islamaumaroc

السيرة النبوية وحقيقة النبوة.

  محمد بن علي الكتاني

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

من الظواهر الملموسة في حياتنا الفكرية غياب التاريخ الإسلامي أو غياب تاريخ العصر النبوي على الأخص من ذاكرة المسلمين متعلمين ومثقفين فضلا عن دونهم.إلا بالنسبة للمؤرخيــن المختصين وأساتذة التاريخ في المعاهد التربوية والعلمية.وهذه ظاهرة مؤسفة ،لأن المجتمع الذي يقـوم علـى العقيدة مثل مجتمعنا الإسلامي مهما كان مستوى التزامه بها ووعيه إياها فإن وضوح البعــد التاريخي لعقيدته من شأنه توثيق الرباط الروحي والفكري بينه وبين تلك العقيدة. وربما كان السبب في هذا الغياب  أو التعتيم للتاريخ النبوي هو تفشي الجهل وضعف الوازع الروحي لمعرفة عصر الدعـوة الإسلامية والوقوف على أطوارها في عصر طغت فيه الاهتمامات المادية على كل نوازع المعرفـــة وتطلعات الروح والوجدان، ولكن السبب المذكور لا يكفي في نظري لو لم يكن هناك ما يمهد لــه ويثبته، وهو برامج التكوين التربوي التي عزلت العلوم الإسلامية وجعلتها مستقلة، وجعلت الإطـلاع عليها مقصورا على الفئات التي تختار الاتجاه التربوي الديني. وبذلك تغلغل التفكير العلماني في توجيـه التعليم بالبلاد الإسلامية بغير استثناء. وهو الاتجاه الذي جاء ببدعة التمييز بين التعليم العصري والتعليم الأصلي، وجعل الذين يفضلون التكوين العصري لخوض غمار الحياة العصرية لا صلة لهم إلا قليــلا بالتكوين في مجال علوم الإسلام وتاريخه.
ومن نتائج هذا الفصل أن أصبحت أجيال من المسلمين لا تقرأ تاريخ نبيها ورسولها إلا من خلال ما كتب عنه الأجانب بلغاتهم، لأنهم لا يتقنون إلا تلك اللغات، وبالتالي لا يتأثرون إلا بمـا يكتبه الأجانب عن حقائق ديننا بما في هذه الكتابات من عداء ساقر وأخطاء شنيعة.   
إن التاريخ بالنسبة للأمم التي لها تاريخ حافل كالأمة الإسلامية هو الرصيد الــذي لا ينضب لإمدادها بمقومات الصمود والبقاء والحفاظ على أصالتها وهويتها. وبهذا التصور للتاريخ القومي أو الديني يصبح التاريخ حافزا على المبادرة والإقدام على التغيير والتجديد والتطور في إطار من الوفـاء للقيم المتأصلة في التاريخ القومي والعقدي. لكن قد يتحول هذا التاريخ إلى ذاكرة معزولة عن الواقـع، يقدر ما تسوده المبالغة والتهويل، فيتحول إلى أسطورة تجتره الذاكرة ولا تنتفع منه لأنها لا تجد فيــه منطق الواقع وسنن الطبيعة.
    والسيرة النبوية لرسول صلّى الله عليه وسلم من أصدق الأمثلة الدالة علـى هــذه الحقيقة. فقد تحول هذا التاريخ من مبعثه صلّى الله عليه وسلم إلى أن التحق بالرفيق الأعلى وبالنسبة لطائفة عريضة من المسلمين إلــى أسطورة تحكي على خوارق الطبيعة وعجائب الأحداث ما لا يتفق حتى مع النص القرآني. كما تحول هذا التاريخ نفسه بالنسبة لفئات من المثقفين المستغربين إلــى تاريخ معتم مليء بالتشكيك، مشحون بالشبهات وافتراءات الحاقدين على الإسلام ورسول الإسلام. والموقف الأول من كتابة السيرة النبويـة هو الذي دفع أحد كبار المؤرخين العرب المعاصرين إلى القول : «إن النبي العربي محمدا صلّى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وهو عبد الله ورسوله، وهو نبي وبشر مثل سائر البشر إلا في النبوة ونزول الوحي. وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى : (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلى أنما إلهكم إلا ه واحد) (الكهف ـ 111) وعلى هذه الآية يجب السير في تدريس السيرة النبوية وتاريخهـا ولو سار المؤرخ بموجبها وبموجب وحي الآيات القرآنية الأخرى لجنب نفسه الوقوع فـــي المزالق والمآخذ، ولجعل من السيرة النبوية سيرة نبي مرسل بالمعنى الإسلامي الصحيح الذي نجد روحه في الآية المذكورة. ولو جنب أصحاب السيرة المتأخرون سيرهم (يقصد السير النبوية) القصص الإسرائيلي الذي أدخل على السير وعلى الإسلام.. لأراحوا السيرة وجنبوا الناس الأخذ بهذا القصص الذي بني عليــه المستشرقون أحكاما وآراء أساءت كثيرا إلى الإسلام، ونفذوا منها إلى التشكيك في صاحب الرسالة. (تاريخ العرب في الإسلام للدكتور جواد علي. ج 1/75).
هذا الرأي يشير كما هو واضح إلى نوع من الكتابة لتاريخ الإسلام في عصر النبوة لا يستند إلـى تحليل الوقائع والأحداث بالأسلوب العلمي الرصين، وفـي ضوء التقيد بالقرآن والسنـة الصحيحة. ولكنه يجعل هذا النمط من الكتابة أو الفهم للمسيرة النبوية سببا لما وقع فيه الأوربيون من تجن على تاريخ الإسلام وتشكيك فيه، ونحن لا نشاطر هذا المؤرخ رأيه بكامله، لأننا نعتقد أن الذين كتبوا عن تاريخ الإسلام من الغربيين الباحثين متخصصين كانوا أم قساوسة ومبشرين أو علماء ماديين ملحدين كانوا يدركون ما تنطوي عليـه الأصول التاريخية للإسلام، وهـي القرآن والسنة والمصادر الكبرى للتاريخ الإسلامي كتاريخ الطبري (310) وسيرة ابن هشام (218) وطبقات ابن سعد (230) وكتب الصحاح، ولكنهم كانوا بحكم إيديولوجياتهم يؤثرون الروايات المنحولة، والمدسوسة للطعن في الرسول وفي رسالته. بل إننا رأيناهم في كثير من المواطن يعمهون عن إدراك المعاني القرآنية فيتأولـون الآيات على لنحو الذي يلائم نزعاتهم. فما كان يحول بينهم وبين إدراك الحقيقة وإنصاف التاريــخ الإسلامي أو النبوي ليس هو تهاويل وإسرائيليات القصاصين، وإنما هو أحد أمرين: فإما نزعة الحاديـة أو مادية تاريخية لا تؤمن برسالة رسـول الله ولا نبوة نبي، ولا ترى في تاريخ الإسلام سوى حركـة اجتماعية إصلاحية لها ما لها وعليها ما عليها، مما تعرفـه جميع الحركات الاجتماعية والسياسية مـن عثرات وأخطاء ومغالطات وأساليب براغماتية. وهـذا ما نجده عند بندلي جوزي (1942) صاحب كتاب (الحركات الفكرية في الإسلام) القدس 1928.
وإنما نزعة صليبية حاقدة على الإسلام كالذي نجده مثل لامانس (1937) في أكثر من مقالة وبحث.
إننا لا نتصور كيف يكتب المرء عن تاريخ يحقد علبه، فهو لا يكتب عنه إلا من قبيل التشكيك في والطعن في كل جوانبه. مثلما كتب الصليبيون والمبشرون ولقساوسة من المستشرقين عن الإسلام. بل لا تتصور كيف يكتب عن نبي الإسلام من لا يؤمن بالنبوة أصلا، ولا يدين بعقيدة مـن العقائد السماوية.
غير أنه وإن كان من الضرورة المنهجيـة أن يكتب عن السيرة النبويـة العالم المؤمن بالكتاب والسنة فإنه يجب على العالم المؤمن أن يتقيد بهذين المصدرين أولا. ولا ينساق لعرض الخوارق والمعجزات التي ترد فـي الراويات غير الموثقة علميا إلا يقدر ما تدل عليــه الآيات وتؤكده السنة الصحيحة مما نجد له أمثلـة متعددة في السيرة النبوية نفسها. فالضرورة المنهجية تفترض التعاطف مـع الحقيقة لإدراكها إلا أنهـا تفترض التقيد فيها بالوقائع الثابتة التــي لا تخلط الحق بالباطل والصحيح بالمنحول.
ومن الغريب حقا ألا يعتمد القرآن مصدرا للتاريخ النبوي بالأساس. وألا تعتمد السنة النبوية الصحيحة مفسرة ومعززة بالبيان والتفصيل لما ورد في القرآن مجملا. فالقرآن يقفان على جوهر الدعوة الإسلامية ومنطقها العام وتاريخيتها ونفسية الرسول خلال هذا التاريخ المشرق الوضاء بالقيم العليا وبالأخص في سبيلها.
  وهذا ما يجعلنا نذكر بكون القرآن هو دليل النبوة المحمدية ومصدر السيرة النبويــة برهان صدقها.
وسنجد في القرآن تاريخا للدعوة وعرضا للرسالات النبوية السابقة الأقوام الذين بعث إليهم الرسل والأنبياء. وما نشأ من صراع بينهم وبين المعارضين، وما خضع له هـذا التاريخ من سنن إلهية وضوابط اجتماعية. كل ذلك يساق تثبيتا لقلب النبي صلّى الله عليه وسلم في خضم تلك المعرفـة الضارية الدائرة بين الإيمان والكفر وبين الهداية والضلال. (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (هود ـ 120).
نقطة انطلاق في تاريخ الدعوة الإسلامية هي الوحي، أو نزول القرآن. ومن النظر فـي هذا القرآن تصديقا أو تكذيبا أو شكا تقوم كل التصورات الصحيحة أو الزائفة، وتأخذ الوقائع سيرها وترابطهـا ومنطقها أو تظل أشتاتا لا تستقيم فـي اتجاه معلوم، أو تحمل علـى منطق آخر، مغاير لها ولطبيعتها. فتقصى الحقيقة أقصاء. ويقوم الظن والوهم مقامها كما وقــع لكثير مـن كتاب الغرب ومفكريه، حين كتبوا عن حياة النبي صلّى الله عليه وسلم. إن تأمل القرآن ودراسته دراسة دقيقــة يضعان كل باحث أمام حقيقة ساطعة، وهي نبوة سيدنا محمد وتلقيه الوحي الإلهي الذي هـو القرآن، وإن الرسول صلّى الله عليه وسلم حين تلقى هذا الوحي أو هذا الكلام الإلهي كان قد أيقن بذاته أن ما يتلقاه هو أمر فوق الطبيعة لا قدرة له على التحكم فيه، ولا على التحكم في ذاته نفسها إزاءه.
لقد كان محمد صلّى الله عليه وسلم قد واجه شعور الاقتناع بنفسه بأن ما يتلقاه هو كلام الله، وأنه رسوله إلى الناس، وعندما استيقنت نفسه بالدلائل الباهرة والكشف الرباني وانشراح صدره للحقيقة العليا قام بتبليغ ما يتلقاه بقوة لا تقهر. لأنه كان يحس بأن ما ينزله الروح الأمين على قلبه من كلام الله هو كلام الله المتميز بطبيعته عن كل كلام بشري. وهذه حقيقة أدركها كل عربي يومئذ سمع القرآن، وإن جادل فيها خصوم الإسلام وأعداء الرسالة. رغم يقينهم بحقيقتها الدامغة.
قال ابن إسحاق في سيرته يروي ما قالـه النضر بن الحارث، وكـان خصما لدودا للرسول صلّى الله عليه وسلم، وأحد كبار مثقفي عصره، وممن كان يطمح إلى الرئاسة والظهور عن إحساس بمعارفه وعلو مكانته، قال لقريش ينصحهم: «يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، وقد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب. وجاءكم بما جاءكم به قلتم بأحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن لا، والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنـة وتخالجهـم.
وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر، لا والله ما هـو بشاعر، قـد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلهـا هجزه ورجزه، وقلتم : مجنون. لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليط. يا معشر قريش. فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أحد عظيم».
ولكن النضر لم يؤمن رغم ذلك. بل جعل يلاحق الرسول بالتكذيب، ويجمـع الناس حوله ليحدثهم بحديث الغابرين من قصص الأمم كالفرس، ويدعى أنــه يروي للناس ما يرويه محمد صلّى الله عليه وسلم من أساطير في القرآن. ولعله في شأنه ورد قوله تعالـى : (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) (الأنفال).
القرآن هو دليل النبوة المحمدية الأول ومصدر السيرة. وهو الوثيقة الفذة التـي تملكها الإنسانية اليوم بأسرها من غير أن يصيبها تبديل أو تحريف أو تغيير. وتملك استنطاقها والاستدلال بهـا على النبوة والوحي، وكلام الله تعالى وخطابه للبشرية.

وفي هذا المجال يمكن إيراد الملاحظات التالية:
 1) ـ  لم تكن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة معروفة بأي مذاهب أدبية أو بلاغية،فلم يكن له أي وصف سوى الأمين.ولم يكن قد صدر عنه لا شعر ولا خطابه على الإطلاق. ويأتــي الخطاب الإلهي على لسانه بعد الوحي ليكون دليلا على أنه من عبد الله. إذ لا يعقل أن يصدر كلام في هذه الطبقة من الإعجاز بعد أن تكر أربعون سنة من حياة الرسول لم تحفظ عنه فيها خطبة أو كلمـة بليغة. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب.وقد وصفه القرآن بذلك .(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة …)
 2) ـ   عندما تلقى الرسول صلى الله عليه وسلم الوحي خوطب بالأمر الإلهي (إقرأ) ثلاث مرات.
وكأنما أريد بذلك أن يتهيأ  لسماع الوحي بكل جوارحه و تركيز ذاتيه فيه. وعندما كان يجيب ملك الوحي :(ما أنا بقارئ).كان ملك الوحي يكرر الأمر. ثم ما لبث أن جاء الخطاب الإلهـي الحاسم (اقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علــم الإنسان ما لم يعلم).
3)  ـ   عندما تلقى الرسول صلى الله وسلم الوحي لم يتلقه مرة واحدة.  بل تلقاه خلال أكثر من اثنين وعشرين عاما كان الوحي ينزل خلالها حسب الدواعي وأسباب النزول. ولحكمة أخرى كشف عنها القرآن نفسه. قال تعالى: (وقال الذين كفروا ولولا أنزل عليه القرآن جملة واحـدة، كذلك لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا) (الفرقان ـ 32).
4)  ـ  وكان الرسول صلّى الله عليه وسلم يدرك كامل الإدراك طبيعة الخطاب الإلهي، والنسق القرآني. وقد حرص صلّى الله عليه وسلم على ألا يكتب أصحابه في بداية العهد النبوي عنه شيئا من أحاديثـه غير القرآن، حتى لا يختلط عليهم القرآن بالحديث.
بل كان هناك الحديث القدسي الذي تحدث به الرسول باسم الحق تعالـى. ومع ذلك فهو متميز عن القرآن، يكون المعنى من الله، واللفظ أو الأسلوب من رسوله صلّى الله عليه وسلم.
5)  ـ  إن الوحي لم يكن طوع إرادة الرسول صلّى الله عليه وسلم أي لم يكن يتلقاه متى شاء ذلك. وإنما كان يتنزل عليه على غير موعد ولا انتظار لوقت معلوم. وقد كان يشتد به الأمر في بعض المواقف ويسأل صلّى الله عليه وسلم عن الأمر لا يرى نفسه قادرا على البث فيه، فيعلق الإجابة على الوحي.
روى ابن هشام أن قريشا أرسلت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى يهود يثرب يسألونهم ـ وهم المعروفون بأهل الكتاب، وبأخبار النبوات ـ عن حقيقة محمد صلّى الله عليه وسلم. فقالت أحبار اليهود لهما سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم عنهن فهو نبي مرسل. وإن لم يفعل فهو رجل منقول. فجاءوا إلى مكة، وأخبروا قريشا فبعثت إلى الرسول وسألته أن يخبرها عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ولهم خبر عجيب، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنـا عن الروح. فقال لهم رسول صلّى الله عليه وسلم سأخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن، فانصرفوا، فمكث الرسول صلّى الله عليه وسلم ينتظر خمس عشرة ليلة لم يطرقه الوحي خلالها، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وتحدثوا عن الأمر. وقالوا: وعدنا محمد غدا. فأين الإجابة وقد نسق الأمر علـى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وكان الفتية هم أهل الكهف، والرجل الطواف هو ذ القرنين. وعندمـا نزل الوحـي بسورة (الكهف) جاء الأمر خلال قصة القصة (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت) (الكهف ـ 24).
قال ابن إسحاق  فذكر لي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا. فقال له جبريل: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وما كان ربك نسيا)(مريم ـ 64).
وهناك حالات أخرى يجيئه الوحي ليصحح أو يعتب أو يؤاخذ النبي صلّى الله عليــه وسلم في أمر من الأمور التي جرى فيها على اجتهاده الخاص، ففي سورة التحريم ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغــــي مرضاة أزواجك)، وفي سورة الأحزاب (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)، وفي سورة التوبة (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)، وفــي سورة الأنفال (وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن فـي الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).
فلو كانت المواقف النبوية فـي جميع أحواله مجرد مواقف شخصية منه صلّى الله عليه وسلم أكان يعلن اليوم ما ينتقد عليه نفسه غدا فـي نفس الخطاب ونفس الأسلوب ؟ أكان يعلن عن تراجعه بهذا التهويل والتقريع ؟ ألم يكن له السكوت والصمت ملجأ يبقى على حرمتـــه الهيبة أمام خصومه ؟ بلى إن القرآن لو كان مجرد كلام صادر عن ذاتية النبي كما يقول المفكرون والملحدون لما جرؤ النبي أن يقول عن نفسه الشيء وضده في وقت واحد. وهل كان يستطيع أن يكتم شيئا من خبر الوحي ؟ كلا، لو كان يستطيع الكتمان لكتم أمثال هذه الآيات. ولكنه الوحي يتنزل والرسول صلّى الله عليه وسلم هو الناطق الأمين به.
نحن إذن أمام أمثلة من القرآن تكشف عن نفسية الرسول صلّى الله عليه وسلم كما أن هناك أمثلة أخرى تكشف لنا عن حقائق سيرته الشريفة مما يدل على موضوعية الوحي. واستقلاله الكامل عن ذاته الرسول صلّى الله عليـه وسلم. فالقرآن لا أثر فيه للبشرية كما ادعى ذلك المفكرون الغربيون المحدثون. ولا لفظ فيه مطلقا يمكن أن يكون من غير وحي الله أو خطابه تعالى الموحي به.
  بل نرى للوحي ساعة نزوله واقعا فسيولوجيا له مظاهره المادية التي لا يمكن تفسيرها بغير تدخل قوة عليا في المجال النفسي والفسيولوجي للرسول صلّى الله عليه وسلم، فحين ينزل الوحي على الرسول يتفصد جسمه عرقا في أشد أحوال الطقس برودة. وحين ينزل عليه صلّى الله عليه وسلم الوحي وهو راكب الناقة أو البعير لشدة ما يطرأ على جسمه الشريف من ثقل مفاجئ.
وأخيرا كان تكوين الرسول صلّى الله عليه وسلم الجسمانـي والنفســي من القوة والتماسك لا يمكن قدره إلا في هذه الآية الكريمة: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعـا متصدعا من خشية الله) لكن محمدا صلّى الله عليه وسلم يتنزل عليه القرآن وهو خاشع النفس متفتح القلب، مشرق الروح يستمع لخطاب الحق في أروع صور الثبات والتماسك. فكان كيانه الجسمانـي أقوى من أي كتلة مادية في العالم حين يتنزل عليه الوحي.
وفي غمرة الوحي يستبق لسان الرسول للتلفظ بما يتلقى مخافــة النسيان أو السهو أو غيرهما. فيقول له الحق: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قراناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه).
ثم يأتي التأكيد على موضوعيـة القرآن وعلى استقلالـه عن ذاتيـة الرسول، أسلوبا ومضمونا وترتيبا، وبأنه لم يكن الرسول صلّى الله عليه وسلم إلا التلقي والتبليغ وذلك من هذه الآيـة الحاسمة:
  (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا إيت بقرآن غير هذا أو بدله. قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، لقد لبثت فيكم عمرا من قبله. أفلا تعقلون).
بعد هذه الجولة في إثبات كون القرآن العظيم هو دليل النبوة ومصدر السيرة النفسيـة للرسول صلّى الله عليه وسلم وكونه هو الخطاب الإلهي الذي لم يتطرق إليه تحريف بإجماع المسلميـن وشهادة التاريخ وتواتر نصه تواتر لا نظير له في أي وثيقة تاريخية مهما بلغت.
ننتقل إلى لازم هذه الحقيقة وهي كون الرسول صلّى الله عليه وسلم كانت سيرتــه ناطقة بهذا الالتزام. التزام محمد صلّى الله عليه وسلم بأمر ربه، والتصرف مع الناس تصرفا يفوق تخطيط العقل ويعلو على ضرورة التقيد بأعراف ومواضعات السياسة والقيادة والتدبير الشخصي.
 ودليلنا على ذلك هذه الواقعة، ذلك أننا نقرأ فــي صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما قصة الحديبية، ففيها آية بينة: أذن الله للمؤمنين أن يقاتلوا من يعتدي عليهم أينما وجدوه، غير ألا يقاتلوا في الحرم من لم يقاتلهم فيه نفسه، فقال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
فلما أجمعوا زيارة البيت الحرام فـي ذلك العام وهـو العام السادس من الهجرة أخذوا أسلحتهم حذرا أن يقاتلهم أحد فيدافعوا عن أنفسهم الدفاع المشروع. ولما أشرفوا علـى حدود الحرم علموا أن قريشا قد جمعت جموعا على مقربة منهم فلم يثن ذلك من عزمهم، لأنهم كانوا علــى تمام الأهبة، بل زادهم ذلك استبسالا وصمموا على المضي إلــى البيت فمن صدهم عنه قاتلوه، وكانت قريش قد نهكتها الحروب فكانت البواعث كلها متضافرة والفرصة سانحة للالتحام فـي موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدمغه. وإنهم لسائرون عند الحديبية إذ بركت راحلة النبي صلّى الله عليه وسلم وأخذ أصحابه يثيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور، فقالوا : خلأت القصواء، خلأت القصواء، أي حرنت الناقة. فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما خلأت القصواء. وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ) يعني أن الله الذي اعتقل الفيل ومنع أصحابه من دخول مكة محاربين هو الذي اعتقل هذه الناقة، ومنع جيش لمسلمين من دخولها الآن عنوة، وهكذا أيقن أن الله تعالى لم يأذن لهم في هذا العام بدخول مكة مقاتلين، لا بادئين ولا مكافئين. وزجر الناقة فثارت إلـى ناحية أخرى. فنزل بأصحابه في أقصى الحديبية، وعدل بهم عن متابعة السير امتثالا لهذه الإشارة الإلهية التي يعلم حكمتها، وأخذ يسعى لدخول مكة من طريق الصلح مع قريش قائلا (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطــة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) ولكن قريش أبت أن يدخلها في هذا العام لا محاربا و لا مسالما. وأملت عليه شروطها قاسية بأن يرجع من عامه، وأن يرد كل رجل يجيئه من مكة مسلما. وألا ترد هي أحدا يجيئها من المدينة تاركا لدينه، فقبل تلك الشروط التي لم يكن ليمليها مثل قريش في ضعفها على مثل المؤمنين في قوتهم، وأمر أصحابه بالتحلل من عمرتهم وبالعودة من حيث جاءوا.  فلا تسل عما كان لهذا الصلح من الوقع السيء في نفوس المسلمين، حتى إنهم لما جعلــوا يحلقون بعضهم لبعض كاد يقتل بعضهم بعضا ذهولا وغما، وكادت تزيغ قلوب فريـق من كبار الصحابة فأخـذوا يتساءلون فيما بيهم ويراجعونه هو نفسه قائلين: لم نعطي الدنية في ديننا ؟ ـ وهكذا كاد الجيش يتمرد على أمر قائده ويفلت حبله من يده.
أفلم يكن من الطبيعي إذ ذاك لو كان هذا القائد هو الذي وضع هذه الخطة بنفسه أو اشتراك في وضعها أو وقف على أسرارها أن يبين لكبار أصحابه حكمة هذه التصرفات التــي فوق العقول، حتى يطفئ نار الفتنة قبل أن يتطاير شررها ؟ ولكن أنظر كيف كان جوابه حين راجعه عمر: «إني رسول الله،. ولست أعصيه، وهو ناصري» يقول: إنما أنا عبد مأمور ليس لي من الأمر شيء إلا أن أنفذ أمر مولاي واثقا بنصره قريبا أو بعيدا. وهكذا ساروا راجعين وهم لا يدرون تأويل هــذا الإشكال حتى نزلت سورة الفتح فبينت لهم الحكم الباهرة والبشارات الصادقة فإذا الـذي ظنوه ضيما وإحجافا في بادئ الرأي كان هو النصر المبين والفتح الأكبر ـ وأين تدبير البشر من تدبير القدر، (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعلمـون بصيرا. هم الذين كفروا وصدوركم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله، ولــولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما. إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته علـى رسوله وعلـى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقـوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شيء عليما. لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحـق، لتدخين المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون، فعلم ما لم تعلمـون فجعل من دون ذلك فتحا قريبا).
مناط الاستدلال في هذه الواقعة ثقة الرسول صلّ الله عليه وسلم بأمر ربه. وعمله بما يقرره الوحي ولو خالف إجماع أصحابه. وتأكيد الوحي للرؤيا التي أراها الله لرسوله بأنهم سيدخلون المسجد الحرام آمنين لا يخافون.
أكان فـي إمكان قائد سياسي أو عسكري أن يقدم على ذلك السلوك، وأن يتنبأ بأن الحق معه. وبأن الواقع سيجري تماما طبقا لما يتصوره قبل سنتين لو لم يكن ذلك القائد نبيا مرســلا يتلقى أمر الله، ويصدع به. وينفذ أمره في وثوق مطلق بما يعده الله به. 
                                                   ***
ولكن هـذا التوجيه الإلهي للرسول لم يكن ليعنـي أن سيرة الرسول كانت مجرد تنفيذ للتعاليم الإلهية لا غير، فالواقـع أن الرسول كان يتصرف بمقتضـى أمر ربه حينا وبمقتضى عبقريتـه الشخصية حينا آخر. وهذا ما دفع كثيرا من الباحثين في عصرنا الحاضر إلى كتابة سيرتـه من منظور تحليا عبقريته فكتب العقاد عن عبقرية محمد وحلل لنا شخصية الرسول في مناقبها ومواهبها وصفاتها العالية تلك الصفات التي يتفق على تعظيمها من يدين برسالة ومن لا يدين له برسالة.
وقد تحدت العقاد في هذا التحليل المهب عن الطبائع الأربع ـكما حددها ـ  وهي طبيعة العبادة، وطبيعة التفكير، وطبيعة التعبير وطبيعة العمل والحركة. فهي فينظره طبائع تتفرق في الموهوبين من الناس أو في عامة الناس ولكنها قلما تجتمع في إنسان واحد على قوة واحدة. فإذا اجتمعت فواحدة منهن تغلب ما عداها لا محالة، ويكون لها الظهور على غيرها. فالإنسان إذن إما مفكر يحلل ويتفلسف وينظر ويجادل. وإما عابد يتأمل الكون ويفنى فيه ويحاول أن يسمو بأخلاقه في عبادة خالقه ويصبح قلبا كبيرا يحتـوي الكون بما فيه، وإما فنان يعبر عما يحس ويجد ويتأثر به من مشاهـد الجمال ومشبوب الخواطر والعواطف، ويصوغ ذلك في قوالب من الشعر أو النشر أو لتصوير الفني. وإما عامل حركـي يخوض غمار الحياة ويتفاعل مع الواقع ويتأثر به ويؤثر فيه، ويحدث في التاريخ حركة ما محدودة أو غير محدودة.
وقلما يتهيأ لكائن من الناس أن يجعل من كونه بيتا لأسرة ناجحــة، ومعملا لبحث علمي ومتحفا لفن وميدانا لبطولة من البطولات، ومعبدا للخالق يتنزه علـى كل مطالب الحياة. وإنما هي حالة واحدة من هذه الحالات تتحقق على تفاوت لإنسان ولآخر. إلا محمدا صلّى الله عليه وسلم فهو الذي جمع هذه الطبائع كلها فكان عابدا لا حدود لا يمانه وزهده. ومفكرا مشرق الفكر كأبلغ ما يكون الإشراق وقائلا بليغا أوتي جوامع الكلم، ورجلا قائدا وسياسيا غير الدنيا والتاريخ بعمله.
وربما غاب عن العقاد شيء أهم من كل هذه الطبائع وعن اجتماعها فـي شخصيـة الرسول صلّى الله عليه وسلم وهذا الشيء هو كون الرسول كان في كل طبيعة من تلك الطبائع متخلقا بأعلى صفات التخلق اللائقة بها. إذ ما قيمة العابد أو المفكر أو الفنان البليغ أو الرجل العلمـي إن لم يكن له من هدف سوى تحقيق ذاتيته من غير تخلق يجد فيه الناس من حوله لمثل الأعلى للسلوك المنشود عندهم. فلقد كان صلّى الله عليه وسلم على خلق عظيم. جعله قدوة المقتدين للعباد والمفكرين والبلغاء والقادة والأزواج والأصدقاء.
وبهذا كان محمد صلّى الله عليه وسلم نموذجا عاليا بين ذوي المواهب والعبقريــات ولكنه كان قبل كل ذلك وبعده (نبيا) ورسولا اصطفاه الله لتبليغ رسالة حملت إلـى الإنسانية (الدين) الكامل الذي ارتضاه الله للإنسانية. ونجاح الرسول في رسالته راجع إلى صحة هذه الرسالة وإلى عبقرية القائم بها. أو قل إن نجاح الرسالة المحمدية إنما تحقق لكونها كانت رسالة تطلعت إليها الدنيا ومهدت لها الحوادث والأطوار سبيل القبول. وقام بها رسول تهيأت له أسباب النجاح من ذاته وسلوكه ومن صدق رسالته وقوتها ومن حاجة البشرية إليها.
على أن الإقرار بهذه الحقيقة يجب أن يكون في حدود اعتبار النبوة المحمدية ظاهرة تؤكد ظاهرة النبوات بصفة عامة. هذه الظاهرة التي ينكرها الفكر العلماني والمادي والوضعي بناء على إنكاره للحقيقة الإلهية سلفا، ونظره إلى (الدين) باعتباره نظاما من الأنظمة الاعتقادية التي أنشأتها المجتمعـات والفكر الإنساني في ظل شروط اجتماعية وعقلية متجاوزة، لم يعد الفكر الديني اليوم بالنظر إلــى تجاوزها أي معنى. نقول إن الظاهرة النبوية كما تجلت في الرسالة المحمدية وبعثة محمد صلّى الله عليـه وسلم إلى البشرية تعد اليوم المرجع الأساسي لمعرفة حقيقة هذه الظاهرة ودراستها دراسة علميـة لأننا نملك من الوثائق والمعطيات والنصوص والدلائل ما يجعلنا نقف على الأقل على حقيقة النبوة في أبعادها التاريخية والاجتماعية والنفسية. حتى إن إثبات النبوات السابقة، وإثبات الرسالات السماوية السابقة إنما تثبته النبوة المحمدية بأقوى مما تثبته المعلومات التاريخية المضطربة للرسالات السابقة.
لماذا كانت النبوة المحمدية وحدها اليوم الشاهد الوحيد على إثبات ذاتها وإثبات النبوات السابقة ؟ لأن دليلها أو معجزتها ما تزال باقية إلى اليوم وهي القرآن. بينما جميع المعجزات التي رافقت ظهور الرسل السابقين قد انتهت بانتهاء اللحظة التي ظهرت فيا للتصديق بها في زمانها، ولسبب منطقي آخر. وهو السبب الذي بينه الفيلسوف ابن رشد حين قرر أن الحكم بصدق نبوة كل من تظهر علـى يديه المعجزة أمير غير ملزم ولا مقبول، لأن مثل هذا الحكم إما أن يكون شرعيا وإما أن يكون عقليا،  وكلاهما مدفوع، فالحكم شرعا على صدق نبوة شرعا من باب تصحيح الشيء بنفســه، أو إثبات الدعوى بمضمونها. وأما الحكم عقلا على صدق المعجزة فغير ممكن، لأن العقل لا يصل إلـى ذلك إلا عن طريق تكوين فكرة كلية عن هذا الاقتران بين النبوة والمعجزة، من خلال استقراء تاريخي يثبت أن الأنبياء وحدهم تظهر على أيديهم خوارق العادات. لكن البرهان الوحيد الذي يبقــى ممكنا لإثبات النبوة هو إثبات وجود الوحي، وذلك لأن المراد بالمعجزة من حيث هي إنما هو إثبات الوحــي، أي اتصال النبي بالغيب، كما لو أردنا تصديق الطبيب بأنه ماهر حقا، فإنه لا ينفعه أن يأتي ببرهان غيـر إبراء المريض، لأن الحجة يجب أن تكون من جنس ما تثبته من حقائق. وينطبق معنى المعجزة علــى أكمل الوجوه على معجزة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم لأنه أثبت صدق نبوته ورسالته بمعجـزة القرآن التي هي في حد ذاتها وحي ورسالة تخاطب الإنسانية حتى اليوم. وهذا معنى قولنا إن الرسالـة المحمدية هي الظاهرة النبوية الأقوى من حيث كونها كلية وشاملة وقابلة للإثبات في كل زمان ومكان بفضل القرآن.
فالنبوة المحمدية لا يمكن أن تفسر كما يفسرها الماديون والعلميون بأنها حركة تحريرية أو ثورة اجتماعية من الحركات التي أفرزها التاريخ. لأنها تفوق في طبيعتها ومضمونها ووسائلهـا وما رافقها كل السنن الاجتماعية والاحتمالات التاريخية، ويكفي أن تدلي هنا بدليل واحد يفوق كل دليل عداه. وهو أن النص القرآني الذي نحفظه حتى اليوم لا يتميز بكونه معجزة من حيث الأسلـــوب والمضمون فقط، وإنما يتميز بكونه معجزة فوق طاقة البشر بما تضمن ساعة نزولــه من حكم على حوادث المستقبل، أو على مجرى الحوادث التاريخية نفسها بشكل لا طاقــة للإنسان على التنبؤ به، ويمكن ضرب الأمثلة على ذلك بما يلي :
  ـ الحكم على مستقبل القرآن نفسه بأنه سيحفظ أبد الدهر. وذلك في سورة مكيـة كانت كل الظروف المحيطة بالدعوة الإسلامية يومها تتنافى مع هذا التنبؤ، وتشكك فـي إمكان نجاح الدعوة المحمدية، فضلا عن استمرار القرآن كتابا للإنسانية تدين برسالته الملايين من البشر، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وسائر التاريخ برغم كل الحروب وألوان التآمر الرهيب في التشكيك فيه وصرف المسلمين عنه.
     الحكم الفذ على حفظ شخصيته الرسول صلّى الله عليه وسلم وإعلاء ذكرها على مدى التاريخ وسط ظروف حالكة من الجهاد المستميت في سبيل الدعوة الإسلامية أي في وقت لم يكن الرسول صلّى الله عليه وسلم يطمع أن يسمع دعوته من هو خارج مكة، بحيث لقي معه المسلمون الأولون من ألوان الأذى ما جعلهم يفرون أو يهاجرون بعقيدتهم إلى الحبشة، ومحاصر الرسول وأسرته في الشعب خارج مكة ويقاطعون مقاطعة شرسة حتى أشرفوا على الهلاك في هذه الظروف يخاطبه الحق تعالـى: (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الـذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك). ويخاطبه: (والله يعصمك من الناس).
الحكم الفذ على مصير الصراع الذي كان دائرا زمن البعثة بين الإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية البيزنطية المسيحية. وذلك حين قال تعالى: (ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله). من كان يجازف أو يستطيع أن يجازف بالإخبار عن واقع ما يزال فـي حكم الغيب ولا سيما حين يكون هذا الإخبار صادرا عن داعية هو أحرص الناس على ثقة أتباعه والثقة في أقواله وتصديقها بالنسبــة لأعدائه وحلفائه على السواء.
إن ذلك لا يصدر إلا بوحي، فهذا الوحي هو الذي كان ينظر إلى الغيب وكأنه ينظر إلى الحاضر، ويأتي التاريخ مصدقا لما يتنبأ به على نحو ما جرت الوقائع في كل الآيات التي مرت بنا وفي غيرها من لآيات البينات.
هذه من النظرات في الرسالة المحمدية وفي الظاهرة النبوية، فود أن ننتهي منها إلى إثبات النتيجة التالية. وهي أن قراءة السيرة النبويـة بإمعان وتدبر، وقراءة القرآن باعتباره مصدرا من مصادر هذه السيرة. ووضع ظاهرة النبوة المحمدية في موضعها الصحيح من الظواهر النبوية. والاستدلال بالقرآن على ما تنطوي عليه رسالة الإسلام من حقائق كونية، ومنهج إلهي لإصلاح البشرية. هذه الحقائق كلها هي التي يجب أن نتذكرها ونتعمقها وندرسهـا الدراسة الوافيـة لاستخلاص العبرة. وتعمق العقيدة، وتصحيح النظر إلى الإسلام في زمن طغى على فكر أبنائه التقويم العلماني للدين، والرؤية المادية لظواهر الرسالة السماوية. واستغل فيه القائمون بالدعوات الإلحادية جهل أبنائنا بتلك الحقائق التي تحدثنا عنها. أو تحدثنا عن بعضها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here