islamaumaroc

حول حيرة الشباب

  محمد الإدريسي

275 العدد

في نظري وحسب قناعتي فإن حيرة شبابنا العارمة التي يتخبط فيها مع الانحرافات التي تصدر عنه نتيجة تلك الحيرة تعود كلها إلى عدة أسباب أهمها وأعظمها التناقض: ما يراه من تناقض واضح في الواقع المعاش والمجتمع الذي ينتمي إليه.
إنه تناقض سافر ينفر من الدين وينحرف بشتى صور الانحراف، وهو تناقض طغى في مجتمعنا، نعذر بسببه شابنا ولا يحق لنا أن نلومه وهو بعد لم يستقر ولم يطمئن وإنما يجدر بنا أن نعود باللوم على من هيأ لجو التناقض في دنيا الشباب حتى صار وهو في فترة المراهقة يخبط خبط عشواء فكأنه في حالة جنون، ولا يماري أحد منا لأن فترة الشباب وعلى الأخص فترة المراهقة هي فترة خاصة ومرحلة عصبية في حياة الشاب تحتاج إلى كثير من العناية وكثير من الرعاية لكي يستقر ويطمئن شبابنا وبذلك نحفظه من التطرف ونحصنه من الانحراف وكأن هذه الفترة هي المقصودة في قول الرسول الكريم: "الشباب شعبة من الجنون" (1).
وعلى هذا الأساس فشبابنا معذور وهو قد جر جرا إلى جو التناقض وكأنه أرغم على العيش فيه وفي رحابه، ولنمثل لمظاهر التناقض الذي كان سببا مباشرا في زيغ شبابنا كما عالجه الشيخ أبو الحسن الندوي في بحث جامع له، فكان مما قاله:
"..من أعظم أسباب الحيرة التي يعانيها الشباب المسلم اليوم هو التناقض في المجتمع الذي يعيش فيه: تناقض بين ما ورثوه وبين ما يعيشونه وبين م يلقنونه تلقينا وبين م يطلبه منهم علماء الدين.
وحل هذه المشكلة هو إزالة هذا "التناقض" الذي يعبر عنه لسان الشريعة ولسان القرآن بكلمة "النفاق" وإن ذلك يحتاج إلى قلب نظام التربية والإعلام ومؤسسة الصحافة بالمعنى العام، والتلفزيون – الذي جاء حديثا – رأسا على عقب، ويحتاج إلى ثورة عامرة ودقيقة وشاملة، وإلى أناس عندهم الأصالة الفكرية، وإلى الاجتهاد في المواد الدراسية، ويحتاج إلى أن تتبنى هذه القضية الحكومات الإسلامية الكبيرة، وإلى ملء الفجوة بين الكهول والشباب وبين الدعاة إلى الدين والشباب الجامعيين، ويحتاج إلى مكتبة جديدة وأسلوب جديد في الحديث مع الشباب !" (2)
إنه من أجل المعالجة الجذرية لمشاكل شبابنا وصيانتهم في مستقبل الأيام يتحتم علينا محاربة ذلك التناقض وإزالة مظاهره لأننا قد وصلنا إلى حالة الداء المشخص مما يسهل علاجه، شريطة أن يتكون الجدية والإخلاص في العلاج قبل فوات الأوان.
ولكن هناك حقيقة تنادينا تتعلق بموضوعنا وهي أن بعض مظاهر انحراف شبابنا تعود أساسا إلى تقصير الأسرة في التربية في العصر الحاضر بمعنى أن الأشرة كانت وما زالت وكما أراد ديننا هي المدرسة الإسلامية الأولى مصداقا وتطبيقا لقوله تعالى: (يا أيها الذي آمنوا قوا أنفسهم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمره ويفعلـــون ما يومـــــــرون).(3)
وحسب منطوق الآية الكريمة تعتبر الأسرة مصدر خير أو شر أو بناء أو هدم للجيل الصاعد، فإن كانت في مستوى المسؤولية صلح الجيل وإن كانت دونها فسد، ولكن مع وعي كامل وتحمل للمسؤولية يمكن أن تبقى الأسرة هي المدرسة الإسلامية الأولى في مجتمع الإسلام رغم التحديات والمثبطات إذا كان شعارها "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..." (4)
وقبل أن نفصل القول عن المدرسة الإسلامية الأولى نلقي أضواء على حديث الفطرة الذي يعتبر بحق الأصل في التربية الصحيحة وضمان استقامة الإنسان لأنه يرجع نجاح التربية إلى الفترة التي يكون الطفل فيها مادة خامة يسهل تشكيها – إن صح التعبير – والتأثير عليها، وهو حديث فريد في بابه لأنه يحمل المسؤولية كاملة للآباء، فرعاية الجيل الصاعد وتأديب الناشئين وهو واجب أولياء أمور الأبناء بالتعاون مع المربين، فهذا التعاون الثنائي ضروري من أجل القيام بعملية تربوية تجمع بين التقوية للعقيدة والتحصين لأبنائنا والتقويم لسلوكهم والترشيد لتصرفاتهم من البداية أي من السنوات الأولى وهو أصعب المراحل التي يميل في صغارنا إلى الإمعية والمحاكاة.
هذا التعهد المستمر لصغارنا والمراقبة الواعية لهم بحكمة تضمن لنا في المستقبل وجود شباب يفهم ذاته ويعي دوره في الحياة ويكون موفقا في فهمه للإسلام، وتوظيف طاقاته وقدراته في خدمة أهداف الدين الحق ومتطلبات أمته الإسلامية، ولكن هذه النتائج المنتظرة المشرفة والباهرة لا تتحقق في الواقع إلا إذا تحملت الأجهزة الإعلامية المسؤولية برمتها وتعاونت مع الآباء والمربين في عملية التربية والتقويم والتصحيح والتحصين بتقديم الإنتاج الطيب الذي يرى ويسمع والذي يجشم سلوكا سويا وقدوة حسنة، ويحبب تاريخنا إلى صغارنا وشبابنا مما يجعله يسير قدما على أثر السلف الصالح، وبذلك يتحقق استقطابهم من أعماقهم فيهتدي بنا بدل أن يضيع.
وسلفنا الصالح إنما جاء صلاحه من تربيته الصحيحة المعتمدة أساسا على القرآن والسنة، ولنمثل لذلك: كان الطفل يلقن التقوى والخوف من الله أولا من قبل جميع الأقرباء والأصدقاء وهذا مثل واحد لذلك التلقين في عصرنا الإسلامي الزاهي: "قال سهل لن عبد الله: كنت ابن ثلاث سينين وأنا أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالية (محمد بن سوار) فقال في خالي يوما: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قلت: كيف أذكره؟ قال:قل بقلك ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك: الله معي، الله ناظر إلى، الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي..ثم أعلمته فقال: قلها في كل ليلة إحدى عشرة مرة. فقلت ذلك فوقع في قلبي حلاوته...
فلما كان بعد سنة قال لي خالي: إحفظ ما علمتك وداوم عليه إلى أن تدخل قبرك. فلم أزل على ذلك سنين فوجدت له حلاوة في سري. قال لي خالي: يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهد عليه..هل يعصيه؟ إياك والمعصية. ومضيت إلى الكتاب وحفظت الكتاب وأنا ابن ست سنين أو سبع، ثم كنت أصوم الدهر وقوتي ممن خبز الشعير، ثم بعد ذلك كنت أقوم الليل كله". (5)
هكذا كان الطفل يوجه بالأمس.. الكل يساهم في توجيهه، وفي تقويم عود إيمانه وتأسيس عقيدته.
والطفل عمدنا اليوم حينما يريد أن يأخذه النوم مثلا نقول له: نم يا بني الآن، فحينما تستيقظ سأشتري لك هدية ثمينة، فينام الطفل غير مفكر إلى في الهدية الجميلة المنتظرة.. هي سيارة أم طائرة أم بندقية رشاش؟...
يشب الطفل عندنا إذن يعيش على الماديات ويحيا مفكرا بها مستلذا بالسماع عنها فيعتاد التنعم والرفاهية ويضيع حياته كلها فيما بعد في طلبها وامتلاكها. كان الأوائل يبدأون بتعليم أبنائهم الصفات الحسنة من أصغرها لينشأ غير هياب أمام أكبرها.
"كانوا يعملون آداب الأكل: الا يأكل بشراهة وأن يتعود في بعض الأحيان أن يأكل الخبز وحده من غير إدام كي لا يرى الإدام كحتم، ألا يخالط أولا السوء، ألا يستمع القول الفحش، أن يكرم لأي فعل محمود فيمدح بين الناس، وأن يعاقب سرا لأية مخالفة، أن يتعود الخشونة في الملبس والمفرش والمطعم، أن يتعلم العطاء لا الأخذ... التواضع لا التكبر والترفع، ألا يفتخر على أقرانه بما لديـــــــه". (6)
"حتى حينما يبلغ السبع سنين أمر بالصلاة ولم يسامح في ترك الطهارة ليتعود، ويخوف من الكذب والخيانة". (7)
وآداب الأكل عندنا أن يأكل الطفل فوق الشبع ونفرح حين رؤيته يأكل بشراهة ونهم، بل نصاب بخيبة أمل او أكل بقلة شهية حتى إننا ننوع له الإدام ليأكل حسب رغبته وحسب ما يشتهي لنعلمه وبصورة غير مباشرة أولي الأكل وأهمية الطعام فيكبر ليعطي الأهمية الكبرى في حياته لوجبات طعامه، أفيفهم الكد والتعب في الحياة؟ إنه رجل الأكل والإسراف والتنويع فيه، فلا يعود يرى للفروض الدينية معنى – فيصبح الصوم لديه مثلا – وهو ركن منن أركان الإسلام – أمرا صعبا لا يرى داعيا له لأنه يجعله يكف عن التلذذ بالطعام !
أمور بعيدة عن الدين نعلمها نحن لهم دون أن نفقه نجني بها عليهم فنبعدهم عن المعنى الصحيح للحياة وهي أن الغنى المادي وحده في الدنيا نقمة، والفقر النعمة الأصلية !
لكننا لو جعلنا الطفل يعيش الزهد في هذا الزمن لجنينا عليه بالحرمان والتعقيد، أما لو تركنا له الحبل على غاربه لجنينا عليه بالقحط الروحي وسوء العاقبة.
ترى ماذا يفعل المسلم المعاصر؟ وكيف يتصرف وهو الأب المسؤول والراعي الحريص في بيته؟
عن عليه أن يتجهز بكامل أسلحته ليكون جبهة فردية يحارب فيها العالم أجمع كي ينشأ ولده النشأة الإسلامية.
إن تنشئة إسلامية واعية عميقة لصغارنا هي التي تجعل فيهم حبا لدينهم وغيرة عليه، وحجتنا على ذلك هذا المثال العجيب الفريد الذي نلمس فيه الفرق الواضع والبون الشاسع بين أطفال السلف الصالح وأطفال العصر الحاضر، جاء في كتاب "متفرقات في الدين والحياة" للأستاذ أحمد عاشور:
(أن غلمانا من أهل البحرين خرجوا يلعبون الكرة وأسقف البحرين قاعد فوقعت الكرة على صدره فأخذها فجعلوا يطلبونها منه فأبى فقال: غلام منهم: سألتك بحرمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى رددتها علينا فأبى وأخذ يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا عليه بعصيهم يضربونه حتى مات فرفع ذلك إلى عمر رشي الله عنه، فوالله ما فرح يفتح ولا غنيمة كفرحه بقتل الغلمان لذلك الأسقف وقال: الآن عز الإسلام أن أطفالا صغارا شتم نبيهم فغضبوا وانتصروا وأهدر دم الأسقــــــف). (8)


------------------------------
1) أخرجه القضاعي في المسند من حديث طويل، والخرائطي والعسكري ورمز له السيوطي بعلامة الحسن، والمعنى كاملا قال الزمخشري أن الشباب طائفة من الجنون لأنه يغلب العقل ويحيل صاحبه إلى الشهوات...
2) عن مجلة (البعث الإسلامي) بالهند عدد 10- من المجلد: 22 من الصفحة: 20 – رجب 1398 – مايو ويوليوز 1978.
3) الآية رقم 6 من سورة التحريم
5) عن مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي بتصرف.
6) نفس المرجع بتصرف.
7) نفس المرجع بتصرف.
8) الجزء الأول- صفحة 48 – طبعة دار الاعتصام بالقاهرة 1399-1979.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here