـــاء
لا تعجبوا إن شعبه ليس الأسى  فهو الذي أحياه بعد فــناء
أولاه أخلاصا وحبا صادقــا  والصدق محض محبة ووفاء
يا منقذ الشعب الأبي بمــا له  وبعطفه في حالك الظلــماء
من لأغادير الجريحة بعدما  شربت كؤوس البؤس والضراء
فحنوت تأسو جرحها وتمدها  بالمال فانقلبت إلى الســـراء
ووقفت تحتضن الجزائر وقفة  فيها سمو مدارك وفــداء (44)
***
أما الحدث البارز الثاني، والذي استمر الشعر المغاربي متجاوبا معه إلى اليوم، فتربع جلالة الحسن الثاني نصره الله على عرش أسلافه المنعمين، وخلافته لوالده المقدس، وهو تجاوب بدأ منذ قصائد التأبين التي نظمها الشعراء المغاربيون تفجعا على فقدان جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، إذ نجدهم فيها يتجهون إلى خليفته ووارث سره جلالة الحسن الثاني أيده الله، مهنئين جلالته باعتلائه عرش أجدده الميامين، ومنيطين به آمالهم في الازدهار والرفعة ووحدة الصف.
يقول الشاعر الجزائري مفدي زكريا في نونيته المتقدمة:
جلالة الحسن الثاني لنا ثقــة  بالعرش فاصعد بنا نبلغ مرامينــا
فمن نشاطك قد قدت عزائمنـا  وفي شبابك قد نيــطت أمانيــنا
ومن حفاظك قد ريشت قوادمنا  ومن نظامك قد ســدت خوافـينا  
سنس العدالة ملكا أنت قائـده  ما اعتز من كان لا يحمي المساكينا
وكن كما شاء من أولاك إمرتنا  نتبع ركابك للأهداف راضينا (45)
وقول الشاعر التونسي اليد الصادق الفقي في رائيته المتقدمة كذلك:
ما مات من ساير الأبناء سيــرته  ولم يحيدوا على ما خط من سير
في طلعة الحسن الثاني وعفتــــه  بعض السلو لما قد جد من غير
يا خير من ضمد الجرح الذي اندفقت  منه الدماء وسالت سيل منهمر
بوركت من خلق طابت سريرتــه  وأشرق البشر من بستانه الخضر
قد جاء دورك فاصدع غير مبتئس  مما يحاك لدى الأعداء وانتصر
واقبل تحــايا تباريك وتعـزيـة  وسلم الأمر للديان واصطبر (46)
وعلى غرارهما يقول الشاعر الليبي في همزيته الآنفة الذكر:
عز المصاب وغاية الآمال أن  نلقى لدى حسن جميل عزاء
ما خاب من رباه قـط محمد  وهو المربي ومنشئ الأبنـاء
فاحفظ بفضلك للعروبة مجدها  وانهض بها قي عزة وإبـاء
وانهج على منهاج والدك الذي  كانت سياسته من الحكمـاء
واقبل تعازي ليبيا في فقـده  إذ أننا عرب وصنو إخــاء.(47)
***
وإن الشعراء المغاربيين ليواصلون اهتمامهم بهذا الحدث البارز، ويشيدون المرة بعد الأخرى بمواقف جلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده، رافعين إلى جلالته عبارات التهنئة والتبجيل، وخاصة بمناسبة عيد العرش المجيد، كما نقرأ على لسان الشاعر التونسي الطاهر القصار في مستهل قصيدة:
أهنيك ممن بعد العزا مترحما  لمن صان أوطان العلا وحمى الحمى
أهنيك بالملك الذي أنت أهلـه  وبالعرش مرفوع العماد مـــدعما
أهنيك بالرضوان من خير والد  حدا بك للمثلى وأنشــأك مســلما
ولقنك العرفان والعقل والهـدى  وأسدى بما أســــدى إليك وأنعما
فكنت بذا نعم الحليفة وارثــا  مناقب شهم بالمكارم قد سما (48)
وكما نقرأ أيضا على لسان شاعر موريطانيا ومؤرخها المختار بن حامد من قصيدة:
أهلا وسهلا لعيد العرش من عيد  لطاقة الدين فيه أي توليـــــد
عيد إذا عاد عاد البشر يشفعه  وإن تجدد يشفـــعه بتجديـــد
عيد اعتلاء أمير المومنين على  عرش الجدود السراة القادة الصـيد
جلالة الحسن الثاني ابن سيدنا  محمد الخامس الغر المـحاميـــد
جئنا لنشهد من ذا العيد عيد الهدى  فهو أول شيء عيد توحــــيد (49)
وكما نقرأ كذلك، على لسان الشاعر الجزائري مفدي زكريا مهنئا بعيد العرش المجيد، ومشيدا بإنجازات جلالته وأيده البيضاء على الأمة المغربية إذ يقول من قصيدة:
يا سبطه – الحسن الثاني – وعثرته  ومن زكا بهم عدل وإحسان (50)
لك التهاني بعيد العرش عن ثقـــة  بأن عرشك للإخلاص عنوان
وأن ملكك أخـلاق ومجتمــــع  من البطولات للأحرار ميدان
ومن هـدى الله والقـرآن هيبتــه  وكم سمـا بنظام الملك قـرآن
الشعب فيه قرير العين مغتبـــط  والناس في كنف الإنصاف إخوان
والأرض تزخر بالخيرات طافـحة  وكل شبر بناءات وعمران (51)
***
وإذا كان الإبداع المغاربي قد رفع صوته منوها بالإنجازات المغربية المتواصلة، ومشيدا بالسياسة الحكيمة لجلالة الحسن الثاني نصره الله في كافة الميادين والأصعدة، وذلك في نصوص كثيرة ومناسبات متعددة، فحسبنا من هذا الفيض الغزير أن نقتطف أبيانا من قصيدة للشاعر الجزائري مفدي زكريا تغني عن التحليل والتعليق، وتفق شاهدا قويا في ذاكرة التاريخ، يعترف بهذه الإمجازات والمكرمات الحسنية، التي مست كل الجوانب، سواء على المستوى الداخلي، أو العربي، أو الإسلامي بوجه عام:
أأشيد بالعدل الذي طهرته  فارتاح صالح لا يخاف ثمودا
أم بالقضاء وأنت من قريته  فغدا من المتخاصمين وريــدا
أم بالسدود ومن سواك أقامها  فوضعتها دون السؤال ســدود
أم بالسهارى الكادحين ومن ترى  إلاك يرعى الكادح المـكـدودا  
أم بالمعارف في الشباب زرعتها  فتسابقت تغزو الفضاء بعـيـدا
أم بالفضائل وهي كل طباعكـم  فطبعت منها شعبك المحــسودا
أم بالأصالة دنوا حرمــــاتها  فأذبت من بعض النفوس صديدا
أم بالتوازن في الخطى طوع النهى تغزو الحوادث مسرعا ووثيـدا
أم رؤية النظر البعيد ولم تــزل  في الملهمين محنكا ورشيــدا
أم باعتدادك قبل كل شجاعـــة  بالرأي تجزم أن يكون ســديدا
أم ثورة الإسلام تبعث زحفـهـا  فتزيد في عزم الهداة وقودا (52)
وهكذا إذن، ومن خلال هذا العرض المقتضب، والشواهد التي سقناها على سبيل المثال لا الحصر، يتضح الدول الفعال الذي لعبه الشعر المغربي في مواكبة الحياة المغاربية، والشعر المغاربي في مواكبة الحياة المغاربية، يحذو شعراء الطرفين ما يختزنه تاريخهم المشترك من رصيد الأخوة والتعلق، وعناصر التقارب والتعاضد، على امتداد مسيرة تاريخية تضرب في أعماق القدم، وتسعد في كل فترة من فتراتها بعوامل التجدد والفتوة، وتحقن بين الفينة والأخرى بدماء النضارة والشباب، فتستمر متألقة وهاجة، ساحبة برود التطلع والأمل، على المنطقة المغاربية وحدها، بل على الأمة العربية والإسلامية كافة، بل على المجتمع الإنساني أجمع، مهما امتدت منه الأطراف، واتسعت به المسافات، وكأن لسان حالها يردد قول الشاعر محمد الحلوي:
ستحمل المعول البناء كل يــد  وتحمل السيف والقرطاس والقلما
وسوف نملي على الدنيا فتسمعنا  وسوف نبعد عن آذانها الصمما (35)


-------------------------------------
1) الشوقيات لأحمد شوقي، دار الكتاب العربين بيروت، لبنان، 3) "عبد الرحمن الجامعي الفاسي" مقال للأستاذ محمد       
   ج2، ص 193.                                                    المنوني بمجلة دعوة الحق، عدد خاص بعيد العرش
2) من مواليد عام 1087هـ     المجيد لعام 1974، ص.78
4) نفس المقال السابق، ص 80.
5) مات عام 1120هـ.     8) الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية للحاج المشرقي
6) طبع بالمطبعة الملكية بالرباط عام 1387هـ-1967م  الفاسي، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم د 1463،
 7) ديوان الروض الأريض في بديع التوشيح ومنتقى القريض، ص 101.
لابن زاكور، تقديم وتحقيق محمد بن الصغير، رسالة جامعيـة  9) مات عام 1106هـ.
لنيل دبلوم الدراسات العليا للسنة الجامعة 88-89ن مرقـونة 10) المنزع اللطيف في التلميح لمفاخر مولاي إسماعيل
بخزانة كلية الآداب بالرباط – في ثلاثة أجزاء، الجزء الثاني، بن الشريف لعبد الرحمن بن زيدان، مخطوط بالخزانة ورقة 406.      العامة بالرباط رقم 595 ص 481.
11) نفس المصدر ةالقصيدة     13) نفس المقال، ص 83
12) مقال عبد الرحمان الجانعي الفاسي للأستاذ المنوني،  14) نفس المقال، ص 83، نقلا عن التحفة المرضية،
ص.82 نقلا عن التحفة المرضية، ص 260-261  ص 187 -192
15) نفس المصدر والقصيدة    19) مات عام 1977م 
16.      20) ديوان السوانح لإدريس الجاي، المطبعة الملكية بالرباط
17) هو أبو الطيب الظريف التونسي    عام 1971م، ص 67.
18) الأدب المغربي لمحمد بن تاويت ومحمد الصادق 21) مات عام 1974.
 عفيفي، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر،
 بيروت، الطبعة الثانية، 1969، ص 275
22) ديوان علال الفاسي، جمع وتحقيق عبد العلي الودغيري، والترجمة والنشر والتوزيع، الدراالبيضاء، 1965،ص119.
 مطبعة الرسالة، الرباط، 1984ن الجزء الأول ص 44.  25) ديوان دعوة الحق "وفاء وولاء". مطبعة فضالة،
23) شاعر معاصر.     المحمدية عام 1986، الجزء الأول، ص 54.
24) ديوان أنغام وأصداء لمحمد الحلوي، دار السلمي للتأليف 26) شاعر معاصر. 27) ديوان وفاء وولاء، الجزء الأول، ص 57.   31) لعل الشاعر وقع هنا في إقواء، وهو أحد عيوب
28) ديوان السوانح، ص 69.    القافية كما هو معروف.
29) شاعر معاصر      32) ديوان وفاء وولاء، الجزء الأول، ص 62.
30) الخطاب إلى قائدي القطرين الشقيقين: جلالة الحسن الثاني أيده
 الله والرئيس السابق الحبيب بورقيبة 
38) مجلة دعوة الحق، عدد 270، ذو القعدة 1408هـ، يوليوز 1988م، ص.157
39) المعجب في تلخيص أخبار المغرب، لعبد الواحد المراكشي، ضبط وتصحيح محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي، مطبعة الاستقامة القاهرة، 1368هـ، 1949م، ص 189.
40) محمد الخامس فكرة وعقيدة، مطبعة الرسالة، الرباط،   42) المرجع نفسه، ص 135.
1380هـ 1961، ص 128.     43) يبدو عجز البيت مكسورا، وذلك بزيادة الوتد المجموع
41) انظر قصائدهم بالمناسبة في المرجع نفسه، ص 130.137 "ميا" على تفعيلات البحر الكامل الثلاث.
44) محمد الخامس فكرة وعقيدة، ص 139.  46) محمد الخامس فكرة وعقيدة، ص 136.
45) محمد الخامس فكرة وعقيدة، ص 129.  47) محمد الخامس فكرة وعقيدة، ص 140.
48) ديوان وفاء وولاء، ج1، ص 36.   51) ديوان الحسنيات، جمع وتقديم الأستاذ عبد الحق المريني 
49) ديوان وفاء وولاء، ص 263.   مطبعة الأنباء، الرباط، الجزء الثاني، ص 21.
50) الضمير في" سبطه" يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here