islamaumaroc

الإسلام والمرأة.

  يوسف الكتاني

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

لا خلاف أن الباحث والمنقب في خزائن الأرض والراحل في أنحائها وأطرافها، لا يجد في البشـر على اختلاف وجوه العظمة والإكبار، من تتبع الناس منه وقائع الميلاد وحوادث الوفاء وكل الحركـات والسكنات، وأحوال الإقامة والتنقلات، وأطوار الغضب والرضاء ودقائق السلم والحرب، والعطاء والمنع، والتحريم والتحليل، غير فرد واحد في العالم الإنساني هو خاتم الأنبياء والمرسلين ورسول رب العالميــن سيدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، بحيث لو قدر لدولة أو مؤسسة أن تجتهد في جمع كل ما كتب عنه لتوفر لها من ذلك خزانة عظمى لا تقصر عن أعظم خزائن الدنيا.(1) وهـــو مصداق ما أكده الحافظ شمس الدين السخاوي  المتوفى سنة 923 هـ : إنه له حصل التصدي لجمع اسم من كتب في السيرة النبوية لكان ذلك في عشرين مجلدا فأكثر، علما بأنه عاش في القرن التاسع الهجـري فأين هو مما كتب بعده خلال القرون الخمسة الأخيرة.(2) وهذا يدل أشد الدلالة على اهتمام المسلمين بشؤون نبيهم اهتماما لم يشاركهم فيه رجال دين آخر قسط سواء كانت ديانات سماويــة كاليهودية والنصرانية أو غيرها كالبوذية والبرهمية وسواهما، وهو شاهد على كمال سيادة الرسول صلى الله عليـه وسلم وعظيم مكانته، وتفرده بين الأنبياء والمرسلين، بل تميزه عن الخلق أجمعين بما خصه الله به مــن الكمالات، وما ميزه به من الصفات، ما جعله منهلا عذبا عكف وروده العلماء وأسوة وقدوة لجميـع العالمين، كما أكد ذلك القرآن الكريم، هو ما اهتدى إليه أحد العلماء المعاصرين الذي جعل الرسـول الكريم على رأس المائة المختارة من الخالدين.(3)
 لقد كان ظهور الإسلام وبعثة خير الإمام تحولا جذري وانقلابا شاملا، غير المفاهيم وأقــام الموازين وفتح أمام الإنسانية طريقها الصحيح، وأبواب النهوض والتخلص من الأنانية والطغيان ، والسمو  إلى العلا والكمال مما يؤكد أن التمدن الإسلامي مبني على الشريعة ومرتبط بها ، وأن من عرف نهضة الإسلام وتعاليم النبي صلى لله عليه وسلم، وأمعن النظر في تلك النهضة تحقق أن ليس هناك من مظاهر التمدن ما لم يكن الإسلام في وقت ظهوره أصلا له وينبوعا، ذلك أن من تأمل ما اشتمل عليه القرآن الكريم من أدوات الاجتماع، ومن طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله في غضون كتابه من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود وما ضبط من الحقوق ونظامات الحياة، وما جاءت به السنة النبوية من تهذيب النفس والأخلاق والإرشاد للأخذ بالأحسن والأفضل، وما أحكمته من سنن الارتقاء والإخاء البشري، ولتمتع بضروب الحرية وغيرها من التعاليم السامية والمعالم العالية.(4) وأن ما وصلت إليه النهضة الإسلامية من التغيير والتأطير في الفترة المكية القصيرة، وما بلغته في الفترة المدنيــة المحدودة من الترقي والتطور من حيث العلم والكتابة، وقوة الإيمان ولجامعة، في بيئة كان أهلها يمشـون حفاة، وإذا أكلوا مسحوا أيديهم في أفواههم وما قام به الصحابة الطاهرون من أعمال، وما فتحوا مـن مماليك مما لم تبلغه أمة من الأمم لا دولة من الدول في قرون وأحقاب وذلك كله بفضل الشعلة النورانية النبوية التي أضاءت دفعة واحدة من أول وهلة على العالم، فأحدثت نهضة شاملة في جميع أنحاء الدنيـا، بجهاد وعمل قواد الإسلام المحنكين ودعاته وحكمائه وعلمائه من أصحاب الرسول الذين كانوا بحارا في العلوم على اختلاف أنواعها، حتى يروى أن عليا جلس عند ابن عباس يتدارس حرف الباء من بسم الله من العشاء إلى الفجر.(5)
وهكذا سن رسول الله صلّى الله عليه وسلم من القوانين والأنظمة ما يحفظ كيان الأمة، ويجمع شملها، ويلم شعبها، ويجعلها وحدة متكاملة، تؤمن بالله، وترعى حدوده وتتعاون مع بعضها في السراء والضراء، وبما يأمن من معه كل ذي حق على حقه ويدفع التعدي على أفرادها.
وسن للأسرة نظاما كاملا نموذجيا تقوم على أساسه يجعل منها الوحدة الأساسية في الأمـة، والأساس الصالح لها، وأقام الزواج على أكمل طريقة وابدع نظام، وبين حقوق الزوجين على بعضهما مجتمعين ومتفرقين مصداقا لقوله تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).(6)
وأحاط الأولاد بكامل الرعاية وبالغ العناية على نحو لم يسبق إليه بما يحقق التوازن بين أفـراد الأسرة أباء وأمهات وأولاد، كما أكد ذلك القرآن الكريم : (والوالدات يرضعن أولادهن حوليـن كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفـس إلا وسعها) الآية(7) وكما أوضع ذلك الرسول صلّى الله عليه وسلم بقوله : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»(8) وسن أحكام المعاملات من بيع وشراء وإجارة وشركة وقسم التركات على طريقة الحكمة.
وسن العقوبات والقصاصات والتعازير بما يحفظ الأنفس والأموال والأعراض.
وسن جميع الآداب من كل باب كآداب الأكل والشرب وآداب النوم، وآداب الكلام، وآداب المحاسبة والمحادثة والزيادة وآداب الحضر السفر وآداب الزوجية وآداب الأصحاب وآداب جميع المسلمين بعضهم مع بعض ومع أهل الذمة، بما يكفل نظام المجتمع وصلاح أحواله واستقامة أمره، وطهارة النفوس، وعمارة الديار، فعل ذلك كله صلّى الله عليه وسلم مع أنه أمي نشأ في أمة أمية، ولم يفرق وطنــه إلا أشهرا قلائل، ولم يجتمع مع أحد م أهل المعارف، مما يؤكد أنه مرسل من عند الله إلى هداية الخلـــق وإرشادهم إلى ما فيه سعادة الدارين.(9)
لقد كانت حياة الرسول وبعثته الشريفة بداية لتاريخ جديد للبشرية، وحياة كريمة لم تعرفها من قبل، كانت بحق بداية مرحلة  الإنسان الذي بلغ أرفع مستويات الفكر العقائدي، واستطاع التجاوب مع دعوة الوحدانية لله تعالى حتى تغيرت مفاهيم ومعالم أمة عريقة خلال أقل من ربع قرن من الزمـــان وانتقلت الإنسانية كلها بمولد صلّى الله عليه وسلم ورسالته من ضياع العصور والماديات، ومن متاهات الأزمان والالهة إلى حقيقة الوجود واستقامة الحياة مما أنشأ خير أمة أخرجت للناس، وهي أمة لإسلام التي انطلقت تصنع للدنيا كلها حضارة الرقي الفكري والسمو الرحي، وتنشئ أجيال الإيمان ليحققوا للبشرية أعظم تقدم عرفته في تاريخها مصداقا لقوله تعالى : (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)(10) إن أعظم تغيير أحدثته الرسالة المحمدية أنها فرقت بين عهدين وفصلت بين عصرين : عصر الجاهلية وعصر الإسلام، وكــان العصر الأول قائما على تأكيد وجود الذات الحاضرة، إذ أن المستقبل كان غائبا بالنسبة للإنسان هـذا الغياب الذي كان مرتبطا بعدم وجود نظام متكامل لانعدام الدين الحق الذي يقدم له مفهوما واضحـا لعلاقته بالزمان والمكان ولغاية الحياة. ثم جاء الإسلام ليغير المفهوم السائد في العصر الجاهلي من رؤيـة غامضة إلى رؤية واضحة، إذ الزمان ذو البعد الواحد أصبح ذا بعدين : زمن حسي وزمن كوني، أي تلك اللحظة التي يدعى فيها الإنسان ليحاسب على ما قدم في الدنيا، إذ أن حياته ليست حقا خالصا لــه يتصرف فيه كيف يشاء، لأنه لم يخلق عبثا ولا سدى(11) مصداقا لقوله تعالى : (أيحسب الإنسـان أن يترك سدى)(12).
وهذا أول تغيير أدخله الإسلام على مفهوم الإنسان لوجوده في الحياة مما أزال عنه الإحساس بالقلق، حيث إنه لم يوجد فيها إلا ليموت، ولذلك أكد الإسلام مسؤولية الإنسان في الحياة، وأنه خلق من أجل السعي وراء حياة أفضل ولا يتحقق ذلك إلا بأعمال عقله في اختيار العمل الصالح ونبذ العمل الطالح، وهذا ما يجعله مسؤولا عن نتائج عمله مما يدفعه إلى ترجيح كفة الخير على الشر، لارتباط أول الحياة بآخرها من جراء ارتباط فعل الإنسان بمعيار ثابت من القيمة والإيمان بالله، وهذا هو ما جعــل مستقبل الإنسانية كله يشهد تغييرا جذريا في معايير الحياة بأسرها من جراء ظهور الإسلام وقيمتـــه وتعاليمه وأحكامه ، ونظامه الذي يقوم على التوحيد والحق والعدل والصالح العــــــام(13) وعلى جعل الإنسان سيد هذا الكون وأعظم مخلوقاته فيه ومناط تطور الحياة باعتباره خليفة الله فــي الأرض وحامل أمانة الحياة ومسؤوليتها مصداقا لقوله تعالى : (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) الآية (14).
وهكذا شمل تأثير الإسلام جوانب الحياة كلها في مجالات العقيدة والسلوك، والأخـــلاق، وعلاقات الشعوب بعضها مع بعض، وفي مجالات العلوم والآداب.
إن أهم ما قام به الإسلام في هذا المجال هو تحليل الحضارة التي اختمرت تحليلا كيماويا، .
وفرز العناصر التي دخلتها في عهود مختلفة وفترة  تاريخية وإرجاعها إلى أصلها وفطرتها، مبرأة من كل شـرك منزهة عن كل زيغ.
إننا نجد أولى خصائص هذا التأثير، أن الإسلام، يختلط بحياة الناس اختلاط الدم باللحم، فيفتح عقولهم وينورها بنور العلم، ويملأ قلوبهم بالإيمان، ويطهرها من حيث يشعـــرون أولا يشعرون، وذلك واضح من نظام حياتهم ومناهج تفكيرهم وعملهم.
ويمكننا أن نذكر هنا بعض عناصر التأثير والتغيير فيما يلي :
أولا :  عقيدة التوحيد النقية الواضحة، والتي بنى الإسلام عقائد المسلم وفروضه وواجباته عليها، وكانت أساس الإيمان وركيزة العقيدة، ومظهر اليقين وسر استمرار الدين (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)(15).
ثانيا :  مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية، إذ الناس كلهم من أصل واحد ومصدر واحد (كلكم لآدم وآدم من تراب الناس سواسية كأسنان والمشط)(16).
ثالثا:    كرامة الإنسان وسموه على سائر المخلوقات «حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة»، ولذلك أكد الإسلام مساواة المرأة للرجل ورد الاعتبار إليها ومنحها حقوقها.
رابعا:  قيام الحياة على الجمع بين الدين والدنيا، بين المادة والروح. في العبادة،والسلوك،والأخلاق وسائر الأقوال أفعال،وهو ما أكده الرسول صلّى الله عليه وسلم للدين أرادوا التفرغ لدنيا دون الأخرى حيث رد عليهم مؤكدا ( أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقـد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس  مني)  (17).
 خامسا:  توحيد هدف المؤمنين بالإسلام في حياتهم ومعاشهم ومعادهم، نحو جهة واحدة ومقصد واحد، وهو الله تعالى : (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)(18).
سادسا:ربط الدين بالعلم، وقيام أحدهما على الآخر بإبراز قيمة العقل والعلم في الحياة والدين والعقيدة وسائر شؤون المسلم (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب) الآية(19).
سابعا:  قيام حياة الإنسان على الرجاء في الله، والاعتماد عليه وطلب عونه وإحسانه بعد العزم والحزم، ومن هنا دعا الإسلام نبذ التشاؤم واليأس وعدم إساءة الظن به والناس (الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله به ذلك هو الفوز العظيم)(20).
  وإذا كانت مظاهر التغيير والتحول لم تقتصر على المجال اجتماعي وحده بفضل الإســـلام وتشريعاته وأحكامه بل همت مظاهر الحياة الإنسانية كلها وفي سائر المجالات جميعا، الذي يصعب حصره وتناوله في عجالة من الزمن أو صفحات محدودة، فإنني سأكتفي هنا بمثل واحد على التغيير : وهو موقف الإسلام من المرأة، وتحريرها من قيودها وصيانة كرامتها، والاعتراف بإنسانيتها ورفعها إلى المكانة اللائقة بها في المجتمع، باعتبارها شقيقة الرجل وقرينته وشريكته في بناء الحياة وقيام المجتمع.
 وهكذا نتساءل أولا كيف كان حال المرأة قبل الإسلام عند العرب وعند سائر الأمم؟ وما هو دورها في آنذاك ؟ وما هو اعتبارها عندهم ؟
وما هو موقف الإسلام منها؟ ماذا صنع لها ؟ وماذا صنع منها ؟ هل وضع أمامها السدود والقيود كما يقال ؟ أم فتح أمامها الآفاق وجعلها ركيزة المجتمع وأساسه ؟ وما هو دوره في تحريرها وتكريمها ؟
 لقد ظلت المرأة طول التاريخ مظلومة مقهورة مستعبدة، حتى اعتبرت عند أقوام كما مهمــلا وروحا شريرة، ورجسا من عمل الشيطان، لا كيان لها ولا وجود إلا تابعة للرجل وظلا لـه، هضمت
التشريعات البشرية التي ادعت الكمال حقها، وغبنتها حتى جعلتها لا قيمة ولا عصمة لها، يقامر الزوج على زوجته فيخسرها وإذا مات عنها وئدت أو أحرقت نفسها حزنا عليه وحرمها العرب من حــق الملكية والأرث،  ووضعها آخرون في الحزام الحديدي حتى لا تقع في الخطيئة(21).
ففي الهند كانت المرأة تحرق مع زوجها إذا مات وفي اليونان جعل أفلاطون في الجمهوريــة الفاضلة المرأة موزعة على  الأمراء والقادة والسادة والجنود، وفي العهد القديم اعتبرت المرأة ملعونة لكونها كانت السبب في إخراج أدام من الجنة، وفي العهد الجديد اعتبرت المرأة شريرة إلا مريم أم المسيح عليـه السلام، وفي أوروبا ظلت تباع إلى القرن التاسع عشر، كما كان الأمر في انجلترا حيث كان من حـق الزوج أن يبيع زوجته بشلنات معدودة، وما زالت إلى اليوم في عهد الذرة والصواريخ وفي عصـــر التكنولوجيا، وما زالت ذمتها المالية غير مستقلة وناقصة. إذ لا بد من توقيع زوجها على العقد والمصادقة عليه قبل إتمامه.
لقد اعتبر الإسلام المرأة أيما اعتبار، وكرمها تكريما فاق كل تكريم، وحفظ لها حقوقها، وصان شخصيتها وأنزلها المنزلة اللائقة بدورها في المجتمع الإسلامي.
فقد كانت جاهلة فعلمها ورباها وأحسن تربيتها وكانت مستعيدة مقيدة مظلومة فحررهــا، وفتح المجالات كلها أمامها، وكانت خاملة مغبونة فرفعها وأعلى شأنها.
وفي ظل الإسلام أنصفت المرأة وتمكنت من حقوقها التي كانت محرومة منها، بعد ما ظلمتهـا الأمم كلها ووضعها في مكانتها، ومكنها من القيام بدورها، وقدرها وكرمها باعتبارها إنسانا وبنتــا، وزوجا، وأما، وعضوا في الأسرة والمجتمع.
لقد رفع الإسلام المرأة بعد انحطاط، وأعزها بعد إذلال، وأحياها بعد موات وجعلها بجانــب الرجل أختا وزوجا وأما وسيدة تمارس حياتها وتقوم بدورها مستشارة ومعلمة ومجاهدة وممرضة وعالمة، وانطلق صوت الرسول الكريم ليعلن للإنسانية كلها ولأول مرة في التاريخ ـ هذه المكانة السامية للمرأة في الدنيا والآخرة بالقرآن الكريم : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)(22).
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهمـا رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)(23).
وقوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكــم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )(24).
وانطلق الرسول الكريم ليؤكد ذلك وليبينه وليطبقه بقوله وفعله (إنما النساء شقائـــق الرجال)(25) أي أمثالهم وبقوله : (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها ومالـه) (26). ويجلس إلى النساء كما يجلس إلى الرجال يعلمهن ويربيهن ويغرس الإيمان في قلوبهن ويوجههن إلى الخير والحق والفضل ويجعل أول مستشارة له في الدنيا زوجته خديجة أم المومنين،  فيعود إليها من غـار حراء وقد نبئ وأرسل إلى العالمين كافة قائلا لها : وفؤاده يرجف : (لقد خشيت على نفسي، فآمنت به وصدقته مجيبة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل ـ العنـــاء ـ وتكتسب المعدوم، وتقرى الضيف ـ تكرمه  وتعين على نوائب الحق)(27).
20) وينوه بشجاعتهن وجرأتهن في التعلم والتفقه في الدين والحياة حتى قالت عائشة : «نعم النساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» ويرعى تعليم النساء وتربيتهن، فيتخذ لهن المعلمات فـي القراءة والكتابة والحياكة والتطريز حتى تصبح السيدة عائشة من أعلم المسلمين بالرواية والحديث والشعر والفقه، كما أعلن ذلك عمر بن الخطاب وتعد في مقدمة كبار رواة المسلمين لحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وتصبح الشفاء محتسبة على السوق بجانب عمر، وتفدي سمية الإسلام بنفسها فتصبـح أول شهيدة في الإسلام، ويسلم عمر بن الخطاب على يد أخته فاطمة وبسبب شجاعتها وقوة إيمانها وصلابة موقفها.
وهكذا وفي ظل الإسلام أنصفت المرأة وتمكنت من حقوقها التي كانت محرومة منها بعد ما ظلمتها الأمم كلها ووضعها في مكانها ومكنها من القيام بدورها، وكرمها تكريما لم تعرفه في دين قبله ولا في مذهب أو نظام بعده، كما يشهد بذلك تاريخ المسلمين وواقع المرأة في ظلال دين الله وبرعاية نبيه وصحابته والتابعين لهم بإحسان.
ومن هذا المنطلق ومراعاة للتوازن في الطبيعة والعمل فإن الإسلام قد أعطى المرأة الحقوق نفسها التي أعطاها للرجل من حيث القيمة الإنسانية والشخصية الاعتبارية وفي سائر التصرفات من ملكية ورأي وزواج وشهادة وعمل وفي الوقت نفسه كلفها بما كلف الرجل من عبادات وواجبات واعتبرها مسؤولة مثله عما تؤديه من أعمال وطاعات.
وقد سوي الإسلام بين الرجل والمرأة في التكاليف والواجبات وفي الحقوق، وضمن لها كامل شخصيتها المدينة مستقلة عن زوجات، وفي سائر التصرفات وبكل مقوماتها، ولم يفرق بين الجنسين في الحقوق والواجبات إلا من حيث تدعو إلى ذلك مراعاة طبيعية كل من الجنسين في الحياة، وما يصلح له، وكفاله الصالح العام، وصالح الأسرة، وصالح المرأة نفسها وبذلك، اعتبر الإسلام المرأة نصف المجتمــع، وربة الأسرة وأم الأولاد، وعضوا أساسيا في المجتمع، ولم يعتبرها دمية جميلة أو لعبة للرجـل، أو أدوات الزينة والتجميل والتسلية ولم يحرمها في الوقت نفسه من التزين والتجميل لزوجها مصداقا لقوله عليـه السلام : «جهاد المرأة حسن تبلعها» أن تزينها وتجملها وطاعتها له بالمعروف.
لقد كرم الإسلام المرأة منذ أن أعلن أنها مكلفة كالرجل تثاب إن أحسنت، وتعاقب إن أساءت ولم يعتبرها جزءا من المجتمع أو بعضه، بل اعتبرها أحد شقيه بجانب الرجل فقال تعالى : (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) الآية(28) وأكد ذلك الرسول الكريم بقوله : «إنما النساء شقائق الرجال»(29).
ورعاها بنتا فأنكر أشد الإنكار وأدها وقتلها خوف الإملاق، وأوجب تعليمها وتأديبهـــا ورعايتها والإنفاق عليها حتى تتزوج، وفرض على أبيها إلا يزوجها إلا برضاها وإذنها.
إن للمرأة في الإسلام الحق في اختيار زوجها الذي تعيش معه العمر كله، وتعطيه قلبها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال : «لا تنكح الايم حتى تستأ مـر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا : يا رسول الله، وكيف إذنها ؟ قال : أن تسكت»(30) وإذا زوج رجـل ابنته وهي كارهة فالزواج مردود وروى الجماعة إلا مسلما عن خنساء بنت خدام الأنصارية «أن أباها زوجها ـ وهي ثبت ـ فكرهت ذلك فأتت رسول الله، فرد نكاحها»(31) أي أبطله.
وروى أبو داود وابن ماجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ـ «أن جارية بكرا أتت النبـي صلّى عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها النبي صلّى الله عليه وسلم»(32). 
وفي صحيح البخاري من كتاب النكاح باب هل للمرأة أن نهب نفسها لأحد ؟.
حدثنا محمد بن سلام، حدثنا ابن فضيل حدثنا هشام، عن أبيه قال : «كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلّى عليه وسلم فقالت عائشة : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل ؟ فلما نزلت (ترجى من تشاء منهن) قلت : يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»(33).
وفي صحيح البخاري أيضا في نفس الكتاب : باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا مرحوم قال : سمعت ثابتا البناني قال : «كنت عند أنس وعنده ابنه له قال أنس : جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها قالت : يا رسول الله ألك حاجة ؟ فقالت بنت أنس : ما أقل حياءها واسوأتاه قال : هي خير منك، رغبت في النبي صلّى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها»(34).  
وفي صحيح البخاري أيضا من نفس الكتاب : عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.
حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم بن عبد الله، أنه سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحدث «أن عمر بن الخطاب حيـن تأيمت حفصه بنت عمر من خنيس بن حدافة الهمي ـ وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليـه وسلم فتوفي بالمدينة ـ فقال عمر بن الخطاب : أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقـال : سأنظر في أمري فلبثت ليالي ثم لقيني فقال : قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر : فلقيت أبا بكر الصديق فقلت : إن شئت زوجتك حفصه» بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئا، وكنت أوجدت عليه مني علي عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال : لعلـك وجدت علي حين عرضت على حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر : قلت : نعم قال أبو بكر : فإنه لم يمعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا كنت علمت أن رسول الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلّى الله عليه وسلـم، ولو تركها رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبلتها(35).
إن الإسلام أعطى المرأة البالغة العاقلة بكرا كانت أم ثيبا، كامل الحرية في رفض من لا ترضاه لها زوجا، ولاحق لأبيها أو وليها، أن يجبرها على من لا ترضاه لها زوجا، ولا حق لأبيها أو وليها، أن يجبرها على من لا تريد، وحتى لا تقع المرأة في خطأ فادح كهذا في اختيارها لنفسها بسبب عاطفتها، فقد جمع الإسلام بين جعل الزواج لولي المرأة وحقها في الموافقة على من ترغب فيه، ورفض من لا توافق عليه، فمنع بذلك من استبداد الأولياء ببناتهم، وفي الوقت نفسه لهن الحق في رد من لا يرونه كفئا لهن.
وما دام للمرأة الحق في الموافقة أو الرفض فيمن يتقدم للزواج منها، فلها الحق في رؤيته، والنظر إليه كما له الحق في ذلك فقد روى البخاري(36) وابن ماجة في (باب النكاح) أن رجلا جاء إلي النبي صلّى الله عليه وسلم يخبره أنه خطب فلانة فقال له هل نظرت إليها ؟ فأجاب : لا، فأمره أن يذهب، وينظر إليها.
وكرمها زوجة فجعل لها مثلها للرجل من حقوق، وأوجب لها نفقتها ورعايتها، والمعاملــة بالحسنى «وعاشروهن بالمعروف الآية»(37) «وخيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»(38) كما جعـل الزواج لا يفقد المتزوجة شخصيتها وممارسة كامل حقوقها والمحافظة على اسمها وكرمها أما فجعل الجنة تحت أقدامها، وأمر بحسن مصاحبتها، ومعاشرتها إكراما لأمومتها وجزءا ما تعانيه وتتحمله في سبيــل أولادها فقد أجاب الرسول سائلة عن أحق الناس بحسن مصاحبته ومعاشرته فقال «أمك، ثم أمك، وفي الرابعة أبوك»(39).
وكرها باعتبارها عضوا في المجتمع وفي الأسرة فأنكر اعتبارها عند موت زوجها شيئا يورث كما يورت المتاع، وكما كان الأمر قائما وقرر أهليتها للتملك والبيع والشراء وسائر العقود والتصرفات «للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن»(40) وجعل لهـا  كالرجل حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع فقال :
(والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة) الآية (41) كما فتح أمامها المجالات كلها، من أجل العمل والجهاد والتعلم والتعليم والعبادة وشهود الجماعات وكل عمل مفيد وصالح.
وقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه الراشدون والمسلمون من بعدهم على تكريم المرأة وإعزازها وتقديرها واعتبارها، حتى جعل الإسلام منها خلال عقدين من الزمان مجاهدة، وعالمة وراوية وحافظة ومحتسبة، وشاعرة، وشهيدة وداعية.
   وفي ظل هذه التعاليم الإسلامية تربت المرأة وتعلمت وتفقهت، فأنتجت وأفادت ونبغت وبرزت، حيث نجد في تاريخنا المغربي كثلا نابغات شهيرات سجل التاريخ أسماءهن بمداد الفخر، وخلد ذكرهن في ميدان العلم والمعرفة كالعالمة المسندة أم المجد مريم بنت أبــي الحسن الشاري السبتي.
 والعالمة المحدثة عائشة بنت عمر الصنهاجي المتوفاة سنة 739 هـ وقد أخذ عنها الحفظ ابن حجر بواسطة تقي الدين محمد الفاسي.
 كما كانت النساء  يروين السنة ويحفظنها خاصة صحيح الإمام البخاري، ومنهن العز بنت محمد بن علي العبدري التي كانت ترويه عن أبيها، ومنهن المحدثة العالمة أمة الرحيم بنت ضياء الدين السبتي التي أشاد بها ابن حجر، وأجاز لها علماء عصرها في القرن الثامن الهجري.
كما كانت خناته بنت بكار المعافري زوج السلطان المولى إسماعيل العلوي عالمة حافظة راوية، وهوامشها وتعليقاتها على الإصابة لابن حجر مشهورة معروفة ولما حجت وزارت مصـر روت وأخذت كما روي وأخذ عنها علماء الحجاز ومصر.
    كما اشتهر من بين نسائنا العالمات فاطمة بنت أحمد زويتن التي كان لها ولوع خاص بصحيح البخاري حتى كتبت نسخة منه في خمسة أجزاء بخط يدها، والحافظة العالمة رحمة بنت الجنان المكناسية إلى غيرهن مما يضيق عن ذكرهن المجال(42).
     أما الصورة التي توجد عليها المرأة اليوم في بعض البلدان الإسلامية فذلك ناتج عن بعدنا عن قيم الإسلام وتعاليمه وسماحته، فقد كان الرسول إذا رأى النساء مقبلات وقف لهن وقـال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي»(43).
      كما كان يقول لابنته فاطمة ويقبلها ويساعدها في بيتها، ويسابق زوجته عائشة فتسبقه مرة ويسبقها أخرى ويقول لها مدعيا: «هذه بتلك»(44) وبلغ من عنايته بتعليمها وتربيتها حتـى قال عنها عروة: «ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام وأعلم بالشعر والطب من عائشــة»(45)
وحتى كان الصحابة يسألونها عن الفرائض، وكذلك كانت سائر أمهات المؤمنين والصحابيات.
كذلك سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في العبادة والإيمان، وأمر الرسول النسـاء أن يشهدن صلاة العيدين بجانب الرجل «ولو لم يكن لهن جلباب فليستعرنه من جاراتهن»(46) وأمرهن أن يشهدن الصلوات ويحضرن الجماعات (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) وكانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء مع الجماعة في المسجد فقيل لها : لم تخرجين وأنت تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ قالت : وما يمنعه أن ينهاني ؟ قال: يمنعه قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم «لا تمنعوا إماء الله ـ أي النساء ـ مساجد الله».
وسأكتفي هنا ببعض الأمثلة والوقائع الشهيرة في تاريخ تدليلا على مكانة المرأة وقيمتها في دين الإسلام :
 فقد حدثت السيدة عائشة أم الممنين أن فتاة جاءتها شاكية بأن أباها زوجها من ابـن أخيه ليرفع بها خسيسته (دناءته) وهي كارهة، فأمرتها أن تجلس، حتى يأتي النبي صلّى الله عليـه وسلم فما جاء صلّى الله عليه وسلم أخبرته فدعا أباها وجعل الأمر إليها ـ أي أن فقد حدثت السيدة عائشة أم الممنين أن فتاة جاءتها شاكية بأن أباها زوجها من ابـن أخيه ليرفع بها خسيسته (دناءته) وهي كارهة، فأمرتها أن تجلس، حتى يأتي النبي صلّى الله عليـه وسلم فما جاء صلّى الله عليه وسلم أخبرته فدعا أباها وجعل الأمر إليها ـ أي أن تنفذ الزواج وتجيزه أو ترفضه ـ فقالت :
يا رسول الله، فقد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم للنساء من الأمر شـيء ؟(48).     
والواقعة الثانية التي تؤكد حرمة المرأة واستقلالها في أمرها، أن السيدة عائشة اشتـرت جارية تسمى بريرة، وأعتقتها ـ أي حررتها ـ فأصبح لها الخيار بعد تحررها بالبقاء مع زوجها «مغيت» أو تركه، فلما خيرها الرسول اختارت أن تتركه، فهام على وجهه وراها في طرقـات المدينة باكيا يترضاها وهي كارهة، وبلغ ذلك الرسول، فرق لحاله وقال أو ذاك شيء واجـب علي ؟ فأجابها الرسول صلىّ الله عليه وسلم «إنما أنا شافع» فما كان منها إلا أن ردت لاحاجة لي فيه»(49).
كما أننا نجد في تاريخ السيرة النبوية واقعة لها دلالتها في تكريم المرأة في شخص زوجة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري والتي منحها الرسول عليه السلام قلادة وضعها بيده الشريفة حول عنقها تكريما لموقفها وبلائها في غزوة خيبر، فكان هذا أول وسام لامرأة مجاهدة فــي الإسلام.
كما أن الإسلام أباح للمرأة أن تشترك في الأمور السياسية العامة بنص القرآن والسنة وفعل الصحابة وإجماع المسلمين.
فقد نص القرآن على مبايعة النساء للنبي صلّى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والقيام بالأحكام والحدود، وهو مصداق قوله تعالى : (يا أيها النبي إذا جاءك المومنات يبايعينك على أن لا يشركن بالله شيئا) الآية (50).
وعلى أية حل فإن الوضع بعد ما تغير وانفصلت على السمع والطاعة في المنشــط والمكره، والاحتكام إلى الله وإلى رسوله وإلى العمل لما فيه مصلحة الأمة وسعادتها وعزها(51).
ومعروف ماجرى بين هند امرأة أبي سفيان وبين النبي عليه السلام حين المبايعة وجوابهــا عليـه السلام، إذ قال لها في البيعة : «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا»، فقالت هنـــد : «وكيف نطمع أن يقبل منا ما لم يقبله في الرجال»، فقال علي السلام : ولا «ولا تسرقن» فقلت : إن أبا سفيان رجل شحيح، وقد أصبت من ماله هناة فما أدري أتحل لي أم لا ـ فقال أبو سفيان ـ وكان حاضرا ـ أما أصبت من شيء فيما مضى فهو لك حلال، فضحك النبي عليه السلام وقــد عرف أنها هند التي لاكت كيد حمزة في معركة أحد وقال : «إنك لهند أكلة الكبود» فقالـت : أنبي وحقود، أعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال عليه السلام : «ولا تزنين» فقالت : أو تزني الحرة» فقال : «ولا تقتلن أولادكن»فقالت : ربيناهم صغارا وقتلناهم كبارا فأنت وهم أعلم» تشير إلى قتل ولدها حنظلة في معركة بدر، وتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال : «ولا يأتيــن ببهتان» فقالت : إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق» فقال : «ولا تعصيني في معروف» فقالت : «والله ما جلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء»(52).
وقد صح أن عمر رضي الله عنه كان يحلف المرأة المهاجرة هكذا «بالله ما خرجت رغبــة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من يغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حيا لله ورسوله(53) .
وقد ناقشت المرأة الرسول عليه السلام في الشؤون العامة وفـي مختلف القضايا، وكـــن السبب في نزول الوحي وفي تقرير التشريع العام للمسلمين فقد سجل القرآن في سورة المجادلة الحوار الذي جرى بين الرسول وبين خولة بنت تعلبة زوج أوس بن الصامت، بعد أن اشتكت إليه زوجها لقوله لها : أنت علي كظهر أمي» مما يحرمها عليه في الجاهلية ثم دعاها لنفسه فأجابته : والذي نفس خولة بيده لا تصل إلى وقد قلت حتى يحكم الله ورسوله، فأجابها عليه السلام : «ما أمرت فــي شأنك بشيء حتى الآن وما أراك إلا قد حرمت عليه» قالت : ما ذكر طلاقا، وجادلت الرســول الكريم مرارا حتى أنزل الله فيها وفي قصتها مع زوجها ومجادلتها للرسول في أمرها قرانا وتشريعها في وتحديد مكانتها، وتأمين حقوقها مما لم يبلغ الإسلام فيه بين سابق ولا مذهب لا حق، ومما يدعو المرأة المسلمة إلى لدفاع عن حقوقها ومكانتها في إطار الشريعة الإسلامية والبعد عن التشبه والتقليد والجري وراء كل ما هو أجنبي وغريب، مما لم يمكنها من أي شيء حقيقي ناهيك وقد كانت خر وصية الرسول عليه السلام للأمة جمعاء بالمرأة خيرا، الأمر الذي يدل على المركز الكبير الذي وصلت إليه المرأة في دين لإسلام وعلى عناية رسول الله وبره بها فقال في حجة الوداع».
«اتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا».
ويكفيني هنا مثل واحد على مدى تغير المرأة في ظلال لإسلام وخلال زمن يسير فقد كانت الخنساء الشاعرة امرأة مخضرمة عاشت في الجاهلية والإسلام فقدمت أحد أولادها قبل لإسلام فلما نعى إليها قالت :
«ولولا كثرة الباكين حولي لقتلت نفسي».
معركة القادسية المشهورة شارك فيها أربعة من أولادها واستشهدوا في سبيل اللــه، فلما أخبرت بذلك رضيت بقضاه الله فيهم وفرحت باستشهادهم في سبيل الله وقالت : « الحمد لله الذي شرفني بموتهم وأرجو أن أكون مثلهم».
ونحب هنا أن نشير إلى بدعة طغت على مجتمعات المسلمين بسبب تخلفهم وضعفهم وتقليدهم وهي تسمية المرأة بالسيدة فلان نسبة إلى زوجها، فهذا تقليد فاسد يفقد المرأة شخصيتها ، والانتساب إلى أبيها وأسرتها فقد كانت أمهات المومنين أنفسهن تنسبن إلى أبنائهن حيث يقال : عائشة الصديقية وخديجة بنت خويلد وحفصة بنت عمر، ولم ينسبن إلى زوجهن مع أنه أشرف زوج في الدنيا، وهو رسول الله صلّى الله عليه وسلم حفاظـا للمرأة على شخصيتها الكاملة واستقلالها الكامل مما بوأها مركزا عظيمـا طول تاريخ المسلمين، ومما يعتبر فتحـا عظيمـا في تاريخ النظم الاجتماعية كلها،يفضل الإسلام وتشريعاته، ونظمه وأحكامه وقيمه، التي كانت خيرا للإنسانية كلها إلى يوم الدين».(57)


1) التأليف المولدية : محاضرة للشيخ عبد الحي الكتاني.
2) الإعلان بالتوبيخ لمن دم التاريخ للحافظ السخاوي.
3) أنظر كتاب الدكتور ما يكل هارت بالمائة المختارة من الخالدين، ترجمة أنيس منصور.
4) مقدمة التراتيب الإدارية للشيخ عبد لحي الكتاني.
5) كتاب الفروق للقرافي 4/167.
6)  سورة الروم ـ الآية : 21.    
7) سورة البقرة ـ الآية : 233.
8) رواه الترمذي عن عائشة مرفوعا.
9) أنظر التراتيب الإدارية 1/7 وما بعدها.
10) سورة المائدة ـ الآية : 56.
11) معالم إسلامية ص 10 و 11 للدكتور يوسف الكتاني.
12) سورة القيامة ـ الآية : 36.
السيرة النبوية بين التاريخ والخيال الشعبي ـ نبيلة إبراهيم ـ مجلة عالم الفكر ـ المجلد 12 مارس 198
13) سورة الأحزاب ـ الآية  : 72.
14) سورة أل عمران ـ الآية : 18.
15) من خطبة حجة الوداع.
سنن النسائي 6/60.
سورة الأنعام ـ الآية : 164.
سورة آل عمران ـ الآية : 190.
20) سورة يونس ـ الايتان : 63 و 64.
21)   أنظر مقال الكاتب « الإسلام والمرأة ».
22) سورة الحجرات : الآية : 13.
23) سورة النساء ـ الآية الأولى.
24) سورة الروم ـ الآية 21.
25) رواه أحمد والترمذي وأبو داود.
26) رواه ابن ماجه عن أبي أمامة.
27) فتح الباري 1/23.
28) سور آل عمران ـ الآية : 195.
29) رواه أحمد في المسند والترمذي وأبو داود.
30) فتح الباري 9/191.
31) فتح الباري 9/194.
32) راجع سنن أبي داود وابن ماجة.
33) فتح الباري 9/164.
34) المصدر السابق 9/174.
35) نفس المصدر 9/175 ـ 176.
36) المصدر السابق 9/180 و 181.
37) سورة النساء ـ الآية: 19.
38) رواه الترمذي عن عائشة مرفوعا.
39) رواه البخاري في الصحيح.
40) سورة النساء ـ الآية : 32.
41) سورة التوبة ـ الآية : 71.
42) أنظر تفصيل الموضوع في كتابنا مدرسة الإمام البخاري 1/375 وما بعدها.
43) فتح الباري 9/348.
44) رواه ابن ماجة وأبو داود والنسائي.
45) رواه الحاكم.
46) فتح الباري 2/ 469.
47) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر.
48) سنن النسائي ـ كتاب النكاح 6/87.
49) أنظر صحيحي البخاري ومسلم والمسند لأحمد.
50) سورة الممتحنة ـ الآية : 12.
51)    أنظر الحوار الرائع بين الرسول وهند زوجة ابن سفيان عندما بايعته مع النساء
«المجتمع المتكامل في الإسلام» ص 135 و 136 للدكتور عبد العزيز الخياط.
52)  السيرة الحلبية 3/137 المطبعة العامرة مصر سنة 1292.
53)   المجتمع المتكافل في الإسلام عبد العزيز الخياط ص 136.
54)  سورة المجادلة ـ الآية الأولى.
 55)  نيل الأوطار للشوكاني 6/180.
 56)  الاستبصار في مناقب الأنصار.
57) راجع في الموضوع بحث الكاتب ـ الإسلام والمرأة ص 3 وما بعدها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here