islamaumaroc

كلمة الأستاذ محمد بن علي الكتاني باسم العلماء خريجي القرويين.

  محمد بن علي الكتاني

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

إنها لفرحـة عارمة تغمرنا اليوم ونحن نعيش هـذا الحدث السعيد، حيث عدنا ـ والعود أحمد ـ إلى رحاب القرويين، لنملأها ومن جديد بدروس المعرفة، ونعمرها  نون الثقافة الدينية الأصلية، ونستمع إلى أصوات الشيوخ حوار الطلبة ونقاش الحلقات يدوي في هاته الأرجـاء، ترن أصدقاؤه في كل ركن وزاوية في هذا الصرح العملاق : هذا الصرح الذي خمدت فيه الحركـة، وحفه الكون، وخيم عليه الصمت، بعد أن كان يزخر بالنشاط يفيض بالحيوية ويتفجر بالإيداع… وكنت لا تجد في وطئ قدم إلا وفيه متعبد أو متعلم أو عالم أو قارئ أو مستفيـد، ولا تكـاد تخلو سارية أو أسطوانة أو زاوية من وإياه إلا وفيها كرسي ينبض بالحياة يعلوه إمام أو شيخ نشر المعرفة، ويهذب العقول والنفوس ويبشر بالخير دون حدود. ويلفت حوله الأصنـاف والأشكال من محبـي المعرفة عاشقي الثقافـة جاؤا من كل حدب وصوب من الشرق البعيـد والمغرب القريب والجنوب العميق والشمال الواسع، لهم الكرع من حياض المعرفـة، والارتواء من معين ثقافـة، جديهم سحر المكان وقداسة العمل وطهر العقيدة الجاذبية الذرات والشخـوص والإطار العـام الـذي كــان يذيب من العنصريات ويمحي كل النعرات والعصبيات ويجعل من القاصرين إليه سدنه المعرفة ودعاة الخير وزراع الفضيلة.
لا أريد أن أعـود إلى لتاريخ لأتحدث عن بروز هـذا لجامع إلى الوجود، وكيـف أسهمت فيه امرأة مهاجرة تحدت كل الصعوبات وأخلصت النية لله في بنائه وتشييده، ولا أحب أن أتابع جهود ملوك هذه البلاد الذين تعاقبوا على الحكم والقيادة، وكيف اهتموا به وبالغوا في عمرانه وتوسيعه والاعتناء به شكلا ومضمونا، ولا أرغب في الحديث عن بداية الدراسة فيه والمراحل التـي قطعت حتى أصبح مؤسسة جامعية يشار إليها بالبنان، ولا أميل إلى الحديث عن الطلبة الوافديــن والمستقرين وما وفر لهم من إمكانيات مادية ومعنوية لتلقي العلم في ظروف مساعدة، وما هيئ  لهم من وسائل لاكتساب الشخصية العلمية. كما لا يسعني الوقت لسرد الأعلام والعباقرة والنابغين الذين أنجبهم هذا الجامع أو استقروا فيه وعاشوا في أحضانه ربانيين وموجهين ومدرسين ومفتين وزعمـاء وقادة ومفكرين وباحثين في نكران ذات وصوفية متحررة وهمة عالية وسمو روح، فذاك إذا حاولت تعبت وأتعبت، لكني لا أريد أن أترك هذه الفرصة تمر دون أن أوضح بعض الملامح عن هذه الجامعة العريقة، وأرسم بعض الخطوط عن دورها الحضاري والإشعاعي، فلا جدال في أنها قامت بأدوار فاصلة في تاريخ هذه البلاد، ولا نقاش أنها معلمة بـارزة من معالم هذا الوطن : قدمت عطاءات في مختلف المجالات، وخدمة الإنسان المغربي خدمــة ممتازة حيث ربطته بربه وبدينه وبعقيدته، وأبعدته بما كانت تبثه من معارف وتربيه من خلاف ـ عن كل تيار منحرف أو سيل جارف أو فكرة ضالـة، وبفضلها أصبحت فاس ذات ثقل فكري وحضاري، واكتسبت على مر الأيام شخصية لها رنين ودوي في كل  مكن، وليست القرويين هي هاته الحيطان التي تتراءى وهذه الأبنية التي تشمخ وهاته المظاهر العمرانية التي تتساوق وتنسجم، وإنما قيمتها فيما كان يصطرع فيها نشاط أخلاق، ويتحرك في أحشائها من دماء حارة فوارة، اكتسبتها علــى مر الأيام، هاته الجاذبية الخاصة التي يحس بها كل من احتمى بها والتجأ إلى ظلالها وعاش فــي أبهائها، حيث يشعر بالدفء الحمى والمعنوي، والذاتية المستقرة والكيان الغير المصطنع. بل يشعر أيضا بأنـه أصبح مؤهل لتحمل الرسالة وتأدية الأمانة والقيام بالعبء المنوط به بكل ثقة وعزم وشدة حماس.. ومن ثمة كان لهذه القرويين وسيبقى لها بإذن الله مزية الحفاظ على الوجود الإسلامي في هذه  الديار واستمراره وإشعاعه، وخلقت لا لتكون مركزا الاستقبال المؤمنين واحتضان المصلين والقانتين فقط، وإنما التكون أيضا مركزا لاحتواء الدارسين وتخريج الدعاة والمبشرين، وبناء المثقفين الواعين، ولم تكن أيضا تجمع كل هذه الخصائص فحسب لكنها أضافت كما يشهد التاريخ أنها كانت مركزا للتحرك السياسي والاجتماعي، فلم يكن أي تحرك هادف أو أي عمل جاد يجري فـي البلاد دون أن يكون للعلماء فيه اليد الطولي والكلمة المسموعة والرأي المطاع.
القرويين إذن اسم يرف على الآذان ويملأ سمع الزمان، ويبعث في النفس شعور العزة والكرامة وبطاقة تعريف للذاتية الوطنية وسجل خالد حافظ ويحافظ على مقومات هذا الوطن. لكنها رغم هذا الإشعاع الذي أبناه، وهذا التأليف الذي رسمناه، وهذا الفيض من العطاء الــذي أبرزناه، وهذه الشفافية التـي جعلت كل النفوس والقلوب والعقول تهفو وتتطلـع إليها باستمرار، أصابها ما أصابها من التعثر، واعتراها ما يعتري الشوامخ من العياء والضعف، وحجب عليها النور، ووضعت في الظل يخيم عليها الصمت الرهيب والسكون المخيف، فتوقفت كراسيها وتعطلت حلقاتها وانعــدم روادها. وعلاها الصدا وران عليها الهدوء فلم يعد تسمع فيها نأمة، ولم يعد يصدح فيها طائــر أو يغرد فيها عندليب، وإنما هناك صدى الريح يصوت في كل زاوية ويتجاوب في كل ركن الزمــان توقف ليجعل منها منتدى لزمرة العاطلين، ومنتجعا لطائفة من المتعبين، وحتى إذا سمع فيها صـوت فإنما هو صوت مبحوح ومرتعش.  إلى أن هيأ الله لها منقذ البلاد وحامي الملة والعباد عالم العلمـاء وحكيم الحكماء باعث النهضة في كل مكان ورائد البعث الإسلامي والراعي لمصالح الدين والوطـن أمير المؤمنين الحسن الثاني أعز الله أمره وخلد في الصالحات ذكره. فعالجها بلمسة حانية من جلالته، وأنقذها بإشارة حازمة من سدته وأحياها من جديد بهمته التي لا تتقاعس وعزيمته التـي لا تتراجع، وأحدث حفظه الله في البداية إطارا للكراسي العملية ردت البسمة إلي النفوس، والبهجة إلي القلوب، وأصبحت القرويين بسمع فيها أحكام الدين  وتعاليم رب العالمين، وأصبحت دروس الحديث والفقه والتفسير وعلوم الآلة تلقى وتنشر وتدرس وتعلم، وسدت بالطبع بعض الفراغ. لكنه حفظه الله وأدام نصره لم يكتف بهذا الصبيب الضئيل، ولم يرد أن يكون العلاج لهذا لصنف وحده. لأنه ـ وهـو الخبير بفنون العلاج ـ يعرف أنه لا يصلح هذا الأمر إلا بما صلح به أولـه ـ ولا يمكن أن تستقيم الأحوال إلا عندما تتصل بأسس الدين ومبادئ وتتعرف على أحكامه وتشريعاته بالوسائل المساعدة والأدوات الصحيحة. والدين الصحيح يستقى من معينه ويؤخذ من أصوله ويتعلم بأدواته والتدريـج والتمرس المستمر، ولذلك أصدر أوامره المطاعة إلى وزيره في الأوقاف والشؤون الإسلامية ليعيــد القرويين إلى شبابها وسابق مجدها، ويبعث الدم جديد في شرايينها، وذلك في إطار الكراسي العلميـة المحدثة، فقام معاليه ـ وهو العالم المتفتح والمثقف الواعي والمؤمن الصادق بقيمة الثقافة الإسلامية ودورهما في ترسيخ جذور الإسلام وتركيزه الصحيح في النفوس والعقول، ومحاربة التمزق والانحلال والاديولوجيات الوافدة ـ قام معاليه بما أنيط به خير قيام، فسعى سعيه الحميد وبــذل جهده الموفق الرشيد، حتى أخرج المشروع إلى الوجود، وها نحن اليوم نجتمع في هذا الجمع الحافـل لنحتفل العملية. هاته العملية التي كنا نؤمل أن تكون أوسع وأشمل، لكن أول الغيث قطر ثم ينهمر، وكـل تحرك لابد أن يسير سيره التصاعدي والخطوة تبدأ صغيرة ثم تكبر وتتوالى، والمهم أن القرويين عـاد إليها النور، ورجعت لتأخذ بزمام الأمور كما كانت دائما، رغم أن الكثير اعتقد أن الزمن كواهـا، وأصبحت في ذمة التاريخ، ولا مجال ليسمع فيها رنين الدرس وصخب الطلبة وهدير الحركة متناسيين أنه على رأس هذه الأمة المسلمة رائد لا كالرواد وقائد ملهم يتحدى كل الصعاب رضع العلم منذ نعومة أظفارها، وتربى في مدرسة محمد الخامس رحمه الله الذي كان شعاره الإسلام ولا شيء سوى الإسلام.
نبارك باسم العلماء أعضاء جمعية قدماء جامعة القرويين، هذه الخطوة المباركــة، ونضع أنفسنا رهن الإشارة في كل ما يعود إلى إحياء وازدهار هذه القرويين العامرة ونشكر كــل الذين ساهموا من قريب أو بعيد في هذا العمل الطيب البناء.كما نرحب بكل إخواننا العلمـاء الذين تجشموا عناء الحضور لزيارة أمنا جميعا القرويين والله في عون العبد في عون أخيه.
وختاما نتوجه إلى البري تعالى أن يحفظ مولانا أمير المؤمنين بحفظه الذي لا يتناهى وأن يديم عليـه الصحة والعافية، ويعز أمره وينصر جنده ويعلي رايته، ويعينه علـى نصرة الدين وحفظ العقيدة وصيانة الشريعة، وأن يحفظه في ولي عهده الأمير المحبوب سيدي محمد وصنـوه الأمير الرشيد وسائر أفراد أسرته إنه نعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here