islamaumaroc

المحجة الحسنية.

  أحمد مجيد ابن جلون

275 العدد

(فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) صدق الله العظيم.
إن مناقب جلالة الحسن الثاني أكثر من أن تحصى، وأن فضائله أوفر من أن تعد، وعبقريته أسمة من أن توصف، وإباءة أقوى من أن ينعث، وطموحه إلى رقي وإسعاد شعبه الشكور أشهر من أن يذكر أو يمجد، وعلمه أنصع من أن يثير الإعجاب ويفرض التقدير، وأخلاقه نموذجية لأنها أخلاق القرآن، وعطفه متناهي إلى حد العفو، وكرمه حاتمي الكم والكيف، ومنجزاته تتحدى القرون والأجيال، وشغفه بكل فرد ممن أفراد أمته يتعدى البحار في عمقها والجبال في علوها وشموخها والضمائر في صمودها، والألوية في نصاعتها وبهائها.
                                                      ***
إنه الملك الفاتح حيث إنه لم يكتف بالعمل على تحقيق الوحدة الترابية التي أصبحت واقعا ماديا ملموسا بفضل عزيمته التي لا تلين وإرادته التي لا تعرف التردد ولا الوهن وبعد نظره الذي خطط بإمعان وتبصر فأنجز بحكمة ودراية وفعالية، وجلد لم ينفع ضده لا المؤامرات المحبوكة. ولا الجهل المركب ولا لا مبالاة الغير ولا عناد الخصوم وصبر وأناة قهر عدم الإدراك وإقناع الباحثين وجلب العطف والتقدير. لم يكتف بالعمل على تحقيق الوحدة الترابية المنشودة، ولكنه كان أيضا الفاتح للقلوب لأنه ألف الأمة ووحد الكلمة وحقق التضامن الشعبي، وغرس بدور المحلة والإخاء فأينعت وترعرعت حتى جنى الشعب تمارها وأصلح المغاربة يتكلمون نفس الكلام، ويطمحون إلى تحقيق نفس الغايات والأهداف، والمرامي والمقاصد، وكل من دليل على ذلك أقوة وأنصع مما جاء في الفصل الثامن عشر من الدستور الذي يؤكد على أنه يجب على جميع المغاربة أن يتحملوا متضامنين التكاليف الناتجة عن الكوارث التي تصيب البلاد، وكذلك في مدونة الأحوال الشخصية التي تصدع بأن للمعوز من المغاربة حق في مال من له فضل.
                                                      ***
إنه الفاتح للأذهان والأرواح والعقول لأنه فتح باب المعرفة على مصراعيه للشباب، فكانت المدارس والمعاهد والكليات يحج إليها من كل حدب وصوب، من توفرت فيهم إرادة التحصيل وبغية التعليم والتكوين، فولجوها بدون تمييز، ودخلوها من غير أداء أي رسم أو نفقة، وحصلوا على العلم النافع والتعليم المجدي، مكونين من أنفسهم مواطنين صالحين، مؤهلين لخوض معركة الحياة، وحاملين لواء المناعة والكرامة، على استعداد تام للمشاركة في ذلك الجهاد الأكبر الذي دعا إليه ملكنا الراحل جلالة محمد الخامس قدس الله روحه، فكانوا بدلك خير خلف لخير سلف، تحدوهم أكد الرغبات في النفع والانتفاع، لفائدة أمة ضحت بكل ما لديها في سبيل استقلالها، فصار من حقها أن تنتظر من أبناءها نفس التضحية على درب الانتفاضة الخلقية والملحمة الاجتماعية والاقتصادية.
                                                    ***
أخذ جلالة الحسن الثاني، منذ تربعه على عرش أجداده الميامين، بزمام الأمور بروح المؤمن المجاهد، والقائد المقدر لمسؤوليته، والملك المعتز بشعبه ووطنه، والقائد الواعي بثقل العبء الملقى على عاتقه، فتحدىـ الأوضاع والأحداث، ووجه عنايته لكل الجهات، وعلى مختلف المسؤوليات، في إباء وطموح، حتى أصبح شعبنا من خير الأمم وجيشنا مثالا يقتدى، وأرضنا قلعة السلم والاستقرار، ونعم المغرب والمغاربة بجو الفضيلة ومناخ المناعة والكرامة.
ولقد تحقق كل هذا بفضل طموح جلالته، وتبصره، ووعيه بالمواقف والمشاكل، وحرصه الأكيد على إيجاد الحل المناسب والمخرج المجدي، واتبع الطريق الوحيد الذي كان من شأنه أن يضمن النجاح، تلك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
واتباعا لما يهدي إليه هذا المبدأ السامي، كان جلالته يحتكم حتى مع خصومه لقول خالق الكون في كتابه المبين: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) صدق الله العظيم.
                                                   ***
منذ أن تسلم جلالته دام له النصر والتمكين مقاليد الحكم استند في مبادراته ونشاطه على تعاليم ديننا الحنيف شكلا وموضوعا، فعمل على تكريم الفرد وحماية حقوقه ومكتسباته، مخصصا للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، وحريصا على أن يتوفر كل ذي حق على حقهن وفي أسلوب يجعل من المشاورة ركن الزاوية، ومن تبادل الرأي العنصر الأساسي قبل اتخاذ القرار.
لقد عرف المغرب ثلاثة دساتير، وكلها خضعت لنفس الأسلوب ولذات المسطرة، فجلالته يهيئ المشروع، ثم يعرضه على الأفراد والأحزاب لإبداء الملاحظات حوله، ثم على الشعب الاستفتاء. وفي كل مرة، يؤكد جلالته في الخطاب الملكي الذي يلقيه بالمناسبة أنه على استعداد كامل لتعديل المشروع على ضوء الملاحظات المدلى بها. وهكذا صرح جلالته في الحطاب الذي ألقاه يوم 17 يبراير 1972 بقوله: "فقل كلمتك شعبي العزيز لكل حربة وبكل نزاهة، ولك أن تبتدئ الحملة بقول لا أو بقول نعم بكل حرية ابتداء من غد وستكون نهاية الاستفتاء متم شهر فبراير إن شاء الله، وأملي في الله سبحانه وتعالى سوف يلهمك سواء السبيل".
أما الدستور نفسه فهو في مواده وفصوله مراءة لتلك الروح المسالمة والإرادة الحكيمة التي تجعل من تبادل الرأي وإيثار أحسن الحلول والاستناد على قيم الإسلام وأخلاق القرآن منطلقا للتقنين وطريقا قيوما للاختيارات إن الدستور المغربي يؤكد دون تردد جميع المبادئ الإسلامية التي تدافع عن الحرية وتدعو إلى المساواة، ونصون الحقوق وتساعد على أن يقوم المواطن المغربي بدوره كاملا في التشاور والحوار، دون أن يكون معرضا لأي نوع من أشكال التأثير والاضطهاد. أما المؤسسات الدستورية فهي مؤهلة لتقوم ردوها على الوجه الأكمل, ولا أدل على ذلك مما جاء في المواد: 66 و 67 و 68 من الدستور ذلك أن مجلس النواب يصوت على المشاريع المعروضة عليه ثم يرفعها إلى جلالة الملك ليصادق عليها، إلا أنه من حق جلالته أن يطلب من مجلس النواب أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع أو اقتراح قانون. وتطلب القراءة الجديدة بخطاب، ولا يمكن أن ترفض هذه القراءة الجديدة، وللملك بعد ذلك أن يستفتي شعبه بمقتضى ظهير شريف في شأن كل مشروع أو اقتراح قانون بعد أن يكون المشروع أو الاقتراح قد قرئ قراءة جديدة، الله إلا إذا كان المشروع أو الاقتراح قد قبل أو رفض بعد قراءته قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذي يتألف مهم مجلس النواب.
                                                      ***
وشاءت إرادة الخالق، وشاء طموح العرش والشعب أن نحقق استقلال البلاد وانعتاق الأوطان والأفراد، فأدينا ثمن التحرير ولم نحصل على إبعاد المستعمر حتى انغمرنا في معركة استرجاع أجزاء أراضينا السليبة. فخاض ملك البلاد تلك الملحمة الخالدة التي حررت طرفاية ثم سيدي إفني، لا باللجوء إلى القوة أو السلاح، ولكن بالاستناد على نفس الأسلوب الحسني، أسلوب الحوار، أسلوب المباهلة، وجاء دور الصحراء..
إن من عاش المراحل التي قطعتها قضية الصحراء عن قرب ليدرك مدى فعالية الجهاد الأكبر الذي خاضه جلالة الحسن الثاني بعزيمة لا تلين وبيقظة لا تعرف انقطاعا وبروية وصبر وجلد، وبإيمان كامل بان الحق يعلو ولا يعلى عليهن وبإرادة توثر النقاش وتفضل طريق السلم، وتجنح على المباهلة أمام المحافل الدولية – وعرضت القضية على الأمم المتحدة، فنوقشت مرارا وتكرارا. ومرت السنون تلو السنين، وكانت المجادلات حادة، والمناقشات طويلة وصعبة. ولكن جلالته قابل العناد بالأناة والصبر، فلم يهن ولم يضجر، واستمر في خطته المعهودة. ولما وصلت القضية إلى الطريق المسدود، دعا حفظه الله إلى التحاكم أما محكمة العدل الدولية فأصدرت ذلك الرأي التاريخي الذي اعترف بحق المغرب فكانت المسيرة الخضراء الخالدة التي استمدت روحها من وجدان جلالته ومن إيمانه بصلاحية الطرق السلمية، ودخلنا الصحراء، تنفيذا لنتيجة الحوار والتحكيم.
                                                   ***
وفي نفس الوقت كان جلالته يعير القضايا العربية والإسلامية والدولية الأهمية التي تقتضيها رسالته كملك، ومهمته كغربي مسلم، فامتاز بمؤهلاته التي جعلت منه الوسيط المتميز، وتدخل بين الأشقاء والأصدقاء، لنصرة الوئام والوفاق، وحصل على تلك النتائج الإيجابية التي أقنعت الخصوم، وارتاح لها الأحياء، والتي امتازت بوفرتها واختلاف ميادينها.
                                                  ***
لقد عشنا هذه السنة ميلاد اتحاد المغرب العربي، كما احتضنت بلادنا بالدارالبيضاء القمة العربية الاستثنائية التي وصفها الملاحظون والمشاركون بأنها قمة التصالح، قمة الوحدة، قمة الإخاء، وفي هذا الصدد أكد المؤتمر على الخصوص: "ونتيجة للاتصالات التي تمت بين أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء الدول العربية واستجابة مبادرة من صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية ورئيس المؤتمر تمكن القادة من إزالة الخلافات التي كانت تعكر العلاقات بين بعض الدول العربية مما أصبغ على أشغال المؤتمر جزا من المصالحة والوفاق والأخوة والتضامن".
إنها نتائج تلك السياسة الحكيمة لجلالة الحسن الثاني العظيم.
وإننا إذ نحتفل بعيد ميلاد جلالته، فكلنا شكر وامتنان لخالق الكون الذي وهبنا ملكنا المثالي، ولجلالته والذي قاد سفينتنا إلى شاطئ النجاة، وقلدنا وسام الكرامة، بفضيلته وشفقه بشعبه المتفاني في حبه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here