islamaumaroc

العلاقات بين المسلمين والمسيحيين بأوربا (تر.محمد الصائغ)

  يان سلوب

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

نشر هذا المقال في مجلة الوحدة الإسلامية الصادرة بمدينة جنيف بسويسرا ـ العدد الملحق رقم 36 ـ الصادر في صيف عام 1405 هـ / الموافق 1985 م    The Firmest Bond P.O Box 82 – 1218 – Geneva.
  في السنوات الأخيرة بذل المسلمون والمسيحيون مجهودات متواصلة من خلال حوار مفتوح قصد الوصول إلى تفاهم وثيق ـ خال من الشكوك والشوائب ـ وذلك خدمة للسلم والعدل ولمصالح الإنسانية وعلى سبيل المثال، فقد انعقد مؤتمر الحوار الإسلامي ـ المسيحي بمدينة كولومبو ـ عاصمة سيريلنكا ـ (سيلان) فيما بين 30 مارس وفاتح  أبريل 1982 م، تحت عنوان «التعايش» والتعاون بين المسلمين والمسيحيين، فضائل وتطبيقات البرامج الخيرية والتنموية، وقد كان من وراء أخذ المبادرة وتنظيم هذا المؤتمر كل من المؤتمر الإسلامي العالمي ـ كراتشي ـ ( والمجلس ) العالمي للكنائس ـ جنيف ـ وكان الناشر لهذا المقال من بين المشاركين 63 في المؤتمر حيث تمكن من نشر التقرير النهائي للمؤتمر ] في مجلتنا [المشار إليها ]  The Firmest Bond)في عددها ـ 8 (الثامن ). ولقد رحب المسلمون الحاضرون بالتصريح الرسمي الذي أصدره المجمع الثاني للفاتكان سنة  1963.
وكانت البيانات الأخيرة المنبثقة عن ندوة الكنائس الأوروبية المنعقدة بمدينة S. Polten  في شهر مارس حول منزلة رسول الله محمد صلى الله وسلم والبيان الصادر عن اللقاء الإيكوميني الثالث المنعقد بمدينة Riva Del Garda
بإيطاليا في شهر أكتوبر 1984 جديرة بكل تقدير خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار المفهوم المسيحي للإسلام،  أما خلال الملتقى الثاني لأئمة المساجد الذي نظمته جمعية الدعوة الإسلامية في شهر يناير 1985 بمدينة Utrecht بهولندا، فقد ألقى الأستاذ «Jan Slomp » Dr- وهو عالم ديني ومفكر هولندي شهير – كلمة مهمة حول موضوع "العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في أوروبا"" وفي ما يلي نص الكلمة التي ألقاها الدكتور Dr. « Jan Slomp »  ننشرها كاملة حتى يستفيد منها قراؤنا [الأعزاء].


يقول الدكتور " Dr.  Jan Slomp "   أستسمحكم أن أبدأ أولا يتشكراتي للجنة التنظيم التي طلبت مني أن ألقي محاضرة في موضوع العلاقات بين الإسلام والمسيحية، وأن أطبعها بطابع شخصي، فيصير موضوع المحاضرة هو العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في قارتنا الأوروبية، انطلاقا من مفهوم مسيحي. لقد قبلت هذه الدعوة بكامل السرور [ والاعتزاز ] لأنني، منذ ربع قرن مضى، إنه من المناسب، على ما يبدو لي، أن ألفت انتباهكم إلى أن حدثا من هذا القبيل، أي كأن يتحدث مسيحي أمام جمهور مسلم، أو كأن يتحدث مسلم أمام جمهور مسيحي، هو في حد ذاته دليل على أن أكثر الناس ينقصهم الاطلاع إلى حد بعيد في هذا المجال، كما أنه دليل على أن كلتا الجماعتين الدينيتين كانتا في العصور الماضية في عزلة متبادلة.
ففي مقال نشر قبل أسابيع قليلة من وفاته سنة 1982، صرح القس الإنجليزي :   Bishop David Brown M. أنه يود أن ترقى اللقاءات مع المسلمين إلى روح الاحترام والمعرفة والأمانة والتفتح والأمل [ في المستقبل ] وسأحاول في محاضرتي هاته أن أخذ بعين الاعتبار هذه الاقتراحات وأربع مراحل:
لقـد دخلت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في أوروبا، حسب تقديراتي، مرحلتها الرابعة. إن المسلمين يكونون جزءا [ لا يتجزأ] من التاريخ الأوروبي إنهم ينتسبون لحاضره وسيقررون مستقبله. إن هذا الوجود الإسلامي، عبر القرون، إذ يشكل في حد ذاته موضوعا للتفكر والاهتمام، سواء داخل الكنيسة أو داخل المجتمعات التي تواجد فيها، فإنه أصبح حقيقة إنسانية لا للشرق فحسب، ولكن أيضا، ومنذ عقود مضت بالنسبة لـ (دول ) غرب أوروبا.
إن محاضرتي هاته ليست، على أي حال، موضع وصف توضيحي للتاريخ المعقد والمتشابك للعلاقات بين أوروبا [المسيحية] والعالم الإسلامي، وبالأخص للعلاقات بين الكنائس والمسيحيين في أوروبا والعالم الإسلامي، سواء عندنا أو في الجهات النائية من آسيا وإفريقيا. ومع ذلك، لكي نفهم المرحلة الراهنة من التاريخ [المذكور] فإنه من الضروري أن نلقي نظرة موجزة على الماضي. إن كل المؤشرات تبين لنا أننا دخلنا مرحلة جديدة من هذا التاريخ.
ـ  إن المرحلة الأولى :من ذلك التاريخ تتفق مع ما يسمى بتاريخ إسبانيا المسلمة (الأندلس) وما ترتب عن تلك الفترة التاريخية. ولقد كان لهذه المرحلة أثر عميق في نمو الثقافة الأوروبيـــة وأن المسلمين كثيرا ما يشيرون إلى هذه المرحلة [من التاريخ] ببالغ من الاعتزاز والخوف معا. وذلك ما صوره الأستاذ أمير علي عندما اعتبر نتيجة معركة Poitiers سنة 732 م بمثابة نكسة ذات نتائج مضاعفة بالنسبة للعرب وبالتالي بمثابة كارثة لكل من أوروبا والمسلمين معا (راجع كتابه «روح الإسلام»، صفحة 398).
فالمواقف الغربية تجاه الإسلام كثيرا ما تحددها الأحداث التاريخية، وبالتالي المفاهيم المختلفة للتاريخ، وهي مفاهيم تختلف عامة مع مفهوم التاريخ عند المسلمين.
لقد بدأت الحملات الصليبية أثناء المرحلة الأولى، تظهر وتتوارى، إلا أن العقلية الصليبية بقيت، ويا للأسف، حية لمدة طويلة. فالأوروبيون بما فيهم المسيحيون وغيرهم، ميالون إلى تجاهل ما تلقوه من العالم الإسلام لتعزيز رصيدهم المادي وتنوير حضارتهم الأدبية والثقافية. فمن الواجب عليهم، كبقية  العالم الثالث المختلف أن يتذكروا ما ورثوه من العالم الإسلامي ليضيفوه إلى حضارتهم الأوروبية.
إن Anslem من Canterbury الذي عاش من (1109 هـ ـ 1033 م) وThomas Aquinas (1274 هـ ـ 1228 م) و Raymoud Lull (1316 هـ ـ 1235 م) و«نيكولا» Nicolas من Cosa (1464 هـ ـ 1401 م) كانوا هم وحدهم تقريبا من رجالات الدين المسيحيين الذين فهموا الإسلام، خلال هذه الفترة من الزمن، بطريقة فلسفية موضوعية.
ـ  أما المرحلة الثانية : فهي تغطي تقريبا مدة  التفاعل بين الإمبراطورية العثمانية والقارة الأوروبية خاصة منها الجهة الشرقية وبعض بلدان وسط أوروبا . وبعد انهيار هذه الإمبراطورية سنة 1453، بدأ النفوذ [العثماني] التركي يتلاشى في هذه الأقطار الأوروبية]. ولا زالت ذكريــات تلك المرحلة حية في هذه البلدان كبلغاريا، وقبرص، واليونان، ورومانيا، ويوغسلافيا، وما زال أثر هذه الذكريات يطبع لحد الآن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه البلدان.
ـ  أما المرحلة الثالثة  : وهي  تلتقي إلى حد ما مع المرحلة الثانية، فإنها تابعــة لتموجات التوسع الأوروبي، وذلك غالب الأحيان على حساب ما نسميه اليوم ببلدان العالم الثالث، وهي مناطق شاسعة، أغلبية سكانها مسلمون، كما هو الحال بالنسبة لشمال ووسط إفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وماليزيا وأندونيسيا… فكل هذه البلدان [وغيرها] صارت تحت السيطرة الاقتصادية الأوروبية وفي غالب الأحيان تابعة للنظام السياسي الغربي.
 لقد أرسلت المسيحية الأوروبية، بتياراتها الرئيسية الثلاثة: (1) الكاثوليكية الرومانية، (2) البروتستان، (3) الأرطودوكس في الدرجة الأخيرة، بعثات دينية إلى هذه البلدان فأقامت فيها الكنائس وجندت بعض الأشخاص بعدما أبعدتهم عن دياناتهم الأصلية، كالهندية والبوذية..الخ ـ والذين لم يسبق لهم اعتناق الإسلام ـ خاصة في الهند والشرق الأوسط،  أو بعدما اختارتهم من بين عمار الكنائــس القديمة التي كان الحواريون المصلحون قد أقاموها في هذه البلدان.
 ولقد عملت الطبقة المثقفة (Enlightenment) خلال هذه المرحلة، على تشجيع الدراسـات الإسلامية والاستشراقية، بحثا عن الوصول إلى حضارة ذات انتشار عالمي، فانطلقت مثل هذه الدراسات من بعض الجامعات الأوروبية خلال الشطر الثاني من القرن السادس عشر، فعلم الاستشراق، رغم اتساع أفقه نظرا للبحوث والدراسات الجامعية التي كان محورا لها، لم يتمكن دائما من التحرر من الأفكار المسبقة السائدة (والأنانية (SELF – Centredness الأوروبية. بدأت الأصول المذهبية والتطبيقية لهذه البحوث والدراسات تشق طريقها. وفي آن واحد تقريبا، ظهرت المدرسة الرومانتيقيـة مع كل مــن الفيلسوف الألماني Goethe والأديب الفرنسي Voltaire وغيرهم الذين اكتشفوا المشرق المشـــرق [بما فيه].
وصار الحماس في الاكتشاف والتنقيب متبادلا. فاكتشف المسلمون بدورهم أوروبا فكـــان الفيلسوف ـ الشاعر محمد إقبال من رجالات الإسلام الذين تجاوبوا بصفة إيجابية مع الفكر الرومانتيكي الأوروبي (وعلى الأخص مع مدرسة Goethe الرومانتيكية) بعد قرن ونصف من نشأتها إلا أن العرقية الأوروبية التي كانت من أسباب [نشوب] الحرب العلمية الأولى (1918 ـ 1914) تسببت كذلك في زعزعة القارة الأوروبية رغم ما حظيت به شعوب هذه القارة من احترام وتقدير إن الإيديولوجيات المضادة للاستعمار والتي تطورت خلال الفترة ما بين الحربين العالميتين، وما آلت إليه الحرب العالمية الثانية من نتائج سلبية بالنسبة لأوروبا، كل هذا أدى بالمرحلة الثالثة من العلاقات الإسلامية المسيحية في أوروبا إلى النهاية.
ـ أما المرحلة الرابعة: التي نعيشها الآن، فقد اتسمت بشيء من التشويش والفوضى والشك والتردد، وتقويم للماضي غير المبني على نقد ذاتي صريح، يؤدي بكل من المسلمين والمسيحيين إلى التفاهم داخل الوضع الراهن.
بعض المواقف الإيجابية: خلال هذه المراحل الأربعة نجد في طول أوروبا وعرضها بعض العلماء والطلبة المسلمين، لا سيما في الجامعات والكنائس، بل حتى من بين الشعراء والمفكرين، وهم يقفون من الإسلام موقفا إيجابيا إلى حد ما، يشكلون حالات استثنائية بالنسبة للقاعدة العامة الأقل إيجابية، ففـي »انجلترا » مثلا، نجد المفكر Thomas Carlyle يساهم في هذا المضمار برسالته المؤرخة سنة 1840 م حـول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كبطل ورسول يفتح آفاقا جديدة، وفي ألمانيا مثلا، نشيـر إلــى Goethe] ومدرسته الرومانتيكية الشهيرة] وإلى Adriaan Reland من هولندا. وهنا أريد أن أقـول بعض الكلمات حول شخصية Adriaan Reland الذي عمل كأستاذ في جامعة Utrecht، هذه المدينة التي تحظى بالاجتماع فيها هذه الليلة.
  ففي سنة 1705 م، أي قبل مائتي سنة وثمانين عاما، أصدر Adriaan Rerald كتابــا تحت عنوان «الديانة المحمدية» قال فيه : «لو أن هناك ديانة كانت موضعا لسوء التأويل من طرف الأعـداء، والاحتقار وسوء الفهم، وتعتبر غير جديرة الإقناع، لكانت هي الديانة الإسلامية»، لقد  قال عنـــه Norman Daniel : «إن كتاب A.R.  يعتبر [بحق] من بين عدة كتب أهم مرجع يعين على إزالة الأسطورة ليقيم محلها الحقيقة، والحقيقة فقط، فعلينا أن نتدارسه اليوم قصد الاستفادة…فإن  Adriaan Reland هـو الذي أثبت أن المرجع الحقيقي والوحيد في الإسلام هو المسلم».. وهنـــــا يقول Jan Slomp]] أود أن أضيف تعليقا على هذا المقال، لكي أثبت قاعدة صلبة وهي أن المرجــع الحقيقي والوحيد في المسيحية لن يكون إلا الإنسان المسيحي. فكل ديانة، سواء كانت المسيحيــة أو الإسلام، لا تقيم حقيقة وفي الدرجة الأولى إلا بأتباعها ومناصريها.
[هذا من جهة، ومن جهة أخرى] فإن المسيحيين كثيرا ما يحكمون على القرآن كأنه الإنجيل، والمسلمون يطبقون المقاييس و المفاهيم المستمدة من القرآن ليقيسوا ويقوموا بها الإنجيل. والمسيحيون يحكمون على محمد صلى الله عليه وسلم كأنه المسيح، والمسلمون لا يجدون (أو لا يلاقون) المسيح في مستواه [الحقيقي]. إن هـم قاسوه بسيرة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ومعتقداتهم في المثل الأعلى. وهكذا، فإن كثرا مـــن المقارنات كهاته تعطينا فكرة دقيقة عن الأشخاص الذي يستعملونها أو عن الذين تستعمل في حقهم. فالمقارنة بين الأديان يمكن أن تكون علما مفيدا شريطة أن تستعمل في الاتجاه الصحيح وأن يكون هدفها هو الدفاع عن الحق. من أجل تفاهم أفضل.
إن الحركة من أجل الوصول إلى فهم أحسن للإسلام أحرزت تقدما ملموسا (أو مهمــا، أو سريعا) خلال الخمسينات أو الستينات الأخيرة من هذا القرن، وأذكر على سبيل المثال فقط:
  لويس مايسنيون Loui Massignon (1962 ـ 1883) الفرنسي، وهاندريك كرايميـــر Hendrik Kramer (1965 ـ 1888) الهولندي، وكينت كراك Kenneth Gragg (المولود سنة 1913).
فالعالم الهولندي Henneth Gragg مثلا عبر عن رأيه في هذا الموضوع كالتالي:
«إن تاريخ البعثات المسيحية في العالم الإسلامي، كنظام موروث من القرن التاسع عشــــــر (ميلادي)، هو الذي أعان المسلمين، حسب ما يظهر لي، على تصميم العزم وبذل المجهود في تصفية الاستعمار وفيما بعد.. فعلينا العمل إذا على إنشاء فكر جذري جديد وأسلوب جديد إن كانا ندرك علامات ومميزات العصر، وإن كان فينا الاستعداد للسير وفق مناهج جديدة قصد امتثال أوامر السيد المسيح [عليه السلام].
(من كتاب العالم الإسلامي، ص 250. الصادر عام 1960).
إن هذا الفكر الجديد يعتبر كتحدي من طرف المجلس العالمي للكنائس. فبالتعاون مع بعــض المفكرين المسلمين، انعقدت ندوة بالتراب السويسري عام 1976 حول الرسالة التبشيرية لمسيحيـــة والدعوة الإسلامية. فالإسلام والمسيحية كلاهما ديانة ذات رسالة تبشيرية. ولقد نص البيان المشترك في آخر هذه الندوة على أن الحرية الدينية وهي الحرية المطلقة للإقناع والاقتناع المتبادل، كما رفع بعـض التوصيات فيما يخص العمل الموضوعي للبعثة المسيحية. والعمل على تأكيد نفس المبدأ بالنسبة لتطبيق الشريعة الإسلامية، كما نص على ذلك تدخل وزير العدل الباكستاني السابق السيد مجيب الرحمـان (S.A Rahman ( المولود سنة 1903 م، في كتابه «معاقبة الردة في الإسلام» الصادر عام 1972.
وهذه النقطة تكتسي أهمية بالغة في تطوير العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في أوربا. فالتحولات العقيدية Conversiense يجب أن تكون من كلتا الجهتين، ودواعيها يجب أن تتعـــدد وتتكاثر، لا سيما بالزواج المشترك [كزواج المسلم بالمسيحية. ولكن كنتيجة [حتمية] للبحث عـــن الحقيقة. ففقدان [الثقة] والتسامح فيما بين الجماعتين يؤدي إلى القلق والانزعاج لكل من كان له ضمير حي [سواء كان مسلما أو مسيحية]. فالأستاذ عبد المجيد الشرفي [مثلا] كان يحذر من اللقاءات الإسلامية ـ المسيحية المحشوة بالمجاملات المتبادلة فقط، وكان يدعو إلى الاهتمام بلب المشاكل بروح نقية وتضحية كاملة، وإني أتفق مع الأستاذ عبد المجيد الشرفي، ويبدو لي أنه ليس من المناسبات أن نتجنب هذه المشاكل، عوض أن نجعلها أثناء هذا اللقاء الاستشاري محور الحوار الإسلامي ـ المسيحي البناء.
تصريحات رسمية : إن المسلمين على اختلاف مذاهبهم رحبوا بالبيان الصادر عن المجلس العالمي الثاني للفاتكان (1963) الذي جاء فيه : «إن الكنيسة تنظر إلى المسلمين نظرة احترام وإجلال. فهـم يعبدون إلها واحدا، وهو الحي الباقي، لرؤوف الرحيم، القوي الجبار، خالق السماء والأرض. ومخاطب البشر والمسلمين، إذ يجاهدون أنفسهم بإخلاص ليخضعوها لأوامر الله وأحكامه وإن كانت مبهمة أو لا تدرك العقول حكمتها، تماما كما فعل إبراهيم [ عليه السلام]، ذاك النبي الذي يسر العقيدة الإسلامية أن تتشبه به. ورغم أنهم لا يعتبرون المسيح إلها ؟؟ فهم يبجلونه كنبي ورسول [ويوقرونه]. وهم يحترمون كذلك مريم الأم [البتول] ويبجلونها وأحيانا يزورونها بكل تفان وإخلاص. وبالإضافة إلى هذه، فهـم يؤمنون بيوم الحساب ويترقبون اليوم الذي سيوفي فيه الله [عز وجل] كل إنسان حسابه وجزاءه بشكل وافر. وهم بالتالي يناضلون من أجل حياة فاضلة، ويعبدون الله، خاصة من خلال الصلاة والصيام والزكاة والإنفاق فـي سبيل الله.
ورغم الأعمال العدائية والنزاعات التي نشأت عبر القرون بين المسيحيين والمسلمين. فإن هـذا المجمع الديني الموقر يلزمنا بإلحاح أن ننسى الماضي ونجتهد بإخلاص قصد الوصول إلى تفاهم مشتــرك، وذلك لمصلحة البشرية جمعاء، كي تكون قضيتهم العليا هي المحافظة على الأمن وإنشاء العدالة الاجتماعية والقيم الخلقية والسلم والحرية».
ولقد علق الدكتور Albert Horani الذي عمل كأستاذ بجامعة Oxford حتى عام 1979 في مادة تاريخ الشرق الأوسط الحديث، على بيان المجمع الثاني للفاتكان بالتعليق التالي: [يقول الأستــاذ Hourani] «إننا نجد في تصريحات المجمع الثاني للفاتكان، ولأول مرة في التاريخ المسيحــي مجهودات [ملموسة] لتحديد موقف مسيحي من الإسلام، هذا الموقف الذي يمكن للمسيحيين أن يتقبلوه تجاه (أو نحو) عقيدة التوحيد (أو توحيد الإله الذي يخاطب البشر)، ونحو رأي الإسلام الذي يعتبر المسيح [عليه السلام] نبيا ورسولا. وهذا يكفي جدا لإنشاء تعاون ممكن داخل كيان طبيعي.
ففي مارس 1984: انعقد الملتقى الاستشاري (الندوة) الكنائس الأوروبية بـ  S. Polten لدراسة موضوع معرفة الإله (الله) عند الإنسان المسيحي والإنسان المسلم حسب المنظار الأوروبي. وكان من ضمن النتائج المهمة التي (توصل إليها) هذا الملتقى الاستشاري البيان الذي تضمنه التقرير النهائــي حول منزلة بني الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. ولقد كونت هذه التأملات المبتكرة (أو المرتجلــة) الحجر الأساسي للعمل الجديد الذي قام به (الكاتب) Kenneth Cragg [حول موضوع] : «محمد [في منظار] الإنسان المسيحي، سؤال وجواب». [هـذا] وسينشر التقرير الرسمي لهذا الملتقى الاستشاري في صيغة موجزة جنيف [بسويسرا].
ومن ثالث إلى ثامن أكتوبر 1984، انعقد الملتقى الثالث للمجلس الإيكوميني الأوروبي بمدينـة «ريـفاديل كاردا» Riva.Del Garda بإيطاليا. وقام بتنظيمه كل من مجمع ندوات الأساقفـــة الرومانيين الكاثوليكيين في أوربا وندوة الكنائس الأوروبية المشار إليها. ويجدر بنا نستشهد هنا بالفقرتين 12 و 14 التي جاء فيهما ما يلي: [ففي الفقرة 12 نجد]: إننا نؤمن بإله واحد.  وهو [الإله] الوحيد الذي بيده قلوبنا وحياتنا كلها. ونحن نعلم أن المعبود لا يمكن أن يموت ويحيا، فإذا ليس هناك إلا إلـه واحدد. رغم أنه يمكن أن يكون هناك عدة ما يسمى بالأرباب في الأرض والسماء، كما هو الواقــع بالنسبة لتعدد الملوك والسادات. غير أنه بالنسبة إلينا ليس هناك إلا إله واحد، فنجد: «لا إله إلا الله: هي أيضا (العقيدة الدينية في الإسلام) (عقيدة الإسلام الدينية). فالمسلمون يوجدون في كثير من بلداننا، وهم يعيشون في وسطنا. فكل فهم شاذ يكون بالنسبة (لديانتهم) أو (لشعائرهم الدينية) وبالنسبة لنا كذلـك فهما مؤسفا يؤدي إلى التوتر بين المسلمين والمسيحيين خاصة في الوقت الراهن. فعلينا إذا ألا ننسى أن المسلمين كذلك، (ومعهم) اليهود والنصارى يؤمنون بإله واحد ؟ ؟…»
إن الكنائس الأوروبية تولي الإسلام اهتماما بالغا، والدليل على ذلك كثرة المراكز والأمانات العامة واللجان [الخاصة بالشؤون الإسلامية] المقامة من طرف الكنائس المختلفة.
إن التصريحات والبيانات التي صدرت عن مختلف الكنائس في أوروبا والبرامج العملية التــي نظمتها هذه الكنائس، بتعاون في غالب الأحيان مع المسلمين [والهيئات الإسلامية]  للوصول إلى اطلاع أحسن على الإسلام، لخير دليل، في نظري، على التغيير (أو الانتقال) نحو الأفضل. إن الكنائس عملت كل هذا (أو قطعت كل هذه المراحل) لأنها اهتمت بإنشاء علاقات طيبة مع المسلمين، وهي تريـد أن تسخر كل طاقاتها وإمكانياتها ليبقى مجتمعنا متعايشا مع الجميع (أو ملائما لحياة الجميع)، سواء كانـوا مسلمين أو مسيحيين أو ملحدين. فمن خلال تربية شبابنا، يمكننا جميع أن نساهم في إنشاء الغد الأفضل.
بعض العقبات وفرص جديدة للاختبار :
في الخمسينات الأخيرة وفي بداية الستينات، بدأ شيء من التفاؤل يعم (أو يسود) الأوســاط المسيحية الملتزمة بالدراسات الإسلامية. وأصبح يبدو أن مفاهيم القرون الوسطى (القديمة) بدأت تمحي (أو تختفي من أوربا الغربية وأمريكا [الشمالية] والشاهد على هذا كتاب «دانيل» Daniel Norman : «الإسلام والغرب» [الذي جاء فيه] : «إن الرجل المسيحي في عصرنا الحديث (أو في عصرنا هذا) عليه أن يبقى متحررا كتحرره في المناظرات الجدلية. وسيبقى [أيضا] مسيحيا عندما يؤمن بأن الحقيقة الوحيدة هي في المسيحية، وأن العقيدة الإسلامية لا تكون خطرا عليه وأن المجتمع الإسلامي لا يكون خطرا على حضارته، وليس هو في حاجة لتوكيد الخلافات، أو الفوارق…      
 وإذا دعت الضرورة إلى ذلك فإنه، حينما (يشهر) أو (يبرز) يظهر نقاط الخلاف، فهو حــر التصرف، لكي يجعل أغلب هذه المظاهر ـ أي مظاهر الخلاف ـ أقل إثارة وأقل عرضة للتوتـــر والغضب. فالمسيحي، إذن هو أولى أن يكون بمثابة (الطالب أو الباحث) المخلص الذي لا يتأثـــر بالعواطف في علاقته بالإسلام.
إن هذه المواقف الجديدة، الصادرة سنة 1960، وضعت في محك الاختبار أمام الأحـــداث الأخيرة. ولا بد من الاعتراف (بدلا من: ولا مفر من الواقع) بأن بعض الأوروبيين بما فيهم بعــض المسيحيين وأهل الخير أحسوا بأنهم مهددون من جراء الأحداث في الشرق الأوسط ومن [جراء] تقلبات الإسلام الأصولي الملقب بالإسلام النضالي (أو الثوري). وكذلك من جراء التزايد المفاجئ في عـدد المسلمين الأوروبيين الذي ارتفع من 18 إلى 24 مليون [نسمة]. ولا عجب، أمام هذه الأحداث، أن [نرى] غير المسلمين في أوروبا يرجعون إلى الوراء وينزلقون من جديد نحو مواقف القرون الوسطى تجاه الإسلام.
وإن هناك بالفعل علامات خطيرة ومخيفة تشير إلى هذا الاتجاه. غير أنها لا تنشأ بالتأكيد أو دائما في الدوائر المسيحية. فأذكر على سبيل المثال، الانتقاد الموجه ضد التذكية الشرعية للماشية كعمل وحشي تجاه الحيوان، وانتقاد التربية الإسلامية الموصوفة بالتزمت والرجعية – (Obscurantism Unnavoidable ) ، والانتقاد الموجه ضد وضعية المرأة [المسلمة] بصفتها أدنى درجة من مرتبة الرجل.
وإن كانت هذه هي مبررات هذه الانتقادات، فعلى المسلمين أنفسهم أن يزيلوا أسبابهـا. وإذا كانت هذه الانتقادات لا أساس لها، فستجدون الكنيسة بجانبكم، تقاوم هذا التحامل وسوء الفهــم، وذلك  في خدمة المعلومات الصحيحة إنه ليس من الضروري أن نقوي هذه الإحساسات والتخوفـات يفقدان الحساسية تجاه المواقف السائدة داخل الجماهير المعادية وبالتباهي في إعداد برامج مزعومة وبإضافة تقريرات إحصائية للبيانات الرسمية، للتأثير على الغرباء الأجانب سواء كانوا مسلمين أو غير مسلميـن، ففي كل مكان، ارتكب المسيحيون نفس الأخطاء التي تسببت لهم في نتائج معاكسة.
إن الوضع الحساس للأقليات [في العالم المسيحي] يعكس غالب الأحيان الصورة الحقيقة للتورط (أو للمأزق) الذي وقعت فيه البشرية جمعاء. وإني أفضل الوصول إلى هذا الاستنتاج على التباهي بآراء متفائلة والتي يكون منطلقها دائما من موقع القوة.
إن الإسلام والمسيحية والمسلمين والمسيحيين، لهم جدول أعمال مشترك إن كانــوا مستعدين للتعاون.
  مع تشكراتي من جديد على دعوتكم.

                                        الدكتور بان شلومب ـ Dr. Jan Somp
                                     أوتريجت ـ هولند ـ Utrecut J Nederland

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here