islamaumaroc

ماذا تعرف عن اتفاقية بريتون دودز أو مشروعي صندوق النقد والبنك الدولي للإنشاء والتعمير

  دعوة الحق

31 العدد

قبل أن نتعرف على مؤتمر بريتون وودز يجدر بنا أن نقف على بعض العوامل التي كانت سببا في التفكير في انعقاده.
فمنذ بداية الحرب العالمية إلى وقتنا هذا مرت النظم النقدية باطورمختلفة وطرأت عليها تغيرات هامة إلى أن أفضى بها المطاف أخيرا إلى تعميم النظام الذي نشاهده الآن متبعا في العالم وهو نظام النقد الموجه.
عندما نشبت الحرب العالمية الأولى كان النظام النقدي السائد في العالم يقوم على «قاعدة الذهب (1)» بحيث كانت النقود المتداولة عبارة عن قطع ذهبية وأوراق نقدية قابلة للتحويل إلى ذهب.
وإذا كان لتطبيق نظام قاعدة الذهب من نهاية القرن التاسع عشر إلى قيام الحرب العالمية الأولى اثر محمود على العلاقات الاقتصادية الدولية فانه بمجرد إعلان الحرب عمدت معظم الدول إلى الخروج عن هذا النظام وذلك بإيقافها قابلية تحويل أوراق نقدها إلى ذهب لندرته ولحاجتها الماسة إليه وقتذاك.. وكان لهذا التصرف وقع شيء على التجارة الدولية إذ فقدت العملات لهذا الدول قيمتها نظرا للتضخم الذي شمل عملاتها نتيجة الإصدار بدون مراعاة الغطاء الذهبي من جهة وفقد ثقة الممثلين بها من جهة أخرى، فسادت التقلبات في الأسعار مما عرقل عمليات التصدير والاستيراد وحل الفتور والكساد في التجارة العالمية.
وكان من الطبيعي بعد هذه الفوضى أن تفكر تلك الدول في أمر لعلاج الموقف فلم تجد وقتئذ من وسيلة إلا العودة إلى قاعدة الذهب ثانية وذلك ابتداء من سنة 1924.
وإذا كانت بعض الدول قد ثبتت قيمة عملتها بعد الرجوع إلى قاعدة الذهب عند المستوى المنخفض الذي وصلت إليه خلال فترة التضخم أو أعلا منه قليلا.. فإننا نجد دولا أخرى كانجلترا مثلا تبتت سعر عملتها (الإسترليني) عند نفس المستوى الذي كان عليه قبل الحرب، وكان لذلك اثر شيء عليها لأنها افترضت عدم تغير الظروف التي كانت سائدة قبل الحرب وهذا خطا.. لان التجارة قبل الحرب كانت تتمتع بحرية التصدير والاستيراد أما بعدها فان معظم الدول عمدت إلى فرض رقابة جمركية على تجارتها الخارجية فعرقل ذلك النشاط التجاري الدولي.. كما أن مستوى أجور العمال في انجلترا كان قبل الحرب منخفضا ولما نشبت الحرب اخذ هذا المستوى  يرتفع بانتهاء الحرب لم تتمكن انجلترا من تخفيضه إلى المستوى الذي كان عليه قبل الحرب أضف إلى ذلك أن الأزمة العالمية التي صحبت فترة الكساد العالمي سنة 1929 التي بدأت في أمريكا والتي زعزعت مالية كثير من دول أوربا ومنها انجلترا.. فلم يعد والحال هذه أمام انجلترا إلا أن تخرج عن قاعدة الذهب مرة أخرى.
أما فترة الحرب العالمية الثانية فقد شهدت تطبيق نظام الرقابة على النقد بكل تشديد حتى تستطيع أن توجه الدول مواردها الإنتاجية نحو تحقيق أهدافها الحربية، وحفظ قيمة عملها من الانهيار والتدهور فأصبحت عملاتها غير قابلة للتحويل إلى ذهب ولا إلى عملات أجنبية، كما أصبحت التجارة في أن تشتري ممن تشاء من دول بل تراعي الشراء فقط من تلك الدولة التي باعت لها منتجاتها وتكون لها رصيد دائن لديها.
ومنذ سنة 1942 بدا الحلفاء يفكرون في خلق نظام يكفل الرجوع إلى ظروف السلم العادية بعد الانتهاء من الحرب(2). وإنشاء هيئة تقوم بتنظيم المعاملات بين الدول حتى لا تتكرر الفوضى التي شملت العالم منذ الحرب العالمية الأولى.
وقد أسفرت الدراسات التي أولاها دول الغرب جانبا خاصا من اهتمامهم إلى وجود ثلاثة اتجاهات متضاربة في الرأي هي:
1- اتجاه يعرف باسم «مشروع فريزر» يرى العودة إلى قاعدة الذهب بعد إعادة توزيع الذهب على الدول المختلفة توزيعا نسبيا. غير أن هذا المشروع لو يقدم بصفة رسمية.
2- اتجاه يعرف «بمشروع كينز» (3)ويرمي إلى احتفاظ كل دولة بحق تعديل القيمة الخارجية لعملتها بحيث يظل مستوى أسعارها الداخلية ثابتا.
3- الاتجاه الأخير يعرف باسم «مشروع هوايت» نسبة إلى واضعه الدكتور هاري هوايت «وكيل وزارة المالية بالولايات المتحدة حينذاك» ويرى ضرورة إنشاء هيئة دولية تشرف على عمليات الصرف وتضع تحت تصرف الدول المختلفة أموالا مقومة بالعملات الأجنبية التي تحتاج إليها بحيث لا يتعرض ميزان مدفوعاتها للخطر ويظل سعر الصرف ثابتا.
وقد تم التوفيق أخيرا بين الشيوعيين الثاني المعروف باسم كينز المقدم من طرف انجلترا والمشروع الثالث المعروف باسم هوايت الأمريكي وذلك بمعرفة لجنة دولية من الخبراء الماليين ضمت مندوبي عشرين دولة.
على أن المشروع الأمريكي اتخذ كأساس بعد أن أدخلت عليه بعض التعديلات لتقريبه من المشروع الانجليزي.
وكان البيان المشترك الذي أصدرته اللجنة المالية التي قامت بمناقشة المشروعين هو الأساس الذي دارت حوله المناقشة في المؤتمر العام للأمم المتحدة والمتحالفة والذي عقد بمدينة بيرتون وودز (Bretton Woods)  بمحضر الرئيس الأمريكي روزفلت سنة 1944 وكان عدد الدول التي حضرت المؤتمر أربعا وأربعين دولة.
وبعد النقاش الذي دار حول الفكرة الأساسية التي قام عليها وهي ضرورة تحقيق التضامن والتوازن الاقتصادي في العالم لان أي اختلال في أية دولة سرعان ما ينتقل إلى سائر الدول الأخرى – انتهى المؤتمر إلى وضع وثيقة نهائية اشتملت على مشروعين هامين هما:
1- تثبيت النقد.
2- الإقراض الدولي.
وقد وقع على هذه الوثيقة ممثلو كل الدول المشتركة في المؤتمر.
وقد نصت الاتفاقية على تأسيس هيئتين عالميتين لخدمة الاستقرار النقدي المتوازن والتمويل العالمي على نطاق واسع والهيئتان هما:
1- صندوق النقد الدولي.
2- البنك الدولي لإنشاء والتعمير.
وقد أصبحت نصوص الاتفاقية سارية المفعول ابتداء من 27 ديسمبر عام 1945.
وقد جعل النظام الإداري لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير موحدا تحت إشراف مجلس من المحافظين تتركز فيه جميع السلطات ومجلس من المديرين يتكون من 14 عضوا تعين الدول صاحبة اكبر الحصص خمسة منهم أما التسعة الباقون والذين يمثلون بقية الدول الأعضاء فينتخبهم المحافظون. ويباشر المديرون جميعهم السلطات الممنوحة لهم بواسطة مجلس المحافظين ويرأس هؤلاء جميعا مدير عام تليه هيئة الموظفين العاديين.
ولكي نتعرف على خصائص وأهداف كل هيئة على حدة يجب أن نتناول كلا منها على انفراد بشيء من التفصيل.

1- صندوق النقد الدولي:
تتكون أموال هذا الصندوق من الحصص التي حددتها الاتفاقية بالنسبة للدول الأعضاء على أن تدفع من تلك الحصة (Qusta) نسبة 25% ذهبا أو 10% مما يمتلك رسميا لدى كل دولة عضو من ذهب ودولارات الولايات المتحدة وذلك حسب ما تقتضيه أحوال البلاد الاقتصادية ومصلحتها المادية أما بقية الحصة فيدفع بالنقد الأهلي للدولة وتأخذ شكل رصيد دائم يودع بالبنك المركزي للعضو باسم الصندوق أو بشكل اذونات خزانة لا تدفع عنها فوائد أو أي شكل آخر تختاره حكومة الدولة العضو بحيث تكون مسؤولة عن دفعه بعملتها إذا طلب الصندوق ذلك
وتعتبر هذه الحصة أساسا لما يقدمه الصندوق للدولة العضو في المستقبل من تسهيلات وخدمات كما تعتبر أساسا لعدد اصواتا في اجتماعات الصندوق.
أما الأهداف التي يرمي إليها هذا الصندوق فهي الآتية:
1- تهيئة الوسائل اللازمة للتشاور والتعاون في بذل الجهود لحل مشاكل النقد الدولية.
2- تيسير وسائل التوسع في التجارة الدولية.
3- العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار مبادلة النقد بين الأعضاء مع تجنب المنافسة في تخفيض قيم العملات.
4- العمل على التخلص من القيود المفروضة على المبادلة النقد التي تعرقل التجارة العالمية.
5- سهولة تعديل تقلبات ميزان المدفوعات للأعضاء بجعل موارد الصندوق في متناول يدهم مع اتخاذ الضمانات اللازمة.
6- توفير الثقة بين الأعضاء وتقصير المدة التي تختل فيها موازنة المدفوعات الدولية. والحد من درجة اختلال التوازن.
أما الغرض الذي من اجله فضلت سياسة الصندوق الحصول على عملات البلاد المختلفة المنضمة إليه فهو التمكن من عملات هذه البلاد حتى تكون تحت طلب أعضائه بحيث إذا لم يكن لدولة ما عملة انجلترا مثلا فان تلك الدولة تلجا إلى الصندوق ليقرضها تلك العملة حتى تجري عمليات التجارة مع انجلترا وهكذا بالنسبة لعملات سائر الدول الأعضاء.

2-البنك الدولي للإنشاء والتعمير:
يبلغ رأس المال الأسمى لهذا البنك 10 مليارات من الدولارات قسم إلى عدد من الأسهم قيمة كل منها 100.000 دولار للاكتتاب والتداول بين الأعضاء فقط على أن لا تقل اكتتاب العضو عن سهمين..
ولا تقتصر مساعدة البنك على الدول التي حل بها الدمار خلال الحرب، بل يعني أيضا بمعاونة الدول التي ينقصها المال للإنشاء والتعمير. وقد قام هذا البنك خلال عشر سنوات بعقد قروض تقرب قيمتها من ألفي مليون دولار لأربعين دولة.
ويرى البنك ضرورة الحد من سياسة التوسع في الإقراض وقصره على الحاجات العاجلة للدول الأعضاء كما يضع في تقديره الاعتبارات الاقتصادية دون تحيز أو محاباة أو تأثر بالأهواء السياسية، مع مراقبة صرف المبالغ المقترضة في الوجوه التي عقد القرض من اجلها.
وبمجرد الانضمام إلى الاتفاق ترسل الحكومة المنضمة إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مبلغا يعادل واحدا في الألف من إجمالي اكتتابها ذهبا أو دولارات أمريكية وذلك لمواجهة النفقات الادراية.
أما الأهداف التي يرمي إليها هذا البنك فيمكن إجمالها في الآتي:
1-مساعدة الدول الأعضاء بتوفير رؤوس الأموال اللازمة لها للأعراض الإنتاجية وتشجيع التنمية الاقتصادية.
2- تشجيع عمليات الاستثمار الخارجي التي يقوم بها الأفراد والهيئات الخاصة ذلك عن طريق ضمان القروض والاستثمارات والمساهمة فيها.
3- العمل على توسيع نطاق موارد الإنتاج لدى الدول الأعضاء حتى تكفل لها التنمية والتوازن.
4- تنظيم القروض التي يقدمها البنك للأعضاء أو ضمان القروض الدولية التي عقدت عن طريقه.
بقي لنا الآن أن ننظر إلى المزايا التي تعود على الدولة من الانضمام إلى هذه الاتفاقية (بريتون وودز)
لما كان من المحتمل أن تندر عملة إحدى الدول بحيث الحصول عليها مستعصيا فانه نص في الاتفاقية على أن تقوم هيئة الصندوق بإعلان ذلك للأعضاء فتصبح هذه العملة نادرة رسميا (صعبة) وعندئذ توزع على الأعضاء بنسبة حاجة كل منهم على أن يراعى في ذلك الموقف الاقتصادي الدولي بصفة عامة وغير ذلك من الاعتبارات.
كما نص في اتفاق صندوق النقد الدولي على استئناف عمليات تحويل عملات البلاد المختلفة من بعضها إلى بعض دون قيد مادام هذا التحويل لإغراض تجارية وفي حدود ميزان المدفوعات لكل بلد ونص كذلك أن وجد عجز في ميزان مدفوعات أي بلد عضو أن تلجا للاقتراض من الصندوق لتحقيق الموازنة وبالإضافة إلى كل هذا فان للانضمام إلى هيئة الصندوق فائدة أخرى ذات أهمية كبرى وهي الاشتراك في عمل ايجابي لتحقيق مشروع تعاوني دولي يهدف إلى استقرار عملات الدول الأخرى وفي هذا مصلحة أخرى تتمثل في ترويج الحاصلات في الخارج ورفع مستوى المعيشة في الداخل.
كما أن فوائد الانضمام إلى هيئة البنك لا يستهان بها إذ يكفي أن يكون في مقدور كل دولة الالتجاء إليه لمساعدتها على عمليات الإصلاح والتجديد عن طريق مدها بالأموال اللازمة على هيئة قروض طويلة الأجل.

مراجـــع:
• السياسات الاقتصادية الدولية فؤاد محمد شبل
• الاتجاهات الحديثة في الاقتصاد الدولي الدكتور منيس اسعد
• النظم النقدية والمصرفية الدكتور عبد العزيز مرعي
• مقدمة النقود والتجارة الدكتور عبد المنعم القيسوني


(1) يقال اعن دولة أنها تنبع نظام قاعدة الذهب إذا كانت تعتمد على معدن الذهب في تثبيت قيمة عملتها بالنسبة إلى قيمة العملات الأجنبية مع توافر شرطين وهما حرية تداول الذهب بين جميع الدول وتبات سعر الذهب بالنسبة إلى عملية كل دولة.
النظم النقدية والمصرفية- الدكتور عبد العزيز مرعي.
(2) الحرب العالمية الثانية.
(3) Keynes.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here