islamaumaroc

الحدث السعيد [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 272 ربيع 1 و2/ نونبر-دجنبر 1988

حدث سعيد عاشه في الأيام الأخيرة، جامع القرويين، أحيا بارق الأمل في النفوس، وبعث الرضى والتفاؤل في القلوب، وأبان عن صحوة إسلامية واعية مباركة، تعيد لهذه الأمة الإسلامية مجدها الناهض، وبطولتها الموروثة، وعزها التليد.
وإنه لحدث عظيم، وبعث إسلامي صحيح، تألق وميضه في جميع البيوت، وشع نوره في حنايا القلوب، وتهلل سره في قسمات الوجوه…
ذلك الحدث الكبير الذي تجلى في تلك التظاهرة الإسلامية التي شاهدتها رحاب القرويين العامرة حيث دشن، بأمر من صاحب الجلالة أمير المومنين الحسن الثاني، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري الذي ترأس الحفل الافتتاحي للطور الابتدائي الأول من الدروس في جامع القرويين. في يوم مشهود، وعيد إسلامي رائع، أعاد لهذا الجامع اعتباره، والــذي كان، إلى وقت قريب، منيعـا بالدرس، وعزيزا بالعلم، ومستقلاً في حمى الله، لأنه المعقل الوحيد الذي انتهت إليه أمانة الرسول، واستقرت به وديعة السلف، واستعصمت فيه لغة القرآن.. كما كان لعلمائه مكانة في القلوب، ومهابة في النفوس، لأنهم حرّاس العقيدة، وحماة الشريعة وهداة المحجة، ووارث النبي، ودعاة الله…
ومن بشائر الأمل في النهوض، ودلائل الثقة بالفوز، أن صاحب الجلالة أمير المومنين جلالة الحسن الثاني قد أذن لوزيره في الأوقاف والشؤون الإسلامية أن يعطي الانطلاقة المباركة لبدء الدروس، ويستأنف جامع القرويين، موئل العلم ومعقل الآداب، دوره مـن جديد، ليحي دروسه القديمة، ويهيئ برنامجـا ونظامـا تربويـا صالحـا لبناء مجتمع يكون فيه الدين قائمـا، والضمير حاكمـا، والعمل عقيدة، والإحســان طبيعة، والمسؤولية مفروضة.. وبذلك انبثق الأمل من جديد في أن هذا الجامع سيعود ويقـود، وان الإسلام سيحكم ويسود، فالثقافة الأصلية هي قوام الأمم، ومنــاد الشعوب، ولا تنزل أمة عنها إلا إذا نزلت عن ذاتها، وزلّت عن مستواهـا، إذ خضوع الثقافة القومية بلاء، ليس يعد له بلاء، على هذه الأمم، لا تسلم عليه وحدة، ولا يستقل معه وطن،  ولا يلتئم به عقد…
إن جامع القرويين لم يزل صامدا، أمام تفاقم الأحداث، ووثبات الدهر، ثابتا في وجه الغير والحدثان، تقصف العواصف، وتتوالى الرواجف والروادف، وتتكسر على صفاته كل المعاول والمطارق، ورغم كل ما أصاب جامعته، في بعض الفترات القديمـة والحديثة،  من المحن والإحن، ولاسيما في عهد الاستعمار الدابر الكافر، فإنها مازالـت شامخة صامدة ، قائمة  ثابتة تتحدى كل من أراد  بها السوء،إذ ليس لها، مند القديـم، منافس في الجلالة والنبالة ، ولا مجا ريالها في القدم  والأصالة ..
                                                     *   *   *
لقد ظل جامع القرويين، إلى حين، في موقفه، فلم يسير، وأخذته الصحية من كــل مكان فلم ينتبه، وبقي ساكنا ساهمـ? في الظل الذي خيم عليه، والسكون المخيف الذي أحاط به، والصمت الرهيب الذي ران عليه، حتى قيض الله له جلالة الحسن الثاني حفظه الله، فنفخ فيه من روحه، فهب كل وسنان، واستيقظ كل غافل، وانتعش كل ذابـل،  ورجع للجامع القروي اعتباره، وحقق الله على يد الملك الصالح المصلح ما يريده لأمته وشعبه من وجود أدبي، وكمال مطلق، وعزة إسلامية بإعزاز دين الله…
                                                   *   *   *
ولعل من مزية هذا الجامع العظيم أن يمرن مع الزمن ويتجدد بالعلم الصحيح، ليلائم كل عصر، ويعالج كل حالة بما كان يمتاز به من المرونة البصيرة التي توجبها سنة الحياة وتستلزمها مقتضيات التطور، فلا يكون بدونها إصلاح، ولا تقدم ولا نهوض.. ولـم يصب جامع القرويين في العقود الأخيرة بهذا التوقف والجمود، إلا لأنه فقد عنصــر المرونة، فثقافته المشتقة من مصدر الوحي، متى اتصلت بتيار الفكر الحديث، تفاعلـت وامتزجت، فيكون من هذا التفاعل والتمازج ما يريد به الله تجديد دينه، وإدامة ذكره، وكفاية شرعه، بما يلائم طبيعة التقدم ويوائم فطرة الله…
ونقرأ بأننا قصرنا في جنب هذا الجامع،فلم يعد عامرا كما كان في السابق ، وأحسنا ببعض الإهمال في حقه ؛ والشعور  بالنقص، أول مراتب الكمال، وتغير النفس، إيذان بتغير الحال ..وبهذا النظام، يحتفظ ،اليوم الجامع القروي بقديمه ، ويشارك في جديد الناس ...
                                                  *   *   *
لقد انبلج نور الإصلاح من جبين الحسن الثاني حفظه الله الذي كان وكـده، دائمـا، أن ينعش الدين من هذا الخمود. ويخرج الجامع من هذا الركود، وينقــذ الطلاب الذين يعكفون على معاناة الدرس، ويقنعون بميسور العيش.. هؤلاء الطلـب الدين هم أرض طيبة تشتمل على مذخور الحياة،وموفور البذر،فلا تنتظر غير المحراث والغيث،والدفء والحرارة ...
إن العرش المغربي كان دائما في مركز القيادة والريادة،معبرا عن ضمير الأمة، ومعبرا عن شعورها، ومنفذا لرغبتها و تطلعاتها و أشواقها، عالما بمواقع  الخير منهـا، وفاهمـا لمعنى المجتمع الحديث الذي تعيشه، حيث الخواطر مشتركة، والدواعـي مستوية، ولنوازع متآزرة…
وإن لهذه الدولة العلوية الشريفة صفحات ما زال إشراقها يضيء جوانـب الحضر، وغياهب المستقبل، وأعمالاً بطولية سجلها تاريخ المغرب في صفحــات الخلود، ولا سيما واسطة عقدها النضيد، هامة المجد، وغرة الشرف مولانا الحسـن الثاني الذي ادخره الله لهذا الشعب البطل العظيم الذي خرج منه، ونبغ فيه، واعتمد عليه، ونافح دونه، فكان منه موضع القداسة، ـ وفيه موطن الرجاء، وعليه محــل الاعتماد. 
                                                  *   *   *
لقد قدم ملوكنا العلويون لهذه البلاد العزيز في رحاب المعرفة والعلوم، والثقافة، أجل الخدمات، وأسمى العوارف، وأسنى المنجزات والمشاريع، مما ساعد على امتـــداد السلطان، واستبحار العمران، واستتباب الأمن، فلم تشغلهم قصور تطاول السماء، ورياض مونقة تنافس الجنة، وضياع ممرعة خصبة نامية، ولم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، بل صدقوا الجهاد، وأخلصوا النية، وأحسنوا العمل، فسلكوا منهاج الأئمة، ونهجوا طريق السلف، واتبعوا سبيل المومنين، وتجهزوا بجهاز العصر، وكانوا لله قانتين…
وقد وجهوا عنايتهم ورعايتهم للحركة الفكرية والعلمية التي يخصب في ضلهــا العقل وتتفتح الملكات، وتسمو الإنسانية، وأقاموا قواعدها على التشجيع والعون، والرعاية والتنويه، فأزهرت الحضارة، وبسقت فروعها، وأينعت ثمارها، وأخصبت مرابعها، فتقوت المدارك، وتهذبت العادات، وأصبــح الشعب متآلفا متجانسـا، متماسك البناء، متضامن الأعضاء، يقطع حياته الراضية رافعـا لا يمسه فيها نصب ولا يمسه فيها لغوب…
ومولانا أمير المومنين تعهد، بإحاطة واسعة، وثقافة شاملة، وإدراك قوي، منابت الثقافة الحق، فغذاها بعونه، وأرفدها بماله، وبسط رعايته ومؤزرته للنهوض بها.
لقد أحيا معاهد العلم، فنفقت سوقها، وشجع العلماء، فازدهرت أيامه بالمعارف والعلوم، وتقدم صفوفهم في سبيل بعث حركة الإصلاح والتجديد، فوقفوا وراءه، حفظه الله، صفـا واحدا، ورأيـا جامعـا، وعزيمة صادقة؛ وجدد أساليب الكتاتيب القرآنيـة، وأنعش وجودها، وقوى برامجها حتى يبقى حبل هذا الدين موصولاً، وخلافة الله قائمة، ودستورها نافذا، فكان حفظه الله موفق المسعى، مسدد الخطى، ملهمـا بالصواب…
وفي عهد جلالة الحسن الثاني عادت المجالس العلمية السلطانية إلى نضارة شبابها، ونضارة بهجتها، وروعة جلالها، فأصبحت تلك المجالس مجالاً رحب الحدود، يتبارى حوله أقطاب العلم، وصدور العلماء، ورجال الفكر، ودعاة النظر في ميادين العلوم العقلية والنقلية، والمعارف الحديثة العصرية التي تشمل شؤون الدين، وعلوم الفلسفة، وضروب المعرفة، وثقافة العصر… وها هو حفظه الله، يتقدم برعايته السامية لإعادة الروح والبسمة إلى جامـــع القرويين الذي عصم القرآن ولغته وعلومه من طغيان الفتن والأحداث منذ أن أسس علـى تقوى من الله ورضوان.
وإن من حق هذا الشعب الشكور، العربي المسلم، أن يسجد لله شاكرا على هذه المبادرة الملكية السامية التي جددت لجامع القرويين حياته العلمية والثقافية، وحققت ما كان يصبو إليه كل مواطن مسلم في كل مكان في إنعاش الحياة الفكرية والثقافية بهذا الجامــع العظيم…

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here