islamaumaroc

الدعوة إلى الحق

  عبد الوهاب بن منصور

1 العدد

أصبحت الدعاية في العصر الحاضر بمثابة العمود الفقري للحكومة والجماعات والأفراد على السواء، فما من مصلحة حكومية ولا هيأة سياسية أو اقتصادية، ولا فرد يريد القيام بعمل يجلب إليه الربح ويدنيه من النجاح، إلا وكانت الدعاية أول ما يهتم به ويفكر فيه، ويبسط اليد في الإنفاق عليه بسخاء، وكلما تقدمت الأمم علميا، والمجتمعات رقيا، ازداد تعلقها بالدعاية وقدرتها على التفنن فيها والابتكار. والمتجول بأوربا وأمريكا من أهل إفريقيا وآسيا يأخذه العجب العجاب من افتنان القوم بها، وصرفهم الأموال الباهضة عليها، وتكيف مجتمعهم وتفكيرهم بها، ودخولها في نظام حياتهم، والتصاقها بحركاتهم وسكناتهم، تغشاهم في المنازل، وتتبعهم إلى المصانع والمشاغل وتنفذ إلى آذانهم إذا فتحوا المذياع وتثب إلى أعينهم عندما يدخلون دور الخيالة، وتطالعهم في منعطفات الشوارع، وواجهات المتاجر في أشكال وأوضاع، تثير فيهم غريزة الاستطلاع، وتحرك جبلة استكشاف المجهول والتعرف على الممتع الطريف مهما حاولوا الانصراف عنها والابتعاد.

والدعاية سلاح ذو حدين، ومهمة رفيعة ووضعية شريفة إذا أريد بها جلب المصالح ودرء المفاسد والدلالة على الخير، والتنبيه إلى الحسن والجمال، ووضيعة إن استعملت أداة للفساد، ومطية إلى الشر، ووسيلة إلى المنكر والإثم والبهتان، والدعاة يرتقون - إذا ارتقت مقاصدها - حتى يصلوا إلى مقام الصديقين والشهداء والصالحين، ويسفلون - إذا سفلت أغراضها - حتى يحلوا درك الأبالسة المردة والشياطين، وهم على العموم ممن يشملهم قول الرسول عليه السلام: (الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله).

والدعوة إلى الحق فرض إسلامي أكيد، وركن من أركان الدين متين، إنها هي بالذات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كان به المسلمون خير أمة أخرجت للناس، والذي يتجاوز الله عن غيره ولا يتجاوز عنه ? "لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [التوبة91]  ولا نصيحة لله والرسول أعظم من الدعوة إلى الله والإشادة بدينه، وهداية الناس إلى قرآنه، وتخليقهم بفضائله، ومحاسن صفاته ? "وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [فصلت33 ]

وما كان المسلمون في الصدر الأول يقعدون عن الدعوة إلى الله والإرشاد إلى الحق والهداية إلى الصراط المستقيم، لقد كان الواحد منهم يعد نفسه جنديا معبأ لنصرة الدين والتبشير به والمجادلة عنه، أسوة بإمام الدعاة، وسيد الهداة، محمد رسول الله؛ دعا أبو بكر عثمان، وأسلم عمر على يد خباب، وآمن أبو ذر بتفهيم علي، وما كان شيء من الإذاية والإرهاق ليصرفهم عن كلمة حق يقولونها، أو دعوة إلى الله يدعونها، فالدنيا في نظرهم فانية وما عند الله خير وأبقى للأبرار، و(أن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم أو مما طلعت عليه الشمس) كما ورد في الحديث.

والتاريخ يحدثنا عن أثر الدعاية في نشر الدين وتكثير سواد المؤمنين، فكم من قبيلة اعتنقت الإسلام، وشعب انتظم في سلكه، لا بدماء مراقة، ولا بأرواح مزهقة، ولكن بألسنة وهبها الله حسن التعبير، وحباها لطف الإبانة، فنفذت منها الألفاظ الطيبة إلى القلوب وانطلقت منها الأقوال الصائبة إلى العقول ? "... فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [الروم: 30].

وما أحوج الإسلام اليوم إلى دعاة مهرة مخلصين من طراز معاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، يبشرون ولا ينفرون، وييسرون ولا يعسرون، ويدمغون الأباطيل ويدرؤون الشبهات فقد كثر الكائدون للإسلام وتعددت وسائلهم لتشويه محاسنه، وقلب حقائقه، وبذر الشكوك والريب في نفوس الضعفاء من أبنائه، ? " يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [التوبة: 32].

ومن دون ريب ستكون مهمة هؤلاء الدعاة شاقة، وتكاليفهم عسيرة لأنهم سيقاتلون في ميدانين ويجادلون عدوين، عدو من الخارج بلغ به التعصب الديني والسلالي إلى الدرجة التي يرى معها محاربة الإسلام قربة إلى الله وزلفى، وعدو من الداخل ضرره أشد، وجرحه أنكى، ولكن الإيمان والصبر يذللان كل العقاب ويمهدان كل السبل مهما حفتها المخاطر، وانبثت فيها الأشواك.

الشرط الأساسي للنجاح أن يعطي الدعاة أمثلة عالية من أنفسهم على النبل والكمال ? "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3)" [الصف: 2-3] فيعظم إيمانهم بربهم، ويشتد نشاطهم في الدعوة إلى طريقه وتستقيم سيرتهم، ويتوفرون على وسائل الإقناع الحديثة، ويجتنبوا الطرق العقيمة القديمة، فما كان لإنسان القرن العشرين أن يقتنع بالمنطق اليوناني، ولا بالجدل الكلامي، وفي القرآن - والحمد لله - من وسائل الإقناع الطبيعي والفطري ما يفحم كل مريب ويقطع لسان كل متخرص  ".. وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ " [العنكبوت43]
ولا ريب أن مجلة (دعوة الحق) ستسد ثلمة طالما أقضت مضاجع المهتمين بمصير الإسلام في المغرب العربي والراغبين في الدفاع عنه والمنافحة، وهي من حسنات أمير المؤمنين محمد الخامس أكبر الغيورين على الإسلام والمفكرين في تجديد شبابه، والمحافظة على كنوزه وذخائره، وعسى أن يلتف حولها العلماء والأدباء المشبعون بحب الملة الحنيفة السمحاء، حتى تستطيع أن تؤدى رسالتها على الوجه الأكمل، ولتكن خطتهم في العمل هي تلك التي نهجها الله لهم بقوله :"
ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " [النحل: 125]

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here