islamaumaroc

[كتاب] الأندلس في نهاية المرابطين ومستهل الموحدين: عصر الطوائف، تأليف د. عصمت عبد اللطيف دندش

  نجاة المريني

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

يشكل تاريخ المغرب والأندلس حلقه متميزة من حلقات التاريخ العربي الإسلامي، حظي بعناية كثير من المؤرخين المشارقة، وفي مقدمتهم المرحوم الدكتور محمد عبد الله عنان في مؤلفاته العديدة، والدكتور إحسان عباس الذي يكاد يكون متخصّصا في الدّراسات الأندلسية المغربية تاريخـا وأدبـا، وكذا المرحوم الدكتور عبد العزيز الأهواني، والدكتور محمود على مكّي وحسين مؤنس وغيرهم من روّاد الدراسات التاريخية والأدبية والنّقدية في العصر الحديث.
كما أن اهتمام المغاربة بالتاريخ لبلادهم، وبدراسة الآثار الأدبية والفلسفية والنّقدية وغيرها عرف تطوّرا كبيرا في الفترات الزمنية الأخيرة، فمؤلفات العلاّمة الفقيه عبد الله كنون والدكتور محمد حجي وإبراهيم حركات وعبد اللطيف الشادلي ومحمد القبلي وأحمد التوفيق وعباس الجراري ومحمد بنشريفة ومحمد بنشقرون وغيرهم من المختصين في الدراسات التاريخية والأدبية بصفة خاصة يؤكد أكثر من أي وقت آخر بأن المغاربة تخلصوا إلى حدّ ما من عقدة الشرق، وأنهم أخذوا ينصرفون إلى دراسة واقع تاريخهم بسلبياته وإيجابياته بمنظورهم الخاص، وبطريقة علمية موضوعة.
ومن حين لآخر، تفاجئنا المكتبة المغربية بالجديد فيما يتعلّق بالمغرب، لعل آخر هذا الجديد هو ما أتحفتنا به الدكتورة عصمت عبد اللطيف دندش في مؤلفها «الأندلس» في نهاية المرابطين ومستهلّ الموحدين» الصادر عن دار الغرب الإسلامي في طبعة أنيقة جيّدة في مارس 1988.
وإن كان الكتاب في الواقع يعالج حقيقة الأوضاع السياسية والمجتمعية والاقتصادية والثقافية في بلاد الأندلس، فإنه لا يمكن بحال إغفال الحديث عن العدوة الأخرى (المغرب)، حيث  كان المغرب والأندلس بلادا موحّدة تحت راية الإسلام، وتحت حكم السلطة المغربية سواء في عهد المرابطين أو في عهد الموحدين.
والأصل في هذا الكتاب كما تذكر المؤلفة ص. 18 «رسالة جامعية قدّمت إلى كلّية الآداب، جامعة عين شمس لنيل درجة الدكتوراه»، ومن ثمّ فإن العمل في هذا الكتاب اقتضى العودة إلى مصادر متنوعة مخطوطة ومطبوعة ليكون وثيقة هامّة عن تاريخ المغرب والأندلس في فترة خصية هي فترتا المرابطين والموحدّين أو ما سمّته المؤلّفة بعهد الطوائف الثاني في الأندلس».
                                                   *   *   *
تتوزّع الكتاب أبواب أربعة تتلخص كما يأتي:
الباب الأول: ويتناول الحياة السياسية في الأندلس ابتداء من فترة ضعف المرابطين واضطراب أحوالهم، إلى أن تمكّن الموحدّون من بسط نفوذهم، وتقوية مركزهم السياسي في المغرب والأندلس.
لقد فصّلت المؤلّفة الحديث عن الحياة السياسية تفضيلاً دقيقـا، وناقشت وقائع وأحداثـا سياسية وتاريخية من خلال كتابات المؤرخين المعاصرين وغيرهم، باحثة عن الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى ضعف سلطة المرابطين، متقصّية نقط الضّعف والقوة في فترات حرجة جدّا من تاريخ الأندلس بصير وأناة.
كيف نجحت الثّورة على المرابطين ؟ مراحل الثّورة عليهم في الأندلس والمغرب ؟ كثير من الحقائق الجزئية التي كان بالإمكان أن يمرّ عليها المؤرّخ دون اعتمادها وقائع أساسية جعلتها المؤلّفة الدّكتورة عصمت عبد اللطيف معتمدها الأول في التّوصل إلى النتائج المعروفة، وجعلت من الأحداث البسيطة عالمـا زاخرا بالمعلومات التي انكبّت على تحليلها ونقاشها لتقديم النّتائج بكل سلبياتها وإيجابياتها ومن ثم فإن تفتيت الوقائع التاريخية التي عملت على سقوط دولة المرابطين ـ كسوء اختيار بعض القضاة لأعوانهم، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وثور القضاة بالأندلس كثورة ابن حمدين في قرطبة وابن حسّون في مالقة وابن عبد العزيز ببلنسية وغيرهم ـ ساعدت على الوقوف على حائق تاريخية ربّما كنّا نعرفها بصورة عامّة، غير أنّ عملية التّفتيت ثم التّركيب فيما بعد لجمع شتات الأحداث، أضفي على الكتابة التاريخية عند المؤلّفة طابعـا غير طابع التاريخ، وإنّما دراسة الواقعة التاريخية أو الحدث التاريخي من كل جوانبه ونقاش مستغلقاته بعين ناقدة متفحّصة.
هذا، وقد قسّمت المؤلّفة الباب الأول إلى فصول أهمها:
الفصل الأول: وخصصته للحديث بتفصيل عن أسباب ضعف المرابطين في العدوتين (المغرب والأندلس).
الفصل الثاني:  وجعلته للحديث عن الثورة على المرابطين مفصّلة القول في نقطتين:
الأسباب الممهّدة للثورة ـ مرحلة الثورة.
الفصل الثالث:  اهتمّت فيه المؤلّفة بالموحّدين الأوائل في الأندلس مبرزة الدور القيادي الذي قام به الخليفة عبد المومن بن علي، وكيف نجح في استمالة الثوار الأندلسيين أول الأمر، إلى أن خضعت كلّ بلاد الأندلس للحكم الموحّدي. ولا شك أن الأحداث التي عرفتها الأندلس في هذه الفترة أحداث متشابكة متداخلة بلورتها الحقائق السياسية والتاريخية التي وقفت عندها المؤلفة لتبرز ما كان مسكوتـا عنه أو متحدّثـا عنه بصفة عامّة في مؤلفات أخرى.
الفصل الرابع:  وفيه انتقلت المؤلّفة إلى رصد أنظمة الحكم في الأندلس من خلال الولايات الإدارية، ومناصب الحكام كالأمير والوزير والقاضي.
وباعتبار أجهزة الحكم في العهد الموحدي تميّزت عن غيرها في عهد المرابطين، فقد فصّلت المؤلّفة الحديث عن طبقات الحكام: فهم يتوزّعون بين أهل الحكم والمريدين وغيرهم.
ويظهر أن الجيش في العهدين المرابطي والموحّدي حظي بعناية خاصّة من حيث تنظيمه باعتبار أساطيله الحربية والتّجارية، وباعتبار رواتب الجند إلى غير ذلك،  « فقد كانت تصرف للجند المرتبات والمنح والأموال أثناء القيام بجملة، يضاف إلى ذلك ما كان يوزّع عليهم في الاحتفالات العامة والمناسبات، أمّا مرتّباتهم فكانت تصرف ثلاث مرات في السّنة لجند الموحّدين، بينما الجند الغزّ يحصلون على مرتّباتهم شهريـا» ( ص. 147).

الباب الثاني:  الأحوال الاقتصادية:
وفيه تنتقل المؤلفة بالدارس من الوجهة التاريخية بكل أحداثها المتسلسلة، وبكل جزئياتها الدّقيقة إلى وجهة أخرى تتناول الأحوال الاقتصادية من خلال فصول أربعة:
الفصل الأول:  وفيه تظهر نزعة الارتباط بالأرض عند العربي بصفة خاصّة، منذ أن عرف العرب الاستقرار، وكوّنوا دولة لها أنظمتها ولها دواليب حكمها، وقبل أن تنصرف المؤلّفة إلى الحديث عن موضوع هذا الفصل، وهو الزّراعة في الأندلس وخصوبة الأرض وعطاءاتها في فترات العطاء وفترات الجفاف، فقد انكبّت على دراسة ومناقشة نقط بعينها حدّدتها في مقدّمة الفصل (كوضعية الأرض، واختلاف الفقهاء في حكم أرض المغرب والأندلس منذ الفتح، وأنواع وضعية الأراضي) (ص. 153) إلى غير ذلك.
والجدير بالملاحظة أن العناية شملت كذلك أسماء المزروعات كالفواكه وزراعة الحبوب والبقول وقصب السّكر، والمناطق التي تختص بزراعة كلّ مادّة، «فزرع الكتان والقطن في فحص غرناطة، وزرع في شرف اشبيلية فجادت زراعته، ووفر محصوله» (ص. 166).                
الفصل الثاني: ويتناول بالدّرس الصناعة بأشكالها المتعدّدة: صناعة المنتوجات الزّراعية، وصناعة الملابس والجلد والأدوية وغيرها من الصّناعات المتطورة في الأندلس خاصّة في عهد المرابطين حيث «برع أهل الأندلس في استغلال المنتوجات الزراعية والحيوانية في صناعات عديدة مثل صناعة الجبن والسمن وتجفيف الفواكه»(ص. 177)، أمّا صناعة الحلي فقد «تطورت في عهد المرابطين تطوّرا كبيرا لوجود المادة الخام مثل الذهب والفضة والزئبق والنّحاس والرّصاص والقصدير…» (ص. 181).
الفصل الثالث:  ويعني بالتّجارة كمورد من موارد العيش الأساسية، وهكذا اشتهرت بعض المدن بأسواقها التّجارية، ومما ساعد على نماء التّجارة وازدهارها تأمين الطّرق التّجارية، مع ما تتطلّبه المهنة من مراقبة المسؤولين على المرافق التجارية لضمان الجودة في المادّة التجارية المعروضة ولحرب الغش بكل أنواعه.   
ولا شك أن الحديث عن التّجارة بنوعيها الداخلية والخارجية يدعو إلى حديث عن الصّادرات والواردات في فترات ضعف المرابطين، وفي فترات قوة الموحّدين.
ولم يغفل الفصل الإشارة إلى تجارة الرّقيق من الجواري والغلمان حيث كانت هذه التّجارة «تحتل قائمة الصادرات إلى جهات كثيرة من أنحاء العالم، وكانوا يحصلون عليه من سبي الافرنجة وجليقة» (ص. 208). وهذا لم يمنع أن يكون الرقيق أيضـا من الواردات إلى الأندلس حيث «كانت أهم الواردات إلى الأندلس الجواري والعبيد، وكان شمال إفريقيا والسودان وجنوب شبه الجزيرة العربية ومصر من أكبر أسواق الرقيق الأسود، وكانت قوافل هذه البلاد تجلب الذهب والعبيد، ويجلب الرقيق والجواري من الهند وأرمينيا وتركيا والعراق… وكان ثمن العبيد البيض يزيد على السود، وكان هذا الرقيق يرد إلى قرطبة، ثم يعاد تصديره مرّة أخرى إلى أماكن كثيرة داخل وخارج الأندلس بعد قيام النخاسين بتدريبهم على حرفة من الحرف أو فن من الفنون». (ص. 209).
الفصل الرابع:  وتتوزّعه نقط تفصيلية حول أصول وارادت الدّولة من ضرائب وغنائم وجزية، ويظهر أن العملة المرابطية من خلال أحد مباحث هذا الفصل كانت جيّدة، لها قيمتها ممّا جعلها  «عملة دولية أولى، يدل على ذلك شيوع الثقة بالدينار المرابطي، وإقبال الناس عليه» (ص. 236). بل أكثر من ذلك فقد «بدأ المرابطون في سكّ عملتهم في قرطبة ابتداء من 486 هـ، ونشطت دور السّكة في عهدهم وموّلوها بالذهب الذي يأتي من السودان الذي سيطروا عليه، والدينار المرابطي الذهبي ظلّ مستخدمـا لمدّة قرون كأهم عملة ذهبية في المغرب». (ص. 235).
الباب الثالث:  الحياة الاجتماعية:
تشكّل فصول هذا الباب إطلالة متميزة على الأوضاع الاجتماعية في الأندلس، فتناول الفصل الأول عناصر السكان في المجتمع الأندلسي، ذلك أن هذه العناصر تعدّدت نظرا لعامل الهجرة والاختلاط والزواج، فهم عرب ومولّدون وأهل ذمّة وصقالية وبربر، ولئن كان تحديد هذه العناصر بهذه الدّقة فإن امتزاجها وانصهارها كان أساس المجتمع الأندلسي المتحدّث عنه بكلّ أجناسه المختلطة.
وتناول الفصل الثاني طبقات المجتمع وطوائفه سواء في عهد المرابطين أو في عهد الموحدين، وهي مرتّبة حسب مكانتها الاجتماعية: طبقة السّادة والشيوخ، وطبقة الفقهاء، وطبقة الخاصّة، والموظفون ورجال العلم والتجارة والحرفيّون إلى غيرهم من الطبقات الأخرى التي خصّتها المؤلّفة بالدّرس كطبقة المرتزقة والصّوفية.
أما مظاهر الحياة الاجتماعية في البوادي فهي موضوع الفصل الثالث، حيث تميّزت مقدّمة هذا الفصل بتوضيح مفهومي القرية والبادية في الأندلس عنهما في مناطق أخرى في إفريقية والشرق، مع ذكر أنماط الحياة في البوادي الأندلسية ابتداء من بيوتها وأعمال أبنائها وأجورهم، مع الإشارة إلى كلّ ما كتب عن ذلك عند المؤرخين القدماء كابن بشكوال وابن سعيد وابن عبدون وابن خلدون، وانتهاء عند عادات أهلها في أفراحهم ومواسمهم خاصّة ما يتعلّق بالزّواج وتقاليده.
أما الفصل الرابع فقد تناول مظاهر الحياة الاجتماعية في الحضر، هذه المظاهر يمكن تلخيصها في :
- احتفالات أهل الحضر بالأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية كالزواج والإعذار.
- الحديث عن المرأة الأندلسية من جهة والمرأة المرابطية من جهة أخرى، من حيث الطبقة واللباس والسفور والحجاب وجهاز العروس إلى غير ذلك.
ويمكن اعتبار هذا المبحث طريقـا حيث استقت المؤلفة معلوماتها ممّا كتب عن المرأة في ثنايا كتب الأندلسيين والمغاربة كابن الأبار وابن القاضي وابن خفاجة والبيدق وغيرهم أثناء حديثهم عن الأوضاع الاجتماعية في بلاد الأندلس والمغرب.
الباب الرابع : وخصّصته المؤلّفة للحديث عن الحياة الثقافية، وجعلته فصولا خمسة :
الفصل الأول:  وتناولت فيه التيارات الفكرية في الفترتين، مؤكّد «أن الازدهار الفكري في عهد الموحّدين ما هو إلاّ ثمرة جهود المرابطين في تشجيع العلم والعلماء، فالعالم والمفكر لا يمكن أن يولد بين يوم وليلة، ومعظم المفكرين والعلماء الذين ظهروا في بداية عهد الموحّدين ولد معظمهم وعاش وتلقّى العلم مع بداية دخول المرابطين للأندلس» (ص. 349)، من هذا المنطلق ناقشت المؤلّفة آراء بعض المستشرقين في حقيقة الوضع الثقافي في عهد المرابطين، مبرزةً أهم التيارات التي عرفها العصر كالتيار الصّوفي الفلسفي، والتيار الديني التقليدي، منبّهة إلى كثرة المؤلفات التي كانت خير دليل على ازدهار الحياة الفكرية والثقافية بالرّغم من كلّ الملابسات السياسية والاعتقادات المذهبية.
الفصل الثاني: وتركز فيه الحديث عن معاهد ومراكز الثقافة التي تنوّعت الحواضر الأندلسية كقرطبة واشبيلية وغرناطة وشلب وغيرها، فقد كانت هذه الحواضر تضمّ النّخبة اللاّمعة من العلماء والمفكّرين والأدباء الذين كانوا يعنون بالإضافة إلى التدريس بالتأليف في العلوم المختلفة الدينية والفلسفية والأدبية وغيرها. 
أمّا عن تعليم الأطفال، فقد كان يمرّ بمراحل فصّلت فيها المؤلفّة القول، مشيرة إلى ظاهرة انتشار الكتب والمكتبات باعتبارها المعين الذي يرشف منه الأطفال والكبار على السواء.
الفصل الثالث:  ويكاد يكون مجالاً تطبيقيـا للفصلين السابقين، حيث فصّلت في المؤلّفة القول عن العلوم النّقلية التي تفوّقت في هذا العصر «عصر الطوائف الثاني»كلفقه والقراءات والتفسيـر والحديث وعلم الكلام، ممثلة لكلّ صنف من هذه العلوم بطائفة من ألمع رجالهم وهكذا اشتهرت في الفقه الباجي وابن القابلة وابن العربي، وفي القراءات ابن ذي النون وابن هذيل، وفي التّفسير ابن عزّ الناس وابن ورد، وفي الحديث القاضي عياض وابن الصّقيل، وفي علم الكلام ابن العربي والألبيري والسرقسطي وغيرهم.
الفصل الرابع: ويهتم بالعلوم العقلية وأهمّ رجالها، وقد مهّدت المؤلفة لهذا الفصل بما كانت تلقاه العلوم العقلية من تشجيع عند المرابطين والموحّدين، وهكذا، فقد نبغ في العلوم الفلسفية مالك بن وهب «جليس ووزير أمير المسلمين علي بن يوسف» (ص. 409) وابن باجة وابن طفيل، وفي العلوم الطّبية ابن زهر وابن القابلة وابن رشد وغيرهم، وفي العلوم الرّياضية ابن الأمين وابن عائشة والمالقي، ولم تغفل المؤلّفة وهي تتّبع تطور العلوم العقلية في هذه الفترة الحديث عن علوم الفلاحـــة والموسيقى والعمارة متقصية في ذلك تفصيلات دقيقة، من خلال المصادر المتعدّدة التي كانت تعود إليهـا لاستقاء مادّتها.
الفصل الخامس: ويهتمّ بالأدب والعلوم الإنسانية، والحديث عن هذا المجال خصب ذو روافد كثيرة، فالأندلس بالإضافة إلى اشتهارها بجمال طبيعتها وبمؤلفات فلاسفتها، اشتهرت بعلوّ كعبها في الميدان الأدبي شعرا ونثرا. وهكذا برز كتّاب لهم شأنهم ولهم خصائصهم كابن أبي الخصال «شيـخ كتاب الأندلس، برع في الحديث وعلوم اللّغة والسّير، وتفوّق في الكتابة والنّظم» (ص. 425). ومـن الكتّاب الذين اشتهر أمرهم أبو جعفر بن عطية والأزدي وابن الإمام، كما نبغ نحاة ولغويون أمثال ابن هشام والتدميري.
أمّا الشعر، فله عند الأندلسيين «حظ عظيم، والمجيدون منهم ينشدونه في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة» (ص. 430)، ومن ألمع شعراء الأندلس ابن خفاجة وابن الزّقاق والأعمى التطيلي وغيرهم.
  ولا شك أن النّساء الشاعرات قد نبغن في ميدان الشّعر ـ وإن كانت أغلب الأشعار بل كلّها تقريبـ? قد ضاعت ـ أمثال حفصة بنت الحاج الركونية، وأم الهنا بنت القاضي وتميمة بنت يوسف بن تاشفين وغيرهنّ.
وتشير المؤلفة في آخر هذا الفصل إلى ازدهار فني الموشّحات والزّجل دون أن تغفل الحديث عن أهم كتب التاريخ والجغرافيا التي ألفت في تلك الفترة. 
                                                   ***
وتأتي خاتمة الكتاب تلخيصا لأهم أبوابه وفصوله، مؤكّدة انتصار المؤلفة للمرابطين ودورهم الجهادي في الأندلس، ففي عهدهم «نعمت البلاد بازدهار الزراعة والصناعة ولتّجارة، حتى إن الموحدين بعد استيلائهم على الأندلس لم يستطيعوا الوصول إلى نفس هذه الدرجة من الرّقي والازدهار الاقتصادي» (ص. 425). ولا تخفي المؤلّفة سرا إذ أكدت أن الازدهار الثقافي في عهد الموحدين لم يكن إلا ثمرة من ثمار واقع الازدهار الثقافي في عهد المرابطين.
لقد تميّز كتاب الدكتورة عصمت عبد اللطيف دندش، بالتّحليل العميق للأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد أوضحت بالدلائل والقرائن آراءها، وكذلك ما استطاعت أن تصل إليه من استنتاجات حول الواقع التاريخي السياسي والثقافي والحضاري في الأندلس، معتمدة على كثير من المصادر العربية والأجنبية، متقصية الأخبار والحقائق بكثير من الروية والتّبصر في أسلوب سهل ممتع، ينقل القارئ من عالم النزاع السياسي إلى عالم التفوق الفكري والأدبي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here