islamaumaroc

يوميات طالب في القرويين في القرن التاسع الهجري.

  عبد القادر العافية

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

عرف جامع القرويين نشاطا ثقافيا وفكريا عبر حياته الطويلة وعرف نشاطها متزايدا فـي عصر بني مرين حيث كثرت حوله مدارس إيواء الطلبة، وكانت هذه المدارس مجهزة أحسن تجهيـز بالنسبة لذلك العصر، مع جمال الشكل ومتانة البناء. ووسعته وتعدد طبقاته، وتوفر المرافق الضرورية لحياة الطالب.
  وتابعت القرويين نشاطها في العصر الوطاسي، والسعدي…
وفي العهد العلوي المجيد بني المولى رشيد بن الشريف مدرسة الشراطين التي أوت مآت الطلبة، وكانت المدرسة الرشيدية من أروع ما بني حول القرويين، وازدهرت في هذا العهد الحياة الفكرية بهذا الجامع، وكان للمولى رشيد عناية خاصة بالعلم والعلماء.
واستمرت عناية الدولة العلوية الشريفة بالقرويين وبعلمائها وطلاب العلم بها، مما جعل القرويين تعرف مرحلة جديدة في حياتها الفكرية ابتداء من عهد المولى رشيد، ثم المولى إسماعيل، ثم حفيده سيدي محمد بن عبد الله، وولده المولى سليمان…
وعرفت انبعاثا جديدا في عهد السلطان سيدي محمد الخامس طيب الله ثراه، حيث عمل على تنظيم الدراسة.
 والحقيقة أن القرويين منذ أسست وهي من عناوين مجد هذه البلاد، أمها الطلبة من كل مكان، داخل المغرب وخارجه، ووجدوا فيها جميعا ما يلبي رغبتهم، ويروي ظمأهم للعلم والمعرفة.
وبمناسبة إحياء الدراسة بالقرويين، وما قامت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميــة مشكورة في هذا المجال في العهد الحسني الزاهر.
أذكر إخواني طلاب العلم وعشاق المعرفة من رواد القرويين بما كان عليه طالب العلم  مــن حدية ونشاط، وما كان يتحمله من أجل البحث والتحصيل إلى أن يتخرج وهو صاحب ملكة فكرية، ورصيد علمي، وصاحب رسالة يعمل لنشر العلم، والآداب، والأخلاق، أين ما حل وارتحل…
فيوميات الشيخ على بن ميمون تطلعنا على ما كان عليه طالب العلم من جدية ومثابــرة وحب للمعرفة.
وعلي بن ميمون (854 ـ 917 هـ) الذي كتب هذا النص، درس بالقرويين أربعة عشـر عاما ثم رحل إلى المشرق. 
وتجول بأهم مدن الشام وقراه، وتعرف على مراكزه بالقرويين، وإدخال التعديلات الهامة على المناهج والبرامج، واهتم بعلمائها. وطلابها اهتماما كبيرا، وبنى مدرسة لإيواء الطلبة، تعد أهم المدارس بجوار القرويين، وهي تحمل اسمه إلى يومنا هذا.
العملية، ثم زار الحجاز، ورحل إلى تركيا وأقام بمدينة بورصة هناك، ثم عاد إلى دمشق حيـث عمل أستاذا بالمدرسة الصالحية بهده المدينة لمدة تزيد عن عشر سنين، وخلال هذه المدة كان يعقــد  حلقات دروسه هنا وهناك من بلاد الشام، فكثر تلاميذه ومريدوه ...
 وفى صالحة دمشق ألف علي بن ميمون معظم كتبه التي تجد أسماءها وعناوينها في بعض فهارس المؤلفات، و من هذه  الكتب ما يوجد ضمن مخطوطات الخزانة العامة  بالرباط، أو ببعض الخزانات الخاصة بالمعرب و الشام (1) و النص الـذي يتحدت فيه عن الدراسة بالقرويين هو من كتابه «الرسالة  المجازة في معرفة الإجازة »(2) فهو بعدما تكلم عن مدينة فاس، وأشاد بها ، وبعلمائها ، وابان عن اشتياقه إليها  وهو بالشام ،يقول في معرض حديثه عن، علماء القرويين «… وحفظ سائر العلوم الظاهرة من الفقه والحديث والتفسير، وحفظ نصوص كل علم مثل النحو، والفرائض. والحساب، وعلم الوقت ـ التوقيت ـ والتعديل ـ علم الفلك ـ والتوحيد، والمنطق، والبيان، والطب، وسائر العلوم العقلية، كل ذلك لابد فيه عندهم ـ أي عند علماء القرويين ـ من حفظ نص ذلك الفن،  ومن لم يستحضر عندهم النص فـي مسألة ما، لا يلتفت إلى كلامه، ولا يحسب عندهم من طلبة العلم إلا من يأتي بالنص في كل مسألة يتكلم فيها من حفظه، كما يحفظ الآية من القرآن،  وإن كان على غير هذه الصفة. يقولون في حقه : «من لم يحفظ النص فهو لص» ومنذ خرجت من فاس لم أجد مثل هذه العناية بحفظ النصوص، لا في تلمسان، ولا بجاية ولا بتونس، ولا إقليم الشام بأسره، ولا بلاد الحجاز، فإني رأيت ذلك بالمشاهدة…لقد طلبت العلم بفاس أربع عشرة سنة بعد أن من الله علي بحفظ كتابه العزيز قبل البلوغ، وحفظت مصنفات فيما يرجع إلى رسم «الكتاب العزيز» وضبطه وتلاوته وإعرابه، حفظت ذلك قبل البلوغ، وحفظت نظما من سبعمائة بيت في علم الفرائض والحساب ـ أي في سن الطفولة ـ ثم رسالة ابن زيد القيرواني… حفظت ذلك كالفاتحة، وبعد ذلك دخلت مدينة فاس، فلزمت علماءها، وكنت متجردا نحوا من سبعة أعوام ـ أي لا أشتغل إلا بطلب العلم ـ وفي زمن الشتاء لا نأكل إلا بعد العشاء لكثرة المجالس العلمية، في النهار، نستفتح يومنا بمجلس الفقه والحديث، وهذا المجلـس يحتوي على ثلاثة دروس، أولها الحديث بالنقل الغزير، وما يحتاجه شرحه من نسب الراوي ومكانته واللغة، والإعراب والفقه أي استنباط الفقه من الحديث ـ ثم درس في رسالة ابن أبي زيد القيرواني، بالنقل الكثير أيضا ـ أي أن الأستاذ يملي من ذاكرته نصوصا كثيرة ـ من شروحها كالشيخ الجزولي، وبه كان يقرأ شيخنا، وهو غاية ـ أي غاية في غاية ما يكون من حيث الاستفادة منه ـ ويذكر من غيره أشياء كثيرة، ثم بعده مجلس المدونة بالنقل الكثير المفرط، ـ أي أن الأستاذ يأتي بنقول كثيرة من مختلف المصادر ـ من كلام مشايخ المدونة، من أولهم إلى آخرهم، نشرع في ذلك عند شـــروق الشمس، ويفرق أحيانا ـ أي المجلس ـ قرب الزوال فنخرج في الحين إلى أستاذ المقارئ السبع، تحضر عنده التفسير، ثم الإعراب الكبير، والصغير، ثم ألفية ابن مالك الطائي في النحو، ثم يأتي مدرس آخـر ليعطي درسا في المدونة ينقل عن علماء المذهب، قبل أن يؤذن أذان الزوال، ثم ننصرف من هناك ونأتي أستاذا آخر دون الأستاذ الأول ـ  لكنه ـ على طريقته، وهو شيخه، فنحضر عنده مجلسين في النحو، أولهما في كتاب يقال له لمدخل للإمام لصالح الجرومي المصمودي، وبعده في ألفية ابن مالك، وبعــد الظهر ننصرف، ونأتي خزانة الكتب التي يطالع فيها طلبة العلم، ويقرؤون ما يحتاج إليه المشايخ وغيرهم ـ أي الطالب كان يحضر درسه بهده المطالعة تلبية لرغبة المشايخ ـ كل واحد حسب مقصده، لأن فاس المذكورة فيها خزانتان عظيمتان مشهورتان لهذا الأمر، في جامعي الجمعة ـ يقصد جامع القرويين، وجامع الأندلس، لأن صلاة  الجمعة لم تكن تقام في هدا العهد إلا فيهما ـ وهناك خزانة ثالثة ، وكل خزانة فيها كتب موقوفة على طلبة العلم للمطالعة كل يوم على يد وكيل ناظر على ذلك، حافظ له، يجلس المطالعون بين يديه في موضوع خاص، حتى إذا قضى كل واحد غرضه رد الكتاب إلى الوكيل إلى الخزانة، من صلاة  الظهر إلى صلاة العصر، والكتب كثيرة لا تكاد تحصى إلا بمشقة، في كل فن من فنون العلم… نقعد في الخزانة للمطالعة إلى أن تقام صلاة العصر، وبعد الصلاة ننصرف إلى بيوتنا بالمدرسة نتسبب فيما نأكل، فنفرغ منه أحيانا بعد المغرب، ثم نحضر مجلس قراءة الموطأ للإمام مالك في الحديث، بالنقل عن مشايخ العلم من مذهب مالك، إلى أذان العشاء الأخير الأخيرة، وننصرف لتناول الطعام بعد صـلاة العشاء ثم نشتغل بعد ذلك بالمطالعة وأحيانا، اشتغل بتعلم الحساب، وله ولعلم الفرائض مجلسان في كل يوم خميس ويوم جمعة فنستمر على ذلك حتى لا ننام الأغلبية، ونستيقظ آخر الليل، كل واحد علـى قدر همته، هكذا أيام الأسبوع كله، إلا يوم الخميس، ويوم الجمعة فنحضر ثلاثة مجالس غير مجلــس الفرائض والحساب المذكورين… هذا في زمن الشتاء فإذا انصرم يخف هذا الكد شيئا ما، وكان غيري له من الجد والاجتهاد أكثر من هذا، وكان يقول لنا بعض مشايخنا بالقرويين، وهو ممن درست عليه القرآن تجويدا برواية نافع رضي الله عنه ـ كان يقول ـ ما أنتم على شيء مما كان عليه من قبلكم في الطلب، والجد… وذكر لنا شيئا من ذلك…»(3).
وهكذا نرى أن هذا النص يصف الحياة اليومية لطالب في النصف الثاني من القرن التاسـع الهجري، وهو يصور بكل وضوح ما كان يعانيه الطالب في تتبعه لدروس يتصل بعضها ببعض تبتدئ من بعد صلاة الفجر، لتنتهي بعد صلاة العشاء!! وحتى تهيئ الطعام، وتناوله، لا يكون إلا خلسـة ! ومرة واحدة في اليوم!!
والملاحظ من خلال هذا النص أن المجلس الواحد كان يضم عدة دروس، وأن هذه الدروس تبدأ بعد صلاة الصبح مباشرة، ويذكر النص : أن الدرس الثالث يبدأ عند طلوع الشمس.
   ويذكر ابن ميمون أن يومي الخميس والجمعة ـ وهما عطلة الأسبوع ـ لا يدرس فيهما إلا خمسة دروس فقط !!
ويصف كيف كان يتردد الطلبة على المكتبات العلمية التي كانت متوفرة بفاس في هــذا العهد، ويذكر أنها كانت تتوفر على عدد كبير من المجلدات في مختلف العلوم والفنون، مجلدات يصعب عدها وإحصاؤها…
ثم يذكر أن عمل الطالب كان يخف ـ شيئا ما ـ في فصل الصيف. ومعنى كلامه أن الدراسة لا تنقطع في هذا الفصل، وإنما تخف فقط.
ومما هو جدير بالملاحظة من خلال يوميات هذا الطالب، أن المادة الواحدة تدرس بعدة كتب وبمستويات مختلفة، فالمادة الواحدة يدرها الأستاذ المبرز، ويدرسها الأستاذ المعيد قصد الاستيعاب التحصيل، وبشروح مختلفة، ليهضم الطالب المادة العلمية، ويستوعب مضمونها وجزئياتها. ومن بين المواد التي ورد ذكرها في النص : الطب، والحساب، وعلم الفلك، والفرائض ـ علم المواريث ـ بالإضافة إلى التفسير، والحديث والقراءات بالسبع، والتجويد، والفقه، والبلاغة والنحو…
ويبدو أن كثرة المواد، وتباينها، كان يرهق الطالب، لكن ابن ميمون يقول: إن بعض شيوخه كانوا يرون أن هذا الاجتهاد هو أقل من اجتهاد طلبة آخرين كانوا قبله.
ومما لا شك فيه أن تحصيل المسائل العلمية يحتاج إلى جهود متواصلة ـ وإلى تفرغ كامل شامل، وإلى تفان وانقطاع… ولقد تكيد علماؤنا رحمهم الله المشاق والعناء في تحصيل العلم ومسائله، وقضاياه، ومدارسته وتتبع جزئياته… ومن الأقوال المأثورة عندهم: «العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك لم يعطك شيئا».
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله : «لو كلفت بشراء بصلة لما فهمت مسألة» فالطالب بن ميمون كان يتابع دروسه بالليل والنهار وبجدية متناهية، إلى أن يغلبه النوم في منتصف الليل، ثم يستيقظ قبل الفجر، ليتابع عمله في الدراسة والتحصيل.
إن هذه المثالية في طلب العلم كانت تجعل من طالب القرويين عالما متميزا بمحفوظات، وكثرة تحصيله، واستحضاره للنصوص،وحفظه لأمهات المسائل في مختلف العلوم والفنون… ولذا نرى ابن ميمون  عندما حط رحاله بصالحية دمشق، أصبح أستاذا يشار له بالبنان، واجتمع عليه الطلبة والمريدون من كل جهات الشام، مما جعل كثيرا من طلابه الشاميين يتحدثون عنه بإعجاب، وترجم له عدد منهم، من بينهم تلميذه علي ابن عطية ابن علوان الحموي (ت : 936 هـ) الذي أفرد ترجمته بمجلد خاص، سماه : مجلي الحزن عن المحزون في مناقب الشيخ علي بن ميمون»(4) وترجم له الشيخ نجم الدين الغزي في كتابه : الكواكب السائر بأعيان المائة العاشر(5) وترجم له الشيخ يوسف النهائي فـي كتاب : (جامع كرامة الأولياء)، وتحدث عنه أمير البيان شكيب أرسلان ذاكرا أن قبره أصبح في حارة مسيحية قرب بيروت، وأنه كاد يطمس فعمل على صيانته وإشهاره… وغيرهم. وهذا مما يدل على أن الشيخ علي بن ميمون، ابن القرويين استطاع بعمله واجتهاده أن يحتل مكانتة مرموقة بالإقليــم الشام. وجعل كثيرا من علمائه وأبنائه يتحدثون عنه بإكبار وإجلال.
  والشيخ علي بن ميمون الذي كتب النص السالف استطرادا في «الرسالة لمجازة في معرفة الإجازة» نجد عنه نصا آخر لا يقل أهمية عن النص السالف الذكر، في رسالة أخرى له، سماها: «رسالة الإخوان من أهل الذكر وحملة القرآن» سيكون موضوع حلقة أخرى بحول الله.


1)  انظر ترجمتنا لعلي ابن ميمون بمجلة دعوة الحق، ع: 16 نونبر 1974 وانظر في هذا العدد البحث الذي أفرده أخونا الدكتور عمر الجيدي عن مخطوطات علي بن ميمون الغماري بالمكتبة الظاهرية.
2) مخطوطة بمكتبة القرويين بفاس، ولها ميكروفيلم بالخزانة العامة بالرباط، رقم: 1343.
3) الرسالة المجازة في معرفة الإجازة مصدر سابق.
4) انظر  : الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للغزي : 2 : حرف العين.
5) نفس المرجع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here