islamaumaroc

جوائز نوبل العلمية لمن ولماذا؟

  أحمد عبد السلام البقالي

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

أعشت عيوننا أضواء جائزة نوبل الآداب التي فاز بها الأديب العربي الكبير، نجيب محفوظ، وأزالت الغبن عن قلوب أدباء العالم العربي الذي طالما اشرأبوا إلى هذا الشرف الرفيع، وطال انتظارهم له حتى ظن البعض الظنون بلجنة نوبل، واتهموها بإهمال العبقرية العربية، وذهب بضعهم إلى باتهامها بأنها وقاعة تحت سيطرة الصهيونية العالمية
بهرتنا أضواؤها حتى شغلتنا عن الفائرين بها في الميادين الأخرى، وعن معرفة ما قدمه هؤلاء للبشرية من فتوحات علمية جديدة تستحق الإشادة والتنويه.
فمن هم هؤلاء الفائزون، ولماذا منحوا الجائزة السنية؟

في الطب؟
خرجت لجنة نوبل، هذه المرة، عن تقاليدها بإعطائها الجائزة لثلاثة؛ إثنان منهم باحثان في مجال الصناعات الصيدلية التجارية. فكانت من نصيب السيدة (غيرترود لإليون)، 70 سنة، و(جورج هيتشينغر)، 83 سنة، والإثنان يعملان مع مؤسسة (بوروز ويلكم)، بولاية (نورث كارولاينا)، أما الثالث فهو (سيرجيمس بلاك)، 64 سنة، الأستاذ بمدرسة الطب، وطب الأسنان ب (كينغزكوليج) بلندن.
وقد نوه أحد أعضاء لجنة نوبل بالباحثين الأمريكيين (إليون) و(هيتشينغز) الفائزين عن علمها الرائد في العلاج بالعقاقير، قائلا: "إننا ما نزال نحصد ثمارها ما كشفوه منذ أربعين سنة".
فقد عثر العالمان اللذان عملا جنبا إلى جنب، منذ سنة 1945، على أن جينات الخلايا السليمة تعالج المعلومات بطريقة غير التي تعالجها الخلايا السرطانية والبكتريا والفيروسات المسببة للأمراض. وبمعالجة هذه الخلايا والميكروبات بأدوية تحد من عملية التكاثر، وضعوا خطة قادتهم إلى عالج جديد بالعقاقير لكثير من الأمراض بما فيها سرطان الدم والملاريا.
وفي سنة 1957، ابتكرت (إليون) و(هيتشيننغر) المستحضر المعروف ب: "أزاتيوبرين: « Azathioprine  الذي يمنع رفض الأعضاء المفسولة، وقاد ذلك إلى تطوير عقار "أسيكلوفير:Acyclovir" لعلاج القوباء "Herpes" وهو مرض جلدي مستعص، و"Azt أزت" العقار الوحيد الذي وافقت عليه الحكومة الأمريكية لعلاج "الإيدز".
وبينما ركز العالمان الأمريكيان على خبايا الخلية الداخلية، ركز "بلاك" على "مرافئ الرسو" التي تستعملها الرسل الكيماوية التي تنتقل بين الخلايا. وفي سنة 1964 طو. عقار متقدما جدا لمرض من أمراض القلب التي تمنع مفعول المنبهات الطبيعية مثل "الادرينالين" من الوصول إلى بعض الأعصاب المستقبلة الخاصة التي تدعى "بيتا" فتمنع بذلك القلب من النبض بسرعة ضارة، ويستعمل عقار "بيتا الحاجز" الذي طوره "بلاك" بشكل واسع لعلاج أمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم.
وقد علق " بلاك ضاحكا عند سماعه لخبر حصوله على الجائزة: "ليت زجاجة أقراصي من "بيتا الحاجزة" كانت معي !".

في الكيمياء
توقعت طواحين الشائعات العليمة من سيقع عليه اختيار لجنو نوبل في الكيمياء لمدة أسابيع، لذلك، حين تلقى "روبيرت هيوبر R. Huber" ، مدير "معهد ماكس بلانك للكيمياء البيولوجية" قرب ميونيخ، المكالمة التلفونية المبشرة من السويد كان الحقل جاهزا ! وقد منحت له، ولزميله الألمانيين الغربيين، "جوهان دايزنهوفر"، 45 سنة، و"هارتمورت ميشيل"، 40 سنة، لشكفهما ذرة ذرة، لبناء الجزي، Moplecule الداخلي والأساسي لعملية التركيب الضوئي، وهي العملية التي يتحول بها الضوء إلى الطاقة الكيماوية التي تعطي الوقود لحياة النبات والحيوان.
ففي الكيميات البيولوجية، غلبا ما تتبع الوظيفة الشكل. وقد استطاع العلماء، باستعمالهم تقنية عالية لأشعة "س" في تحليل البناء الذري للمكونات الأساسية الأولى للحياة، أن يكشفوا الغموض عن أسرار مدهشة.
وقد فتح البحث الدؤوب الذي قام به العلماء الثلاثة الطريق إلى أن يتم في يوم ما إنتاج خلايا شمسية تقلد تصميم جزئيات التركيب الضوئي الطبيعية.

في الفيزياء
حين علم" ليون ليدرمان"، 66 سنة، بخبر فوزه بجائزة نوبل للفيزياء، علق ضاحكا: "لقد بلغت من الشيخوخة درجة أتذكر معها البحر الميت حين كان مريضا فقط؟".
و"ليدرمان" هو مدير:مختبر فيرمي الوطني للتصعيد الذري" قرب شيكاغو. وقد كان يتوقع أخبارا حسنة من "ستوكهولم" هذه السنة، إذ قال: "هذا عام العجائز بالنسبة لجائزة نوبل !" وكان على حق. وقد فاز "ليدرمان"، صحة زميليه بجامعة كولومبيا، "ميلقين شوارتز"، 55 سنة، الذي يترأس الآن مؤسسته الخاصة لأعمال الكومبيوتر بكاليفورنيا، و"جاك ستاينبرغر"، 67 سنة، باحث فيزيائي بجنيف بسويسرا، فازوا بالجائزة عن مساهمتهم التي مهدت الطريق للفيزياء الجسيمات، (وهي أدق ممن الذرات). ففي سنة1962 ابتكر الثلاثة طريقة للحصول على "النيوترينوس"، وهي النبوترونات الدقيقة، واستعمالها لاكتشاف جسيمات أخرى في عالم ما تحت الذرة، بما في ذلك "نيوترينو الموون" الذي يعتقد أنه أحد مواد البناء الإثنى عشر للمادة.
وبعملية معقدة استطاع "ليدرمان"، في الساعة الثالثة من صباح أحد الأيام أن يخترق الحجاب الضبابي الكثيف، ويرى أثار أقدام "موون" عالي الطاقة،ـ ولم يعثر العالم الفيزيائي، آنذاك على أداة فعالة في استكشاف أسرار المادة التي يتكون منها الكون فحسب، ولكنه أضاف أيضا حيوانا جديدا إلى ما يسميه العلماء "بحديقة حيوان ما تحت الذرة".
ورغم حماس "ليدرمان"، فقد استعظم فوزه بالجائزة، وقال: "هناك شيء رهيب يحيط بجائزة نوبل. فلها هالتها الخاصة التي صنعها الفائزون الأوائل بها، مثل "اينستاين" و"انريكوفيرمي" الذي نكن له التقدير العميق".

في الاقتصاد
حين غيرت فرنسا اتجاهها الاقتصادي في وسط الثمانينات، وأعادت الكثير من صناعاتها المؤممة إلى الخواص، ما كان أحد ليكون أسعد من "موريس آلي"، أبرز اقتصادي في فرنسا، فقد كان أثناء إعادة بناء البلد، بعد الحرب الثانية، حين أنفق اقتصاديو فرنسا، على اختلاف اتجاهاتهم، على التأمين، خالفهم "آلي" فيما ذهبوا إليه، وأصبح، رغم ذلك، صوتا معرضا مؤثرا في تشكيل سياسة فرنسا الصناعية، مناديا بأنه حتى الاحتكارات التي تسيرها الدولة يمكن أن تنجح حين تشعر سلعها، وتوزع موادها الخام وفقا لمقتضيات السوق.
ومن أجل نظرياته الكثيرة، والمعادلات الحسابية الكثيفة التي تدعها، فاز "موريس آلي Maurice Allais" ، 77 سنة، بجائزة نوبل في الاقتصاد.
وقد صرح "اسر ليندبيك"، رئيس لجنة الجائزة، بأن "البحث في أعماله أخذ وقتا طويلا، نظرا لضخامتها وتعقيدها، ويبلغ عدد صفحات كتابه "بحثا عن انضباط اقتصادي"، الذي درسته لجنة نوبل، 900 صفحة، ولم يترجم قط.
وقد حصل "موريس آلي"، وهو ابن صاحب دكان لبيع الألبان ومشتقاتها، في البداية، على إجازة في الهندسة، ولكنه تحول إلى الاقتصاد، بعد أن شاهد بعينيه مناظر الفقر المذقع بأمريكا، عقب انهيار "وول ستريت" ويحكى أنه كان في الولايات المتحدة سنة 1933، فرى أنها أصبحت مقبرة للمصانع. وقال إنه أحس بالرغبة في أن يعرف لماذا حدث ذلك. فدخل "المدرسة الوطنية العليا للمناجم بباريس". وخرج منها بدرجة عالية في الاقتصاد. والتحق بإدارة المعادون الفرنسية وقضي بها سبع سنوات.
وفي سنة 1944 أصبح أستاذا للاقتصاد بالمدرسة التي تخرج منها.
وقد ابتكر "آلي" كثيرا م النظريات حول العلاقات الاقتصادية بما في ذلك العلاقة بين معدلات الفائدة، والنمو والاستثمار. ولكن أعظم معادلاته تأثيرا، هي التي أبانت كيف يمكن للاحتكار أن يحدد الأثمان بالنسبة لمواد مثل الفحم والكهرباء، في مستوى يجعلها تعمل لصالح المجتمع.
ورغم أن "آلي" غير معروف خارج فرنسا، فإن أفكاره انتشرت عن طريق تلامذته. وكان يعتقد أنه لن يحصل على الجائزة. وقد قال "ذكرت مرات عديدة عبر السنوات الفارطة، ولكنني تخليت عن التفكير في أنني سأحصل عليها".
ويعتبر "آلي" الجائزة نقدا لاذعا لسياسة التقاعد الرسمية التي أجبرته على التخلي عن التدريس، منذ عقد كامل من الزمان، وهو في أتم عافية. فقال: "أنا سعيد بالفوز بالجائزة التي تبين سخف هذه القوانين !"
                                                      ***
وبعد، فإن الفوز بجائزة نوبل للآداب شيء جميل، إلا أنه فوز يعتمد إلا على الموهبة الأدبية، والمجهود الفردي، ولا يحتاج إلى بينة أكاديمية معقدة، ولا إلى تقاليد علمية عريقة، أو تراكم للبحوث والدراسات التي تحتاج إلى مختبرات وتخطيط وتمويل واع بالهدف المنشود.
وقد صرح نجيب محفوظ نفسه، بعد فوزه بالجائزة، بأن ما كتبه سينسى ويزول، وألا خلود إلا للعلم.
وحين يفوز عربي بالجائزة في أحد الميادين التي أسلفنا، نكون قد دخلنا نادي العصر الحديث من أوسع أبوابه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here