islamaumaroc

كلمة مستشار الحسن الثاني في حفل إحياء الدراسة بالقرويين

  أحمد ابن سودة

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الذين. 
صاحب المعالي الصديق العزيز مولاي الكبير العلوي….
 زميلي الأستاذ محمد عواد…
أخي مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بنمنصور…
صديقي وأخي، وابن صديقي وحفيد صديقي عامل إقليم فاس مولاي المهدي الامراني. لأنني أعرف جده رحمه الله…    
أصحاب الفضيلة زملائي الذين سعدت بمزاملتهم في هذه الفترة..
لقد التحقت بجامعة القرويين في اليوم الثامن عشر من شعبان سنة 1353 هـ وأمامي هنا أصدقاء جلسوا معي من العلماء الأجلاء في ذلك التاريخ، أمامي زملاء كنا نسعد بالقراءة علـى هذا العهد، أمامي الأستاذ العراقي، الأستاذ غازي ابن أبي الشتاء الصنهاجي، وأمامي أصدقـــاء كثيرون.. دخلت للقرويين كما قلت لكم في شهر شعبان سنة 1353 هـ كنت أدرس في مدرسـة ابن غازي عن الأستاذ محمد ابن عبد الله، وكنا قرأنا علومـا شتى، وحفظنا جملة من المتون العلميـة التي يحفظها الطلبة في مستوى عمرنا، بل وحتى المعلقات السبع وكثيرا من المواد التي كانت  تدرس في القرويين، ودخلت شابا متحمسا، أطلب من المجلس العلمي للقرويين أن ألتحق، على الأقــل، بالسنة الثالثة من الثانوي، نظرا لأنني كنت إذ ذاك أحفظ المعلقات السبع، وبحثتها وحللتها عنــد أستاذنا الجليل محمد بن عبد الله، فكيف أجلس ست سنوات في القرويين لأدرس المعلقات بعد ست سنوات، امتحنني الأستاذ التاگراوتي رحمه الله ولما امتحنني دخل مولاي عبد الله وتوضأ ظهرا فـي نافورة صغيرة، ودخل، ويداه تقطران من ماء الوضوء فقال : ماذا يقول بنسودة قال : إنه يقول : «لابد أن يلتحق بالثالثة من الثانوي من القرويين تنازلاً منه بأنه يدعي أنه يستحق أكثر من ذلك»، فابتسم مولاي عبد الله رحمه الله وقال : لئن استطاع أحمد بنسودة أن يعرب «قام زيد» فإنني أمنحه ما يريد بالالتحاق في الثانية من الثانوي ودخل مولاي عبد الله، وهو العارف بعلم النحو من محمول ومنطوق ومن بلاغة ومن أصول، فقلت له : أعطني ما تريد قال لهم أعطوه ما يريد دخلت إلــى القرويين كان أستاذنا في النحو هو أبو الشتاء الصنهاجي الغازي العمراني، والغازي حسيني وكان أستاذنا في الفقه، الأستـاذ مولاي الحسن الزرهوني، وأستاذنا في الأدب محمد بن هاشم العلوي، وأستاذنا فـي التاريخ إذ ذاك الفقيه محمد عبد السلام بناني وأستاذنا في الحساب عمي محمد بن عبد القادر بن سودة:
كانت القرويين مملوءة بالكراسي، مملوءة بالكراسي، مملوءة بالعلماء، كانت القرويين إذ ذاك هي القلب النابض للأمة المغربية، إن القرويين لم تكن وقفـا على أي مواطن، بل كانــت مفتوحة في وجه جميع المواطنين، من طنجة إلى الكويرة، كان الطلبة الافاقيون يمثلون الأكثريـــة الساحقة، بحيث  كر في أغلب الأوقات كانت للقرويين 800 طالب كان  ثر من 600 ينتسبون إليها وحتى رئاسة القرويين كانت ست وقفا على أهل فاس، كان يأخذها المتفوقون في أي حل كانوا..
فكان فيها السيد أحمد بلخياط، السيد أحمد بن الجيلاني، والفقيه القرشي، وغيرهم، وغيرهم من العلماء الأعلام الذين دخلوا من الطلبة الآفاقيين ثم أصبحوا من أعرق أبناء هذه المدينة.
لا أريد أن أطيل عليكم فإن الكلمة الجامعة المانعة كما تقولون في القرويين هي تلك التي ألقاها معالي الوزير فهي كافية شافية. ولكن اعذروا رجلاً دخل إلى هذا المحل منذ خمسيـن أو ستين سنة. أي شريط ينطوي أمامه ؟ وأي إحساس يحس به ؟ وقد رأى الأستاذ أحمد بنشقرون زميلاً له، والأستاذ العراقي زميلاً له، والأستاذ أحمد بن غازي الحسيني والكثير من الأصدقاء هنـا ومولاي مصطفى العلوي وقد قمنا هنا بأعمال وإصلاحات أيام الاستعمار مـن أجـل إصــلاح القرويين…
كان أول إضراب نظم في المغرب نظمه طلبة القرويين لأنك إذا قدمت مطالب مغربية إلى فرنسا، نصح اليسار الفرنسي لأن الإقامة العامة كانت تدعي بأن الوطنية هم جماعة من المثقفين لا من الشعــب وكانت القرويين أول مؤسسة نظمت إضرابـا يضحي فيه الجميع، وجاء نوكيس إلى مدرســـة الصفارين… في مدرسة الصفارين وبجانبي مولاي مصطفى العلوي الذي عاش معنا هذه الذكريات كنا نقوم بإصلاحات نحاول إصلاح القرويين، ولكن السلطة تقاومنا. تصورا مقدار فرحي، وسروري اليوم… جلالة الملك… وزير جلالة الملك هم يأتون بالإصلاح، ويأتون بالإحياء، تصوروا مقـدار شعوري في ذلك الوقت، كنا نناضل وطلع في القرويين إذ ذاك، صديق وزميل رحمه الله هو الشاعـر إدريس الجائي، عندما حاول بعض الطلبة أن يفسدوا الإضراب، ناداهم قائلاً  :
لئن تكن منكم عشرون صــابرة       فألـف ألف من الغوغـاء كـالعبث
إذ ذاك سمينـاه عنترة القرويين، والأستاذ عباس بلحسين، الموجود الآن كرئيـس للهيئة الإسلامية بمسجد «باريس» هو من زملائنا وأصدقائنا ومن رفاقنا في هذا الإضراب، لأن ذلك الإضراب كان إضرابـا من أجل إصلاح جامعة لعبت دورا أساسيـا لا في تاريخ الإسلام فقـط، ولكن في تاريخ الحضارة الإنسانية كلها…
من هنا ذهب الصفر إلى أوربا… من هنا ذهب اللوغاريتم إلى أوربا… من هنــا ذهب الطب إلى أوربا… هــذه الجامعة التي هي بركة من بركة إدريس الأول، لأن إدريس الأول عندما أسس المدينة دعا لها. فبعد بضع سنين استجاب الله دعاءه، وكانت هذه الجامعة، تشـــع، وتعمل… ومهمة هذه الجامعة شيء واحد، ولكن هذا الواحد، إذا كان الواحد كألف، هذا الواحد هو الواحد اللانهاية… مهمة القرويين المحافظة على القرآن لا مهمة لها أكثر من ذلك، لأننا إذا بقينا متمسكين بالقرآن، عندنا وعد رسول الله صلّى عليه وسلم «تركت فيكم ما إن اتبعتموه، لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنة رسوله…»
فنحن إذا حافظنا على القرآن، عندنا وعد رسول الله، والله تعالى يقول: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) فمهمة القرويين المحافظة على القرآن، لكن لا يمكن أن يحافـظ على القرآن إلا بمعرفة لغة القرآن، وأسلوب القرآن وأسرار القرآن، والاستنباط من القرآن، وهــذا لا يكون إلا بهذه الدروس التي أحياها صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده.
وإنني، لولا خوف الإطالة عليكم، لتفجرت شلالا من الكلام. ولتفجرت بركانا من العواطف؛ لأنني كنت أدخل إلى القرويين التي عرفتها سنة 1353 هـ. وكنت آتي إليها في الشهـور والأعوام الأخيرة، أدخل متسللا، فأخرج متألما لأنني لا أجد الطلبة مجتمعين يتذاكرون ويراجعـون ويطالبون، لا أجد كراسي الوعظ، لا أجد الحزب لقراءة السبع في باب المسجد، وفيه الأستاذ بنعبد الله وفلان، وفلان، رحم الله الجميع. وفيه الأستاذ بنعبد الله وفلان، وفلان، رحم الله الجميـع. ولا أجد حزب سيدي خليل هنا في المحراب، فأخرج متألما، ولكن اليوم، أرى وجوها طافحة بالبشـر، متألقة القسمات عرفتها في هذه القرويين، تلاميذ صغار، وهم الآن يحتلون مراكز في الدولة، هــم أساتذة الجيل، أصحاب فضيلة، أصحاب كراسي، ولذلك هذا اليوم بالنسبة إلى يوم عظيم وإنه يـوم كما قال أخي معالي الوزير إن هذا اليوم هو فتح القرويين مسيرة قرآنية جديدة قام بهـا جلالة الملك الحسن الثاني، والحمد لله إن جلالة الحسن الثاني قرر إحياء هذه الكراسي، ولا يزال أمامي جمهـور غفير من العلماء الإسلام، أطال الله عمرهم إلى أن يتخرج في حياته ومن بين أيديهم أول طالــب يتكون من هذه الدروس… إن هذا اليوم يوم عظيم، وإن هذا اليوم، لا أستطيع أن أعبر عن فرحتي به لأنني في مثل هذا اليوم كنت طريح المستشفى وما كنت أظن أن الله سينعم علي حتـى أعــود إليكم… ومـا كنت أظن أن اللـه سيحييني حتـى أرى القرويين عـادت إلـى مجدها، فأنا هنا استسمحكم…
مولاي عبد الرحمان كان أحد أجدادنا خطيب جامع الأندلس، وهو الطاهر بنسودة الذي ينحدر منه محمد بن الطاهر بنسودة الذي تعرفونه جميعا ويعرفكم جميعا. تغيب مدة عن صلاة الجمعة. ويوم جاء وطلع على المنبر فقال : الحمد لله الذي أبدلني هذا العبد بعد أن دارت نوا عـره، وشدت للنوى عيره، وكان من عادة العلماء أن يدخلوا من المقصورة ويتبادلوا المعلومات، ويتدارسوا موضوع الخطبة فقال بنسودة للسيد العمراوي الوزير الشاعر، كيف رأيت الخطبة قال : إنها خطبة جميلة… ولكن… فقال : الحمد لله الــذي أبدلني هذا العبد بعد أن دارت نواعره وشدت للنوى عيره…
قال:  هل فهمتها أنت ؟ قال: نعم.
   قال:  هل أعجبتك ؟ قال: نعم.
قال: تلك الجملة لك، والبقية للآخرين.
وأنا استعير هذه الكلمة فأقول: الحمد لله الذي أمكن للقرويين، وقيض لهــا ملكا عالما مسلما مناضلا مضحيا الحسن الثاني نصره الله وأيده.
الحمد لله… ولذلك يمكننا أن نقول وأن نكرر، الحمد لله أن جعلنا كما قـــال جلالة الملك، مغاربة، وجعلنا مسلمين، وان أحيانـا، حتى رأينا هذا الصرح العظيم، عاد إلى بشره، وعاد إلى ما كان عليه من أداء الرسالة، ولن تخسر أمة كانت غايتها المحافظة على القرآن.
فإذا قال العالم إننا دخلنا إلى الصحراء بالقرآن، فإننا سنبقى، وسنكون إلى أن تقـوم الساعة، أمة شريفة كريمـة مادمنا متمسكين بالقرآن، ولن نتمسـك بالقرآن حتـى ندرس النحو والصرف والبلاغة والبيان والمنطق والأشعار نحفظها، لابد، لأن القرآن عربي، بلسان عربي مبين وحتى نخرج من هذه القرويين الشعراء كما كانوا، فينا من تفوق، كالأستاذ الحلوي، بقي شاعرا، وفينا من سرقته الإدارة، وفينا من بقي مستمرا على الخط، وكل ميسر لما خلق له…
ولذلك نطلب الله تعالى وكما أراد صاحب الجلالة، وكما وعد صاحب المعالي، أن تكون القرويين دراسة تقليدية قديمة تخرج لنا أمثال : علال الفاسي، ومحمد القري، وعبـد الملـك البلغيثي، والجائي والتواتي، وما أكثرهم نحن نكتفي هنا بهذه الإيضاحات… وبأن رددنا هـــذه البضاعة ـ ونقول  :  هذه بضاعتنا ردت إلينا…
معالي الوزير، أصحاب الفضيلة، حديثي إليكم يحلو ويحلو، ولكن لكل شيء غاية، ولكل شيء نهاية، وأجعل ختام كلمتي الدعاء لصاحب الجلالة أمير المؤمنين الذي له الفضل في إحياء هذه الكراسي وإزالة ما كان في نفوسنا من الحسرة والمآسي، فلذلك نرجو الله سبحانه وتعالـى أن يديم عليه نعمة الصحة والعافية والتوفيق وأن يزيل له الأشواك من الطريق وأن ينصره على أعدائه وأن يمد بسر جده في الآخرين بالأسرار التي أمد بها جده في الأولين  والآخرين إنه سميع مجيب، وأن يقرأ عينه بصاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد وصنوه الأمير مولاي رشيد وسائر الأمراء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here