islamaumaroc

النزعة الذرائعية في العقيدة الإسلامية-2-

  الحسن السايح

7 العدد

لقد انتهت الفلسفة إلى مذهب (جيمس) الذي اشتهر مذهبه الفلسفي باسم (البراجماتزم) أو الذرائع، وكان مذهبه تحويلا للفلسفة العتيقة التي امتدت من لدن الإغريق تحاول عبثا خرق المجهول، أو كان نقطة البدء لتركيز نواة تفكير من نوع آخر، وإذا كان من المألوف في الفلسفة أن نجد لمذهب (جيمس) نظائر في التفكير القديم، فإن من المألوف أيضا أن ينسب المذهب لمن جعل منه محور تفكيره الخاص، وهكذا بالرجوع إلى الطبيعة الأولى للدين الإسلامي بالأخص، نجد أنفسنا أمام مذهب عملي ايجابي لا يباين التعاليم الذرائعية، وإن كان يغايرها في أسلوب العرض وزاوية النظر إلى المشكل... وبالتالي إلى الحياة نفسها.

لم يجد الباحثون في تعاليم الإسلام الأولى ضالتهم لأنهم عادة يربطون السلسلة الفلسفية بحلقة العصر العباسي، حيث تكونت مدرسة لترجمة الحكمة السريانية والإغريقية فيما يتصل باللاهوت، وبذل العرب جهودا لفهم الاتجاه اليوناني في تفسير الكون والإنسان، وتأثروا بالتحليل الإغريقي إلى حد بعيد، كما حاولوا أن يوفقوا بين مذاهب فلسفية جاهزة وآراء إسلامية لم تدرس بعد، و[لم] تحلل تحليلا يجعلها في مستوى هذه الفلسفة الأجنبية عنهم، وكان من نتيجة هذا أن دخلت مذاهب مختلفة النزعة والبيئة كالهندية والفارسية، إلى بيئة ذات نواة خاصة غير قابلة للتطعيم بآراء تختلف في جوهرها عن طبيعة هذه النواة، فساعد ذلك على تكون نحلات وطوائف مضطربة التفكير ومختلفة الفهم للنص الإسلامي الأول الذي كان ما يزال فتيا، والذي لولا فتوته لتهدم وتلاشى.

ولم يعدم هذا العصر من شعر بأخطار هذه النزعات كالأشعري الذي انشق مثلا عن الجبائي، حين تبين له ما في تعاليم أستاذه من آثار الرواندي ومدرسته وما عسى أن يصيب التعاليم الإسلامية الأولى من خطر داهم إذا استسلمت لهذا التطعيم والتأثير.

والحقيقة أننا إذا رجعنا للينابيع الثرة للتعاليم الإسلامية، نرى الإسلام يصرف أنصاره عن الخوض في البحوث الميتافزيقية، لا لضعف في إدراك فهم العربي، المشهور بالذكاء الخارق وجودة الفهم، ولكن صرفهم عن الخوض فيما خاضت فيه المدارس اللاتينية والإسكندرية فلم تستفد وراء ذلك شيئا...

لذلك فلم يحفل القرآن بتحليل فلسفي للروح أو الزمان أو الحياة أو غير ذلك من المشاكل التي شغلت الحكمة القديمة، على أنه دعاهم إلى التفكير وإمعان النظر، ومحبة العلم الذي يحسن السلوك العلمي في المجتمع الإنساني.
وما أشبه المعرفة الإنسانية بالدوح المتشعب الغصون والأفنان، وما أشبه عمل السلف الصالح البار بعمل الفلاح الذي يشذب الغصن الذي عرف بعد طول التجربة والمران أنه لن يورق ولن يثمر...
ووجهوا عنايتهم إلى الحياة العادية التي يحيونها، فأمعنوا النظر في مشاكلهم ونظموا قوانين مجتمعهم، وسموا ببيئتهم فكانوا أقوياء بالإسلام وكان الإسلام قويا بهم، واستطاعوا بهذه القوة أن يفتحوا مجاهل الدنيا، ويحققوا انتصارا باهرا في ميدان الروح والمادة، ويخضعوا سلطان الحضارات السابقة لغزوهم المظفر...
ولم يمض قرن كامل حتى نبغ علماء في الرياضيات والطبيعيات، وكان لهم رأي ما يزال موضع الإجلال إلى يومنا هذا.
ومع الأسف فهذه الجولة من جولات الفكر العربي الإسلامي، لم تحظ بدراسة جدية مثلما حظيت الفلسفة الإسلامية لأسباب لا يصعب تحديدها، ولعل الفضل في هذا التقدم يرجع لتلك النواة التوجيهية التي كونتها الفطرة في التعاليم الإسلامية الأولى، لذلك كان الصحابة على حق حين حسبوا الفلسفة ضلالا وإن لم يسموها باسمها المتعارف، وكانوا على حق حين عرفوا أن الحقائق البشرية كامنة في فطرة البشرية، وهي العامل الأساسي في الاهتداء إلى طريق الصواب، واستنتجوا من ذلك أن الإجماع حق، لان الحقيقة واحدة، والمجموع أقدر على فهمها بالبصيرة والغزيرة والحدس، أما الذين لم يفهموها فلن يكونوا أكثر من شواذ أو فاسدي المزاج، فالرأي الصحيح هو ما آمنت به الجماعة الكبرى، «ولا تجتمع أمتي على ضلال»، ذلك لأن السلوك العملي هو الذي يوجه الإنسان، والجماعة بفطرتها أقدر على معرفة الصواب من الخطأ..

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here