islamaumaroc

شبابنا على طريق الجهاد الأكبر

  عبد الله اكديرة

275 العدد

1 – تتفاعل عدة بيئات فيما بينها وتتنافس للتأثير على شباب الإسلام في هذا العصر، وهذه البيئات في: الأسرة – المدرسة – حركات الشباب- الشارع – الرياضة – الإعلام...وأثر هذه البيئات يشمل أجسام شبابنا وأذواقهم وأخلاقهم ووجدانهم وعقولهم....وهذا الأثر يساهم فيه بالتبادل الراشدون والقاصرون فيما بينهم عن قصد، وعن غير  قصد... بل إنه يكون من الفرد لنفسه قاصرا أو راشدا....وهو ما يعني في المصطلح الإسلامي (مجاهدة النفس). وهو ما كانت ولا تزال بيئة هامة من بيئات التربية الإسلامية توليه أكبر عنايتها، وتعده أنجح ووسائلها في التأثير النفع الدائم في الفرد والجماعة وفي باقي بيئات التأثير والتربية الأخرى المذكورة أعلاه... وهذه البيئة هي "المسجد" بمعناه الإسلامي الصحيح (الجامع) المانع... رغم أن انحراف بيئات التربية الأخرى وانحسارها وقصورها – حاليا – قد أثر تأثيرا سيئا مقصودا وغير مقصودا على دور (المسجد الجامع) في التأثير المرغوب الذي ينبغي أن يكون سلبا وإيجابا، أو بالمفهوم الإسلامي: في (التخلية والتحلية) لنفوس شبابنا.. أو (تزكيتها) بالمصطلح القرآني الأعم...
ولن تكون تزكية لنفوس الشيب والشباب، على مدى أعمارهم في حياتهم الدنيا هذه الفانية التي ما هي إلا معبر يجتازونه إلى حياتهم الآخرة في تلك الدار الباقية، إلا بالمجاهدة، مجاهدة النفس، جهادا هو أكبر الجهاد وأدومه..وهو الغاية من الإيجاد في الحياة الدنيا..وهو أيضا الوسيلة...فالتزكية هي المجاهدة، والمجاهدة وسيلة وغاية، وهي سياق وسباق ومصارعة لا تفتر ولا تني ولا تهن لترقي بالإنسان المسلم – شابا كان أم شائبا – قلبا وقالبا نحو تطوير انتفاعه بما أودعه الله فيه من قوى ظاهرة وخفية، حسية ومعنوية، مادية وروحية..وبما سخره الله له من قوى الطبيعة والكون من حوله...غيبه وشهادته...وذلك باستغلال قوى أمانته ومسؤوليته وحريته واختياره..من سمع وبصر وفؤاد..استغلالا ينفع ولا يضر..يصلح ولا يفسد..يطهر ولا يلوث..
وهذه التزكية أو المجاهدة أو التخلية والتحلية، عمل متواصل دائم مثابر، قد يكون صعبا في البداية ولكنه بالمكابدة يسهل ويصبح عادة هينة لينة..لأنه حق... والحق كما قال سيدنا أبو بكر الصديق في وصيته عند موته لسيدنا عمر الفاروق رضي الله عنهما وأرضاهما: "إن الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء، وإن الباطل خفيف وهو مع خفته وبيء...". وما المجاهدة للنفس إلا عمل من أعمال الحق...ولن يكون الحق مريئا غير وبيء إلا بالاعتياد التدريجي عليه تدربا وتدريبا..بكل الوسائل التي تمكن الشاب المسلم من أن يربي نفسه تربية دائمة..وأن يربيه غيره تربية ينمي بها استعداداته البارزة والكامنة ...في جسده وفكره...ينمي بها مشاعره التي تسر وتعلن...مشاعره الاجتماعية...كإنسان ودود... لا تبتهج حياته في دنياه إلا بالألفة بين القلوب، والمودة بين النفوس..والإخلاص والثقة والسكون بين من ربطهم الله بصلة الإيمان في مجتمع مؤمن مسلم...مجتمع ملتحم يعيش أهله إخوانا بنعمة ربهم، إخوانا على هدى من ربهم...الجمال في نفوسهم، ومن حولهم..أخلاقهم من أخلاق ربهم...ونورهم من نور الله بن يرون، وعلى هداه يسيرون...وسبيلهم في سبيل الله لا يحيدون عنها...حتى لا يزيغوا عن مهمتهم الأولى والأخيرة في حياتهم..وهي أن يعيشوا كبشر شهداء على الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد، بخلقه العظيم... خلق القرآن..وذلك سلوكهم في حقول الأعمال الإنسانية كلها...في عاداتهم..وفي عبادتهم ... في إبداعهم للجمال وفي استمتاعهم به..في بحوثهم العلمية لنفع الخلق عيل الله...وهذا شر جعلهم عيشهم من دنياهم، ووسيلتها أيضا، هي تزكية نفوسهم بمجاهدتها تربية وتعليما...فهم في التربية يبدأون بمعرفة أنفسهم لتقويمها....وهم في تعليمهم "مريدون" و"طلبة علم" من المهد إلى اللحد، الحكمة ضالتهم أينما وجدوها، ومن أي إنسان أخذوها، فهم أولى بها، وهم أهلها، لأن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.....والعلم بالتعلم أولا وقبل كل شيء...ثم العلم يزكو على الإنفاق...وزكاة العلم تعليمه..والساكت عن النطق بكلمة الحق في أي مكان أو زمان شيطان أخرس....وكاتم علم علمه الله إياه حقيق بأن يلجمه الله بلجام من نار.. وهكذا لا نجد فرقا في مفهوم الإسلام بين التعليم والتربية..وإن كان هناك من فرق فهو دقيق جدا.. ولطيف جدا.. ولا بأس من قول القائلين: التعلم والتعليم نوع من التربية، وهما لا يختلطان، ولكنهما ليسا متميزين تماما في واقعهما.
2 – التعليم يمكن اعتباره عملا فكريا تقنيا، والتعلم هو منه الجزء الأهم والفرع الذي لا غنى عنه، والتربية عمل اعتباره عملا يتعلق بالقلب والروح..والمربى الذي لا يرى نفسه، ولا نصب من نفسه لمرباه قدوة طيبة وأسوة حسنة، ولا يعود مرباه على تربية نفسه باستقلال واختيار مرب فاشل يذوب تأثيره في حرارة الصراع بين الجبلين وبيئة التربية التي يعمل وسطها..وتهدم البيئات التربوية الأخرى في لحظة ما يبنين هو في سنوات...
والتعليم والتعلم تلقين واكتساب..بين العالم والمتعلم..أما التربية فهي اكتساب فقط..وللعالم العربي فيها موجه فقط...وليس مسلطا ولا مسيطرا ولا وكيلا ولا جبارا. إنما هو هاد فقط لمن طلب الهدى..وطلب الهدى شعور فطري كامن في نفس كل إنسان سوي النفس، ألهمهم الله تقوى نفسه ليطلب تزكيتها، وألهمه أيضا فجور نفسه لتجنب تدسيتها...وتلك حقيقة المجاهدة عند الشيب والشباب..
وأركان المجاهدة هي كما حددها المربون المسلمون من سلف وخلف استنادا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:
1 – معرفة أن الإنسان مادة وروح، والتصرف والعيش والسلوك طبقا لهذه المعرفة.
2- معرفة أن الإنسان فطرة سوية قلبا وقالبا، وما يعتر بها من تشوهات أو انحرافات، إنما يأتيها ويطرأ عليها من بيئات التربية المختلفة، وأهمها الأسرة إذا تخلت عن هدى الله..
3- معرفة أن العالم أو الطبيعة من حول الإنسان مسخر له، وأجله خلق..وهو معه في وفاق ووئام تأمين إذا كان سلوكه على هدى من الله...وهو معه في شقاق وفصام إذا انحرف عن هدى الله وأعرض عنه...
4- معرفة أن الله تعالى لا يغير ما بقوم أو ما بفرد محو الغير أو الشر حتى يبدأ أولئك القوم أو ذلك الفرد بتغيير ما بأنفسهم نحو الخير أو الشر....
5- معرفة أن الأمانة التي حملها الإنسان هي أمانة التكليف بالحرية والاختيار والعقل المنزه عن الهوة وتقليد الآخرين,,,فالاجتهاد جزء لا يتجزأ من مجاهدة النفس لتزكيتها...والاجتهاد ماض إلى يوم القيامة...وكذلك المجاهدة..والمجاهدة أعم وأشمل...والاجتهاد أخص وأكمل....
6- النفقة في الدين وفي نواميس الحياة والكون ركن أساس في هذه المجاهدة...
7- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة وبدون تعصب بغيض أو تشنج مقيت ركن آخر أساس في هذه المجاهدة...
8- الإنسان المجاهد لنفسه كريم في أمة كريمة....لا ينسى أنه من أمة.. ولكن لا ينسى قبل هذا وبعد أنه فرد...عالم قائم بذاته...مستقل بنفسه....يحتمل مسؤوليته وحده...يعبث وحده، ويحاسب وحده، فهو في مجاهدته لنفسه غريبا...سعيدا بغربته...أنيسه كتاب الله...وقدوته رسول الله...يسير في سبيل الله...يرى نور الله...يعلم علم يقين أنه "طوبى للغرباء" الذين إذا غابوا لم يفتقدوا..وإذا حضروا ذكرت رؤيتهم بالله....
9- الإنسان الحق يعيش بالقصد والاعتدال في الغضب والرضا، والفقر والغنى...يبشر ولا ينفر...ييسر ولا يعسر.
10- الإنسان الحق دائما شاب، يقظ، طموح، ذو أمل وثاب....يثق بالله ثم بنفسه...لا تهن له عزيمة، ولا يثبطه حزن,,ولا يشله....
تلك عشرة أركان لمجاهدة النفس، إن بني عليها سلوك شبابنا المسلم في حاصره، كانت له خير الركائز التي يثبت عليها شامخ بناء مستقبله...
                                                   ***
3- بمعرفتها وبسلوكه طبقا لمعرفته بها..يحيا حياة الإسلام لحمتها الإيمان، وسداها الإحسان..منتصرا بمجاهدته لنفسه على كل شيطان,,, في حصن حصين مسور من جهاته الأربع بالاستعانة بالله...إن أخطأ يستغفر الله...وإن أصاب يحمد الله...وإن ضل استهدى بالله.. يجاهد نفسه في الله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين).
هذه الآية هي شعار شبابنا على مدى عمره الحافل في هذه الدنيا...وشبابنا لا يذبل شبابه ما دام حيا تتردد أنفاسه، وتتحرك أطرافه، ويملك إرادته واختياره ووعيه... لأنه الله تعالى يؤكد له، وه الحق، وقوله الحق ووعده الحق، بأن مجاهدته فيه، ليصل إليه ويتصل به، وأن كل ما يلاقيه في هذه المجاهدة من مشاق، وما يصادفه من متابع، وما يتحمله من شدائد وأهوال....لن تضيع هباء منثورا,,,فستمتد إليه يد الرحمن الرحيم اللطيف الخبير.. يد الرضى، لنصب في نفسه الطمأنينة، وتمسح عن قلبه الحزن والشجن، وتذلل له المصاعب، وتزيح عن طريقه الأهوال والمخاوف...وتوضح له المسالك، وتمنحه بمحض الفضل والكرم النور الذي ينير له حالك الظلمات، فيهتدي وصعد ويسمو ويرتفع ويصل ويتصل..وذلك جزاء الإحسان من الغفور الودود ذي العرش عز وجل، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا...إنه كان من المجاهدين...جاهد نزغات الشياطين من الإنس والجن..جاهد نفسه، فلم تسول له أمرا من أمور الشر ولم تأمره من أمور السوء,
... جاهد أهواءه فقاومها...جاهد شهواته فكتبها في الحلال..وصرفها في الحلال ....وحتى في عرف (الاتجاه العلماني) في التربية فإن على المربى وعلى المربى أيضا أن يبذلا الكبير من الجهد والكثير من المعاناة لتغيير وتطوير الغرائز الحيوانية عند الإنسان..وفرويد نفسه في توجهه المارق نحو إطلاق هذه الغرائز الحيوانية من عقالها يرى ضرورة كبت (اللبييدو) الكبت الإيجابي، للسمو بالغرائز..وتكوين عقدة أو ديب، والأنا المثالي...وما هذا الليبيدو إلا مصطلح يعني الشهوة الشبقية مثب به فرويد الطاقة الكامنة في الإنسان والتي تعبر عن نفسها بالغريزة الجنسية...وأما عقدة أو ديب... فهي عدم تطور في نمو الغريزة الجنسية نموا طبيعيا – عند فرويد – بأن تتجه نحو الأم من الابن بتقمص الابن لشخص أبيه...وتقمص الابنة لشخص أمها...وأما الأنا المثالي فهو وعي لا شعوري أو (لا وعي) في معظم مكوناته التي تتجمع تلقائيا من تمثل الإنسان منذ مراحل طفولته الأولى لما يلقى إليه من أوامر ونواهي، خاصة من والديه...وكل هذه الثلاثة ضرورية لحسن تكيف الإنسان مع نفسه وغيره في بيئته، ولكن بشرط ألا يؤدى الليبيدو إلى (العصاب) وهو نوع من الخلل النفسي ناشئ عن الفهم الخاطئ للتربية..وما الفهم الخاطئ للتربية عند مربي الإسلام إلى سوء فهم مقصود أو غير مقصود للشعور الإنساني ووعيه ما متعه الله تعالى به من عقل يدرك وقلب يفقه..ووسائل تعين على الإدراك والفقه هي السمع والبصر...بها تتحقق إنسانيته وتتأكد أفضليته وكرامته...وبها تتحمل الأمانة التي لم يحملها سواه... يتحملها عن طواعية واختيار ووعي.. لا عن (لا وعي) أو إكراه...بظلم  منه وجهل....ظلم منه لنفسه ناشيء عن جهل منه لها.. فالوعي بالسمع والبصر والفؤاد هو النواة الأساس العميقة في الفرد والمجتمع الإنسانيين...وكل تربية لا تجعل وكدها وهمها في جعل الإنسان إنسانا حقا يحي إنسانيته، ويجاهد نفسه ليزكيها..فهي تربية ترويض لحيوان مفترس..يبقى في أعماقه نداء الغابة كامنا... يناديه للافتراس والفتك..وهو – كلما وجد الفرصة – يبادر إلى تلبيته بكل ما فيه من غرائز الحيوان...
أما الإنسان الذي تربى ليربى نفسه، أي ليزكيها بمجاهدتها... فإنه هو الإنسان الذي ربى شعوره واعيا بما يريد أن يحققه ممن حياته بهذا الشعور الواعي المسؤول... فهو يسبق لديه كل تعلم وكل تربية..لأنه هو نفسه (ترب) أولي وعميق وهادف وذاتي ومعتدل... صاحبه شاب دائما ما دام يتمتع لكامل قواه...لا يعرف الهم ولا الحزن، ولا العجز ولا الكسل، ولا الجبن ولا بالخل، ولا غلبة الدين ولا قهر الرجال...لأن كل هذه المعوقات والمثبطات لا يمكن أن يتسرب ظلها إلى نفس المؤمن الشاب – في كل مراحل عمره – المجاهد في كل أحيانه وأحواله... فهو مجاهد لنزعات غرائزه، يكبتها كي لا تنزع به إلى إفراط ولا إلى تفريط...مجاهد لأثرته وأنانيته ليسمو بها إلى الإثيار على نفسه ولو كانت به خصاصة، بدون انتظار لجزاء أو شكور...نزع ما في صدره من غل... فلم يعد في قلبه ولا على لسانه إلا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم... وهذا كله لا يعني أنهم تخلوا عن واجبهم في الجهاد)... الجهاد الماضي إلى يوم القيامة..جهاد أعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين بالجنان واللسان والسنان.... في سبيل الله لتبقى العليا دائما هي كلمة الله...وبهذا يكون حقا على الله تعالى أن يبشرهم، ويؤكد لهم  البشرى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين).
                                                      ***
4 – هناك سؤال تبادر إلى الذهن الآن، ويطرح نفسه بإلحاح: هل شبابنا اليوم على أثر أسلافه الكرام البررة سائر؟ يجاهد في الله حق جهاده بكل ما أوتي من قوة؟ لا يخشى في الله لومة لائم، ولا سطوة فاجر ظالم؟
لا بد ممن التذكير أولا أن جمهور المفسرين قد فسروا القول العلوي الكريم: (والذين جاهدوا فينا... ) قالوا: "يعني الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين".
وهنا يرد سؤال آخر: شبابنا اليوم – رغم كل نقائصه وهفواته، أليس من أبتاعه؟ إذا كان الجواب يبلى، فهو مطالب بالجهاد في الله حق الجهاد...يجاهد نفسه أولا، ويجاهد أعداء ربه ثانيا.. وذلك بإصلاح أخلاقه وأحواله، وتطهيرها من الرجس، ومن الغل للذين أمنوا ثانيا... إن جاهد في الله بكل هذا – أو ببعضه، إذ لا يكلف الله نفسا إلى وسعها – فإن الله تعالى الذي يجازي الإحسان بالإحسان، سينير بصره وبصيرته، ويهدي قلبه إلى طرق الخير والمحلة أو الفضيلة والسلام والعزة والرفعة والعلا في الدنيا...وطرق النعيم والفوز والفلاح والرضوان في الآخرة.
وهذا كتاب الله تعالى بين أيدي شبابنا، تحفه السطور والصدور، وهذه سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى أله وسلم لا زالت هي أيضا تحوطها وتحفظها السطور والصدور... ورسول الله إن كان اليوم شخصه المقدس الكريم غائبا عن شبابنا، فهو لا زال قائما بين ظهرانيهم، بما تركه فيهم من الكتاب – لا زال في شبابنا من يلتو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، ويتدبره ويتعلمه ويعلمه، ولا زال في شبابنا من يذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدافع عنها، ويطبقها في نفسه وأهله ومن حوله، ويسعى ويدعو بكل جهده إلى تطبيقه في المجتمع..
إذن، فشبابنا يعلم...يعلم بكل تأكيد...ولا عذر له في الجهل، فلم يبق له إلا أن يعمل بما يعلم..وقد فسر بعض السادة العلماء من سلف شبابنا الصلاح هذا القول الكريم الحكيم: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين). بأنهم هم الذين يعملون بما يعلمون، يهديهم الله لما لا يعلمون...وتلك ثمرة مجاهدة النفس...ومن كان الله معه بإحسانه جزاء إحسانه....جعل إحسانه الحق في تركية نفسه ومجاهدتها بإعطاء من حرمه، عمن ظلمه، ووصل من صرمه..قال الإمام الشعبي رحمه الله: قال عيسى بن مريم عليه السلام: "إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك...هذا ما تريده النبوة الكريمة من لدن آدم إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه عليهم جميعا من شباب الأمم... ليكونوا مسلمين مسالمين، مؤمنين آمنين، مجاهدين مجتهدين..فماذا تريد منه المذاهب الهدامة؟ هذه بعض الأمثلة:
- الدكتور ر.د. لينج عالم نفساني اسكتلندي، بعده كثيرون من القراء الشباب – الطلاب الجامعيين منهم، وأعضاء الحركات السرية كمعلم ديني.. هذا الرجل دافع علنا عن المخدرات (التي توسع العقل)، وهو الذي طور في كتاب له سمكها: "الذات المنقسمة" فمفهوم العداء لكل ما هو منظم ومأثور..ومجد العنف باعتباره قوة مطهرة للشباب، يحرره من اليأس والكسل، ويعيد إليه احترامه لذاته...
 - أما هربر ماركوز فيقول بكل صراحة: "هناك في المصطلح التاريخي فرق بين العنف الثوري" وبين العنف الرجعي، بين العنف الذي يمارسه المظلومون، وبين العنف الذي يمارسه الظالمون، وكلا نوعي العنف –ي المصطلح الأخلاقي – غير إنساني وشر، ولكن متى اتبع التاريخ المقاييس الأخلاقية؟".
وماركوز هذا اعتبر كثير من المعلقين الأب الفكري لأحداث الطلبة في مايو سنة 1968م، بفرنسا وهو يبني آراءه على أنه من الضروري تغليب جانب "المنازعة والرفض" من الشباب لكل عوامل (الدمج والتلاؤم) التي تريد دمج الشباب في مجتمعه كعضو بناء غير هدام...عضو منتج ومستهلك في نفس الحين....ولكن مجتمع الإفراط والتفريط والإباحية المطلقة سرعان ما يدفع شبابه إلى الاستهلاك...والاستهلاك فقط..والإنتاج للاستهلاك فقط... فيغرق الشباب في الاغتراب..ونقص القدرة على المشاركة الوجدانية مع الآخرين والاتصال بهم اتصالا حقيقيا...فيشعر بالعزلة والعبث وانعدام الجدوى من الإنتاج والاستهلاك، بل تفقد اللغو نفسها قدرتها عنده على البيان والتعبير الحقيقي عما تكنه النفس...ويردد الشباب شعارا مكتوبا في لافتات ومتداولا على الألسنة : (أريد أن أقول شيئا، ولا أعرف ماذا سأقول)...ويرضى الشباب في عزلته هذه أن يقول هو نسفه: (نحن مسعورون، ولا بأس بأن نصب بالسعار)..لماذا كل هذا؟ لأن الشباب فقد نفسه في ابتعاده أو إبعاد عن الله !!
5- أما الشباب المسلم فهو يعرف أن أساس المجاهدة المتين وركنها الركين هو جهاد النفس حتى لا تقع في معصية الله تعالى...أن يعلم عمل اليقين أنه بإصلاحه ما بينه وبين الله يصلح ما بينه وبين نفسه، وإذا صلح ما بينه وبين نفسه صلح ما بينه وبين الناس...ولهذا فهو يرى، ويجب أن يرى بنفسه، أن من أوكد واجباته أن يعرف نفسه حق المعرفة، ليتمكن من مقاومتها، والتغلب على شهواتها.... وهو يرى أنه نفسه تتقلب بين أربع مراتب بعضها فوق بعض..وهو يرى – بعين بصره وبصيرته – أنه كمؤمن كلما جاهد نفسه، تمكن من أن يعلو بها مرتبة أو درجة فوق التي كانت عليها...
ودرجات النفس أو مراتبها هي:
1 – النفس الأمارة: وهي التي لا تأمر صاحبها إلا بما لا يرضي الله تعالى... ولا قدرة لصاحبها على عصيانها إلا بمجاهدة..وإلا فهي تأمر وهو يطيع...فإن جاهدها وحقق إنسانيته وانتصر، ارتفعت إلى:
2- النفس المسولة: وهي أقل كيدا وضررا من النفس الأمارة، ولكنها تسول وتزين لصاحبها المعاصي والرذائل، فإن استسلم لنزعاتها هوت وهوى، وإن جاهدها وحقق إنسانيته وانتصر، ارتفعت إلى:
3 – النفس اللوامة: وهي النفس التي يبلغ صاحبها المجاهد درجة من السمو في المجاهدة تجعل من نفسه عونا له، وعينا عليه، فإن أشرق على الوقوع في إثم من الآثام من الكبائر الموبقة، أو وقع في إثم من صغائر اللمم، فإنها تلومه. فإن أطاعها ارتفعت إلى:
4- النفس المطمئنة: وهي نفس عباد الله المخلصين، الذين صرف الله تعالى عنهم السوء والفحشاء، ولم يجعل للشيطان عليهم سلطان,,وهي النفس التي أجارها ممن كيد الإنسان والجان...وهي التي يقول عز وجل في حقها: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).
وكل أصحاب النفوس الثلاث الأولى يمكن أن يهووا ويرتفعوا، إلا أصحاب النفس الرابعة المطمئنة، فهم في حصن حصين من رضوان الله تعالى، يحميهم من الهوي والسقوط، ولا يزيدهم – بفضله وعونه إن شاء – إلا عزا وعلوا ورفعة وقربا ووصولا واتصالا، لأنهم قد جاهدوا فيه فهداهم سبله، وبلغه درجة المحسنين الذين تكرم عليهم بمعيته، ومن كان الله معه فلن يصره إنس.
                                                     ***
6- إن المجاهدين أنفسهم قد حددوا لنا بكل دقة درجات النفس، وعرفونا أن المجاهدة بكل معانيها هي السبيل إلى الترقي بهذه النفس، والسمو لها إلى أعلة عليين، وأن الانصياع للأهواء والشهوات والغرائز الدنيا، ووساوس شياطين الإنس والجن، هي هي السبيل إلى تدهورها في أسفل سافلين,
والشباب في قلة تجربته، وحماسه، واندفاعه، قد يندفع في طريق محفوف بالشهوات والأهواء، تغريه كثرة الهالكين، ويعرض عن الطريق المحفوف بالمجاهدة والمكاره، مغترا بقلة السالكين.. ومغريات الشباب، ودواعي اغتراره في نفسهن وبنفسه، ثلاثة هي أصول المعاصي كلها صغارها وكبارها، وقد حددها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم "الفوائد.
1- تعلق القلب بغير الله.
2- طاعة القوة بغير الله.
3- طاعة القوة الشهوانية.
أما مطيع القوة الغضبية، فإنه يحسب نفسه شديدا قويا، م حيث إنه اضعف الضعفاء، وقد يمضي به استسلامه لغضبه إلى درجة قتل النفس النفس التي حرم الله.
وأما مطيع القوة الشهوانية، فإنه كالهيم (الإبل العطاش ولا ترتوي) لا تزداد مهما شربت إلا عطشا. إنه يشتغل شهوة..ويميل معها حيث تميل به، حتى تسقطه في كبيرة الزنا، أو ما هو أشد هولا وقظاعة والعياذ بالله.
والجهاد في الله تعالي، من أوائل أموره – إذا كان حق الجهاد – مقاومة هذه الأصول الثلاثة للمعاصي أشد
 المقاومة..فالمنصاعة لها والمستسلم لا يقع في إحداها، ولا تناله عواقبها الوخيمة- وحجها، بل إن كلا منها مؤدية إلى الأخرى..فتعلق القلب بغير الله يؤدي إلى الاستسلام لقوة الغضب في النفس، ثم إلى الاستسلام لقوة الشهوة، والعكس في كل الحالات صحيح، إذ أن الاتجاه مفتوح من جميع الجهات بين هذه الأصول الثلاثة للمعاصي....
والسبيل إلى تحصين شبابنا نفسه من هذه الموبقات الثلاث، وهو السبيل الوحيد، هو المجاهدة في الله حق المجاهدة، حتى يصبح المؤمن الشاب المجاهد مكن ذوي النفوس المطمئنة، أو على الأقل من ذوي النفوس اللوامة. أي ممن المؤمنين الصالحين المحسنين المتمتعين بمعية الله تعالى، الذين تواتيهم أنفسهم على فعل الخير عفوا، فإن لم تواتهم على الخير عفوا، أكرهوها عليه إكراها، حتي يصبح الخير والإحسان لها عادة مألوفة لا تستطيع التخلي عنها...

                                                       ***
7- إن خير المجاهدة هو جهاد النفس وأهوائها وشهواتها، وهو الجهاد الأكبر كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم...فالشاب المؤمن إذا مال مع ما تتعلق به النفوس والقلوب من أهواء وشهوات، انشغل بها عقله وقلبه، ورانت على قلبه، وغلفته بغلاف أسود يحجب كل نور...فلا ينتفع صاحب هذا القلب بنصح ولا وعظ ولا عبرة...والإمام ابن القيم رحمه الله يقد لنا مثلا أعلى رائعا عن مقام المجاهدة العظيم في شخص النبي الرسول الكريم انب الكريم ابن الكريم، سيدنا يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام، فيقول عنه: والله ما صعد يوسف عليه السلام ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام – أي مقام مجاهدة النفس – فلو كان وافق هواه من كان يكون؟
فبمجاهدة النفس يسمو كل شابي ويصعد ويسعد، ويرتفع له عند الله، وبين الناس، نجم اليمن والسعود، ويفوز بعزة الإيمان في الدنيا، وبدرجة الإحسان في الآخرة.
ولهذه المجاهدة طريقة عملية بسيطة واضحة، يمكن لأي مؤمن صادق حي النفس والقبل والضمير، شاب دائما مهما تقدم به العمر، لأن روحه دائمة شابة، أن يسلكها ويكابد مشاقها صابرا محتسبا، ليصل في نهايتها إلى اله، ويتصل له بحل متين من طاعته وتقواه ورضاه...فيهديه الله تعالي سبله ويكون معه في كب حين من أحيان سيره إليه، وعلى كل حال من أحوال كدحه إليه، ليلاقيه في أظهر حالات الطهر، وفي أتقى حالات النقاء...ولله الفضل والمنة ممن قبل ومن بعد على أن هدى إلى الإحسان ومن به..
 وطريقة المجاهدة في الله لها عدة أركان حددها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، ووضحوها، وهي: العزلة، والصمت، والسهر، والصيام...
1- العزلة: ليس معناها أن يترهب المؤمن المجاهد الشاب، فلا يخالط الناس المخالطة الصالحة النافعة لهم وله في الدين والدنيا، فليس هذا مقصد الإسلام، ورسول الله صل الله عليه وسلم يؤكد: "المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" أحمد.
ويزيد عليه الصلاة والسلام تأكيدا: "يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" الترمذي ولكن المؤمن المجاهد الشاب يعتزل الكفر والفسوق والنفاق، ويعتزل مجالس اللهو واللغو، بل وحتى المجالس التي قد لا يذكر فيها اسم الله ...وإن ذكر فقد ذكر استهزاء أو بتهاون أو حرج...
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي سيدنا حذيفة بن اليمان، إن أدركه زمن الفتن والأهواء: "...تلزم جماعة المسلمين وإمامه..قال: فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟
قال: اعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدرك الموت، وأنت على ذلك" البخاري.
2- الصمت: هو في اصطلاح الإسلام وعرفه تهذيب اللسان وحبسه عن قول السوء والفحش واللغو...فربو الله صلى الله عليه وسلم يشترط ويضمن: "من يضمن لي ما بين لحييه (لسانه) وما بين فخذيه، أضمن له الجنة، أو داود..إن من أهم الأمور وأؤكدها في دين الله تعالى أن يحفز المؤمن لسانه رغم ما قد يعانيه من العنت والصعاب في ذلك..المؤمن المجاهد الشاب يحفظ لشانه ويضبطه ويلجمه، فلا يقول شرا بل ولا لغوا..لا يقول إلا خيرا.يقول صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيلقل خيرا أو ليصمت".البخاري.
وتعويد المجاهد المؤمن الشاب نفسه على الصمت إلا حين النطق بخير أو معرفو ركن هام من المجاهدة في الله تعالي وبدونه لا تتم ولا تنجح هذه المجاهدة، بل إن المؤن المجاهد الشاب يعود نفسه على الصمت حتى عن كلمة المعروف والخير، إذا كان المكان أو الزمان لا يناسب لقولها...
3- الصيام: يقول عليه الصلاة والسلام: "عليم بالحزن فإنه مفتاح القلب. قالوا:وكيف الحزن يا رسول الله؟ قال: أحنفوا أنفسكم بالجوع وأظمئوها" الطبراني. لأن الإنسان الذي لا يعرف قلبه الحزن لنفسه وللناس على ما يبتلون به، يطغى ويغتر...وينادي عليه صلاة الله وسلامه الشاب: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة  فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" البخاري...وهكذا نرى أن الصوم يسكر شرة النفس وحجة الشهوة..ولكن علة ألا يجيع الصائم نفسه بالنهار، ليطلق لها العنان بالليل..بل إن المجاهدة للنفس بالجوع في الإسلام لا تقوم بالصوم فقط، بل باتخاذ الطعام وسيلة من وسائل حفظ الحياة للتمتع بها في ذكر الله وشكره وحسن عبادته..وذلك بالأكل والشرب في غير أيام الصوم بالقدر الذي لا يسقط الإنسان في الإسراف المحرم شرعا، ولا في التوسع المكروه الذي يدفع بالنفس إلى البطر وكفر النعمة وعدم مشاركة المحرومين آلامهم.
4- السهر: لا يعني في دين الله أكثر من يتحكم المؤمن في نومه...بدون إفراط ولا تفريط...فالمؤمن الشاب المجاهد لنفسه ولأهوائه في الله يحافظ على صلاة الفجر في أوقاتها مع الجماعة، إن يم يكن هناك مانع قاهر...والمؤمن الحق الشاب المجاهد لنفسه وشيطانه وأهوائه وشهواته يحافظ على القدر الذي يطيق من قيام الليل للتهجد والاستغفار بالأسحار، رغم ما يبدو في ذلك لمن لم يتعوده بالتغلب على نفسه من الصعوبة في أول الأمر، وصدق الله العظيم: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا...) ..وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الدعاء أسمع يا رسول الله؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات..."
ودائما يبقى أي عمل في الإسلام حسنة لا تضيع بين سيئتين، أي أنه توسط واعتدال بين إفراط وتفريط...
                                                       ***
وهو هو شبابنا في مغربنا الحبيب يحتفل بعيده المجيد...الذي هو عيد ميلاد قائده ورائده أمير المؤمنين الحسن الثاني رعاه الله...فبماذا توحي إليه هذه الذكرى؟
توحي إليه بمجاهدة نفسه في الله، وبالخروج من شهواته وأهوائه، وبتصحيح هفواته..وبالاستقالة من زلاته وعثراته..
توحي إليه ببذل المزيد من الجهد والمجاهدة للخلاص من لذة المغريات التي قد تستهويه وتدفعه إلى الركون إلى الشهوات والأهواء، والاستنامة إلى وساوس الشياطين..
توحي إليه بأن يجاهد لاكتساب القوة والمناعة واليقظة، وألا يستهين بأهل الغفلة والمعاصي، ويعتبر بحالهم حتى لا يكون مثلهم...
توحي إليه بأن يجعل من قائده ورائده أمير المؤمنين قدوة في الجهاد والمجاهدة والاطمئنان إلى الله وبالله والسكون إلى ما يرضي الله، في كل الأحيان والأحوال..
8- وقد ألقيت على نفسي هذا السؤال، وأنا أستعد لكتابة خاتمة هذا المقال:
ما هي ملامح طريق شبابنا إلى جهاد نفسه الجهاد الأكبر، في عصر اختلطت فيه الملامح، وتشابهت المعالم؟
وكان جواب هذا السؤال هو هذه الملامح والمعالم، التي حددها بوضوح ووعي العالم المؤمن المرحوم محمد فريد وجدي، في كتابه الفريد (الإسلام في عصر العلم) ص 356 – المجلد الثاني، وهي مسك ختام المقال:
"1- معنى الإسلام أن تسلم وجهد لله مجردا من علمك وقلبك وحولك وقوتك وتقاليدك كلها، الفقر شعارك، والخشوع دثارك|، والتقوى والرجاء والضراعة صفاتك، متجردا له كيوم ولدتك أمك، على الفطرة لتحقق عبوديتك وتمحو أنانيتك، وليصح الاتصال بينك وبينه بلا حجاب من عرض عقلي أو أثر وراثي، أما لو اتجهت له وأنت مملوء دعاوي ومزاعم، وفاهم أنك على شيء، فأنت تتجه بمعلوماتك ومعقولاتك وليس هذا ممن الإسلام في شيء.
2- الإسلام بالمعنى المتقدم هو دين الأنبياء، ومقدمة الفتح عليهم، وهو الدين العام الذي يرضاه كل من أدركه.
3- الإيمان أن تؤمن بالأمور الستة المبينة في القرآن، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقضائه وقدره، كما جاءت في القرآن الكريم بالأدلة التي نص عليها الخالق العظيم بإزاء ل واحد منها.
4- الزيادة على ما جاء في القرآن من الأدلة هو من خلط الفلسفة، ومتى اختلطتن الفلسفة بالدين تحول الدين إلى فلسفة، وصار قابلا مثلا للأخذ والرد، وهو ما يعلو الإسلام عنه، لأن الإسلام لا يمكن التفرق فيه.
5- دواء الشكوك في أمور الإيمان مبين في كتاب الله، وهو الذكر وكثرة الطلب من الله للهداية.
6- ما طرأ الفساد على الأديان إلا من خلط أهلها العلم بها، والذهاب بها مذهب معقولاتهم، فيصبح الدين صورة عمل الأمة وشكل معقولاتهم، فإذا ترقت في العلم لاحظت فرقا بين علمها ودينها، فإن تمسكت بدينها تأثرا بالوراثة جيلا، فلا تلبث على ذلك جيلين أو ثلاثة، فيثور حول العلم على حزب الدين فتصبح الغلبة للأقوى، وحالة أوروبا شاهدة بما تقول، كل حوادث تاريخ تدل عليه…
7- الدين كل بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينك وأتممت عليكم نعمتي…) وقد أقاماه صلى الله عليه وسلم على الصراط الذي لا ينحرف عنه إلا منحرف، فلا يجوز إن يزاد فيه بالرأي ولا بالعقل شيء مهما كان صغيرا أو كبيرا، فإن آراءنا ومعقولاتنا تابعة لدرجة معلوماتنا المتغيرة المتحول، وهي ليست من الديني في شيء، وكل ما جاء به أئمتنا الأربعة وغيرهم، لم يجيئيوا به بصفة وحي أو بطريقة إجبارية، كما فعل زعماء الملل الأخرى، بل قالوا كلهم: هذا ما فهمناه والله أعمل.وكانت صلاة بعضهم خلف بعض، وتحابهم وتراحمهم مع اختلافهم، أكبر دليل على علمهم بأنهم لم يختلفوا في الدين، ولكن في العلم، والاختلاف في العلم سنة العالم كله، ولاحق لأحد أن يكفر أحدا بدعوى أنه يذهب غير مذهبه.
8- العقل الإنساني في هذا العالم خاص بأشياء هذا العالم، ولكن مدركات العالم الروحاني لها عقل أرقى من هذا العقل، يوهب هبة للأنبياء والمرسلين، وهؤلاء الأنبياء والمرسلون لم يؤدوا لنا إلا ما نستطيع إدراكه بالعقل، وما خفي عنا أكثر مما لا يعبر بلسان ولا يتخيل بجنان، فالدين يقضي بأن لا نحكم بما نتعقله في عالمنا هذه على ذلك العالم الروحاني الذي له شؤون وأحوال خاصة، فيلزمنا والحالة هذه أن نتتبع ما قال البين صلى الله عليه وسلم، لا نزيد فيه ولا ننقص منه حرفا، فهو أعلم بمصلحة أمته من أكبر إنسان فيها، وأدرى بما يجوز أن يفشى لها من الشؤون العلية.
9- ما نحن فيه من اللوث والخبط في العقائد والعواطف، وما عرانا من الضعف والفتور في الحياة والروابط الاجتماعية، بسببه فتنة المدنية الغربية بما حملته لنا م غث وسمين وحق وباطل، وهي تقارع عالمنا الشرقي كله بكل سلاح، وهي فتنة لا يمكن مقارعتها إلا بأصول أقوى من أصولها وأبعد مرمى، كما هو شأن التغالب في قانون الحياة، ولا يقوى على هذه الفتنة من هذه الجهة إلا الإسلام النقي الخالص، فإن تدرعنا به فزنا ونجونا، وصرنا خلفاء أمة عظيمة دعت إلى أكبر إصلاح في العالم..."

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here